اكتشف العديد من القراء قصة أنا اكتشفت إن جوزي متجوز عليا بقاله سنتين بقلم روماني مكرم، وهي قصة صادمة مليئة بالتقلبات والمفاجآت التي لن تتوقع نهايتها. تبدأ الأحداث باكتشاف البطلة لحقيقة صادمة تغير حياتها تمامًا، مما يجعل القارئ يعيش معها كل لحظة من الحيرة والغضب والحزن.
تتناول القصة مواضيع الغدر والخيانة، وكيف يمكن للشخص مواجهة الصدمة والتغلب على الصعاب، بأسلوب سردي مشوق يعكس براعة الكاتب روماني مكرم في بناء الحبكة والشخصيات، ويجعل القارئ متشوق لمعرفة كل تفاصيل القصة حتى النهاية.
إذا كنت تبحث عن رواية أنا اكتشفت إن جوزي متجوز عليا بقاله سنتين كاملة أو ترغب في متابعة جميع الفصول بالتفصيل، فستجد هنا كل ما يخص الرواية من أحداث مترابطة وقصة مشوقة تبقيك على أطراف مقعدك حتى آخر كلمة.
انا اكتشفت النهارده بالصدفة إن جوزي متجوز عليا بقاله سنتين، وأنا ماكنتش أعرف أي حاجة.
وهو نايم، جات له رسالة على الموبايل، ومن هنا بدأت أشك، ولما فتحت الرسائل لقيت إنها زوجته التانية، وفي كلام بينهم بيوضح إن بينهم بيت وحياة كاملة، وفي طفل كمان
فهمتك تماماً، التجربة بتبقى أصعب وأقوى بكتير لما تطلع بلسان اللي عاش الوجع. خليني أعيد صياغة المشهد الأول من وجهة نظر “سلوى” بنفس الروح اللي طلبتها، ومن قلب اللحظة اللي الدنيا فيها اسودت في عينيها.
حكايات روماني مكرم: الخـ,ـيانة الهادية (الجزء الأول)
كانت الساعة واحدة بالليل. البيت هسس، مفيش غير صوت دقات الساعة اللي بحسها بتدق فوق راسي. “عصام” جوزي كان نايم جنبي، ملامحه هادية لدرجة تستفز الحجر، نايم نوم الظالم اللي مبيفكرش في اللي بيعمله.
“يا حبيبي.. ياسين ابني سخن أوي ومش راضي ينام، مش هتيجي تشوفه؟ البيت وحش من غيرك بقالك يومين.”
الكلمات بدأت ترقص قدام عيني. “ياسين”؟ “بيتنا”؟ “حبيبي”؟ حسيت ببرودة غريبة بتسري في جسمي، كأن د.مي اتحول لتلج. بدأت أدخل على الشات، قلبي كان بيدق في وداني لدرجة إني مكنتش سامعة نفسي.
سنتين! سنتين كاملين وهو عامل لنفسه حياة تانية، شقة تانية، وصور ماليين بيها الشات.. صورته وهو شايل طفل نسخة منه، بيبـ,ـوسه وبيلعب معاه، نفس الضحكة اللي بيضحكها مع ولادي هنا، كان بيضحكها هناك.
رسايل عن إيجار البيت، عن خروجات، عن تفاصيل يوم كامل أنا مكنتش أعرف عنه حاجة.حكايات رومانى مكرم
بصيت لوشه وهو نايم.. الراجل ده أنا عشت معاه 10 سنين، كنت فاكرة إني حافظة تفاصيل هدومه، ريحة عطرُه، حتى طريقة نفسه وهو نايم. إزاي قدر يمثل الدور ده كله؟
إزاي كان بييجي من عندها، يدخل بيتي، يحـ,ـضن ولادي، وياكل من لقمتي وهو شايل في قلبه سر يهد.م جبال؟
كنت عايزة أصرخ، أمسكه من رقبتُه وأصحيه أقوله “ليه؟”، “قصرت معاك في إيه؟”. الد.موع كانت محبوسة في زوري كأنها شوك. بس فجأة، لقيت إيدي بترجع الموبايل مكانه بالظبط. مسحت وشي وقمت من جنبه من غير ولا صوت.
دخلت المطبخ، قعدت في الضلمة على الأرض. مابكيتش.. الغريب إني مابكيتش. حسيت بوجع أقوى من العياط، وجع بيخلي الواحد يهدأ لدرجة تخوف.
فتحت النور، مسكت ورقة وقلم، وبدأت أكتب أسماء كل حاجة نملكها، كل قرش خبيته معاه، كل تضحيــ .ــة ضحيت بيها عشان “بيتنا” اللي اكتشفت إنه كان “بيته هو بس”.
#الكاتب_رومانى_مكرم
قلت لنفسي بصوت واطي: “بقالك سنتين بتلعب يا عصام؟ تمام.. من النهاردة اللعب هيبقى على أصُوله، بس المرة دي أنا اللي هحط القوانين.”
طلعت الشمس، بس بالنسبة لي كان الفجر لسه مأذنش في قلبي. قمت جهزت الفطار لولادي كأني آلة، لبستهم ووديتهم المدرسة، وبـ,ـوستهم بلهفة وكأني خايفة يضيعوا مني في وسط المتاهة دي.
“عصام” صحي، مد ايده يطبطب على كتفي وهو خارج، حسيت بكهربا في جسمي، قرف، ووجع.. بس رسمت على وشي الابتسامة الباردة اللي اتدربت عليها طول الليل.
“مالك يا سلوى؟ وشك أصفر ليه؟” سألني وهو بيعدل الكرافتة قدام المراية، نفس المراية اللي شافتني وأنا بزوقله نفسي طول سنين.
قلتله بصوت ثابت يمرجح جبال: “مفيش يا حبيبي، شوية صداع بس.. روح أنت شغلك ومتقلقش.”
أول ما قفل الباب، الدنيا لفت بيا. قعدت على أقرب كرسي ونفست عن بركاني بصرخة مكتومة في المخدة. بس الصرخة مبردتش نــ ــاري.
