📁 آحدث المقالات

رواية عريس الغفلة كاملة من الفصل الاول للاخير | أماني السيد

 تُعد رواية عريس الغفلة كاملة من الفصل الاول للاخير من الروايات التي لاقت انتشارًا واسعًا بين عشاق القصص الرومانسية والاجتماعية، حيث تجمع بين الكوميديا والمواقف المفاجئة في إطار درامي مشوق. وقد ازداد البحث مؤخرًا عن رواية عريس الغفلة لما تحمله من أحداث غير متوقعة تجعل القارئ متشوقًا لمعرفة تطورات القصة.

تدور أحداث رواية عريس الغفلة أماني السيد حول مواقف طريفة ومفاجآت غير محسوبة تغير مجرى حياة الأبطال، مما يجعلها من أكثر الروايات جذبًا للقراء. كما يبحث الكثيرون عنها بصيغ مختلفة مثل رواية عريس الغفلة كاملة ورواية عريس الغفلة من الفصل الاول للاخير لمتابعة جميع التفاصيل والأحداث بشكل كامل.

إذا كنت تبحث عن رواية عريس الغفلة كاملة من الفصل الاول للاخير | أماني السيد، فستجد هنا  في موقع حكايتنا حكايه كل الفصول مرتبة بشكل منظم وسهل القراءة، لتستمتع بتجربة قراءة ممتعة مليئة بالإثارة والتشويق. 

رواية عريس الغفله كاملة
بقلم امانى السيد

رواية عريس الغفلة كاملة

رواية عريس الغفلة من الفصل الاول للاخير

أحداث رواية عريس الغفلة أماني السيد

جالنا عريس من عيله غنيه واهلى رحبوا بيه وقرروا إنه يكون من نصيب اختى لانهم شايفينها حلوه ودلوعه والعز يليق عليها
بس الصدمه لما العريس دخل البيت وقتها ملامحهم كلها اتغيرت لما شافوه ولاقوه قاعد على كرسى متحرك وفى شخص بيذق العريس
حاولوا اهلى يتمالكوا نفسهم قصاد اهله وعرفونى على العريس وقالولوا عروستك اهى بصيت لاهلى وأنا فى حايه من الزهول ولسه هتكلم لقيت مامتى شدتنى ودخلت معايا الاوضه
أول ما دخلت الأوضة، أمي رزعت الباب وراها بكل قوتها، كأنها خايفة الفضيحة تطلع بره.. لفت ليا وشها اللي كان من شوية منور بالفخر ومن كتر ما هي شايفة نفسها على الناس، وفجأة الملامح دي اتمسحت وبقت عبارة عن رعب وكسرة عين.. همست بصوت مخنوق وهي بتغرس ضوافرها في دراعي: “سمعتي يا بت؟ قال عروستك أهي! مش لأختك دلوعة البيت.. ليكي أنتي يا فالحة!”.
رجعت خطوة لورا وجسمي كله بيترعش، عقلي مش قادر يستوعب اللي بيحصل.. صورة العريس وهو قاعد على الكرسي ومشلول مابتفارقش خيالي، افتكرت نظرة بابا اللي كان عينه في الأرض، ونظرة أختي اللي كانت مرعوبة وفجأة ارتاحت وخدت نفسها، كأنها كانت في غرقة وطلعت منها.. بصيت لأمي وقلت بصوت بيقطع: “يا ماما أنتي بتقولي إيه؟ ده عريس جاي لأختي، أنتم اللي قعدتوا تقولوا العز يليق عليها وهي اللي تستاهل البشاوات.. أنا ذنبي إيه؟”.
قربت مني تاني وحاولت تهدي صوتها اللي كان طالع زي فحيح التعبان، وقعدت تملس على شعري بحنية مزيفة وقالت: “يا حبيبة قلب أمك، أنتي عارفة إحنا بنحبك قد إيه وعايزين مصلحتك.. العريس ده لقطة، ده يغرقنا في فلوسه، وعيلته ناس واصلة، يعني هتعيشي في عز عمرك ما حلمتي تشميه حتى”.
قطعت كلامها بحدة والدموع خلاص بدأت تغرق وشي: “عز إيه يا ماما؟ أنتي مش شايفة حالته؟ ده قاعد على كرسي متحرك! وفيه واحد هو اللي بيحركه! ده محتاج ممرضة مش زوجة!”.
فجأة لهجة أمي اتغيرت خالص، وبقت قاسية زي الحجر، بصت في عيني وقالت بجمود: “اسمعي يا بت، العريس ده مش هيترفض.. أنتي شايفة حال البلد والغلا اللي إحنا فيه، وإحنا مابقيناش حمل مصاريفك ولا مصاريف أختك.. ده باب رزق واتفتح لنا كلنا، مش هضيعيه بجهلك وأنانتيك

