الفصل التاسع: المرة الأولى التي اختارها فيها أمام الجميع
داليدا قامت من مكانها أول ما شافت وش عمران اتغير.
كان ماسك التليفون، وملامحه بقت جامدة بطريقة خوفتها.
قربت منه بسرعة.
ـ في إيه؟
سكت ثواني.
ثم قال:
ـ جدي تعبان.
شهقت.
الحاج منصور.
كبير العيلة.
والراجل اللي كان كلمته تمشي على الكبير قبل الصغير.
ـ حصل له إيه؟
ـ جلطة.
الدنيا سكتت لحظة.
وبعدين عمران بدأ يلبس بسرعة.
داليدا وقفت مكانها.
مش عارفة تعمل إيه.
لأنها عارفة إن رجوعها للدوار معناه مواجهة العيلة كلها.
وخصوصًا صفية.
لاحظ عمران خوفها.
وقف فجأة.
وبص لها.
ـ هتيجي معايا.
اتوترت.
ـ لا.
ـ ليه؟
ـ مش عايزة مشاكل.
ـ وأنا عايزك جنبي.
قلبها دق بقوة.
قالها ببساطة.
كأن وجودها طبيعي.
كأنها مكانها معاه.
بعد ساعة كانوا داخلين الدوار الكبير.
وأول ما دخلت داليدا حسّت العيون كلها عليها.
همسات.
نظرات.
كلام بيتقال بصوت واطي.
لكن المرة دي كانت ماشية جنب عمران.
مش لوحدها.
ولأول مرة ما حستش إنها ضعيفة.
في أوضة الحاج منصور.
كان الراجل الكبير نايم على السرير.
تعبان.
لكن واعي.
أول ما شاف عمران أشار له يقرب.
اقترب فورًا.
ـ حمد لله على السلامة يا جدي.
العجوز ابتسم بتعب.
ثم لف عينه ناحية داليدا.
وأشار لها.
ـ تعالي يا بتي.
لكن قربت.
فمسك إيدها.
وقال بصوت ضعيف:
ـ زعلانة مني؟
نزلت دموعها فورًا.
ـ لا يا جدي.
ـ كدابة.
سكتت.
فأكمل:
ـ ظلمتك.
الصمت نزل على الأوضة كلها.
حتى عمران نفسه اتفاجأ.
الحاج منصور قال:
↚
ـ كنت فاكر إني بحميكي.
لكن خوفتك.
وندمان.
داليدا ما قدرتش تتكلم.
واكتفت إنها تبوس إيده.
لكن اللي حصل بعد كده قلب الدنيا.
لأن صفية دخلت الأوضة.
وأول ما شافت داليدا قالت بحدة:
ـ كفاية تمثيل.
اتجمد المكان.
عمران رفع رأسه ببطء.
أما داليدا فاتجمدت مكانها.
صفية كملت:
ـ من يوم ما دخلت العيلة وكلها مشاكل.
ـ أمي.
قالها عمران بهدوء.
لكن الهدوء ده كان مخيف.
صفية تجاهلته.
ـ أبوك مات مرتاح من بلاوي النسوان دي.
وهنا…
وقف عمران.
ببطء.
لكن كل اللي في الأوضة سكت.
لأنهم عارفين عمران لما يوصل للحالة دي.
بيبقى خلاص.
قال:
ـ اعتذري.
صفية شهقت.
ـ نعم؟
ـ اعتذري لمراتي.
ـ أنت اتجننت؟
ـ وأنا أعتذر لبنت صغيرة؟
ـ لبنت صغيرة؟
ابتسم عمران ابتسامة باردة.
ـ دي مراتي.
وشرفي.
وكرامتي.
واللي يهينها يبقى بيهيني أنا.
لأول مرة في عمر صفية…
ابنها وقف قدامها بالشكل ده.
ولأول مرة في عمر داليدا…
حد دافع عنها قدام الدنيا كلها.
بعد ساعة خرجوا من الدوار.
والطريق كله كان ساكت.
داليدا كانت باصة من الشباك.
وعينيها مليانة دموع.
لحد ما عمران وقف العربية فجأة على طرف الطريق.
لف ناحيتها.
ـ بتعيطي ليه؟
هزت رأسها.
ـ مش عارفة.
ـ زعلتك؟
ـ بالعكس.
سكتت لحظة.
ثم قالت بصوت مكسور:
ـ أول مرة حد يقف عشاني.
أول مرة أحس إن ليا ضهر.
الكلام ضرب قلب عمران مباشرة.
فضل باصص لها.
ثواني طويلة.
طويلة جدًا.
ثم مد إيده ومسح دموعها بهدوء.
وقال:
ـ طول ما أنا عايش…
عمرك ما هتبقي لوحدك.
نزلت عينيها بسرعة.
لأن قلبها كان بيدق بشكل مجنون.
أما عمران…
فكان بيقاوم بكل قوته.
لأنه بدأ يحس إنه خلاص.
وقع.
وقع في حبها بالكامل.
وما بقاش قادر يتخيل يوم واحد من غيرها.
لكن لسه فيه حاجات كتير بينهم…ولسه داليدا نفسها ما اعترفتش بالحقيقة.
الحقيقة اللي قربت جدًا تظهر.
وخصوصًا بعد اللي هيحصل في الفصل الجاي…
الفصل العاشر: لما القلب يفضح صاحبه
بعد ما رجعوا البيت، فضلت كلمات عمران ترن في ودن داليدا طول الليل.
“طول ما أنا عايش…
عمرك ما هتبقي لوحدك.”
كانت متمددة على سريرها، وباصّة للسقف.
كل ما تفتكر الموقف اللي حصل قدام العيلة تحس بقلبها يلين أكتر.
