📁 آحدث المقالات

رواية بعد عشر سنين كاملة الفصل الثاني 2 | بقلم رومانى مكرم

بنتي “سارة” دلوقتي بقت شابة، داخلة على الـ 17 سنة. ملامحها مزيج مني ومن كريم، بس شخصيتها قوية، ومبتقبلش الإهانة. طول السنين دي كنت بحاول أجمل صورة أبوها قدامها عشان نفسيتها، بس الحقيقة كانت لازم تظهر في يوم.


يوم مقابلة كريم في المكتب، سارة كانت جاية تقابلني عشان نتغدا سوا. شافت أبوها وهو خارج مكـ,ـسور، ملامحه باهتة، وبيجر رجليه وراه. هي عرفته فوراً، رغم إنه مشفهاش من سنين.

دخلت مكتبي، عينيها فيها أسئلة كتير. قعدت قدامي وقالت بهدوء يخوف:


“ماما.. هو ده بابا؟ هو ده اللي كان بيقول إننا حمل تقيل عليه؟”


قبل ما أرد، ياسين دخل وحاول يلطف الجو، بس سارة وقفته بإيدها:


“عمو ياسين، أنا عارفة إنك عملت عشاني وعشان ماما كتير، بس المرة دي لازم أواجه ‘الماضي’ بتاعي عشان أعرف أكمل مستقبلي.”


سارة مكملتش كلامها، وخرجت تجري ورا كريم. قلبي وقع في رجلي، وياسين مسك إيدي وقال: “سيبيها يا منى.. هي محتاجة اللحظة دي عشان تقفل الدائرة دي جواها.”


نزلت وراها بسرعة، لقيتهم واقفين قدام باب البرج. سارة كانت واقفة قدامه، وهو بيبص لها بذهول، كأنه مش مصدق إن الطفلة اللي سابها كبرت وبقت بالجمال والثقة دي.


كريم حاول يبتسم ويفتح حــ,,ـــــضنه:


“سارة؟ يا حبيبتي.. كبرتي وبقيتي زي القمر.”


سارة مرجعتش خطوة لورا، فضلت واقفة مكانها وبصت له بكل قوة:


“أنا كبرت فعلاً يا أستاذ كريم، بس كبرت من غيرك. كبرت وأنا بشوف ماما بتشتغل ليل نهار عشان متخلينيش أحتاج لقرش من حد، وكبرت وأنا شايفة عمو ياسين بيعوضني عن كل لحظة كنت مستنية فيها تليفون منك في عيدي ميلادي ومجاش.”


كريم بدأ يبرر بدموع تماسيح:


“والله يا بنتي الظروف كانت صعبة، وڤاندا كانت…”


سارة قطعته بحدة:


 ↚

“ڤاندا كانت ‘اختيارك’. إنت اخترت نفسك، واخترت المظاهر، وبعتنا بأرخص تمن. ودلوقتي، لما الدنيا ضاقت بيك، جاي لماما عشان تشيلك؟”


كريم اتصدم إن بنته عارفة كل حاجة:


“أنا ندمان يا سارة.. وعايز أصلح اللي فات.”


سارة ضحكت بوجع:


“اللي فات مبيتصلحش، اللي فات بيتعاش منه دروس. أنا مش كرهالك يا بابا.. أنا ‘مش حاسة بيك’. إنت بالنسبة لي غريب، والغريب ملوش حق يطلب مساعدة من ناس سابهم في نص الطريق.”


طلعت من شنطتها ظرف صغير، وحطته في إيده:


“ده شيك بالمصاريف اللي ماما كانت بتقولي إنك بتبعتها لي ‘كدبًا’ عشان متجـ,ـرحش مشاعري، والفلوس دي من شغلي الخاص في الصيف. خدهم، يمكن يساعدوك تسدد ديونك.. ومن النهاردة، اسمي سارة منى عبد السلام، مش محتاجة لقبك في حاجة تانية.”


كريم وقف والظرف في إيده، كأنه شايل جبل. مكنش قادر ينطق كلمة واحدة قدام قوة بنته اللي ربتها “الست الغلبانة”.


رجعت سارة وحــ,,ـــــضنتني، وهمست في ودني: “خلاص يا ماما.. الحساب قفل.”