هتتجوزيه يعني هتتجوزيه”.
وقفت مكاني مصدومة، كنت ببص لأمي وكأني أول مرة أشوفها في حياتي.. هي دي الأم اللي كانت بتقول بتضحي عشاننا؟ هل معقول بتبيع سعادتي ومستقبلي عشان شوية فلوس؟ حسيت بخنقة كأن حد بيطبق على زوري، وقلت بصوت مش طالع: “يعني أنتي عايزة ترميني الرمية دي عشان هو غني؟!”.
ردت عليا ببرود يقتل: “الجواز مش حب ومحن يا بنتي، الجواز ستر واستقرار، والعريس ده هيخليكي هانم وكل طلباتك مجابة.. فكري في مصلحة أهلك، إحنا محتاجين السند ده، وده الحل الوحيد”.
روحى ظبطى وشك كده واخرجيلنا .
مسحت دموعي بضهر إيدي وقمت وقفت وأنا بلملم شتات نفسي.. مكنش ينفع أفضل محبوسة في الأوضة والبيع والشرا شغال عليا بره وكأني حتة جماد ملوش رأي. أول ما فتحت الباب، جالي صوته من الصالة، كان عالي وحاد، ملوش علاقة خالص بضعف جسمه ولا بالكرسي اللي هو قاعد عليه.
كان بيقول لآخره وهو بيبص لبابا وعمي: “أنا مش فاهم أنتم بتعملوا إيه؟! أنا جيت هنا وشاورت على أختها.. أنا مش عايز عفاف، ولا هي دي اللي دخلت دماغي! أنتم فاكرين عشان قاعد على كرسي هتمشوا كلامكم عليا وتجوزوني بمزاجكم؟!”.
وقفت في طرقة البيت، جسمي كله بيترعش من الإهانة.. كمل هو بلهجة فيها سمّ وهو بيبص ناحية أوضتي: “وبعدين العروسة اللي أنتم بتقدموهالي دي.. لا شكل ولا قبول، واحدة باين عليها الهمّ والفقر من قبل ما تنطق.. أنا لو كنت عايز ممرضة كنت أجرتها بفلوسي، لكن أنا جاي أتجوز ست تملى العين وتليق بمقامي ومقام عيلتي.. مش دي!”.
الكلمات نزلت عليا زي السكاكين، كنت شايفة نظرات أهلي اللي بقوا زي “العرايس الماريونيت” قدام فلوسه، وبابا اللي كان لسه من شوية بيقنع أمي بيا، بقى واقف مش عارف ينطق، وعينه في الأرض من كسرة النفس قدام جباروته
وقفت في طرقة البيت، جسمي كله بيترعش من الإهانة.. كمل هو بلهجة فيها سمّ وهو بيبص ناحية أوضتي: “وبعدين العروسة اللي أنتم بتقدموهالي دي.. لا شكل ولا قبول، واحدة باين عليها الهمّ والفقر من قبل ما تنطق.. أنا لو كنت عايز ممرضة كنت أجرتها بفلوسي، لكن أنا جاي أتجوز ست تملى العين وتليق بمقامي ومقام عيلتي.. مش دي!”.
الكلمات نزلت عليا زي السكا.كين، كنت شايفة نظرات أهلي اللي بقوا زي “العرايس الماريونيت” قدام فلوسه، وبابا اللي كان لسه من شوية بيقنع أمي بيا، بقى واقف مش عارف ينطق، وعينه في الأرض من كسرة النفس قدام جباروته.
خرجت من الطرقة بخطوات ثابتة عكس اللي جوايا تماماً، وقفت قدامه والكل سكت فجأة.. بصيت في عينه مباشرة، مكنتش شايفة فيه العجز اللي في جسمه، كنت شايفة سواد قلبه.. قلت له بصوت هادي ومرعب في نفس الوقت: “عندك حق.. أنت فعلاً مش محتاج زوجة، أنت محتاج مراية تشوف فيها حقيقتك قبل ما تتشرط على بنات الناس”.



 ↚

ساد صمت قاتل في الصالة، الكل حبس أنفاسه، بابا وعمي وشهم جاب ألوان، وأمي كانت واقفة ورا الباب ميتة في جلدها من الخوف لا يضيع “الكنز”. “مراد” بص لي بنظرة برود غريبة، ضيق عينه وهو بيتفحصني من فوق لتحت وكأني بضاعة رخيصة بتطاول على سيدها.
سكت لحظة، وبعدين ضحك ضحكة صفرا هزت أركان المكان، ضحكة مليانة سخرية ووجع في نفس الوقت، وقال بصوت واطي بس مسموع للكل: “مراية؟.. هه، حلوة دي.. باين عليكي لسانك طويل كمان، مش بس فقرة وقليلة الحيلة”.
لف كرسيه ناحية بابا، وشاور بصباعه السبابة وكأنه بيدي أوامر لعساكر عنده: “اسمع يا حاج.. أنا مش جاي هنا أتهان في بيتك، ولا جاي أسمع كلمتين من واحدة مكنتش أحلم أبصلها أصلاً لو كنت بتمشى على رجلي.. أنا جيت عشان نسايب، وطلبت أختها الحلوه دي، اللي تليق بمقامي ومقام عيلتي.. مش دي!”.
بصيتله عفاف والنار اللي في قلبها اتحولت لثبات غريب، مابقتش شايفة الكرسي ولا الفلوس، كانت شايفة قدامها شخص “عاجز” فعلاً بس في روحه مش في جسمه. ضحكت ضحكة خفيفة خلت “مراد” يبرق بعينه باستغراب،


وقفت قدامه بالظبط وقالت بصوت زي الرصاص:

“خلصت كلامك يا ابن الأكابر؟.. اسمع بقى عشان الكلمتين دول هيفضلوا رنين في ودنك العمر كله.. أنت فاكر إن بفلوسك وجاهك تقدر تشتري بني آدمين؟ أنت فعلاً جيت تطلب أختي عشان هي ‘حلوة ودلوعة’ زي ما بتقول، بس الحقيقة إنك كنت بتدور على ‘فاترينة’ تداري وراها نقصك، كنت عايز حد يمثل معاك دور السعادة وأنت من جواك محطم.”
خدت نفس وكملت وهي بتبص لأهلها بقرف وترجع تبصله: “بتقول عليا وشي يقطع الخميرة وشكلي همّ؟.. الهمّ الحقيقي هو اللي أنت عايش فيه، إنك شايف الناس بأسعارها مش بقيمتها. أنت لو كنت بتمشي على رجلك كنت هتبقى مجرد شخص مغرور، لكن وأنت على الكرسي ده وبأخلاقك دي، أنت بقيت ‘عالة’ على الإنسانية قبل ما تبقى عالة على اللي بيذقك.”
صوته حاول يطلع بس هي قاطعته بحدة: “أنا اللي مش قابلاك! وأنا اللي بقولك إن بيتي ده، رغم فقره، طاهر عن إنه يدخله شخص زيك بيقايض وجعه بقلة أدبه. أختي اللي أنت عايزها دي ‘ست البنات’ في نظرنا، بس خسارة فيك حتى تبص لخيالها، لأنك ببساطة ‘قليل’.. قليل أوي يا مراد بيه، وأي دهب في الدنيا مش هيغطي السواد اللي مالي قلبك.”
لفت وشها لباباها وقالت بجمود: “يا ريت تفتح الباب للبيه يا بابا، عشان ريحة الكبر والتعالي بدأت تخنقني في بيتنا.”


