رواية حنين الروح الفصل السادس بقلم اسما السيد




الفصل الحادي عشر: أول اعتراف

بعد ما عمران قال كلامه…

سكت.

كأنه ندم إنه اتكلم.

وكأنه كشف جزء من قلبه كان مخبيه بقاله سنين.

أما داليدا…

فما قدرتش تنطق.

كانت قاعدة مكانها.

حاسّة إن الدنيا كلها واقفة.

كل موقف حصل بينهم رجع قدام عينيها.

يوم هربت.

ويوم حماها.

ويوم وقف قدام أمه.

ويوم مسح دموعها.

ويوم فضل يصدقها رغم إن الدنيا كلها كانت ضدها.

فهمت فجأة.

إن الراجل ده عمره ما كان وحش.

ولا قاسي.

ولا مرعب.

هي كانت عايشة وسط أكاذيب.

بس.

عمران قام من مكانه.

كان ناوي يدخل البيت.

قبل ما يتهور أكتر.

لكن أول ما لف…

سمع صوتها.

ـ عمران.

وقف فورًا.

ضهره ليها.

لكن قلبه كان بيدق بعنف.

ـ نعم؟

سكتت ثواني.

ثم قالت بصوت مرتعش:

ـ بصلي.

لف ببطء.

وشافها واقفة.

وعيونها مليانة دموع.

اتوتر فورًا.

ـ مالك؟

هزت رأسها.

ـ أنا زعلانة منك.

اتصدم.

ـ مني؟

ـ أيوه.

ـ ليه؟

قربت خطوة.

ـ علشان خليتني أصدق كل الناس إلا أنت.

وقلبه بدأ يوجعه.

لكنها كملت.

ـ وخليتني أكتشف متأخر قد إيه أنت كويس.

ـ داليدا…

ـ لا…

اسمعني.

كان أول مرة تقاطعه بالشكل ده.

وأول مرة يشوف الجرأة دي منها.

قالت وهي بتحاول تمنع دموعها:

ـ أنا كنت بخاف منك.

ـ عارف.

ـ وكنت فاكرة إنك هتظلمني.

ـ وكنت مستنية منك الأذى.

نزلت دمعة من عينها.

ـ لكن أنت كل يوم كنت تثبت العكس.

سكتت لحظة.

ثم همست:

ـ كل يوم.

 ↚


وعمران حس إن قلبه بيتسحب من مكانه.

قرب منها خطوة.

لكنها سبقته.

وقالت:

ـ وأنا كمان.

اتجمد.

ـ إيه؟

احمر وشها.

وحاولت تبص لأي مكان غير عينيه.

لكنها أجبرت نفسها تكمل.

ـ وأنا كمان بحبك.

الصمت.

صمت طويل جدًا.

كأن الزمن نفسه وقف.

عمران كان باصصلها.

مش مستوعب.

مش مصدق.

كأنه خايف يكون بيحلم.

ـ قوليها تاني.

همست:

ـ لا.

ابتسم.

ـ علشان مكسوفة.

ولأول مرة من سنين طويلة…

ضحك عمران من قلبه.

ضحكة فرح حقيقية.

وفجأة.

شد نفسه بالعافية.

لأنه كان نفسه يقرب.

نفسه ياخدها في حضنه.

لكن فضل ثابت مكانه.

يحترمها كعادته.

وده كان أكتر شيء خلا داليدا تحبه.

إنه عمره ما استعجل.

ولا ضغط عليها.

ولا فرض نفسه عليها.

أبدًا.

بعدها بأيام.

بدأ كل شيء يتغير.

بقوا يقعدوا بالساعات يتكلموا.

عن طفولتهم.

عن أحلامهم.

عن الحاجات اللي عمرهم ما قالوها لحد.

ولأول مرة…

داليدا بدأت تعرف عمران الحقيقي.

الولد اللي اتشال على كتفه حمل عيلة كاملة بعد وفاة أبوه.

والشاب اللي ضحى بأحلام كتير علشان أهله.

والراجل اللي الناس كلها كانت شايفاه قوي…

بينما هو من جوه كان محتاج حد يحبه.

وبس.


وفي ليلة من الليالي.

كانوا قاعدين قدام البيت.

النجوم مالية السما.

وفجأة قالت داليدا:

ـ عمران.

ـ نعم؟

ـ نفسي أرجع بيتنا.

بصلها باستغراب.