مسكت الموبايل، وصورت كل “سكرين شوت” أخدتها بالليل من موبايله وبعتها لنفسي، ومسحت كل أثر من جهازي.
بدأت رحلة البحث. الاسم اللي شفته في الرسائل كان “هبة”. عرفت أوصل لعنوانها من تفاصيل رسايل “أوبر” اللي كان بيبعتها لها. ركبت تاكسي ورحت للعنوان.. حي هادي، عمارة نضيفة، وفي المدخل شفت عربيته!
العربية اللي قالي إنه بايعها عشان يكمل تمن أرض لينا، طلعت مركونة تحت بيت “الست التانية”.
وقفت بعيد، وشفتها.. شفت “هبة” وهي نازلة وشايلة “ياسين”. طفل صغير، نسخة مصغرة من عصام، بيضحك نفس ضحكته. في اللحظة دي، حسيت إن السـ,ـكينة اللي في ضهري لفت ودبـ . حتني بجد.
هي كانت بتبتسم، ملامحها هادية، وكأنها متعرفش إن سعادتها مبنية على أنقاض حياتي.. أو يمكن تعرف ومش فارق لها.
رجعت البيت، وقعدت مع نفسي. الست الضعيفة اللي جوايا كانت عايزة تروح تشدها من شعرها وتفـ,ـضح عصام في وسط الشارع.
بس “سلوى” الجديدة، اللي اتولدت في ضلمة المطبخ بالليل، قالتلي: “الوجع اللي بجد، هو اللي بيتاخد على نــ ــار هادية.”
فتحت درج المكتب، طلعت عقود الشقة، وتوكيل عام كان عاملهولي من سنين عشان أدير أملاك والده. اكتشفت إنه كان بيسحب من رصيدنا المشترك مبالغ دورية.. مبالغ كانت بتتحول لحساب “مجهول”.
بالليل، رجع عصام ومعاه شنطة فاكهة وضحكة عريضة.
“سلوى، أنا بفكر نطلع مصيف الأسبوع الجاي، العيال محتاجين يغيروا جو.” بصيت له في عينه مباشرة، وطولت النظر أوي لحد ما ارتبك.
قلتله: “والله يا عصام؟ ولا عشان ياسين ابنه سخن ومحتاج يغير جو هو كمان؟”
الشنطة وقعت من إيده، والفاكهة اتطوحت على الأرض. ملامحه اتخطفت، والد.م هرب من وشه. اللحظة اللي كان فاكر إنها مش هتيجي أبدًا، كانت بتخنق أنفاسه دلوقتي.
حكايات رومانى مكرم “سلوى.. أنتِ فاهمة غلط.. والله هفهمك..” صوته كان مهزوز، طالع من حنجرة ناشفة. ضحكت ضحكة قصيرة، باردة، خلت جسمه يقشعر.
“فاهمة إيه غلط يا عصام؟ إن ياسين مش ابنك؟ ولا إن بقالك سنتين فاتح بيت تاني بفلوسي وشقايا وتنازلاتي؟ ولا إنك كنت بتنام جنبي وأنت لسه طالع من حـ,ـضن واحدة تانية؟”
قرب مني يحاول يمسك إيدي، رجعت خطوة لورا بقرف كأني شايفة كائن غريب.
“ملمسنيش.. إيدك دي اللي طبطبت على ياسين وباست أمه، متمسنيش تاني.
↚
قعد على الكرسي وهز راسه بين إيديه، وبدأ يمثل دور الضحيــ .ــة اللي حافظه: “هي اللي جرت رجلي.. كنت وحيد، كنت مضغوط من طلبات البيت والعيال، وهي ريحتني.. بس والله ما بحبها زيك، أنتِ الأصل يا سلوى.”
“الأصل؟” الكلمة كانت بتتحـ,ـرق في بقي. “الأصل اللي سـ,ـرقت ورثها عشان تفرش شقة الست اللي ريحتك؟ الأصل اللي كنت بتكذب عليها وتقولها الشغل متأخر وأنت بتلعب مع ابنك التاني؟”
طلعت من شنطتي ورقة، وحطيتها قدامه على الترابيزة بكل هدوء. كانت كشف حساب البنك اللي سحبه الشهور اللي فاتت، وصورة من عقد الشقة التانية اللي قدرت أوصل لبياناته.
“اسمع يا عصام.. الند.م والد.موع دي وفرها لنفسك. أنا مش “سلوى” الطيبة اللي كانت بتصدق إنك سهران في الاجتماعات. أنا دلوقتي الست اللي هتاخد حقها وحق ولادها تالت ومتلت.”
بص للورق وبدأ وشه يقلب للون الخوف الحقيقي. “أنتِ ناوية على إيه يا سلوى؟ هتفضحيني؟ هتخربي البيت؟”
قربت منه وهمست في ودنه: “البيت اتخرب من سنتين يا حبيبي.. يوم ما قررت إننا مش كفاية عليك. الفضـ,ـيحة سهلة، بس أنا عايزة “حقي”. الشقة اللي باسمك هناك، تتنازل عنها لولادي هنا.
والأرض اللي قلت إنك بعتها، ترجعلي قيمتها كاش.. دلوقت.” “أنتِ بتبتزيني؟” قالها وهو بيقوم مفزوع.
سابني ودخل الأوضة وقفل على نفسه. وأنا؟ رجعت المطبخ، عملت لنفسي كوباية شاي، وقعدت أشربها وأنا ببص للسما من الشباك. الوجع لسه موجود، بس الإحساس بالقوة كان بيدي للوجع طعم مختلف.
طلعت شمس يوم جديد، بس كانت شمس باردة مفيش فيها دفا. عصام خرج من الأوضة وشكله كأنه كبر عشر سنين في ليلة واحدة.
عينه كانت مطفية، وهدومه اللي كان دايماً بيتباهى بشياكتها كانت مبهدلة، كأن جبل وقع عليه وهدّ حيله.
بصلي وأنا قاعدة بفطر ولادي وبضحك معاهم وكأن مفيش بركان انفجر بالليل. نظراته كانت مزيج من الرعب والذهول.. إزاي الست اللي كان فاكر إنه كاسر عينها بلقمته وقادر يغفلها بسنين، قادرة تمثل الثبات ده؟
“سلوى.. ممكن كلمة في الأوضة؟” قالها بصوت شرقان.