 ↚
سكتت عفاف وسابت الصالة كلها في حالة ذهول، “مراد” كان وشه محقون بالدم، وعروق إيده بارزة وهو كابس على يد الكرسي، كأنها أول مرة في حياته حد يقطعه ويجرد كبرياءه بالشكل ده.
عفاف كانت فاكرة إن مراد مشي خلاص، لكن الحقيقة إنه كان بيخطط لرد اعتباره بطريقة تانية خالص. “مراد” مش من النوع اللي ينسى الإهانة، والكلمتين اللي عفاف قالتهم “علقوا” في دماغه وقرر إن الرد لازم يكون في بيتها ووسط أهلها.
أول ما مراد رجع، بابا عفاف فتح الباب وهو مرعوب، ودخل مراد الصالة تانى بكرسيه، ووشه عليه ابتسامة باردة تخوف. بص لبابا عفاف وقال بصوت واثق: “أنا مابرجعش في كلمتي يا حاج.. البنت دي لسانها محتاج يتقص، وأنا اللي هقصه.. أنا عايز عفاف، والمهر اللي كنت دفعه لأختها، هضاعفه تلات مرات لعفاف.”
أمي وبابا عينيهم لمعت أول ما سمعوا سيرة الفلوس والمهر المضاعف. أمي جريت على الأوضة وشدت عفاف من إيدها وخرجتها الصالة وهي بتقول: “تعالي يا وش السعد، البيه شريكي وعايزك أنتي بالذات.”
عفاف وقفت مصدومة، وبصت لمراد بقرف وقالت: “أنت فاكر إن فلوسك هتخليني أوافق؟ أنا قلت لك مستحيل!”
هنا بدأ الضغط الحقيقي.. بابا عفاف قرب منها وبصوت واطي ومرعب قال: “اسمعي يا بت.. إحنا غرقانين في الديون، والفرصة دي مش هتيجي تاني. لو رفضتي، لا أنتي بنتي ولا أعرفك، وهرميكي في الشارع بالهدوم اللي عليكي.”
أمي كملت وهي بتمثل العياط: “يا بنتي ارحمينا، أختك لسه قدامها العمر، لكن أنتي مين هيبصلك؟ وافقي واستريني واستري أبوكي وأختك.. ده عز يا عفاف، عز مش هيتكرر.”
عفاف كانت بتبص لهم بذهول، مش مصدقة إن أهلها بيبيعوها بالرخص ده لواحد لسه مهينهم من شوية. بصت لمراد لقته قاعد ببرود، بيشرب قهوته ومتابع “المسرحية” وهو مستمتع بكسرة عينها قدام أهلها.
مراد شاور بصباعه وقال: “قدامك عشر دقايق يا عفاف.. يا توافقي دلوقتي والمأذون يجي بكرة، يا إما هسحب عرضي وهخلي عيلتكم دي تمشي تلم الفكة من الشوارع.. اختاري.”
الضغط زاد، باباها مسك دراعها بقوة وهو بيجز على سنانه: “وافقي يا عفاف.. وافقي بدل ما أخلي ليلتك سودة.”
عفاف حست إن الدنيا بتلف بيها، مفيش مفر، أهلها اللي المفروض يكونوا سندها هما اللي بيزقوها للنار. بصت لمراد وقالت بمرارة وصوت مخنوق: “ماشي.. موافقة.. بس افتكر كويس إنك اشتريت جثة، لكن روحي وعقلي مستحيل هتطولهم.”
مراد ابتسم ابتسامة نصر خبيثة وقال: “مبروك يا عروسة.. وبكرة في بيتي هعرفك إن اللي بيشري الجثة، بيعرف يطوع الروح بطريقته.”
يوم الفرح مكنش فيه زغاريد ولا طبل وزمر زي ما عفاف كانت بتحلم طول عمرها.. كان “فرح ضيق” في صالة البيت، يدوب المأذون والشهود وأهلها اللي وشوشهم كانت مكشوفة من الفضيحة بس عينيهم بتلمع من الفلوس اللي قبضوا تمنها.
مراد كان قاعد بكرسيه في نص الصالة، لابس بدلة شيك جداً بس ملامحه كانت زي الجليد. عفاف خرجت بعباية بيضاء بسيطة، وشها شاحب وكأنها رايحة تتعدم. أول ما قعدت جنبه، مراد ميل عليها وهمس بصوت واطي مسمعهوش غيرها: “افردي وشك ده.. الناس بتتفرج على ‘البيعة’ الغالية اللي اشتريتها، مش عايز حد يقول إن بضاعتي معيبة.”
عفاف بصتله بكرة وقالت من تحت ضرسها: “أنا مش بضاعة يا مراد بيه.. وأظن المأذون جاي يكتب كتاب، مش جاي يثمن جارية.”
المأذون بدأ يقرأ، وكل كلمة كانت بتنزل على قلب عفاف كأنها مسمار في نعشها. باباها كان قاعد “وكيلها”، وبص لها بحدة وهو بيمضي، وكأنه بيحذرها تفتح بقها أو تبوظ الجوازة. أول ما المأذون قال “بارك الله لكما وبارك عليكما”، عفاف حست بروحها بتتسحب منها.
مراد طلع “رزمة” فلوس واداها لبابا عفاف قدام الكل، حركة كانت مقصودة عشان يذل عفاف ويأكد لها إنها فعلاً “مباعة”. باباها خد الفلوس بلهفة وخباها في جيبه، ومنطقش ولا كلمة دفاع عن بنته.
مراد شاور للشاب اللي معاه وقال بلهجة آمرة: “شيل الشنط.. يلا بينا على القصر، مش عايز أفضل هنا دقيقة زيادة.”
عفاف قامت تقبل إيد أبوها وأمها من باب الواجب، بس حست إن إيديهم باردة.. أمها همست لها في ودنها: “اسمعي الكلام يا بنتي، بكرة يلين وتعيشي هانم، ادعي لنا بالبركة في القرشين اللي جالنا.”
عفاف سابت إيدها بقرف وبصت لمراد اللي كان مستنيها عند الباب بابتسامة سخرية، وكأنه بيقول لها: “شوفتي أهلك باعوكي بكام؟”. خرجت وراه وهي حاسة إن البيت اللي اتربت فيه بقى غريب عنها، وإن اللي جاي هو السجن اللي مراد صممه لها بالملي.


