📁 آحدث المقالات

رواية بعد عشر سنين كاملة الفصل الثالث 3 والاخير | بقلم رومانى مكرم

 ياسين مضاياش ثانية واحدة، مسك الموبايل وكلم حد من معارفه في مديرية الأمن وهو سايق بأقصى سرعة في اتجاه المستشفى: “عايز قوة تأمين فوراً عند غرف العناية المركزة، في ناس داخلين يصفوا حسابات قديمة والوضع خطر.”


بصيت له وأنا مرعوبة، دموعي مش راضية تقف: “سارة يا ياسين.. بنتي لو حصل لها حاجة مش هسامح نفسي ولا هسامح أبوها طول العمر.”

ياسين مسك إيدي بقوة وهو بيبص للطريق بتركيز: “سارة بنتي أنا كمان يا منى، ومش هسمح لشعرة منها تلمس الأرض. اهدي، إحنا قربنا.”

وصلنا المستشفى، ولقينا هرجلة في الطرقة اللي فيها أوضة كريم. تلات رجالة ضخام لابسين لبس غريب عن أهل المنطقة، كانوا بيحاولوا يزقوا الممرضة اللي واقفة تمنعهم من دخول الأوضة، وسارة كانت واقفة ورا الممرضة، وشها مخطوف من الرعب وهي شايفة السكاكين في إيديهم.

ياسين نزل من العربية قبل ما تقف تماماً، وجري عليهم زي الأسد. قبل ما حد فيهم يقرب من سارة، كان ياسين وسعهم وبقى واقف “حائط سد” قدام باب الأوضة.

“اللي هيقرب خطوة كمان، حسابه هيكون معايا أنا. إنتوا جايين تاخدوا حقكم من راجل بيمــ,,ـــــوت؟ ولا جايين تستقووا على بنت صغيرة؟”

واحد منهم زعق بغل: “كريم عبد السلام نصب علينا في ملايين وهرب، ودلوقتي عرفنا إن فيه ورث وأراضي.. يا يمديلنا على تنازل، يا هناخده من دم بنته!”

ياسين ضحك بسخـ,ـرية وهو بيطلع طبنجته المرخصة وحطها قدامه بهدوء: “الورث ده ملك ‘منى عبد السلام’، والوصية متسجلة باسمها هي وبنتها، يعني كريم ملوش شبر واحد يمديلكم عليه. وأي حد هيلمس باب الأوضة دي، هيتفتح عليه باب جهنم.”

في اللحظة دي، صوت سرينة البوليس ملأت المكان، والرجالة أول ما شافوا القوة داخلة، حاولوا يهربوا بس اتقبــ,,ـــــض عليهم في ثانية.

سارة جرت عليا وارتمت في حــ,,ـــــضني وهي بتترعش: “ماما.. أنا كنت خايفة أوي.. بابا جوه مش حاسس بحاجة، وهما كانوا عايزين يمــ,,ـــــوتوه.”

دخلت الأوضة أبص على كريم، كان متوصل بأجهزة كتير، ووشه باين عليه الانكسار حتى وهو غايب عن الوعي. بصيت لياسين اللي كان واقف يطمن الظابط على الوضع، وحسيت إن الراجل ده فعلاً هو الأمان اللي كنت بدور عليه طول حياتي.

ياسين قرب مني وقال بهدوء: “كريم لازم يتنقل مستشفى تانية تحت حراسة، والديون اللي عليه أنا هتكفل بمحامي يصفّيها من غير ما نلمس مليم من ورثك يا منى. سارة لازم تعيش في أمان.”

بصيت لـ “ڤاندا” اللي كانت واقفة بعيد، باين عليها الندم الحقيقي لأول مرة. ندهت عليها وقلت لها:

“يا ڤاندا.. إنتي النهاردة عملتي موقف صح لما حذرتينا. كريم لما يفوق، لو عايزة تفضلي جنبه وتساعديه يبدأ من جديد بعيد عننا، أنا مش همنعك.. بس ملكيش مكان في حياتنا تاني.”

ڤاندا هزت راسها بالموافقة وهي بتعيط: “أنا عرفت إن الدنيا دوارة يا منى.. ومكنتش أتخيل إن ‘الست الغلبانة’ هي اللي هتكون أجدع من الكل.”

خرجنا من المستشفى والفجر كان بيشقشق. بصيت للسما وقلت: “يا رب، كفاية وجع لحد كده.”