دخلت وراه وقبل ما ينطق، كنت حاطة شروط المـ,ـوت الرحيم قدامه: “المحامي مستنينا الساعة 12.
التنازل عن نصيبك في شقة الزوجية لولادي، وعقد شقة (التجمع) اللي باسمك هناك يتنقل ليا أنا شخصياً كتعويض عن صبري وقرفي. غير كدة، فلاشة الصور والمكالمات هتكون عند أهلك وأهلها في خلال ساعة.”
هز راسه باستسلام غريب: “حاضر.. هعمل اللي أنتِ عايزاه، بس بلاش الفضيحة.. بلاش تخربي بيتي التاني، ياسين ملوش ذنب.”
ضحكت بمرارة: “وياسين اللي هنا؟ ومالك؟ وأنا؟ كان ذنبنا إيه وإحنا بنصدق تمثيلياتك؟ اللي ملوش ذنب يحافظ على أهله يا عصام، مش يروح يبني لغيرهم قصور على جـ,ـثثنا.”
رحنا للمحامي. شفته وهو بيمضي على “مـ,ـوته” بإيده. كل ورقة كان بيمضيها كانت حتة من جبروته بتنهار. لما خلصنا وخرجنا من المكتب، وقف قدامي في الشارع وسألني بكسـ,ـرة: “خلاص كدة؟ ارتحتي؟
هترجعي البيت نربي ولادنا وننسى اللي فات؟”
بصيت له من فوق لتحت وقلتله: “أنا لسه مبدأتش يا عصام. التنازلات دي تمن سكوتي بس، مش تمن مسامحتي. أما الرجوع.. فده قرار لسه في إيدي أنا، مش في إيدك أنت.”
سيبته واقف في نص الشارع ورحت لمكان هو متخيلش أبداً إني ممكن أروحه. رحت لعنوان “هبة”.
خبطت على الباب، وفتحتلي وهي شايلة الطفل. كانت ملامحها بريئة لدرجة تستفزني، بس النـ,ـار اللي جوايا كانت أهدى بكتير من إني أغلط فيها.
“أنتِ مين؟” سألتني باستغراب.
ابتسمت ببرود وقلت لها: “أنا سلوى.. صاحبة البيت التاني اللي عصام كان بياخد منه عشان يبني لك هنا. أنا اللي جاية أقولك إن عصام من اللحظة دي مملكش غير هدومه اللي عليه، وإن الشقة اللي أنتِ قاعدة فيها دي..
بقت ملكي أنا.”
هبة وشها جاب ألوان، والطفل بدأ يعيط في حـ,ـضنها كأنه حاسس باللي جاي. وفي اللحظة دي، تليفونها رن.. كان عصام.
↚
فتحت “هبة” الخط وهي بتبص لي برعب، وصوت عصام كان طالع من السماعة عالي ومهزوز: “هبة..
اوعي تفتحي الباب لسلوى، لو جت عندك اتصلي بالشرطة، الست دي اتجننت وعايزة تخرب كل حاجة!”
بصيت لها بابتسامة سخـ,ـرية ومديت إيدي أخدت منها الموبايل بمنتهى الهدوء.
حطيته على ودني وقلت بصوت واطي وواضح: “فات الأوان يا عصام..
أنا جوه، وبنشرب الشاي مع بعض، والورقة اللي أنت مضيتها الصبح في جيبي، يعني “هبة” وابنك دلوقتي ضيوف في شقتي أنا..
مش شقتك.”
عصام سكت تماماً، النفس انقطع من الناحية التانية، وقفل السكة.
“هبة” بدأت تترعش، نزلت الطفل على الأرض وقعدت على الكنبة وهي بتعيط: “أنا ماليش ذنب..
هو قالي إنه مطلقك، قالي إنك ست نكدية ومستحملة عشان العيال وبس، وإنه مبيطيقش يلمسك!”
ضحكت بوجع حقيقي، نفس الأسطوانة المشـ,ـروخة اللي كل خـ,ـاين بيعزفها عشان يبرر وساخته.
قلتلها: “وقالك كمان إن الشقة دي ملكك؟
وقالك إن الفلوس اللي بيصرفها هنا دي من شقاه مش من ورث أبويا اللي سـ,ـرقه؟”
طلعت لها صورة من عقد التنازل اللي لسه ممضي من ساعة.
“الشقة دي من اللحظة دي بقت باسمي..
وأنا مش جاية أرميكي في الشارع دلوقتي، أنا جاية أعرفك إن “البطل” اللي كنتِ مستندة عليه، طلع ورق..
وهش.”
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل عصام بيجري، كان بينهج وعرقه مغرق قميصه.
بص لي وبص لهبة ولابنه اللي بيعيط في الركن.
حاول يرجع هيبته وصرخ فيا: “انتي عايزة إيه تاني؟
خدتي الشقق، وخدتي الفلوس، وكسرتيني قدام المحامي..
سيبي الست دي في حالها، دي ملهاش دعوة!”
وقفت قدامه وربعت إيدي: “الست دي شريكتك في السنتين اللي ضاعوا من عمري.
والطفل ده أخو ولادي، اللي كنت بتيجي تاكل لقمته هناك عشان تأكله هنا.
أنا مش عايزة أخرب بيتها يا عصام..
أنا جاية “أبني” بيتي اللي هديته.”
بصيت لهبة وقلت لها: “عصام دلوقتي مفلس..
لا يملك شقة هنا ولا هناك، ولا يملك مليم في البنك.
لو لسه عايزاه وهو “على الحديدة”، مبروك عليكي..
شيليه.
أما أنا، فـ “عصام” اللي كان جوزي مات من سنتين، والراجل اللي قدامي ده مجرد مديون هسحب منه كل قرش لحد ما يوفي دينه.”
عصام قعد على الأرض، حط راسه بين رجله وبدأ يشهق زي العيال الصغيرة.
المنظر كان مقزز أكتر ما هو مؤلم.
“هبة” بصت له بنظرة غريبة..