 ↚



أول ما باب القصر اتقفل عليهم، “مراد” اتغيرت ملامحه تماماً، الابتسامة الباردة اختفت وحل مكانها نظرة حادة زي الموس. شاور بإيده للمساعد بتاعه إنه يخرج ويسيبهم، وبمجرد ما الباب اتقفل، لف بكرسيه ناحية عفاف اللي كانت واقفة عند الباب، متمسكة بشنطة هدومها وكأنها طوق نجاة.
مراد اتكلم بصوت هادي بس فيه نبرة آمرة: “ارمي الشنطة دي من إيدك يا عفاف.. مفيش داعي للخوف المصطنع ده، أنتي خلاص بقيتي ملكي، والفلوس اللي أهلك خدوها تمن كافي جداً عشان تسيبي الدلال اللي كنتي فيه.”
عفاف رفعت راسها وبصتله بعين بتلمع بالقهر بس فيها كبرياء: “أنا مابخافش من حد يا مراد بيه.. والخوف ده مخلفتوش في بيت أبويا عشان أجيبه هنا. أنا بس مستغربة إزاي واحد زيك بفلوسه وعزه، محتاج يشتري ‘واحدة وشها يقطع الخميرة’ زي ما قلت، عشان يكسر نفسها.”
مراد ضحك ضحكة قصيرة وسخرية: “أنا اشتريت ‘اللسان’ اللي طول عليا.. وعايز أشوفه وهو بيبوس الإيد اللي بتأكله. اسمعي بقى، القصر ده فيه نظام، وأنتي من اللحظة دي المسؤولة عني.. مش عشان أنا عاجز، لأ، عشان أذل الكبرياء اللي شوفتوا في عينيكي يومها.”
شاور بصباعه على الأرض قدامه: “قربي هنا.. ميعاد الدوا بتاعي جه، وأنتي اللي هتديهولي، ومن النهاردة أنتي اللي هتساعديني في كل حاجة، من أول لبسي لحد أكلي.. عايزك تحسي بكل لحظة أنتي فيها ‘خدامة’ بلقب زوجة، عشان تعرفي مقامك كويس.”
عفاف قربت بخطوات تقيلة، بس عينيها كانت لسه ثابتة في عينيه: “هعمل اللي يرضي ربنا فيك، مش عشان خايفة منك، ولا عشان فلوسك.. هعمله عشان أنا بنت أصول وبعرف يعني إيه حق الزوج حتى لو كان جبار زيك. بس افتكر يا مراد بيه، إنك تقدر تأمر جسمي يتحرك، لكن عمرك ما هتطول ‘عفاف’ اللي جوه.. دي بعيدة عنك أوي.”
مراد اتعصب من ثباتها، ومسك إيدها بقوة وجذبها ناحيته لحد ما وشها بقى قصاد وشه بالظبط: “هنرى يا عفاف.. هنرى مين فينا اللي نَفَسُه أطول. الأيام اللي جاية هعلمك فيها الأدب اللي أهلك فشلوا يعلموهولك، وهخليكي تتمني نظرة رضا واحدة مني وما تلاقيهاش.”
ساب إيدها فجأة وقال بحدة: “الدوا في الدرج اللي هناك.. هاتي الكوباية وجهزي الجرعة، ومن غير كلام كتير.. السهر لسه في أوله.”
عفاف راحت ناحية الدرج وهي حاسة بكسرة في قلبها بس ملامحها زي الحجر، مابينتش أي ضعف. طلعت شريط الدواء وصبت كوباية المية، ورجعت وقفت قدامه. مدت إيدها بالدواء وهي بتبصله بنظرة خالية من أي مشاعر، لا كره ولا حب، مجرد “واجب” بتأديه.
مراد مد إيده عشان ياخد الدواء، بس بدل ما يمسك الكوباية، مسك معصم إيدها وضغط عليه بكل قوته، وهو عينه بتلمع بتحدي قذر: “عارفة يا عفاف.. أنتي دلوقت بقيتي ملكي، يعني لو قلت لك اقعدي في الأرض تحت رجلي، هتقعدي. ولو قلت لك ممنوع تنامي الليلة، مش هتنامي. أنتي فاهمة ولا لسه فاكرة إنك في بيت أبوكي؟”
عفاف محبتش تشد إيدها عشان ما يحسش إنه وجعها، وفضلت بصاله بمنتهى الثبات وقالت ببرود: “أنا فاهمة كويس إنك دافع تمن ‘جسد’ بيتحرك قدامك.. لكن السيادة اللي أنت بتدور عليها دي مش هتلاقيها عندي. أنت عايز ‘كسرة’ في عيني؟ انساها يا مراد بيه، لأن اللي زيي بيعرفوا يفرقوا بين خدمة المريض وذل النفس.”
مراد اتنرفز من ردها، ساب إيدها فجأة لدرجة إن المية اتدلقت على هدومها، وقال بزعيق: “انتي لسه بتهرتلي؟! مريض مين؟! أنا مش مريض يا روح أمك.. أنا مراد الألفي اللي الدنيا كلها بتعمله ألف حساب! اطلعي غيري هدومك المبلولة دي، والشنطة اللي في الطرقة دي تترمي في الزبالة.. من بكرة هتلبسي اللبس اللي أنا اخترتهولك، لبس يليق بـ ‘خدّامة’ في قصر الألفي.”
عفاف بصت لهدومها المبلولة، وبعدين بصت له وقالت بكلمة واحدة هزت ثباته: “تمام.. حاضر.”
دخلت الأوضة اللي شاور عليها، وقفلت الباب وراها، وسندت ضهرها عليه وهي بتنهج.. دموعها كانت خلاص هتخونها، بس حبستها. فتحت الدولاب لقت فعلاً لبس “يونيفورم” ممرضات وشغالات، ألوان كئيبة وقماش خشن، مراد كان مرتب كل حاجة عشان يوجع أنوثتها ويحسسها إنها مجرد آلة.
لبست الهدوم ووقفت قدام المراية، ومسحت وشها وقالت: “عايزني خدامة يا مراد؟ هبقى أحسن خدامة شفتها في حياتك.. بس الخدامة دي هي اللي هتعلمك إن العجز الحقيقي مش في الرجلين، العجز في القلب اللي مابيعرفش يرحم.”
خرجت له تاني وهي لابسة “اليونيفورم”، مراد أول ما شافها ضحك بسخرية وقال: “أيوة كده.. دلوقت بس بقيتي في مقامك الحقيقي. تعالي بقى، اقلعيلي الجزمة دي.. ميعاد الراحة جه، وعايز أشوف هتنفذي أوامري إزاي.”
عفاف نزلت على الأرض بهدوء، وبدأت تفك رباط الجزمة وهي حاسة إن كرامتها بتداس، بس كانت بتدعي في سرها: “يا رب قويني على اللي جاي”.





