رواية طوفان الجارحي الفصل الحادي عشر 11 كامل | بقلم نون
#طوفان_الجارحي
#الفصل_الحادي_عشر
وصلت السيارة للشاليه وكان المكان صغيراً متواضعاً يقع على حافة صخرية تطل على البحر مباشرة بعيداً عن العيون
أوقف الضابط الذي عرفا أن اسمه رشدي السيارة وساعد زين هو و شمس على النزول الذي فقد نصف وعيه من الإرهاق والحمى.
قال رشدي وهو يفتح باب الشاليه
هتلاقوا سرير ومطبخ صغير وحمام المكان متوضع بس أمان
الدكتور صاحبي هيوصل خلال ساعة اسمه دكتور فاروق راجل شريف وهساعدكم
نظرت شمس لرشدي بامتنان عميق وقالت بصوت متهدج
ربنا يجازيك خير يا رشدي بيه أنت أنقذتنا
هز رشدي رأسه ببساطة وقال قبل أن يغادر
استريحوا.. وأنا هرجع بكرة أطمن عليكم
غادر رشدي وأغلق الباب خلفه وساد صمت عميق لم يقطعه سوى صوت أمواج البحر في الخارج.
ساعدت شمس زين على الاستلقاء فوق السرير الصغير وجلست بجواره على حافة الفراش وهي تتأمل وجهه الشاحب المنهك.
كان يتنفس بصعوبة وجبهته تتصبب عرقاً بارداً من الحمى.. وشفتاه الجافتان تتحركان بكلمات غير مفهومة.
نهضت شمس بسرعة وذهبت للمطبخ الصغير.. بحثت حتى وجدت وعاء صغيراً ملأته بالماء البارد.. والتقطت قطعة قماش نظيفة.. وعادت لتجلس بجواره.
غمست القماش في الماء وعصرتها.. ثم بدأت تمسح جبهته برفق شديد.. وكأنها تلمس طفلاً مريضاً وليس الرجل الذي أذلها وأرعبها قبل أيام قليلة.
فتح زين عينيه ببطء شديد.. ورأى وجهها المنحني فوقه.. والضوء الخافت يرسم هالة ذهبية حول شعرها المبعثر.
همس بصوت مبحوح
شمس..؟
ابتسمت له ابتسامة دافئة رغم الإرهاق وقالت
نعم يا زين
حاول أن يبتسم لكن الألم شوّه ملامحه.. ومد يده المرتجفة ليمسك يدها التي تمسح جبهته.. وأبقاها في قبضته الضعيفة.
قال بصوت يخرج بصعوبة
ليه يا شمس..؟ ليه فاضلة معايا؟
أنا الراجل اللي أهانك.. اللي سجنك في قصره.. اللي هددك بأمك.. ليه متكرهينيش وتبعدى؟
سكتت شمس للحظة.. وشعرت بدموعها تتجمع في عينيها رغماً عنها.
قالت بصوت خافت
كنت بكرهك فعلاً.. كنت بتمنى موتك.. بس لما شوفتك وأنت بتحميني و لما شوفتك بتنزف وبتقاوم عشان تنقذني..
لما سمعتك بتهلوس باسمي وأنت فاقد الوعي
عرفت إنك مش الوحش اللي كنت فاكراه.. عرفت إنك إنسان متألم زيي بالظبط
نظر لها زين بعيون لامعة ببريق غريب.. بريق لم تره فيها من قبل.. ليس بريق السلطة والغرور.. بل بريق رجل يرى النور لأول مرة بعد سنوات في الظلم
قال بصوت مخنوق
أنا عمري ما حد قالي الكلام ده.. عمري ما حد شافني إنسان.. كل الناس شافوا فيا الفلوس والسلطة والخوف
بس أنتي.. أنتي الوحيدة اللي شفتي الحقيقة
رفعت شمس يده لخدها.. وأغمضت عينيها وهي تشعر بدفء كفه رغم الحمى
ودموعها تنساب بصمت على وجهها.
همست
والحقيقة إيه يا زين؟
رد بصوت كالهمس
الحقيقة إني كنت ميت من جوه وأنتي جيتي عشان تحييني.
فتح زين عينيه أكثر ونظر حوله في الشاليه الصغير.. ثم عاد ينظر لشمس التي ما زالت تمسك يده بحنان.
قال بصعوبة
فاكرة أول يوم دخلتيلي المكتب؟ كنتي مبلولة من المطر وشعرك ملزق في وشك
وكنتي بترتعشي زي العصفورة
بس عينيكي.. عينيكي كانت فيها نار.. نار التحدي.. نار البنت اللي مش هتنكسر
ابتسمت شمس رغم دموعها
وأنت كنت واقف قدامي زي جبل من الثلج كل حاجة فيك كانت بتقول انا هدمرك
بس أنا كنت مصممة أقاوم مكنتش عارفة إني هقع في حبك بدل ما أقاومك
اتسعت عينا زين بذهول حقيقي
حب..؟ أنتي بتقولي إيه يا شمس؟
احمر وجه شمس رغم الموقف وحاولت سحب يدها لكنه أمسكها بقوة أكبر.