مكنتش نظرة حب ولا شفقة، كانت نظرة “خوف من المستقبل” مع راجل خسر كل حاجة.
قمت وقفت، عدلت طرحتي قدام مرايتها، وقلت قبل ما أمشي: “يا ريت تجهزي نفسك يا هبة، لأن الإيجار من الشهر الجاي هيتحول لحسابي..
أو تقدري تشوفي مكان تاني يلمك أنتِ والراجل اللي “ريحك” ده.”
خرجت من الشقة وأنا حاسة إن الهوا اللي بشمه بقى أنقى.
بس وأنا نازلة على السلم، سمعت صوت خـ,ـناقة بدأت تعلى جوه..
صوت “هبة” وهي بتصرخ في عصام: “يعني إيه الشقة مابقتش ملكنا؟
يعني إيه ضحكت عليا؟”
ركبت عربيتي، وسندت راسي على الدركسيون.
كنت فاكرة إني خلصت، بس اكتشفت إن في “سر” تالت عصام مخبيه، سر مكنتش عاملة حسابه أبدًا، عرفته لما لقيت رسالة تانية جاية على تليفوني من رقم غريب..
بصيت لها بابتسامة سخـ ــرية ومديت إيدي أخدت منها الموبايل بمنتهى الهدوء.
حطيته على ودني وقلت بصوت واطي وواضح: “فات الأوان يا عصام..
أنا جوه، وبنشرب الشاي مع بعض، والورقة اللي أنت مضيتها الصبح في جيبي، يعني “هبة” وابنك دلوقتي ضيوف في شقتي أنا..
مش شقتك.”
ضحكت بوجع حقيقي، نفس الأسطوانة المشروخة اللي كل خاين بيعزفها عشان يبرر وساخته.
قلتلها: “وقالك كمان إن الشقة دي ملكك؟
وقالك إن الفلوس اللي بيصرفها هنا دي من شقاه مش من ورث أبويا اللي سـ,ـرقه؟”
خرجت من الشقة وأنا حاسة إن الهوا اللي بشمه بقى أنقى.
بس وأنا نازلة على السلم، سمعت صوت خناقة بدأت تعلى جوه..
صوت “هبة” وهي بتصرخ في عصام: “يعني إيه الشقة مابقتش ملكنا؟
يعني إيه ضحكت عليا؟”
حكايات رومانى مكرم
اللحظة دي كانت أصعب من لحظة اكتشاف الخـ,ـيانة بمراحل.
الدنيا لفت بيا، وصوت عصام وهو بيقول “بنتك عايشة” كان بيرن في وداني زي الجرس اللي بيعلن نهاية العالم اللي كنت عارفاها.
قمت وقفت وأنا مش شايفة قدامي، مسكته من هدومه بكل غل الدنيا: “بنتي فين يا عصام؟
انطق..
بنتي اللي قلت لي إنها مـ,ـاتت ودفـ,ـنتها بإيدي، وديتها فين؟”
حكايات روماني مكرم: الخـ,ـيانة الهادية
عصام كان بيترعش، ملامحه كانت بتنطق بالهزيمة الكاملة.
“نادية أخدتها وهي لسه لحمة حمراء..
كانت عايزة طفل بأي تمن، وأنا كنت مديون لها بفلوس كتير أوي وقتها، قالت لي هات البنت والديون تخلص وهفتح لك حساب بره يأمنك..
وافقت يا سلوى، كنت غبي وشيطان، بس والله نادية بتحبها ومسمياها (ليلى).”
ليلى؟
حتى اسمها غيروه!
بنتي اللي استنيتها تسع شهور، اللي كنت بكلمها وهي في بطني، طلعت عايشة وباسم تاني وفي بلد تانية.
مسكت الموبايل واتصلت بالرقم الدولي اللي بعت لي الرسالة..
↚
رن مرة واتنين، وفتحت واحدة صوتها فيه بحة تعب: “ألو؟
سلوى؟”
“أنتِ مين؟” سألتها وصوتي بيقطع.
“أنا (سارة)، ممرضة كنت شغالة مع نادية في لندن..
ضميري مأنبني من سنين يا سلوى.
نادية تعبانة أوي، داخلة في غيبوبة، والبنت (ليلى) قاعدة لوحدها مش عارفة تروح فين، وعصام بقاله شهر مبيحولش مليم ومبيفكرش غير في نفسه وفي هبة.”
قفلت السكة وبصيت لعصام بنظرة خلت ركبه تخبط في بعضها.
“أنت مش بس خاين يا عصام..
أنت تاجر بشر.
بعت بنتك عشان تسدد ديونك وتبني حياتك القذرة مع هبة وغيرها.”
فتحت الخزنة، أخدت الباسبورت بتاعي، والدهب اللي كنت مخبياه، وكل الفلوس الكاش اللي في البيت.
“أنت هتعملي إيه؟” سألني وهو بيحاول يمنعني.
“هسافر أجيب بنتي..
وأنت، قسماً بالله يا عصام لو حاولت تمنعني أو تبلغ عني، لهتكون ليلتك الأخيرة في الدنيا دي قبل ما تدخل السجــ .
ــن.”
نزلت من البيت وجريت على المطار.
طول الطريق كنت حاسة إن “نور” بتنادي عليا.
مكنتش بفكر في هبة، ولا في الشقة، ولا في الفلوس اللي ضاعت.
كنت بفكر في الطفلة اللي عندها 7 سنين، اللي متعرفش إن أمها الحقيقية لسه بتبكي عليها كل ليلة قدام صورتها وهي بيبي.
وصلت لندن، الدنيا كانت برد ومطر، بس النــ ــار اللي في قلبي كانت مدفياني.
وصلت للعنوان اللي سارة الممرضة بعتتهولي..
بيت هادي وجميل، بس ريحة الوجع طالعة من جدرانه.
خبطت على الباب، وفتحت لي بنت صغيرة..
عينيها..
نفس عيني، نفس رسمة الحواجب، ونفس الشامة الصغيرة اللي جنب ودنها.