 ↚



نزلت عفاف على الأرض، ركبتها لمست السجاد الفخم اللي كان أنعم من الحرير، بس ملمسه كان بيحرقها كأنه جمر نار. بدأت تفك رباط جزمة “مراد” وإيدها بتترعش بسيط، مش خوف، لكن قهرة من الوضع اللي أهلها رموها فيه.
مراد كان ساند ضهره، باصص لها من فوق بنظرة انتصار وتشفي، وكأنه بيشرب من كاس كرامتها اللي بيحاول يكسره. قال بصوت واطي ومستفز: “ايه يا ست عفاف؟ فين اللسان اللي كان بيطول في بيت أبوكي؟ مبردش ليه؟ ولا الهدوم دي عرفتك مقامك الحقيقي بسرعة؟”
عفاف ماردتش، فضلت مركزة في اللي بتعمله، خلعت الجزمة وحطتها على جنب بنظام، وقامت وقفت وهي بتمسح إيدها في اليونيفورم الخشن. بصت له وقالت بجمود يحسده عليه الصخر: “خلصت؟ في أوامر تانية يا ‘سيد’ القصر؟”
مراد ضيق عينه، الثبات ده كان بيجننه، كان مستنيها تعيط، تصرخ، تترجاه يرحمها، لكنها كانت زي الجبل. قال بحدة: “سيد القصر؟.. هه، ماشي يا لسان العقرب. ادخلي الأوضة اللي جنب أوضتي، الباب يفضل موارب، وأي خبطة على الكومودينو عندي ألاقيكي واقفة فوق راسي.. أنا نومي خفيف، ومش عايز أستنى ثانية واحدة.”
عفاف لفت ولسه هتمشي، نادى عليها بصوت عالي: “عفاف!”.
وقفت مكانها من غير ما تلتفت: “نعم؟”.
مراد بلهجة خبيثة: “عارفة.. أختك ‘الدلوعة’ كانت زمانها دلوقت نايمة في حرير، بس أنتي نصيبك الخدمة.. نامي كويس عشان بكرة يومك طويل أوي.”
دخلت عفاف أوضتها، قفلت الباب نص قفلة زي ما أمر، ورمت نفسها على السرير الصغير اللي كان أشبه بسرير المستشفيات. غمضت عينها والدموع أخيراً غلبتها، نزلت بصمت وهي بتفتكر نظرة أبوها وهو بياخد رزمة الفلوس.
الفجر لسه مأذنش، وفجأة سمعت صوت خبط عالي ومنتظم على الخشب. قامت مفزوعة، قلبها بيدق، جريت على أوضته لقت الدنيا ضلمة، وهو قاعد في نص السرير، ملامحه مش باينة بس صوته كان طالع فيه نهجان غريب.
عفاف بخضة: “في إيه؟ أنت كويس؟!”.
مراد بصوت مكتوم ومليان غل: “هاتي مية.. ورجلي.. وجعاني أوي.. ادعكيها.”
عفاف قربت منه، لقت وشه عرقان رغم الجو الساقع، شكت إن الوجع حقيقي مش مجرد ذل. قعدت على طرف السرير وبدأت تعمل له مساج لرجله، وهي حاسة بجسمه مشدود زي الوتر.
مراد وهو بيجز على سنانه: “اضغطي جامد.. مش عايز أحس بالخدر ده.. أنتي فاهمة؟!”.
عفاف وهي بتكمل بهدوء: “اهدى يا مراد.. الوجع ده نفسي أكتر ما هو عضوي.. أنت محتاج تهدا عشان العصب يرتخي.”
مراد سحب رجله بعنف وزقها بعيد: “انتي هتفهمي أكتر من الدكاترة؟! متمثليش دور الحنينة، أنتي هنا عشان تنفذي وبس!”.
عفاف وقفت وبصت له في الضلمة، شافت في عينه لحظة ضعف انكسرت بسرعة وداراها بالجبروت. قالت له بصوت هادي: “أنا مش بمثل.. أنا بس شايفة واحد بيتوجع، والوجع مابيعرفش لا غني ولا فقير.. هروح أجيب لك مية بليمون تهدي أعصابك.”
وهي خارجة، سمعت مراد بيهمز لنفسه وراها: “مش هكسرك يا عفاف.. هخليكي أنتي اللي تطلبي الرحمة.”
عفاف خرجت المطبخ وهي حاسة إن القصر ده مش بس جدرانه عالية، ده السكوت اللي فيه بيخنق. عملت كوباية مية بليمون دافية ورجعت الأوضة، لقت مراد لسه زي ما هو، ساند راسه لورا ومغمض عينه بوجع، والعرق مغرق جبينه.