قالت بارتباك
أنا.. أنا مش عارفة.. بس اللي حاساه ده مش شفقة ولا خوف ده حاجة تانية
حاجة بتخليني مش قادرة أتنفس لما بشوفك بتتألم حاجة بتخليني أحس إن قلبي مش ملكى لما بتبعد عني
سحبها زين نحوه برفق حتى اقترب وجهها من وجهه
ورغم ضعفه.. كانت نظراته قوية وعميقة كالبحر الذي يهدر في الخارج.
قال بصوت أجش
أنا زين الجارحي الراجل اللي الكل بيخاف منه و الراجل اللي كان مبيحسش
بس أنتي يا شمس.. أنتي قلبتي كل حاجة جوايا.. أنتي خليتي قلب الحجر ينبض
أنتي مش بس أنقذتيني من الموت.. أنتي أنقذتيني من نفسي
اقترب وجهه من وجهها أكثر.. حتى لامست جبهته جبهتها.. وأنفاسهما تختلط في المسافة الضيقة بينهما.
همس
قوليها تاني يا شمس.. قولي إنك حبيتيني.. عايز أسمعها منك عاوز اتاكد انى صاحي.. مش بهلوس
ابتلعت شمس ريقها بصعوبة وقلبها يدق بعنف جنوني.. ونظرت في عينيه الرماديتين
قالت بصوت يرتجف
بحبك يا زين الجارحي.. بحبك رغم كل حاجة.. رغم إنك طوفان مدمر
رغم إنك أخدت حريتي
بحبك لأنك مستعد تحارب العالم كله عشان تحمي اللي بتحبه
وبحبك لأن قلبي مبقاش يعرف ينبض من غيرك
أغمض زين عينيه للحظة وكأنه يحاول استيعاب كلماتها.. ثم فتحهما ونظر لها بنظرة مليئة بالعشق
قال بصوت مبحوح
هقولك تانى ياشمس حياتي خطر..
ردت بإصرار
عارفة.. وبرضه بختارك.. بختار الطوفان.. بختار إني أغرق معاك أحسن ما أعيش على الشط من غيرك.
مد زين يده الضعيفة ولمس خدها برفق ومسح دموعها بإبهامه
كانت قلوبهما تدق بإيقاع واحد وأنفاسهما تتداخل والعالم كله يختفي من حولهما
لامست شفتيه شفتاها برفق شديد في قبلة خجولة مترددة قبلة فيها كل الألم والحب والخوف والأمل
قبلة عاشقين في قلب الجحيم يعرفان أن الموت يطاردهما لكنهما يختاران الحياة في تلك اللحظة
أمسك زين رأسها بيده المرتجفة وشعرت شمس بالدموع تنساب على خديها
ثم انفصلا ببطء.. وظلا ينظران لبعضهما في صمت وابتسامة خجولة
أمسك زين يدها ورفعها لشفتيه وقبلها بحنان وقال
قلبك ده أمانة عندي يا شمس.. وأنا هصونه بحياتي.. حتى لو هحرب الدنيا كلها
وفجأة.. قطعت اللحظة بينهم صوت طرقات على الباب.
انتفضت شمس برعب.. ونظر زين للباب بعيون يقظة رغم إنهاكه.
جاء صوت من الخارج
أنا دكتور فاروق.. رشدي بعتني
تنفست شمس ونهضت لتفتح الباب.. دخل رجل ستيني يحمل حقيبة طبية.. ونظر لزين الملقى على السرير بقلق.
قال وهو يفتح حقيبتة
إنتو اتأخرتوا كتير.. الجرح ده كان هيضرك لو فات يوم كمان
جلست شمس بجوار زين وأمسكت يده .. وهو ينظر لها بعيون مليئة بالحب..
وتحمّل ألم التنظيف والخياطة بصمت رجولي.. لا لشيء إلا لأن عيناها كانتا تمنحانه قوة
بعد ساعة.. انتهى الدكتور فاروق من عمله وأعطى زين حقنة مضاد حيوي ومسكن قوي.
قال للشمس وهو يغادر
هينام كتير بسبب الدوا.. خليه يرتاح ويشرب سوائل.. وأنا هرجع بكرة أغير الضمادة
ربنا يستر عليكوا يا ولاد.. رشدي حكالي حكايتكوا.. وأنا معاكم للآخر
شكرته شمس بحرارة.. وأغلقت الباب خلفه.
عادت لزين الذي بدأت عيناه تنغلقان من تأثير المسكن.. جلست بجواره وسندت رأسها على حافة السرير بجوار يده.
همس لها قبل أن ينام
شمس
ردت بهمس
نعم يا زين
قال بصوت نعسان
متسبينيش.. وأنا نايم.. ابقي جنبي
ابتسمت وقبلت يده برفق
مش هسيبك يا طوفاني.. نام واحلم بينا.. وأنا هسهر أحرسك
وأغمض زين عينيه بسلام.. للمرة الأولى منذ سنوات.. ونام وهو يشعر بأمان حقيقي.. لأن شمسه معاه
لكن بينما كان زين يغرق في نوم عميق.. وشمس تحرسه بعيون ناعسة..
كان هاتف رشدي يرن برقم مجهول..
**يتبع فى الفصل الثاني عشر **