البنت بصت لي باستغراب وقالت بالإنجليزية: “Can I help you?” (أقدر أساعدك؟)
د.موعي نزلت غصب عني، نزلت على الأرض ومسكت إيدها وبـ,ـوستها: “أنا ماما يا نور..
أنا ماما يا حبيبتي.”
البنت خافت ورجعت لورا، وفي اللحظة دي طلعت “نادية” من جوه على كرسي متحرك، وشها كان شاحب كأنها جـ,ـثة.
بصت لي وقالت بضعف: “جيتي يا سلوى؟
كنت عارفة إن عصام هيغلط في يوم ويخليكي توصلي لنا..
خدي بنتك وامشي، أنا خلاص بمـ,ـوت، والسر ده كان بياكل في قلبي.”
أخدت نور في حـ,ـضني، البنت كانت مستغربة بس حست بدفا غريب خلاها تسكت.
كنت فاكرة إن الحكاية خلصت هنا، وإني هرجع ببنتي ومنصور على عصام..
بس فجأة، الباب اتفتح ودخل “عصام”!
مكنتش عارفة إزاي وصل هنا بالسرعة دي، بس نظرة عينه مكنتش نظرة أب جاي يتوب..
كانت نظرة واحد “ناوي على شر”.
“فاكرة إنك هتاخديها وتمشي ببساطة كدة يا سلوى؟” صرخ عصام وصوته هز جدران البيت.
“البنت دي هي اللي رابطة نادية بيا، وهي اللي مخلية الحسابات والفلوس باسمي هنا..
لو مشيت، نادية هتقفل الحنفيّة، وأنا مش هسمح لده يحصل.”
بصيت له بقرف ملوش حدود: “أنت لسه بتفكر في الفلوس؟
بنتك قدامك، لحمك ود.مك، وأنت بتفكر في الحسابات؟
أنت إيه؟
صنفك إيه؟”
نادية حاولت تتكلم، بس الكحة كانت بتقطع نفسها.
شاورت لعصام بإيد مرعشة وقالت بصوت طالع بالعافية: “كفاية يا عصام..
البنت من حق أمها..
أنا ذنبي كبير، ومقدرش أقابل ربنا وأنا سارقة ضنا من حضـ,ـن أمه.”
عصام اتجنن، قرب من نادية وزق الكرسي بتاعها لدرجة إنها كادت تقع، وصرخ فيها: “اسكتي أنتِ خالص!
أنتِ اللي أغرتيني بالفلوس، وأنتِ اللي خلتيني أعمل كدة..
ودلوقتي جاية تعملي فيها ولية تقية؟”
نور بدأت تصرخ وتعيط، مسكتها وحـ,ـضنتها أوي وقلت لها بالبلدي بتاعنا: “متخافيش يا نور..
أنا جنبك، مفيش حد هيلمسك طول ما أنا فيّ نفس.”
عصام طلع من جيبه ورق، ورماه في وشي: “دي أوراق رسمية بريطانية تثبت إن ليلى (نور) بنت نادية، وإن مفيش أي عـ ـلاقة تربطك بيها قانوناً..
لو فكرتي تخرجي من الباب ده، هبلغ البوليس إنك خـ,ـاطفة، وهتترمي في السجــ .
ــن وتترحلوا والبت هتفضل هنا.”
ضحكت بمرارة وطلعت تليفوني: “والتجيل اللي سجلتهولك في الصالة في مصر وأنت بتعترف ببيعك لبنتك؟
والفويسات اللي بعتتها لنادية بتساومها فيها على مصاريف البنت؟
كل ده ملوش قيمة؟”
عصام وشه جاب ألوان، وبدأ يهـ,ـجم عليا عشان ياخد الموبايل.
في اللحظة دي، نور سابت إيدي وجريت على المطبخ، ورجعت وهي شايلة “سـ,ـكينة” صغيرة كانت محطوطة على الرخامة.
وقفت قدام أبوها وهي بتترعش بس عينيها كانت كلها غضــ .
ــب: “Leave her alone!
Go away!” (سيبها في حالها!
ابعد عنها!)
المنظر كان يقطع القلب..
طفلة بتدافع عن أمها اللي لسه عارفاها من ساعة، قدام أبوها اللي باعها من سنين.
عصام اتصد.م، وقف مكانه وكأن خنـ ـجر دخل في قلبه بجد المرة دي.
“نور..
أنا بابا يا حبيبتي..” قالها بصوت مكسور.
ردت عليه بنظرة كلها كره: “You are not my father..
My father doesn’t make my mom cry.” (أنت مش بابا..
بابا مش بيخلي ماما تعيط.)
عصام وقع على الركبة، وبدأ يلطـ,ـم على وشه كالمجانين.
↚
ونادية كانت بتنازع أنفاسها الأخيرة على الكرسي.
في اللحظة دي، سمعنا صوت سارينة بوليس بتقرب من البيت..
بصيت لعصام وقلت له: “الممرضة سارة هي اللي بلغت..
واللعبة انتهت يا عصام.
يا تخرج من هنا وتختفي من حياتنا للأبد، يا إما السجــ .
ــن في انتظارك بتهمة الاتجار بالبشر.”
عصام قام جرى وخرج من الباب الخلفي للبيت زي الفار المذعور.
البوليس دخل، وسارة الممرضة كانت معاهم.
أخدت نور في حضـ,ـني، وغمضت عيني وأنا بحس بدقات قلبها.
بس وأنا خارجة من البيت مع البوليس عشان نخلص الإجراءات، شفت عربية سودة واقفة بعيد، وفيها شخص أنا عارفة ملامحه كويس..
“هبة”!
نزلت من البيت والكلـ.
.ب-شات كانت في إيد نادية وهي بتترحل للمستشفى تحت حراسة، وسارة الممرضة ماسكة إيد “نور” وبتحاول تطمنها.
عيني جت على العربية السودة، القزاز نزل ببطء، وظهر وش “هبة”.
كانت لابسة نظارة سوداء، وملامحها خالية من أي تعبير، لا شماتة ولا حزن.
حكايات روماني مكرم: الخـ,ـيانة الهادية (الجزء التاسع)
شاورت لي بإيدها، رحت ناحيتها وأنا شايلة بنتي اللي متبتة في رقبتي وكأنها خايفة أتبخر.