بس القدر كان لسه مخبي “سر” أخير في أوراق حمايا عبد السلام.. سر هيخلي “منى” تكتشف إن “كريم” مكانش بس خاين ومستهتر، ده كان فيه “كارثة” تانية مخبيها السنين!

حكايات رومانى مكرم

 ↚

بعد ليلة المستشفى الصعبة، قعدت مع المحامي إبراهيم الجوهري في مكتبه الهادي.. كان باين عليه التردد وهو بيطلع ملف صغير مخفي تحت الأوراق الرسمية. بص لي بنظرة كلها أسف وقال:

“يا مديرة منى، أنا نفذت وصية الحاج عبد السلام بالحرف، بس كان فيه ‘ملحق’ صغير قالي مطلعوش غير لو كريم حاول يإذيكِ فعلاً.. وأظن حريقة المخازن دي كانت كفاية.”

فتحت الملف وإيدي بتترعش.. لقيت ورق رسمي من مستشفى في لندن وتاريخه يرجع لعشر سنين فاتوا، بالظبط قبل طلاقي من كريم بشهور. قريت الكلام المكتوب ومكنتش مصدقة.. تقرير طبي بيقول إن كريم “عقيم” ومستحيل يخلف تاني بعد دــ,,ـــــادثة قديمة خباها عني!

دموعي نزلت زي المطر.. بصيت للمحامي وسألته وصوتي مخنوق:

“يعني إيه؟ سارة بنتي.. كريم عارف إنها مش بنته؟ عشان كده كان بيعاملها بقسوة؟ عشان كده سابنا ومشي من غير ما يبص وراه؟”

المحامي هز راسه بحزن:

“لأ يا منى.. العكس هو اللي صح. سارة بنتك إنتي وكريم فعلاً، بس كريم لما عرف الحقيقة دي من الدكاترة في لندن، شك فيكي وظلــ,,ـــــمك في سره، وبدل ما يواجهك، قرر يهرب ويجري ورا ‘ڤاندا’ عشان يثبت لنفسه إنه لسه راجل ويقدر يخلف.. ولما فشل معاها، رجع يكره نفسه ويكرهكم أكتر.”

في اللحظة دي، الباب خبط ودخل ياسين.. كان باين على وشه إنه عارف الحكاية دي. قمت وقفت وزعقت فيه:

“إنت كمان كنت عارف؟ كنت عارف إن كريم شاكك في شرفي وعشان كده سابني؟”

ياسين قرب مني وهداني وصوته كله حنان:

“منى، أنا عرفت الحقيقة دي لما كنت ببحث في تاريخ كريم عشان أحميكي. بس مكنتش عايز أقولك عشان مجـ,ـرحش مشاعرك وأفتح سيرة ‘قـ,ـذرة’ زي دي. سارة بنته 100%، والتقرير الطبي كان فيه خطأ في التشخيص وقتها وكريم صدقه وعاش في وهمه.”

طلعت من المكتب وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. رحت المستشفى لكريم، كان بدأ يفوق. وقفت قدامه ورميت التقرير الطبي على سريره.

“عشان الوهم ده ضيعت أجمل سنين عمرنا؟ عشان شكك فيا وفي نفسك، سيبت بنتك تتربى يتيمة وأبوها عايش؟”

كريم بص للورقة وبدأ ينهار ويعيط بصوت مسموع:

“كنت خايف يا منى.. كنت حاسس إني قليل، والشيطان لعب بدماغي وقالي إنك خاينه.. هربت عشان مش قادره أواجه الحقيقة. أنا اللي ضيعت نفسي وضيعتكم.”

بصيت له بكل قوة وقلت له:

“إنت مش بس ضيعت نفسك، إنت .ت الأب اللي كان جواك. سارة النهاردة هتعرف كل حاجة، بس مش عشان تحبك، عشان تعرف إن أمها كانت أشرف من ظنونك بكتير.”

خرجت من الأوضة وأنا مقررة إن دي آخر مرة أشوف فيها كريم. رحت لياسين اللي كان مستنيني بره، مسكت إيده وقلت له:

“ياسين.. أنا عايزة أقفل الصفحة دي للأبد. مش عايزة ورث، ولا عايزة انتقام. أنا عايزة أعيش بسلام مع بنتي ومعاك.”