قربت منه بالراحة، وحطت الكوباية على الكومودينو وقالت بصوت هادي: “اشرب دي.. هتهدي أعصابك شوية عشان تعرف تنام.”
مراد فتح عينه، كانت حمرا من كتر ما هو ضاغط على أعصابه، بص للكوباية وبعدين بص لها وقال بسخرية مريرة: “انتي فاكرة إن شوية مية وليمون هينسوني القهرة اللي أنا فيها؟ ولا فاكرة إنك كده بتعملي جميلة؟”
عفاف ماردتش عليه، مسكت الكوباية وقربتها من بقه: “اشرب وأنت ساكت يا مراد.. الوجع ملهوش كبير، وأنت دلوقتي محتاج تهدا.”
مراد لسبب ما ممانعش، شرب الكوباية كلها وهو بيبص في عينها، كان بيحاول يلاقي فيها لحظة شماتة، لكن ملقاش غير ثبات غريب وهدوء بيستفزه أكتر ما بيريحوه. أول ما خلص، شد إيده بعنف وقال: “خلاص.. اطلعي بره، مش عايز أشوف وشك لحد الصبح.”
طلعت عفاف، واليوم اللي بعده بدأ بضربة جرس الباب.. كانت المفاجأة إن أهلها (أبوها وأمها وأختها الدلوعة) جايين “يتحمدوا لها على السلامة” أو بالأصح جايين يشوفوا العز اللي بنتها بقت فيه.
مراد كان قاعد في الصالة الكبيرة، لابس قميص أسود شيك جداً، وشاور لعفاف تخرج تقابلهم وهي بـ “اليونيفورم” بتاعها. أول ما شافوها، أمها برقت وقالت بصدمة: “إيه اللي أنتي لابساه ده يا عفاف؟ أنتي هانم القصر، ليه لابسة لبس الشغالين؟!”
مراد ضحك ضحكة هزت المكان وقال ببرود: “أصل بنتكم حبت تبدأ من الصفر يا ست حماتي.. حبت تعرف مقامها وتتعلم الأصول اللي نقصت في بيتكم. مش كده يا عفاف؟”
عفاف وقفت وسطهم، كانت شايفة نظرة الشماتة في عين أختها، ونظرة الطمع في عين أبوها اللي كان بيبص على التحف والرخام، ومفكرش يسأل بنته مالك أو ليه وشك باهت كده.
أختها قالت بدلع مستفز: “يا حرام يا عفاف.. ده أنا كنت فاكرة إنك هتعيشي هانم وتلبسي من أغلى الماركات، أتاريكي بقيتي ممرضة خصوصي للمراد بيه.”
عفاف بصت لأختها وقالت بكلمتين حرقوا دمها: “المقام في القلب يا حبيبتي، مش في اللبس.. وأنا هنا في مقام الزوجة اللي بتصون بيتها وجوزها، مش اللي بتدور على المنظرة.”
مراد اتضايق إنها لسه عندها لسان ترد، فحب يزود الجرعة.. نادى عليها بصوت عالي قدامهم: “عفاف! روحي هاتي لي الجزمة عشان خارج، ولمعيها كويس قدام أهلك عشان يشوفوا شطارتك.”
أبوها وأمها وقفوا مذهولين، وعفاف نزلت فعلاً تحت رجليه وبدأت تلمع الجزمة قدام أهلها اللي باعوها.. مراد كان بيبص لأبوها وقال له: “شوفت يا حاج؟ بنتك مطيعة أوي.. الفلوس اللي دفعتها فيها حلال فعلاً.”
عفاف رفعت راسها وبصت لمراد في عينه، وقالت له بصوت واثق: “الطاعة للي يستاهلها يا مراد بيه.. وأنا بعمل كده عشان أثبت لك إنك مهما عملت، مش هتعرف تكسرني قدام حد، بالعكس، أنت اللي بتبان صغير أوي وأنت بتحاول تذل واحدة بقيت شايلة اسمك.”
أهلها مشوا وهما مش عارفين يودوا وشهم فين من كتر الإحراج، ومراد فضل قاعد مكانه، الكلمة اللي قالتها “أنت اللي بتبان صغير” فضلت ترن في ودنه وتأكله من جوه.