هبة نزلت من العربية، ووقفت قدامي بكل ثبات وقالت لي جملة واحدة: “اركبي يا سلوى..
البوليس مش هيسيبك تخرجي بالبنت بسهولة، والورق اللي معاكِ في مصر ملوش لازمة هنا.”
“إيه اللي جابك يا هبة؟
وجاية لمين؟” سألتها وأنا حاسة إن الدنيا كلها بتلف بيا.
ردت بمرارة: “جاية لنفسي.
عصام سـ,ـرقني أنا كمان، قالي إن ابنه (ياسين) محتاج عملية بره، وأخد دهبي وفلوسي وهرب بيهم على هنا..
اكتشفت إنه كان جاي يلم قرشين من نادية ويهرب بيكِ وبالبنت على بلد تالتة مفيهاش تسليم مجرمين.”
فتحت لي باب العربية: “اركبي..
أنا مجهزة طريق نهرب بيه لفرنسا ومنها لمصر، المحامي بتاعي هناك خلص إجراءات إثبات النسب بورقة (DNA) كنتِ أنتِ عملتيها لنور وهي لسه مولودة وعصام مكنش يعرف إنك محتفظة بالعينات.”
ركبت معاها وأنا مش مصدقة إن “ضرتي” هي اللي بتنقذني.
طول الطريق، هبة كانت ساكتة، بس عينيها كانت بتنطق وجع.
بصت لنور في المراية وقالت: “بنتك شبهك أوي يا سلوى..
عصام كان دايماً يقول إنها مـ,ـاتت عشان يهـ,ـرب من ذنب عينيها اللي بتطـ,ـارده.”
وصلنا للمينا، وهناك كانت المفاجأة..
عصام كان واقف مستنينا!
بس المرة دي مكنش لوحده، كان معاه اتنين رجالة شكلهم غريب، وباين عليهم الإجرام.
“هاتي البنت يا سلوى..
وهبة، خدي الفلوس اللي كنتِ عايزاها واختفي.” صرخ عصام وهو بيقرب من العربية.
هبة ضحكت ضحكة عالية، سحبت مسدس صغير من شنطتها وحطته على تابلوه العربية: “الفلوس مابقتش تلزمني يا عصام..
أنا جيت عشان أشوف نهايتك بس.”
الرجالة اللي مع عصام بدأوا يتحركوا ناحيتنا، ونور بدأت تصرخ.
في اللحظة دي، هبة داست بنزين بكل قوتها وكأنها ناوية تدوس عصام تحت عجل العربية.
عصام نط بعيد، والعربية طارت بينا وسط ضـ,ـرب نـ,ـار من الرجالة اللي معاه.
“أنتِ بتعملي إيه يا هبة؟” صرخت برعـ,ـب.
“بخلص حقنا يا سلوى!
الراجل ده لو عاش، لا أنا ولا أنتِ ولا ولادنا هنشوف يوم راحة.”
العربية كانت بتجري بجنون، وصوت الرصاص بيخبط في الصاج.
وفجأة، عربية تانية ظهرت من ورا عصام، وخبطت في عربيتنا من الجنب..
العربية اتقلبت بينا، والدنيا اسودت في عيني وأنا بسمع صوت نور بتنادي: “ماما!”
فتحت عيني بصعوبة، لقيت نفسي على الأرض، وهبة غرقانة في د.مها جنب العربية، ونور بتعيط بعيد..
وعصام ماشي ناحية نور وهو بيضحك ضحكة جنان: “دلوقتي ليلى هتبقى معايا للأبد..
ومحدش هيعرف مكاننا.”
مديت إيدي أدور على أي حاجة، لمست طوبة كبيرة، وقمت وأنا بجر رجلي المكسـ,ـورة..
هل هتلحق سلوى تنقذ نور من إيد عصام قبل ما يهرب بيها؟
الدنيا كانت بتلف بيا، وصوت صفير في وداني مش بيفصل.
بصيت لـ “هبة” اللي كانت مرمية جنب العربية المقلوبة، عينيها كانت مفتوحة وبتبص للسما، وكأنها أخيراً ارتاحت من حمل تقيل.
“عصام” كان بيقرب من “نور” اللي واقعة على الأرض بتعيط ومنهارة، مد إيده يمسكها من دراعها بعنـ,ـف وهو بيبرق بعينه زي المجانين.
“قومي معايا..
أنتِ اللي باقية لي من الدنيا دي كلها!
لا سلوى ولا هبة ولا نادية هيفيدوني بحاجة..
أنتِ الفلوس، أنتِ الأمان بره!” صرخ عصام وهو بيشد البنت اللي كانت بتصرخ وتخربش في إيده.
قمت على حيلي بطلوع الروح، الوجع في رجلي كان بيقطع في جسمي، بس غريزة الأم كانت أقوى من أي كسر.
مسكت الطوبة اللي كانت جنبي، وقربت منه ببطء وهو مديني ضهره.
وفي لحظة واحدة، نزلت بكل غلي، بكل قهر السنين، بكل وجع بنتي اللي اتسـ,ـرقت مني، فوق راسه.
عصام وقع على الأرض، صرخة مكتومة طلعت منه وسكت تماماً.
نور جريت عليا وارتمت في حـ,ـضني وهي بتترعش: “ماما..
خدينا من هنا، أنا خايفة!”
بصيت لعصام وهو سايح في د.مه، مكنتش عارفة هو مات ولا غمي عليه، ومكنش يهمني.
جريت على “هبة”، حاولت أهز كتفها: “هبة!
قومي يا هبة، متسبيناش هنا!”
فتحت عينيها ببطء، ونطقت بصوت طالع من قاع الوجع: “خدي البنت..
وامشي..
الورقة اللي في التابلوه..
خديها..”
مديت إيدي في العربية المقلوبة، طلعت ظرف مقفول كان محطوط في التابلوه.
وبسرعة، سحبت نور وجرينا بعيد عن المينا، والمطر كان بيغسل الد.م اللي على وشي.
ركبنا أول تاكسي قابلنا، وقلت له يوديني أقرب سفارة مصرية.