لحد إمتى هتفضل تنكر؟
إمتى هتفضل تقنع نفسها إنها لسه خايفة منه؟
الحقيقة إنها من فترة طويلة بطلت تخاف.
الحقيقة إنها بقت تستناه.
وتدور عليه بعينيها أول ما تدخل مكان.
وتنام مرتاحة لمجرد إنه موجود تحت نفس السقف.
لكن الاعتراف بالحقيقة كان مرعب.
مرعب أكتر من ليلة هروبها نفسها.
الصبح نزلت المطبخ.
ولقت عمران بيحضر القهوة بنفسه.
رفع عينه أول ما شافها.
ـ صباح الخير.
ـ صباح النور.
ابتسم.
ـ نمتي كويس؟
ـ أيوه.
ـ كدابة.
ضحكت رغماً عنها.
ـ ليه؟
ـ عيونك بتقول إنك نمتي ساعتين بالكتير.
ارتبكت.
ـ وأنت مالك؟
ـ مالي؟
رفع حاجبه.
ـ أنا جوزك يا داليدا.
الجملة البسيطة دي عملت فوضى كاملة جواها.
أما هو فكان مستمتع جدًا باحمرار وشها.
↚
بعد الضهر خرج عمران للوحدة الصحية.
وداليدا راحت السوق.
كانت بتشتري شوية حاجات للبيت.
ولما خلصت…
سمعت صوت معروف.
ـ داليدا؟
لفت.
ولقت نجلاء.
المدرسة اللي شافتها قبل كده عند عمران.
ابتسمت نجلاء.
ـ إزيك؟
ـ الحمد لله.
ـ دكتور عمران عامل إيه؟
مجرد سؤال عادي.
لكن داليدا اتضايقت.
من غير سبب منطقي.
ـ كويس.
ـ راجل محترم جدًا.
ـ البلد كلها بتحبه.
نجلاء بدأت تضحك.
ـ هو أنا زعلتك؟
ـ لا.
ـ أكيد؟
ـ أصل شكلك غيران شوية.
داليدا اتخضت.
ـ نعم؟
ـ بهزر يا بنتي.
لكن البذرة اتزرعت.
ورجعت البيت متعصبة من نفسها.
لأنها عرفت إن غيرتها بقت واضحة للناس.
في المساء.
كان عمران قاعد يراجع ملفات المرضى.
وداليدا بتحاول تتفرج على التلفزيون.
لكنها مش مركزة.
وفجأة قالت:
ـ هي نجلاء دي بتيجي لك كتير؟
رفع رأسه ببطء.
وبعدين ابتسامة واسعة ظهرت على وشه.
ـ مين؟
ـ نجلاء.
ـ مالها؟
ـ بسأل.
ـ ليه؟
ـ مفيش.
قفل الملف.
وحطّه على الترابيزة.
وبص لها مباشرة.
ـ داليدا.
ـ نعم؟
ـ أنتي غيرانة؟
ـ لا.
ـ كدابة.
ـ والله لا.
ـ طب بصيلي وقوليها.
رفعت عينيها له.
وسكتت.
لأنها ما عرفتش تكذب.
وهنا…
ضحك عمران بصوت عالي.
لدرجة إنها رمت المخدة عليه.
ـ بطل رخامة.
مسك المخدة.
وقلبه كان بيطير من الفرحة.
لأن البنت اللي كانت بتهرب منه من شهور…
بقت تغير عليه بالشكل ده.
لكن في نفس الليلة حصل حاجة غير متوقعة.
كانوا قاعدين في الجنينة الصغيرة.
والهوا لطيف.
وفجأة قالت داليدا:
ـ عمران.
ـ عايزة أسألك سؤال.
ـ اسألي.
سكتت شوية.
ثم قالت:
ـ يوم ما هربت…
كنت ناوي تعمل إيه لو مسكتني قبل ما أسمع كلام أمك؟
عمران سكت.
ثواني طويلة.
ثم قال بهدوء:
ـ ولا حاجة.
ـ يعني؟
ـ كنت هوديكي البيت.
ـ وبعدين؟
ـ وأقولك إنك حرة.
اتصدمت.
ـ حرة؟
ـ أيوه.
ـ حتى لو رفضت الجوازة؟
ابتسم بحزن بسيط.
ـ حتى لو رفضتي.
بصت له كأنها بتشوفه لأول مرة.
تنهد عمران.
ثم قال بصوت منخفض:
ـ لأن عمري ما كنت عايز زوجة غصب عنها.
سكتت.
أما هو فأكمل وهو باصص للسماء:
ـ أنا من أول ما شفتك وأنا بحبك.
اتجمدت داليدا.
قلبها وقف.
هل قالها فعلًا؟
هل سمعت صح؟
لكن عمران كمل بهدوء:
ـ يمكن من قبل الجواز بسنين.
ـ عمران…
ـ كنتي صغيرة…
ومشوفتكيش غير كام مرة.
بس كنت عارف إني لو اتجوزت يوم…
هيبقى أنتي.
الدموع لمعت في عينيها.
لأنها لأول مرة تعرف الحقيقة.
الحقيقة اللي خباها طول الوقت.
إن كل حمايته.
وصبره.
وحنانه.
ما كانوش واجب.
كانوا حب.
حب قديم جدًا.
حب سابق حتى للجواز نفسه.
أما عمران…
فأدرك بعد ما اتكلم إنه كشف قلبه كله.
فابتسم وقال:
ـ خلاص…
اعتبري إني مقولتش حاجة.
لكن داليدا كانت لسه باصة له.
وقلبها لأول مرة يعترف بصوت واضح:
هي كمان بتحبه.
يتبع
اكتشف رواية حنين الروح الفصل السادس بقلم اسما السيد استكشف جميع فصول رواية حنين الروح بقلم اسما السيد