افتكرت إن الحكاية خلصت هنا، بس القدر كان لسه شايل مفاجأة تانية لـ “منى” و”ياسين” بطلها واحد مكنش في الحسبان خالص!


حكايات رومانى مكرم


بعد موقف سارة مع أبوها، البيت هدي شوية، بس كان هدوء ما قبل العاصفة. وفي يوم وأنا في طريقي للشركة، جالي تليفون من رقم غريب، وصوت راجل وقور بيقولي:


“يا مديرة منى.. أنا المحامي إبراهيم الجوهري، محامي والد كريم عبد السلام.. الله يرحمه.”


وقفت بالعربية على جنب وقلبي بيدق. حمايا؟ الراجل اللي كان بيحبني زي بنته ومات من خمس سنين؟ كريم وقتها قالي إن والده مات وهو مديون ومسابش غير “الستر”.


“خير يا أستاذ إبراهيم؟ أظن الموضوع ده اتقفل من زمان.”


رد المحامي بنبرة غامضة:


“لأ يا مديرة، الموضوع لسه بيبتدي. الحاج عبد السلام، الله يرحمه، كان سايب وصية ‘أمانة’ عندي، ومكنش ينفع تفتح غير لما كريم يوصل لمرحلة ‘الإفلاس الرسمي’ أو بنته سارة تتم 17 سنة.. والشرطين اتحققوا.”


رحت للمكتب وأنا مش فاهمة حاجة. لقيت المحامي مستنيني ومعاه ملفات قديمة. فتح الملف وطلع ورقة رسمية وبدأ يقرأ:


“أنا عبد السلام، كتبت كل أملاكي من مخازن وأراضي في المنيا لمرات ابني الأصيلة ‘منى’، ولحفيدتي سارة.. وحرمت ابني كريم من الميراث تماماً طول ما هو عايش مع الست اللي خربت بيته.”


اتصدمت! يعني كل السنين دي، وكريم كان بيمثل إنه مديون عشان والده حرمه؟ ولا هو فعلاً مكنش يعرف؟


المحامي كمل:


 ↚

“كريم كان عارف إن في وصية، بس كان فاكر إنها باسمه ومعمولة ‘وقف’. كان بيحاول بكل الطرق يوصلي عشان يغيرها أو يزورها، بس الحاج كان أذكى منه.. وأنا دلوقتي ببلغك إنك صاحبة نصيب الأسد في شركات التوريدات اللي كريم كان بيحاول يديرها وفشل.”


يعني “منى” اللي كريم كان بيذلها بالقرش، بقت هي دلوقتي “المالكة الفعلية” لكل حاجة كان بيحلم بيها!


رجعت البيت وحكيت لياسين، اللي بصلّي بفخر وقال:


“القدر مبيظلــ,,ـــــمش يا منى. والد كريم كان عارف معدنك، وعارف إن ابنه هيضيع كل حاجة، فأمن مستقبل سارة معاكي.”


المفاجأة الأكبر كانت لما كريم عرف بالخبر. جالي المكتب وهو منهار، مش بيطلب مساعدة المرة دي، ده كان “بيتحايل” عشان ميروحش السجــ,,ـــــن بسبب الشيكات اللي عليه، لأن الورث ده كان أمله الوحيد.


بصيت له وأنا ماسكة ورقة الوصية في إيدي، وقلت له بكل هدوء:


“الورث ده حق سارة.. ومستقبلها. بس أنا هعمل حاجة واحدة عشان ‘العشرة’ اللي إنت دوست عليها.”


كريم رفع عينه بلهفة: “هتتنازلي لي؟”


ابتسمت بمرارة:


“لأ.. هعينك ‘موظف’ في مخازن المنيا، بمرتب بسيط يكفيك أكل وشرب وسكن.. بس تحت إشرافي أنا. هتجرب تعيش ‘غلبان’ زي ما كنت بتقول عليا، وتعرف إن الفلوس بتروح وتيجي، بس الأصل هو اللي بيفضل.”


كريم كان قدامه خيارين: يا إما السجــ,,ـــــن، يا إما يشتغل عند “طليقته” اللي كان بيستعلي عليها.