جوه السفارة، قعدت على الأرض وأنا ضامة نور، مكنتش قادرة أصدق إني لسه عايشة.
فتحت الظرف اللي هبة عطتهولي..
لقيت فيه “فلاشة” وورقة مكتوبة بخط إيدها: “سلوى..
لو مت، خدي الفلاشة دي، عليها كل تحويلات عصام البنكية لشركات وهمية في لندن ومصر..
دي اللي هتسجــ .
↚
ــنه العمر كله بتهمة غسيل الأموال، ودي اللي هترجع لك كل مليم سـ,ـرقه منك ومني.”
عرفت وقتها إن هبة مكنتش جاية بس تنقذني، كانت جاية تكفر عن ذنبها، وتد.مر عصام للأبد حتى لو التمن حياتها.
بعد يومين، كنت في الطيارة راجعة مصر ومعايا “نور”.
البنت كانت بدأت تهدأ وتتعامل معايا، كأن د.منا كان بيتعرف على بعض من جديد.
أول ما نزلت مطار القاهرة، لقيت المحامي بتاعي مستنيني ومعاه قوة من الشرطة.
“في إيه يا أستاذ؟” سألت بخوف.
رد عليا بابتسامة: “عصام اتمسك في لندن يا مدام سلوى..
ممتش، بس الطوبة اللي ضـ,ـربتيه بيها عملت له عاهة مستديمة، والشرطة البريطانية سلمته للسلطات هنا بناءً على ملف (غسيل الأموال) اللي كان على الفلاشة.”
حسيت إن روحي ردت فيا.
ركبت عربيتي، ورحت لبيتي..
البيت اللي اتهد وبنيته بد.موعي وقوتي.
دخلت نور أوضتها الجديدة اللي كنت مجهزاها لها من سنين في خيالي، وقعدت في الصالة لوحدي.
فجأة، الباب خبط.
فتحت، لقيت واحدة واقفة، شابة صغيرة في أوائل العشرينات، وشها فيه شبه غريب من عصام..
قالت لي بصوت هادي: “أنا (ياسمين)..
أخت عصام من أبوه، وجاية أقولك إن في (مصيبة) تانية عصام سابها وراه في مصر..
ومحدش هيقدر يحلها غيرك.”
فتحت “ياسمين” الشنطة اللي في إيدها، وطلعت منها رزمة أوراق وعقود، وعينيها مليانة خوف ونظرة استعطاف غريبة.
“عصام مش بس سـ,ـرقك يا سلوى..
عصام كان بيمضي (وصولات أمانة) ورهونات على بيت بابا القديم وعلى شقتك دي، لناس “تقيلة” أوي في السوق..
ناس مابيعرفوش الرحمة.”
وقفت مكاني مذهولة، كأن الكابــ .
ــوس مش راضي يخلص.
“يعني إيه يا ياسمين؟
الشقة دي باسمي، إزاي يرهنها؟”
ياسمين ردت بصوت مرتعش: “مزوّر توكيل باسمك يا سلوى..
عصام كان بيغرق، وكان بيحاول ينقذ نفسه بأي طريقة قبل ما يهرب لندن.
الناس دي جاية بكرة “تستلم” البيت، أو تاخد تمنه ضعف اللي دفعه عصام..
وإلا..”
“وإلا إيه؟” صرخت فيها وأنا بضم نور لصدري بقوة.
“وإلا البنت..
هما عارفين إن “نور” رجعت، وعارفين إنها نقطة ضعفك الوحيدة.”
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا بتسود تاني.
عصام حتى وهو ورا القضبان في لندن، لسه بيطاردنا بشروره.
مكنتش قادرة أستوعب إن الراجل اللي شاركته حياتي لسنوات، كان بيخطط لتد.ميري وتد.مير ولاده بمنتهى البرود.
قعدت مع ياسمين طول الليل، بنحاول نجمع الخيوط.
اكتشفت إن عصام كان داخل في “سبوبة” تجارة أدوية مغشوشة مع عصابة كبيرة، وهما اللي كانوا بيمولوا مصاريف نادية في لندن مقابل غسيل أموالهم.
والفلوس اللي هبة حاولت ترجعها، كانت مجرد “فتات” من اللي ضاع.
ا“أنا هحميكِ يا سلوى..” قالت ياسمين وهي بتمسك إيدي.
“أنا عندي تسجيلات تدين الناس دي، بس محتاجة شجاعتك عشان نروح للنيابة ونفتح الملف ده كله..
الملف اللي هيحبس عصام في مصر كمان مؤبد، ويخلصنا من العصابة دي للأبد.”
الليل مكنش بيعدي.
كنت ببص لنور وهي نايمة، وشايفة ملامح براءة بدأت ترجع لوشها، وقلت لنفسي: “مش هسمح لحد يلمس شعرة منك تاني..
المرة دي اللعب مش على فلوس، المرة دي اللعب على أرواح.”
الصبح طلع، وسمعت صوت عربيات كتير بتقف تحت البيت.
بصيت من البلكونة، لقيت رجالة ببدل سوداء وعيون صقر واقفين، ومعاهم “محامي” شايل شنطة أوراق.
قلبي كان بيدق زي الطبل، بس المرة دي مكنتش خـ,ـايفة..
كنت “مستعدة”.
فتحت الباب قبل ما يخبطوا، ووقفت بطلة مكسرتهاش السنين.
“خير يا أساتذة؟”
المحامي طلع عقد الرهن المزور وقال ببرود: “معانا أمر تنفيذ وإخلاء يا مدام سلوى..
يا إما تدفعي 10 مليون جنيه، يا إما الشقة والبيت اللي في الصعيد بقوا ملكنا من اللحظة دي.”
ابتسمت ببرود وطلعت الموبايل: “والـ 10 مليون دول تمن السكوت عن قضـ ـية الأدوية المغشوشة؟
ولا تمن “نور” اللي كنتوا ناويين تخطفوها؟”
الرجالة بصوا لبعض بارتباك، وفي اللحظة دي، ظهرت ياسمين من ورايا ومعاها “ضابط” كبير من مباحث الأموال العامة وقوة مسلحة كانت مستخبية في الشقة اللي قصادنا.
