رواية حنين الروح الفصل الرابع بقلم اسما السيد






الفصل السابع: أول مرة تخاف عليه

فضل عمران ساكت بعد ما رامي مشي.

ساكت بشكل غريب.

دخل البيت.

غسل إيده.

وقعد على السفرة.

ولا سأل.

ولا اتكلم.

ولا حتى بص لداليدا.

وده كان أسوأ بكتير من الغضب.

لأنها بقت تعرفه.

ولما عمران يسكت بالشكل ده يبقى جواه كلام كتير.

وقفت قدامه.

ـ عمران.

ـ نعم؟

ـ أنت زعلان؟

ـ لا.

ـ كداب.

رفع عينه أخيرًا.

ـ وأنا هزعل ليه؟

ـ علشان رامي.

رجع يبص في طبقه.

ـ مفيش حاجة اسمها رامي بالنسبالي.

ـ أهو أنت زعلان.

ابتسامة صغيرة هربت منه غصب.

لكنها اختفت بسرعة.

وقال:

ـ اللي يزعل إن راجل يجي يقف على باب بيتي ويتكلم عن مراتي بالشكل ده.

داليدا حست بدفء غريب جواها.

“مراتي.”

كل مرة يقولها كانت بتحس بحاجة مختلفة.

بالليل كان عمران قاعد في الجنينة الصغيرة قدام البيت.

والدنيا هادية.

وداليدا خرجت وقعدت بعيد شوية.

فضلوا ساكتين.

لحد ما قال فجأة:

ـ كنتي تعرفيه قوي؟

اتوترت.

ـ طب ليه كان بيتكلم كأنه يعرفك؟

ـ علشان زمان كان فيه كلام.

اتشد فكه.

ـ كلام إيه؟

ـ كلام جواز.

الصمت نزل.

ثواني طويلة.

طويلة جدًا.

وبعدين سأل:

ـ وكنتي موافقة؟

بصت له.

وشافت لأول مرة حاجة في عينه.

غيرة.

مش غضب.

فقالت بهدوء:

رفع عينه لها بسرعة.

ـ ليه؟

داليدا ابتسمت.

ـ علشان كنت صغيرة.

ـ وبعدين؟

ـ وبعدين جدك اختارك.

سكت.

مستني باقي الكلام.

لكنها سكتت هي كمان.

فقال:

ـ وندمتي؟

لأول مرة من يوم الجواز.


 ↚


جاوبته من غير تفكير.

اتجمد مكانه.

كلمة واحدة.

لكنها عملت فيه اللي عمره ما قدر يعمله أي كلام.

لا.

ما ندمتش.

في اليوم اللي بعده.

انتشر خبر زيارة رامي.

زي أي حاجة في البلد.

وابتدت الحكايات.

والإشاعات.

وكلام الستات.

وفي العصر…

كانت داليدا راجعة من زيارة واحدة قريبتها.

وفجأة سمعت صوتين بيتكلموا.

ستتين واقفين عند باب بيت.

واحدة بتقول:

ـ أصل البت كانت عايزة رامي.

والتانية ردت:

ـ ما هو باين.

أكيد ندمانة على عمران.

داليدا وقفت مكانها.

الكلام وجعها.

مش علشان نفسها.

علشان عمران.

لأنها عارفة لو الكلام وصله هيتضايق.

كملت طريقها بسرعة.

لكن اللي ما تعرفوش…

إن عمران كان واقف على بعد أمتار.

وسمع كل كلمة.

كله.

قرب عليهم بخطوات ثابتة.

أول ما الستات شافوه وشهم اصفر.

واحدة منهم قامت بسرعة.

ـ يا دكتور عمران…

رفع إيده.

فسكتت.

وقال بهدوء مرعب:

ـ حد فيكم شاف مراتي قالت الكلام ده؟

ـ حد فيكم سمعها؟

ـ يبقى آخر مرة أسمع حد يجيب سيرتها.

الست حاولت تبرر.

ـ إحنا بنقول اللي الناس بتقوله.

رد عمران:

ـ وأنا مالي بالناس؟

صوته بقى أخشن.

ـ مراتي أشرف من أي حد يتكلم عنها.

وأصدقها قبل ما أصدق البلد كلها.

داليدا كانت واقفة بعيد.

وسامعة.

وعينيها بدأت تلمع بالدموع.

لأنها لأول مرة في حياتها…

تلاقي راجل يدافع عنها بدل ما يشك فيها.

في الليل.

كان المطر نازل.

والهوا قوي.

وفجأة عمران اتأخر.

ساعة.

اتنين.

تلاتة.

والتليفون مقفول.

داليدا بدأت تقلق.

أول مرة تقلق بالشكل ده.

كل دقيقة كانت بتبص للباب.

ثم للشباك.

ثم ترجع تمشي.

قلبها كان بيخبط بعنف.

لدرجة إنها ما انتبهتش لنفسها وهي بتدعي.

ـ يا رب يكون بخير…

يا رب.

وفجأة سمعت صوت عربية برا.

جريت ناحية الباب.

وفتحته بسرعة.

ولقت عمران.

واقف تحت المطر.

هدومه مبلولة.

وفي جبينه جرح صغير بينزل منه دم.

صرخت:

ـ عمران!

رفع رأسه.

وأول ما شاف خوفها عليه…

نسي الوجع كله.

لأن أول حاجة عملتها…

إنها جريت عليه.

من غير تفكير.

ومن غير خوف.

ومن غير حواجز.

وجريت تحضنه.الفصل الثامن: الحضن اللي غيّر كل حاجة

أول ما وصلت له داليدا كانت أنفاسها متقطعة من الخوف.