ياسين ابتسم وقال: “وده اللي هيحصل.. بس فيه مفاجأة أخيرة في انتظارك في البيت، مفاجأة هترجعلك حقك قدام الناس كلها.”

 ↚

حكايات رومانى مكرم

وصلنا قدام باب البيت، وكنت حاسة إن رجلي مش شايلاني. دخلت لقيت الصالة مليانة ناس مكنتش أتوقع أشوفهم.. جيراننا القدام من الحارة الشعبية، وصحابي من أيام الشغل البسيط في إسكندرية، وحتى موظفين الشركة اللي بشتغل فيها.

في النص، كان فيه شاشة كبيرة بتعرض فيديو.. فيديو متصور من سنين، للحاج عبد السلام، الله يرحمه.

صوته طلع في القاعة، وقور وحنين زي ما كنت فاكراه:

“أنا عبد السلام، وبشهد قدام ربنا والناس كلها، إن منى مرات ابني هي ست بمليون راجل. أنا عارف ابني وعارف طيشه وشكه اللي ملوش أساس، وعشان كده كتبت لها كل ورثي ‘مهر مؤخر’ ليها ولحفيدتي سارة.. مش عشان فلوس، عشان أثبت للعالم إن الحق مبيضعش، وإن الست الأصيلة هي اللي بتبني، والراجل الناقص هو اللي بيهد.”

الفيديو خلص، والقاعة كلها سقفوا. ياسين قرب مني ومسك الميكروفون وقال بصوت واثق:

“أنا النهاردة مش بس بحتفل بمراتي وشريكة حياتي، أنا بعلن تأسيس ‘مؤسسة منى عبد السلام لدعم المطلقات والمعيلات’.. المؤسسة دي هتكون بتمويل من ورث منى، عشان مفيش ست تانية تحس إنها ‘غلبانة’ أو ‘وحيدة’ زي ما منى حست في يوم من الأيام.”

بصيت لسارة، لقيتها بتبتسم وفخورة بيا وبنفسها. سارة النهاردة مش بس بنت منى، دي بقت رمز لكل بنت قدرت تقف في وش الظلــ,,ـــــم.

أما كريم.. فبعد ما خرج من المستشفى، استلم شغله في مخازن المنيا كموظف بسيط. شفته مرة واحدة وأنا بمر على الشغل، كان شايل كرتونة على كتفه، أول ما شافني نزل عينه في الأرض ومقدرش ينطق. مكنتش شمتانة فيه، كنت حزينة على راجل ضيع “جنة” كانت بين إيديه عشان خاطر “وهم” في دماغه.

ڤاندا سابته تماماً وسافرت، واختفت أخبارها، كأنها كانت مجرد “اختبار” صعب وعدى من حياتنا.

وقفت في بلكونة بيتي الجديد اللي بيبص على النيل، وياسين جنبي، وسارة بتضحك في الصالة مع صحابها. بصيت للسما وقلت: “الحمد لله.. الحكاية مخلصتش، الحكاية لسه بتبتدي.”

دي مش النهاية.. دي بداية حياة “منى” اللي مفيش حد يقدر يكسرها تاني. حياة الست اللي عرفت إن قيمتها مش بكلمة راجل، ولا بفلوس ورث، قيمتها في “نفسها” وفي “أصلها”.

نهاية “حكايات رومانى مكرم”

وقفت “منى” في شرفة بيتها، بتبص للنيل اللي بيجري في هدوء وصمود رغم كل السدود اللي بتقابله، وحست لأول مرة إن روحها بقت زيه.. بتعرف تعدي وتكبر وتفضل صافية.

بصت لـ “ياسين” اللي كان واقف جنبها وساندها، ولبنتها “سارة” اللي بتبني مستقبلها بكل ثقة، وافتكرت اللحظة اللي كريم قالها فيها “المكان ده مش للغلابة اللي زيك”، وابتسمت.. مش بانتصار، لكن براحة.

الحكمة من الحكاية

> “الأصل مبيغرقش، والمعدن الطيب مبيصديش.. الغلب مش قلة فلوس، الغلب هو فقر النفس والشك في اللي بيحبونا. والست اللي بتبني نفسها من الوجـ,ـع، مبيكـ,ـسرهاش غياب راجل ولا بتهزها كلمة ناقص.. لأن اللي ربنا سنده، مفيش بشر يقدر يوقعه.”

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
0
SHARES
📲
تطبيق حكايتنا
تحميل التطبيق الآن
تحميل