وهو خارج من المكتب، شاف سارة واقفة، بصت له بأسف وقالت:


“شوفت يا بابا؟ الدنيا لفت ورجعتنا لنفس النقطة.. بس المرة دي إنت اللي محتاج ‘الست الغلبانة’ تستر عليك.”


بس الحكاية لسه فيها فصل أخير.. لأن “ڤاندا” لما عرفت بموضوع الورث، قررت تلعب آخر كارت معاها، كارت ممكن يدمر علاقة منى وياسين للأبد!


حكايات رومانى مكرم


دخلت “ڤاندا” مكتبي من غير ميعاد، كانت ملامحها متغيرة، مفيش فيها الدلع ولا الغرور بتاع زمان، بس عينيها كان فيها شر غريب. حطت ظرف أسود على مكتبي وقالت ببرود:


“مبروك يا منى الهانم.. مبروك العز والورث. بس تفتكري ‘ياسين الألفي’ اللي عامل فيها الملاك الحارس، دخل حياتك صدفه؟”


بصيت للظرف وقلت لها بثبات:


“ياسين دخل حياتي في وقت كنت فيه محتاجة سند، والوقت أثبت معدنه. وفري كلامك يا ڤاندا.”


ضحكت بسخرية وقربت مني:


“ياسين كان عارف بموضوع وصية حماكي من قبل ما يقابلك بسنة. المحامي إبراهيم الجوهري يبقى قريبه من بعيد، وياسين هو اللي خطط لكل ده عشان يضمن إن الورث ده يصب في مصلحة مجموعته الطبية. إنتِ كنتِ مجرد ‘كارت’ رابح في لعبة كبيرة، وهو كسب الجيم.”


فتحت الظرف ولقيت صور قديمة لياسين مع المحامي إبراهيم في مكتب واحد، وتواريخ مراسلات بينهم عن “أرض المنيا” ومخازن الحاج عبد السلام. الدنيا اسودت في عيني. هل فعلاً ياسين حبني عشان “ميراثي” اللي مكنتش أعرف عنه حاجة؟ هل كنت مجرد “صفقة” تانية في حياته؟


رجعت البيت وأنا مهدودة. ياسين كان مستنيني، ملامحه كانت هادية كالعادة. حطيت الصور قدامه وسألته سؤال واحد:


“كنت تعرف؟ كنت تعرف إني ورثت كل ده قبل ما تقولي ‘بحبك’؟”


ياسين بص للصور، وبعدين بص في عيني بمنتهى الصراحة:


“أيوة يا منى.. كنت أعرف. إبراهيم الجوهري حكالي عن وصية راجل محترم خايف على شقا عمره من ابنه الطايش، وطلب مني أراقبك من بعيد عشان يتأكد إنك ‘الست الأصيلة’ اللي تستحق الأمانة دي.”


سكت لحظة وكمل:


 ↚

“بدأت أراقبك كـ ‘شغل’.. بس لما شوفتك وانتي بتكافحي في إسكندرية، وانتي شايلة بنتك ورافضة تمدي إيدك لحد، لقيت نفسي بقع في حب ‘منى’ الإنسانة، مش ‘منى’ الوريثة. أنا كان عندي فرصة أتجوزك وأخليكي تمضي على تنازل من أول يوم، بس أنا استنيت لحد ما إنتي اللي تقفي على رجلك وتواجهي كريم بنفسك.”


دموعي نزلت، مكنتش عارفة أصدقه ولا لأ. بس ياسين طلع ورقة تانية من جيبه، كانت “تنازل رسمي” منه عن أي حق في إدارة أملاك منى عبد السلام أو التدخل في شركاتها.


“دي ورقة تضمن لك إن مفيش مليم من ورثك هيدخل جيبي أو جيب شركتي. أنا مش محتاج فلوسك يا منى.. أنا محتاجك إنتي.”


في اللحظة دي، تليفون ياسين رن، كان الأمن بتاع المخازن في المنيا:


“يا فندم.. كريم عبد السلام عمل كارثة.. حاول يحــ,,ـــــرق المخازن عشان محدش يستفيد بالورث، والنــ,,ـــــار مسكت في كل حاجة وهو جوه!”