ـ بيتنا؟

ابتسمت.

ـ أيوه.

ـ هو إحنا مش في بيتنا؟

ضحكت.

ـ قصدي الدوار.

سكت عمران.

لأنه كان فاهم قصدها.

هي مش عايزة ترجع البيت.

هي عايزة تعلن قدام الدنيا كلها إنها زوجته بإرادتها.

وإنها مش هربانة.

ولا مكسورة.

ولا مجبرة.

رفعت عينيها له.

وقالت بثقة:

ـ المرة دي أنا اللي عايزة أمشي جنبك.

قدام الناس كلها.

وعمران حس وقتها إن مفيش راجل في الدنيا أسعد منه.

لكن رجوعهم للدوار…

هيكون بداية مرحلة جديدة تمامًا.

مرحلة هيكتشف فيها أهل عمران إن داليدا بقت نقطة ضعفه الوحيدة.

وإنه مستعد يقف قدام الدنيا كلها علشانها.الفصل الثاني عشر: الرجوع للدوار

يوم الرجوع للدوار كان مختلف.

داليدا وقفت قدام المراية من بدري.

متوترة.

رغم إنها هي اللي طلبت ترجع.

لكن مجرد فكرة مواجهة الناس كلها كانت مخوفاها.

عمران كان واقف عند الباب يراقبها من بعيد.

وشاف التوتر في عينيها.

فقرب بهدوء.

ـ خايفة؟

بصتله.

وحاولت تكذب.

ـ لا.

رفع حاجبه.

ـ داليدا.

تنهدت.

ـ شوية.

مد إيده.

أخذ كفها بين إيديه.

وقال بهدوء:

ـ طول ما أنا جنبك…

متخافيش من حد.

الكلمة دي كانت كفاية تهدي قلبها.

وصلوا الدوار وقت العصر.

وأول ما العربية دخلت الساحة الكبيرة…

بدأت العيون تتوجه ناحيتهم.

رجالة.

ستات.

أقارب.

خدم.

الكل كان مستني يشوف.

داليدا نزلت من العربية.

وقلبها بيدق.

لكن قبل ما تتحرك…

اتفاجأت بعمران بيمد إيده قدام الناس كلها.

سكتت للحظة.


ثم حطت إيدها في إيده.

والمفاجأة إن عمران ما سابهاش.

فضل ماسكها.

وماشي جنبها.

قدام الجميع.

كأنه بيعلن بصوت عالي:

دي مراتي.

وما حدش له كلمة عليها.

دخلوا المجلس الكبير.

وكان الحاج منصور قاعد.

صحته اتحسنت شوية.

أول ما شافهم ابتسم.

ـ تعالوا.

قربوا منه.

فبص لداليدا وقال:

ـ سامحتيني يا بتي؟

ابتسمت بحرج.

ـ ربنا يسامح الجميع يا جدي.

العجوز هز رأسه.

وكان واضح إنه مرتاح.

لكن الراحة دي ما استمرتش طويل.

لأن صفية كانت قاعدة على الناحية التانية.

تراقب بصمت.

وعيونها كلها رفض.

بعد العشا.

بدأت الستات تتجمع.

وداليدا كانت قاعدة معاهم.

تحاول تتعامل طبيعي.

لحد ما واحدة من القرايب قالت:

ـ الحمد لله إن الأمور اتصلحت.

ردت التانية:

ـ أصل عمران عمره ما كان هيسيبها.

ضحكت واحدة ثالثة.

ـ ده واقع فيها من زمان.

الستات ضحكوا.

أما داليدا فاحمر وشها.

وفجأة سمعت صوت صفية.

ـ الحب لوحده ما يكفيش.

سكت الكل.

صفية كملت وهي باصة لداليدا:


ـ الجواز مسؤولية.

مش دلع.

الجو اتوتر فورًا.

والكل فهم المقصود.

لكن قبل ما داليدا ترد…

دخل عمران.

وشاف الوجوه.

وفهم إن في حاجة حصلت.

بص لأمه.

ثم لداليدا.

ثم قال:

ـ خير؟

واحدة من الستات حاولت تغير الموضوع.

لكن صفية سبقتها.

ـ بنفهم مراتك إن الحياة مش كلها حب وغرام.

عمران وقف مكانه.

وبعدين قال بهدوء:

ـ وأعتقد إن مراتي مش محتاجة حد يفهمها حاجة.