 ↚



بعد ما أهلها مشوا، ساد سكون غريب في القصر.. “مراد” فضل قاعد على كرسيه في نص الصالة الواسعة، باصص للفراغ، والكلمة اللي عفاف رمتها في وشه لسه بترن في ودنه زي الجرس: “أنت اللي بتبان صغير أوي وأنت بتحاول تذل واحدة شايلة اسمك”.
كان فاكر إنه لما يذلها قدام أهلها هيحس بنشوة النصر، لكن اللي حصل كان العكس تماماً.. حس بقرف من نفسه، وبقرف أكتر من أبوها اللي كان باصص للفلوس والرخام وناسي دمعة بنته. بص لعفاف وهي لسه واقفة بعيد، ملامحها هادية بس عينيها فيها لمعة وجع مكتوم، لابسة “اليونيفورم” الخشن اللي هو اختارهولها عشان يهين أنوثتها، ومع ذلك كانت واقفه بشموخ غريب.
مراد بصوت واطي ومفهوش النبرة الحادة بتاعة كل مرة: “عفاف.. اطلعي اقلعي الهدوم دي وارميها في الزبالة.”
عفاف بصتله باستغراب، ومتحركتش من مكانها: “نعم؟.. أنت مش قلت إن ده مقامي وده لبسي؟ إيه اللي اتغير؟”
مراد لف كرسيه واداها ضهره وقال بنرفزة دارى بيها ارتباكه: “قلت لك ارميها! خلاص.. اللعبة دي مابقتش ممتعة.. ادخلي البسي حاجة تليق بيكي، وتعالي عشان عايز أتكلم معاكي.”
طلعت عفاف وهي مش فاهمة ماله، ولبست فستان بسيط ومحتشم من لبسها القديم اللي كانت جايباه معاها، ونزلت لقت مراد قاعد في الجنينة ورا، باصص للزرع والورد في الضلمة.
قربت منه بهدوء وقعدت على كرسي بعيد شوية، مراد سكت فترة وبعدين قال بمرارة: “أنا مكنتش كده يا عفاف.. الحادثة اللي قعدتني على الكرسي ده مكسرتش رجلي بس، دي كسرت روحي.. شوفت الناس بتبص لي بشفقة، وشوفت اللي كان بيطمع فيا، واللي كان بيخاف مني.. فقررت أبقى وحش عشان مفيش حد يجرؤ يشفق عليا تاني.”
بص لها بصدق لأول مرة: “أنا لما جيت بيتكم، كنت عايز أشتري ‘جمال’ أداري بيه عجزي.. ولما أنتي وقفتي قدامي، استخسرت فيكي القوة دي، وقررت أكسرك عشان أثبت لنفسي إني لسه مسيطر.. بس الحقيقة، أنتي اللي سيطرتي بأخلاقك وثباتك.”
عفاف حست بقلبها بيوجعها عليه، مش شفقة، لكن إنسانية.. قالت له بصوت حنين: “القوة مش إنك تذل اللي أضعف منك يا مراد.. القوة إنك تواجه عجزك بقلب راضي. أنت ربنا ميزك بفلوس وعقل، ليه تحصر نفسك في الكرسي وتنسى إن روحك لسه بتقدر تطير؟”
مراد سكت، وبص لإيده اللي كانت بتترعش، عفاف مدت إيدها وحطتها على إيده بحذر.. المرة دي مراد مشدش إيده، بالعكس، كأنه كان محتاج اللمسة دي من سنين.
قال بصوت مبحوح: “تفتكري ممكن حد يحب مراد الألفي وهو في الحالة دي؟ من غير فلوسه ومن غير جبروته؟”
عفاف ابتسمت بوقار وقالت: “الحب مابيتشريش يا مراد.. الحب بيتبني بالمعاملة والرحمة.. ولو بدأت ترحم نفسك، الناس هتبدأ ترحمك وتحبك بجد.”
مراد فضل باصص لإيد عفاف اللي ساندة على إيده، وساد سكون غريب في الجنينة، مكنش فيه صوت غير حفيف الشجر ونبضات قلبه اللي بدأت تدق بسرعة لأول مرة من سنين.. بس فجأة، سحب إيده ببطء وهو بيحاول يستعيد “قناع” الجمود بتاعه، بس المرة دي مكنش فيه قسوة، كان فيه ارتباك.
قال بصوت واطي: “كفاية كلام النهاردة يا عفاف.. اطلعي ارتاحي، وبكرة.. بكرة هنبدأ صفحة تانية، مش ممرضة وزبون، ولا جارية وسيدها.. هنحاول نكون ‘بشر’ بيتعاملوا مع بعض.”
طلعت عفاف أوضتها وهي حاسة بنصر حقيقي، مش نصر انتقام، لكن نصر “إنسانة” قدرت تلمس روح شخص كان فاكر إن قلبه مات. نامت ليلتها وهي مرتاحة لأول مرة، ومن غير دموع.
الصبح صحيت على ريحة قهوة وطبخة غريبة في البيت، نزلت لقت مراد قاعد في الصالة، ولأول مرة مكنش لابس القميص الأسود الكئيب، كان لابس لبس كاجوال مريح، ووشه فيه “نور” هادي.
مراد بص لها وابتسم ابتسامة خفيفة: “صباح الخير.. طلبت فطار مخصوص ليكي، فطار شعبي من اللي كنتي بتحبيه في بيت أهلك.. فول وطعمية سخنة.”
عفاف وقفت مذهولة: “أنت عرفت منين إني بحب الأكل ده؟”
مراد ضحك: “مش مهم عرفت منين.. المهم إننا هنفطر مع بعض على السفرة دي، كزوج وزوجة.. ومن غير ‘يونيفورم’ ومن غير أوامر.”
قعدوا يفطروا، والجو كان مليان دردشة هادية، مراد بدأ يحكي لها عن طفولته، وعن أحلامه اللي ضاعت بعد الحادثة، وعفاف كانت بتسمع بقلبها قبل ودنها. فجأة جرس الباب رن.. المساعد بتاع مراد دخل ومعاه “بوكس” هدايا كبير.
 ↚
مراد شاور لعفاف: “ده ليكي.. افتحيه.”
فتحت عفاف الصندوق، لقت فيه مجموعة فساتين قمة في الرقة والشياكة، وألوان مبهجة جداً، ومعاهم طقم دهب رقيق أوي.. بصت لمراد وعينها دمعت: “ليه كل ده يا مراد؟”
مراد قرب بكرسيه منها ومسك إيدها: “عشان أعتذر.. عشان أقولك إن عفاف تستاهل تلبس دهب وتعيش في عز بجد، مش عز ‘الكسرة’ اللي كنت عايز أعيشهولك.. أنا عايزك جنبي يا عفاف، مش عشان تخدميني، عشان تسنديني.. تفتكري تقدري تسامحيني على اللي فات؟”
عفاف كانت لسه هترد، بس فجأة الباب خبط تاني بقوة، ودخلت أختها “الدلوعة” وهي بتعيط ومنهارة، وبتقول: “الحقيني يا عفاف! بابا في القسم، والديون اللي مراد سددها طلعت جزء صغير بس، وأصحاب الديون الباقيين هجموا على البيت!”