نزلت الكلمة علينا كأنها صاعقة. كريم اللي كان بيجري ورا الدنيا، الدنيا دلوقتي بتاكله. ركبنا العربية وطيرنا على المنيا، والأسئلة في دماغي مبيخلصش.. هل كريم هيعيش؟ وهل “منى” هتقدر تسامح ياسين وتكمل معاه بعد ما عرفت إن البداية كانت “مخطط”؟


حكايات رومانى مكرم – الجزء الثامن


وصلنا المنيا والمنظر كان مرعب.. النــ,,ـــــار كانت بتاكل في جدران المخازن القديمة، وصوت سيارات الإسعاف والمطافي مالي المكان. الناس كانت متجمعة، والكل بيبص بحسرة على “شقى العمر” اللي بيتحول لرماد في لحظة طيش.


جريت سارة على عربية الإسعاف وهي بتصرخ: “بابا! فين بابا؟”


المسعفين خرجوا “كريم” على نقالة.. كان وشه أسود من الدخان، وهدومه محروقة، وبيكح بصعوبة. أول ما شافني، مسك في إيدي بقوة غريبة، وعينيه كانت مليانة دموع ورعب. حاول يتكلم وصوته طالع بالعافية:


“سامحيني يا منى.. كنت عايز أحــ,,ـــــرق كل حاجة.. كنت فاكر إن لو الورث ضاع، إنتي هتضيعي معايا.. بس النــ,,ـــــار أكلتني أنا الأول.”


بصيت له بشفقة، مش بشماتة. الراجل اللي كان “عامل فيها باشا” في المطعم الخمس نجوم، دلوقتي مرمي على نقالة ومش لاقي حد يسنده غير الست اللي كسر قلبها.


“ارتاح يا كريم.. مفيش حاجة تضيع قدام الروح. المهم إنك قمت بالسلامة.”


كريم بص لياسين اللي كان واقف بعيد بيبص للعمليات الإطفاء، وقال بهمس:


“ياسين.. خلي بالك منها.. هي فعلاً كانت ‘الكنز’ اللي أنا معرفتش قيمته.”


الإسعاف خدت كريم للمستشفى، ووقفت أنا وياسين قدام المخازن وهي بتنطفي. الخسارة كانت كبيرة، بس الأرض لسه موجودة، والوصية لسه سارية.


ياسين قرب مني وحط إيده على كتفي:


“أنا عارف إنك لسه شاكة فيا يا منى. وعارف إن كلام ڤاندا ساب جواكي جـ,ـرح. بس أنا مستعد أمشي دلوقتي لو ده هيريحك.. مش عايز أكون ‘الذكرى السيئة’ التانية في حياتك.”


بصيت لياسين.. الشخص اللي ساندني لما الكل سابني. الشخص اللي سارة بتعتبره أبوها الحقيقي. هل فعلاً هضيع حب حقيقي عشان “بداية” كانت غلط؟


“ياسين.. أنا مش هقولك إني نسيت اللي عرفته. بس أنا اتعلمت إن الدنيا مش أبيض وأسود بس. إنت اختارت تحميني بطريقتك، حتى لو كانت الطريقة دي فيها ‘تخطيط’. بس الأهم إنك فضلت جنبي لما كنت ‘غلبانة’ ومطلقة وبحارب في إسكندرية.”


ياسين ابتسم بمرارة: “يعني في فرصة؟”


قلت له بقوة:


“في فرصة نبدأ صفحة جديدة.. بس المرة دي من غير أسرار. من غير محاميين ومن غير وصايا. نبدأ كـ ‘منى وياسين’ بس.”


لكن وسط الهدوء ده، ظهرت “ڤاندا” تاني.. بس المرة دي مكنتش جاية تهدد. كانت جاية وهي بتجري وبتنهج، وشكلها مرعوب:


“منى.. إلحقي! في ناس تبع ‘الموردين’ اللي كريم كان مديون لهم عرفوا بموضوع الورث، وجايين هنا دلوقتي.. هما مش عايزين فلوس، هما عايزين ‘ينتقموا’ من أي حد ليه صلة بكريم، وسارة لسه في المستشفى لوحدها معاه!”


حسيت ببرودة في جسمي كله. الانتقام طال بنتي؟ هل دي نهاية طيش كريم اللي لسه بيدفع تمنه لحد دلوقتي؟




حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
0
SHARES
📲
تطبيق حكايتنا
تحميل التطبيق الآن
تحميل