صفية ضاقت عينيها.

ـ يعني أنا غلط؟

ـ يعني لو عندك كلام ليها يبقى قدامي.

الصمت نزل على المكان كله.

وداليدا كانت باصة له.

وقلبها بيدق.

كل مرة كان بيحميها أكتر من اللي قبلها.

في الليل.

كانوا قاعدين في أوضتهم الجديدة في الدوار.

أول مرة يبقوا في نفس الجناح بعد ما رجعوا.

داليدا كانت واقفة عند الشباك.

وعمران قاعد يراجع شوية أوراق.

وفجأة قالت:

ـ عمران.

رفع رأسه.

ـ نعم؟

ـ ليه بتعمل كده؟

ـ أعمل إيه؟

ـ كل مرة حد يضايقني…

تقف قدامه.

ابتسم.

ـ لأن ده الطبيعي.

هزت رأسها.

ـ لا.

ـ لا إيه؟

لفت تبص له.

وعينيها كانت مليانة مشاعر.

ـ مش كل الرجالة زيك.

سكت لحظة.

ـ وأنا مش عايز أبقى زي كل الرجالة.

ارتبكت.

أما هو فقام من مكانه.

وقرب.

لكن وقف على مسافة محترمة منها.

كالعادة.

وقال بصوت منخفض:

ـ أنا عايز أبقى الراجل اللي يخليكي عمرك ما تندمي إنك اخترتيه.

الكلام دخل قلبها مباشرة.

ولأول مرة…

هي اللي قربت خطوة.

مش هو.

والابتسامة اللي ظهرت على وش عمران وقتها…

كانت كفيلة تنور الدنيا كلها.

لكن في الناحية التانية من الدوار…

كانت صفية قاعدة مع أخت عمران.

والغضب واضح على ملامحها.

قالت أخت عمران:


ـ لسه مش مقتنعة بيها؟

صفية سكتت.

ثم قالت:

ـ خايفة.

ـ من إيه؟

ـ من إن عمران بقى يشوفها وبس.

ـ ما هي مراته.

تنهدت صفية.

وقالت جملة خطيرة:

ـ وأنا خايفة اليوم اللي يضطر يختار فيه بينها وبين أهله.

لأن وقتها…

أنا عارفة هيختار مين.

وتجمدت أخت عمران.

لأنها لأول مرة تسمع أمها تعترف بالحقيقة.

الحقيقة اللي البلد كلها بدأت تشوفها:

عمران بقى يحب داليدا بجنون.

الفصل الثالث عشر: أول سفر مع بعض

عدى أسبوع على رجوعهم للدوار.

الأمور كانت هادية نسبيًا.

لكن عمران كان ملاحظ حاجة.

داليدا من يوم ما رجعوا وهي مخنوقة.

مش زعلانة.

بس مش مرتاحة.

كل شوية حد يدخل أوضتهم.

حد يسألها رايحة فين.

حد يسألها عملت إيه.

حد يتدخل في تفاصيل صغيرة جدًا.

وفي يوم الصبح كانت واقفة في البلكونة.

باصّة للجنينة.

ولسه الشمس طالعة.

فجأة سمعت صوته وراها.

ـ جهزي شنطتك.

لفت باستغراب.

ـ ليه؟

ـ مسافرين.

ـ فين؟

ـ مفاجأة.

اتسعت عيونها.

ـ عمران!

ضحك.

ـ جهزي بس.

بعد ساعتين كانوا في العربية.

وداليدا بتحاول تعرف رايحين فين.

وهو رافض يتكلم.

ـ قولي.

ـ لا.

ـ طيب لمح.

ـ والله هزعل.

ـ ازعلي.

فنفخت بضيق.

وضحك عمران.

لأن من أكتر الحاجات اللي بيحبها فيها إنها بقت طبيعية معاه.

بقت تتخانق.

وتزعل.

وتضحك.

من غير خوف.

بعد ساعات وصلوا.

ونزلت داليدا من العربية.

واتفاجأت.

كانوا في مكان هادي وسط جبال وخضرة.

وفيه نُزل صغير مطل على بحيرة.

وقفت تبص حواليها بانبهار.

ـ يا نهار أبيض…

ابتسم عمران وهو بيتفرج على فرحتها.

والله العظيم كان مستعد يسافر الدنيا كلها بس علشان يشوف النظرة دي.