“ارفع إيدك أنت وهو..” صرخ الضابط.
المعركة بدأت، والورق المزور طار في الهوا كأنه ريش.
بس في وسط الزحمة دي، لمحت واحد من الرجالة بيسحب مسدس وبيصوبه ناحية أوضة “نور”!
جريت بجنون، ورميت جسمي قدام الباب، وسمعت صوت رصـ,ـاصة هزت كياني..
هل أصيبت سلوى بالرصاصة؟
وكيف ستنتهي هذه المواجهة
الرصاصة اخترقت الخشب ووقعت في صدري وجع ملوش وصف، بس الوجع ده كان أهون بكتير من إني أشوف “نور” بيجرى لها حاجة.
وقعت قدام باب أوضتها، والد.م بدأ يرسم طريق النهاية على الأرض.
الظابط والرجال هجموا على المجرم اللي ضـ,ـرب النـ,ـار، والبيت اتحول لساحة حرب في ثواني.
“ياسمين” جريت عليا وهي بتصرخ: “سلوى!
فوقي يا سلوى..
الإسعاف جاية!”
فتحت عيني بصعوبة، وشفت “نور” خارجة من الأوضة بتعيط، مسكت إيدي وهي بتترعش: “ماما..
مش هتمشي وتسبيني تاني، صح؟”
ابتسمت لها وسط الد.موع وقلت لها بصوت يدوب مسموع: “محدش..
هيقدر..
ياخدك مني..
يا نور.”
أغمى عليا، ومفقتش غير بعد تلات أيام في العناية المركزة.
الرصاصة كانت قريبة من القلب، بس ربك ستر وكتب لي عمر جديد عشان خاطر اليتيمة اللي ملهاش غيري.
ياسمين كانت قاعدة جنبي، والظابط “أحمد” دخل ومعاه ملفات كتير.
“حمد لله على سلامتك يا بطلة..” قالها بابتسامة تقدير.
“بفضل شجاعتك وشجاعة ياسمين، وقعنا أكبر شبكة أدوية مغشوشة وغسيل أموال في البلد.
والورق اللي كان معاكِ وبلاغ ياسمين قفلوا القضـ ـية تماماً.”
“وعصام؟” سألت بضعف.
رد الظابط: “عصام اتسلم لمصر رسمياً، واتحكم عليه في قضـ ـية خطف قاصر (بنتك)، وتزوير أوراق رسمية، والاشتراك في غسيل أموال..
الحكم طلع بـ 25 سنة أشغال شاقة.
يعني مش هيشوف الشمس غير وهو عجوز ملوش قيمة.”
عدت الشهور، وطلعت من المستشفى.
رجعت شقتي، بس المرة دي الشقة كانت مليانة ضحك “نور” و”مالك” و”ياسين” الصغير..
أيوه، “ياسين”.
هبة لما ماتت في لندن، وصتني في الورقة إن ياسين ملوش ذنب، وإن ملوش حد غيري.
أخدت ياسين وربيته مع ولادي.
بقى عندي “نور” اللي رجعت لحـ,ـضني، و”مالك” ابني الكبير، و”ياسين” اللي بعتبره تعويض من ربنا عن كل قسوة شفتها.
وقفت في البلكونة في يوم، وبصيت للسما.
الشمس كانت طالعة وصافية.
عصام خسر كل حاجة؛ خسر الفلوس، والبيوت، والولاد، والحرية.
وأنا؟
أنا كسبت نفسي، وكسبت ولادي، وكسبت راحة البال اللي متباعش بكنوز الدنيا.
فتحت الموبايل، ومسحت كل صور عصام، وكل الرسايل القديمة.
بصيت لولادي وهم بيلعبوا في الصالة وقلت بصوت واطي:
“الخيـ,ـانة هدت جدران، بس الحب والصدق بنوا قصر مبيتهدش.”
تمت بحمد الله.
الحكمة من حكاية “الخـ,ـيانة الهادية” بتتلخص في كام نقطة بيمسوا القلب والعقل:
* الهدوء أقوى من الصريخ: “سلوى” لما اكتشفت الكارثة مانهارتش ولا فضحت نفسها في لحظة انفعال؛ الهدوء اللي فكرت بيه هو اللي خلاها تخطط صح وتسترد حقها وحق ولادها.
الوجع اللي بيتحول لـ “خطة” بيبقى ضـ,ـربة قاضية للظالم.
* الحق مبيضيعش بس محتاج “أنياب”: ربنا مبيسيبش حق حد، بس لازم السعي.
سلوى مسكت في خيوط الحقيقة وسافرت وحاربت عشان بنتها، وده بيعلمنا إن الحقوق مش بتيجي بالدعا بس، بتيجي بالشجاعة والمواجهة.
* الخـ,ـيانة بتهد صاحبها قبل غيره: “عصام” افتكر إنه ذكي وقادر يبني قصور على أنقاض حياة غيره، وفي الآخر خسر كل حاجة: شـ,ـرفه، ماله، ولاده، وحريته.
الخاين دايماً بيقع في شر أعماله، والستر لما بيترفع مبيسيبش وراه غير الخراب.
* الأمومة غريزة مابتتكسرش: قصة “نور” أثبتت إن د.م الأم بينده لصاحبه مهما طالت السنين ومهما اتغيرت الأسامي والبلاد.
↚
قوة الأم ممكن تخليها تقف قدام رصـ,ـاصة وتضـ,ـرب المستحيل عشان خاطر ضناها.
* الذهب الأصيل بيبان في الشدة: “ياسمين” أخت عصام، ورغم صلة الد.م، وقفت مع الحق ضد أخوها الظالم، وده بيعلمنا إن المبادئ والضمير أهم من أي صلة قرابة.
* التعويض بييجي من حيث لا نحتسب: سلوى خسرت جوزها، بس كسبت بنتها اللي كانت فاكراها ماتت، وكسبت راحة البال، وحتى “ياسين” ابن هبة، ربنا حطه في طريقها عشان يملأ فراغ قلبها ويثبت إنها ست “أصيلة” ومعدنها نضيف.