عفاف بصت لمراد برعب، ومراد ملامحه رجعت حادة تانى، بس المرة دي عشان “يحميها” مش عشان “يؤذيها”.
عفاف وقفت مكانها مصدومة، مش عارفة تفرح بتغير مراد ولا تزعل على حال أهلها اللي مبيخلصش من المشاكل. أختها كانت بتولول وتخبط على صدرها: “الحقينا يا عفاف، البوليس جه خد بابا، والناس واقفة تحت البيت بتشتم، إحنا اتفضحنا يا أختي!”
مراد بص لأختها بنظرة حادة خلتها تسكت فجأة، وكأنه رجع “مراد الألفي” الجبار، بس المرة دي كان جبار في حماية مراته. لف كرسيه وبص لعفاف اللي دموعها كانت قريبة، وقال بصوت هادي وواثق: “اهدي يا عفاف.. اللي بتعيط دي كانت من كام يوم بتشمت فيكي وأنتي نازلة تحت رجلي، وأبوكي اللي في القسم ده هو اللي قبض تمنك كأنك بضاعة.”
عفاف بصوت مخنوق: “عارفة يا مراد.. وعارفة إنهم غلطوا في حقي كتير، بس في الآخر ده أبويا، ودي أختي.. مش هقدر أشوفهم بيتهانوا وأنا قاعدة في العز ده.”
مراد سكت لحظة، وبعدين بص للمساعد بتاعه وقال بلهجة آمرة: “كلم المحامي فوراً، يروح القسم ويشوف الديون دي كام ويدفعها بالمليم.. ويخلص إجراءات خروج الحاج.”
أختها بدأت تضحك وسط دموعها وتحاول تقرب من مراد عشان تشكره بـ “دلع”، بس مراد شاور لها بإيده إنها تقف مكانها: “اسمعي يا شاطرة.. أنا مش بعمل كده عشان سواد عيونكم، ولا عشان أنتم نسايبي.. أنا بعمل كده عشان خاطر ‘عفاف مراد الألفي’.. عشان مش عايز حاجة تنكد عليها ولا تعكر صفوها.”
بص لعفاف وكمل بصرامة: “بس عندي شرط.. الديون هتتدفع، والبيت هيفضل ليهم، بس مفيش حد فيهم يدخل القصر ده تاني، ولا ليكي علاقة بيهم لحد ما يتعلموا يعني إيه ‘أصول’ ويعرفوا قيمة البنت اللي باعوها.”
عفاف بصت لمراد بامتنان كبير، حست إنه فعلاً بقى سندها.. وبصت لأختها وقالت بجمود: “سمعتي يا ‘دلوعة’؟.. روحي طمني بابا وأمي، وقوليلهم إن عفاف هي اللي أنقذتكم للمرة التانية.. بس المرة دي، عفاف قفلت بابها على نفسها وعلى جوزها اللي صانها لما أنتم خذلتوها.”
أختها خرجت وهي مكسوفة ومقهورة، ومراد قرب من عفاف ومسك إيدها، وقال بحنان لأول مرة: “دلوقتي بس الجو فضي لنا.. مش عايز أشوف دموع في عينيكي تاني، أنا عايزك تركزي معايا أنا وبس.. تفتكري هنقدر نبدأ رحلة علاج سوا؟ أنا سمعت عن دكاترة بره ممكن يساعدوني أقف على رجلي تاني، بس كنت فاقد الأمل.. دلوقتي، الأمل رجع بيكي.”
عفاف ابتسمت وسط دموع الفرح وقالت: “أنا معاك يا مراد.. وهفضل جنبك لحد ما تمشي على رجلك وتلف بيا الدنيا كلها.”
عدت الشهور وعفاف فضلت جنب مراد، مش بس كزوجة، دي كانت الروح اللي بترد فيه الحياة كل ما ييأس. مراد بدأ فعلاً يهتم بالعلاج الطبيعي، وكان بيضغط على نفسه عشان خاطر نظرة الفخر اللي بيشوفها في عين عفاف كل ما يحرك صباع واحد من رجله.
وفي يوم، مراد مسك إيد عفاف وقال لها بصوت كلو ثقة: “عفاف، أنا حجزت في أكبر مستشفى في ألمانيا.. المحامي خلص كل الورق، وإحنا مسافرين الأسبوع الجاي. مش عايز أرجع مصر غير وأنا واقف على رجلي وماسك إيدك وبنتمشى سوا.”
سافروا فعلاً، وفي الغربة، عفاف كانت هي “العكاز” الحقيقي لمراد. كانت بتسهر جنبه في المستشفى، وبتقويه في جلسات العلاج الطبيعي المؤلمة، ولما كان بيصرخ من الوجع، كانت بتهمس له: “استحمل يا مراد.. أنا مستنياك تقوم وتملى عليا الدنيا.”
جنينة واسعة ومخضرة، والشمس طالعة بتنور المكان.
عفاف واقفة بعيد شوية، لابسة فستان رقيق أوي وطرحة بيضاء، وماسكة كاميرا بتصور الورد.. وفجأة سمعت صوت خطوات منتظمة وهادية وراها.
لفت وشها ببطء، ودموع الفرح بدأت تلمع في عينيها.. مراد كان واقف قدامها، لابس بدلة شيك جداً، وواقف “على رجليه” من غير كرسي، ومن غير عكاز، ومن غير مساعدة حد.
مراد قرب منها بخطوات ثابتة، الابتسامة المرة دي كانت حقيقية وطالعة من القلب، مسك إيد عفاف وباسها بحنان وقال: “وعدتك إني مش هرجع غير وأنا ماشي على رجلي.. ووعدتك إني هعوضك عن كل لحظة وجع شفتيها بسببي.”
 ↚
عفاف بصت له بذهول وسعادة مش قادرة توصفها: “أنت بجد واقف قدامي يا مراد؟ بجد مابقتش محتاج الكرسي؟”
مراد ضحك وشالها ولف بيها وسط الجنينة وهو بيقول بعلو صوته: “أنا مابقتش محتاج الكرسي يا عفاف، بس هفضل محتاجلك أنتي طول عمري.. أنتي اللي قومتيني لما الدنيا كلها كانت شيفاني عاجز، وأنتي اللي علمتيني إن الحب والكرامة هما اللي بيخلوا البني آدم يمشي، مش رجليه.”
نزلها الأرض وبص في عينيها وقال بجدية: “عفاف.. أنا هبني لك أكبر مستشفى علاج طبيعي في مصر، وهنسميها ‘مستشفى عفاف مراد الألفي’، عشان كل واحد فقد الأمل يعرف إن فيه معجزات بتحصل بالحب والصبر.”
عفاف حضنته بقوة، وفي اللحظة دي حست إن كل الوجع اللي فات، وكل الإهانة اللي شافتها من أهلها ومن مراد في الأول، كان التمن البسيط عشان توصل للحظة السعادة دي.. لحظة ما مراد الألفي بقى “إنسان” بجد بفضل قلبها.
تمت.




حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
0
SHARES
📲
تطبيق حكايتنا
تحميل التطبيق الآن
تحميل