ـ عجبك؟

لفت بسرعة.

ـ ده يجنن.

ـ الحمد لله.

ـ جيبتني هنا ليه؟

بص لها ثواني.

ثم قال:

ـ علشان آخد مراتي من الناس شوية.

قلبها دق بقوة.

أما هو فكان يقصد كل كلمة.

طول اليوم كانوا بيلفوا.

ويتمشوا.

ويتكلموا.

ويضحكوا.

ولأول مرة من شهور طويلة.

داليدا حست إنها عايشة.

مش خايفة.

مش مراقبة.

مش مضطرة تثبت نفسها لحد.

وفي المساء.

كانوا قاعدين في مطعم صغير مطل على البحيرة.

والجو جميل.

لحد ما حصل شيء بسيط.

لكن بالنسبة لعمران…

ما كانش بسيط خالص.

الجرسون الشاب كان بيكلم داليدا أكتر من اللازم.

بيبتسم زيادة.

وبيسألها أسئلة كتير.

وداليدا أصلًا مش واخدة بالها.

بترد بأدب وخلاص.

لكن عمران كان متابع.

ودنه سخنت.

وفكه اتشد.

وبدأ يرد على الأسئلة بدلها.

في الأول الجرسون ما فهمش.

لكن بعد شوية فهم.

واعتذر ومشي.


أول ما مشي.

داليدا بصت لعمران.

ـ مالك؟

ـ مفيش.

ـ لا فيه.

ـ عمران.

ـ نعم؟

ـ أنت غيران؟

اتخنق بكوباية المية.

أما هي فانفجرت ضحك.

ـ يا نهار أبيض.

بصلها بحدة.

ـ بتضحكي على إيه؟

ـ كنت فاكرة الرجالة بس هي اللي تتخانق من الغيرة.

ـ وأنا متخانقتش.

ـ آه طبعًا.

ـ فعلًا.

ـ علشان كده كنت هتاكل الواد بعينيك؟

رفع حاجبه.

ـ كان بيتكلم كتير.

ـ شغله.

ـ آه.

وظلوا يجادلوا دقائق.

وفي النهاية ضحكت داليدا لدرجة دموعها نزلت.

أما عمران فكان بيبصلها.

وسرح.

كعادته.

لحد ما انتبهت.

ـ بتبصلي كده ليه؟

سكت.

ثم قال ببساطة:

ـ علشان جميلة.

اتجمدت مكانها.

ولأول مرة…

ما عرفتش ترد.

في الليل.

كانت قاعدة في البلكونة الصغيرة بتاعة الجناح.

والجو هادي.

والنجوم مالية السما.

وفجأة خرج عمران.

وكان معاه بطانية.

حطها على كتفها.

ـ البرد هيزيد.

ابتسمت.

ـ شكراً.

قعد جنبها.

وفضلوا ساكتين.

لكن الصمت المرة دي ما كانش محرج.

كان مريح.

دافي.

وكأن وجود كل واحد فيهم جنب التاني كفاية.

وبعد دقائق قالت داليدا بهدوء:

ـ عمران؟

ـ نعم؟

ـ لو رجع الزمن بيك…

كنت هتتجوزني برضه؟

ابتسم.

من غير تفكير.

ـ ألف مرة.

نزلت عيونها بخجل.

أما هو فابتسم وهو شايف ارتباكها.

لكن اللي ما كانش يعرفه…

إن داليدا لأول مرة بدأت تتمنى تكمل عمرها كله معاه.

مش لأنها زوجته.

ولا لأنها مدينة له.

لكن لأنها بقت تحبه فعلًا.

حب كبير.

وكل يوم بيكبر أكتر.

وفي نفس الوقت…

في الدوار.

كانت صفية قاعدة لوحدها.

وبين إيديها صورة قديمة جدًا.

صورة لعمران وهو طفل.

وبجانبها رسالة قديمة كانت مخبياها سنين.

رسالة لو ظهرت…

ممكن تغير حاجات كتير في حياة ابنها.

وتكشف سرًا من الماضي عمره ما عرفه.

لكنها كانت لسه مترددة…

هل تدفن السر للأبد؟

ولا تقوله الحقيقة؟

يتبع

استكشف رواية حنين الروح الفصل السابع والاخير بقلم اسما السيد استكشف جميع فصول رواية حنين الروح بقلم اسما السيد

إرسال تعليق