مسكت دراعه وهي بتبص للدم اللي نازل من جنب جبينه.

ـ إيه اللي حصل؟

عمران نفسه اتجمد.

مش بسبب الجرح.

ولا بسبب المطر.

لكن بسبب إيديها اللي كانت ماسكة فيه.

وبسبب الرعب الحقيقي اللي شايفه في عينيها عليه.

أول مرة يشوفها خايفة عليه بالشكل ده.

حاول يطمنها.

ـ متخافيش…

جرح بسيط.

ـ بسيط إيه؟

كانت على وشك العياط.

ـ أنت بتنزل دم.

ابتسم رغمًا عنه.

ـ والله دكتور وبفهم.

ـ وأنا مالي بالدكتور!

قالتها بعصبية وهي تسحبه لجوه البيت.

فابتسم أكتر.

لأنها كانت أول مرة تتصرف معاه كأنه يخصها.

دخلت جري تجيب صندوق الإسعافات.

وعمران قاعد يتفرج عليها.


 ↚


كل شوية تروح ناحية وتنسى هي كانت رايحة تجيب إيه من كتر التوتر.

لحد ما قال:

ـ داليدا.

ـ نعم؟

ـ اقعدي.

ـ لا.

ـ ليه؟

ـ علشان أعالج الجرح.

ضحك.

ـ الجرح أصغر من اللي في خيالك.

ـ اسكت.

رفعت إصبعها في وشه.

ـ متتكلمش.

فسكت فعلًا.

وقعد يتفرج عليها وهي بتنضف الجرح.

لكن المشكلة إن داليدا كانت قريبة جدًا.

قريبة للدرجة اللي مخلياه يسمع نفسها.

ويشوف رعشة رموشها.

ويشم ريحة شعرها.

فبدأ قلبه يدق بعنف.

أما هي فكانت مركزة في الجرح.

لحد ما رفعت عينيها فجأة.

واتقابلت نظراتهم.

الثواني دي طولت.

طولت جدًا.

ولا واحد فيهم عرف يبص بعيد.

لحد ما داليدا هي اللي بعدت.

وقامت بسرعة.

وقلبها هي كمان بيدق بشكل مرعب.

بعد العشا.

كان المطر لسه بينزل.

والنور قطع فجأة.

اتغطى البيت كله بالظلام.

شهقت داليدا.

ومن غير تفكير قالت:

ـ أنا هنا.

صوته جه من قريب.

قريب جدًا.

فحست بالأمان فورًا.

أشعل فانوس صغير وحطه على الطاولة.

والضوء البرتقالي انعكس على وشها.

عمران سرح للحظة.

لأنها كانت جميلة بشكل يوجع القلب.

هادية.

ناعمة.

وعينيها الكبيرة بتلمع وسط الضوء.

فأجبر نفسه يبص بعيد.

قبل ما يفضح اللي جواه.

سكتوا شوية.

ثم قالت داليدا فجأة:

ـ الجرح حصل إزاي؟

ـ خناقة.

رفعت حاجبها.

ـ خناقة؟

ـ واحد كان بيضرب أخوه الصغير.

ـ وأنت تدخلت؟

ـ أسيبه يعني؟

هزت رأسها.

ثم ابتسمت.

ـ كنت عارفة.

ـ عارفة إيه؟

ـ إنك مستحيل تتفرج على حد مظلوم.

بصلها طويلًا.

وقال بهدوء:

ـ وإنتِ؟

ـ مالي؟

ـ بقيتي تعرفيني للدرجة دي؟

احمر وشها.

وما عرفتش ترد.

في اليوم التالي.

كانت داليدا واقفة في السوق مع واحدة من قرايبها.

وفجأة سمعت بنتين بيتكلموا.

ـ دكتور عمران وسيم قوي.

ـ ده لو كان مش متجوز كنت جريت أتجوزه.

البنتين ضحكوا.

أما داليدا…

فوشها اتكدر فورًا.

ورجعت البيت متعصبة.

من غير سبب واضح.

على الأقل ده اللي كانت بتحاول تقنع نفسها بيه.

وفي المساء رجع عمران.

لقيها مكشرة.

ـ خير؟

ـ مفيش.

ـ أكيد؟

ـ أيوه.

ـ طب بصيلي.

ـ مش عايزة.

بدأ يضحك.

ـ ليه؟

وفجأة فهم.

لأن سالم كان حكى له إن نص بنات البلد بيتكلموا عنه في السوق.

فقرب وهو بيكتم ضحكته.

ـ حد ضايقك؟

ـ لا.

ـ طب حد قال حاجة؟

ـ أمال مالك؟

رفعت عينيها بغضب لطيف.

ـ هو أنت مشهور قوي كده في البلد؟

وساعتها…

عمران ضحك من قلبه لأول مرة من أيام.


أما داليدا ففهمت إنه كشف غيرتها.

فاحمر وشها بالكامل.

لكن جوه قلب عمران…

كان في فرحة كبيرة.

لأن البنت اللي كانت بتهرب منه ليلة فرحها…

بقت تغير عليه النهارده.

لكن فرحتهم ما طولتش.

لأن في آخر الليل…

وصل خبر قلب البلد كلها.

خبر خلى عمران يقوم من مكانه فجأة.

وخلى وشه يتغير بالكامل.

أما داليدا فحست بالخوف أول ما سمعته يقول:

ـ مستحيل…

يتبع

استكشف رواية حنين الروح الفصل الخامس بقلم اسما السيد استكشف جميع فصول رواية حنين الروح بقلم اسما السيد

إرسال تعليق