الفصل الخامس: الغيرة الأولى
عدى أسبوع كامل بعد زيارة صفية.
أسبوع هادي بشكل غريب.
داليدا بدأت تتعود على وجود عمران.
على صوته وهو بيصحى بدري.
على خبط خطواته في البيت.
على رجوعه آخر النهار وهو شايل أكياس الفاكهة أو الحلوى كأنه متعود يجيب حاجة مخصوص ليها.
وفي المقابل…
عمران بقى يلاحظ تفاصيل صغيرة فيها.
إنها بتحب الشاي التقيل.
بتخاف من الرعد.
بتنام والنور الصغير مفتوح.
وبتتكلم وهي نايمة ساعات.
حاجات بسيطة.
لكنها كانت بتدخل قلبه أكتر كل يوم.
في صباح يوم من الأيام كان عمران واقف قدام المراية بيظبط ساعته.
خرجت داليدا من أوضتها.
وبمجرد ما شافته اتجمدت لحظة.
لأول مرة تشوفه لابس بدلة كاملة بدل الجلابية.
أسود أنيق.
شعره مترتب.
وساعة فخمة في إيده.
بص لها من خلال المراية.
ـ مالك؟
اتوترت بسرعة.
ـ ولا حاجة.
ابتسم بخبث خفيف.
ـ أكيد؟
ـ أيوه.
ـ طب ليه واقفة تبصيلي كده؟
احمر وشها فورًا.
ـ أنا كنت…
كنت مستغربة.
ـ من إيه؟
ـ إنك طالع دكتور فعلًا.
ضحك.
ضحكة خلتها تبتسم غصب عنها.
بعد ساعتين تقريبًا.
كان عمران في الوحدة الصحية الخاصة بيه.
أما داليدا فكانت قاعدة في البيت.
وفجأة افتكرت إنها نسيت تحطله الملف اللي طلبه.
ترددت شوية.
ثم قررت تروحله.
أخذت الملف وخرجت.
ولما وصلت…
وقفت مكانها.
كان في بنت جميلة واقفة قدام مكتب عمران.
بتضحك.
وعمران بيرد عليها.
مش بيضحك.
بس بيتكلم معاها.
قلب داليدا اتقبض فجأة.
إحساس غريب.
جديد.
ومش مريح.
دخلت بسرعة.
البنت بصتلها.
ـ أهلًا.
داليدا ردت ببرود.
أما عمران فاستغرب وجودها.
ـ داليدا؟
ـ نسيت الملف.
مدتله الملف.
وهي بتحاول متبصش للبنت.
لكن عينيها كانت راجعة لها كل شوية.
↚
البنت ابتسمت.
ـ حضرتك المدام؟
داليدا هزت رأسها.
ـ اتشرفت بيكي.
ردت ببرود أكتر.
ـ الله يسلمك.
وفجأة قالت البنت لعمران:
ـ طيب هستناك بكرة.
داليدا رفعت رأسها فورًا.
هتستناه بكرة؟
ليه؟
وليه أصلاً شكلها حلو بالشكل ده؟
طول الطريق للبيت كانت ساكتة.
ولما رجع عمران بالليل لقاها قاعدة في الجنينة الصغيرة قدام البيت.
ـ مفيش.
ـ متأكدة؟
قعد جنبها.
ـ داليدا.
ـ نعم؟
ـ أنا دكتور.
ـ عارفة.
ـ يعني طبيعي أقابل ناس.
ـ وأنا قولت حاجة؟
ابتسم.
بدأ يفهم.
فقال:
ـ اسمها نجلاء.
رفعت عينيها بسرعة.
ـ وأنا مالي؟
ـ مدرسة في المدرسة الإعدادية.
ـ حلو.
ـ متجوزة.
سكتت.
ـ وعندها ٣ عيال.
ثواني.
ثم فهمت.
وعرفت إنه عرف.
فاحمر وشها بالكامل.
أما عمران فكان لأول مرة سعيد بالشكل ده.
لأن الغيرة دي معناها حاجة واحدة.
حاجة كان مستنيها من زمان.
في نفس الليلة.
كانت داليدا نايمة.
لكنها مش عارفة تنام.
كل شوية تفتكر ضحكته.
وكلامه.
ونظرته.
وإزاي طول الفترة اللي فاتت عمره ما ضغط عليها في أي حاجة.
وفجأة سألت نفسها سؤال أخافها:
“هو أنا…
بقيت بحبه؟”
فورًا غطت وشها بالمخدة.
ورفضت تجاوب.
لكن قلبها كان عارف الإجابة قبلها.
أما عمران…
فكان قاعد لوحده في الصالة.
بيبص لصورة قديمة وهو صغير.
وفجأة افتكر شكلها وهي غيرانة.
فضحك لوحده.
وبعدين همس:
ـ يا رب.
كانت أول مرة يدعي بحاجة تخص نفسه من سنين.
ـ يا رب متبعدهاش عني.
لكن في نفس الوقت…
كان في حد تاني بيراقب البيت من بعيد.
حد رجع البلد بعد غياب طويل.
وما كانش عاجبه أبدًا قرب داليدا من عمران.
وكان ناوي يقلب حياتهم كلها.
يتبع…
الفصل السادس: العريس القديم
الصبح كان هادي.
داليدا صحيت بدري على غير عادتها.
ولأول مرة من أيام طويلة كانت حاسة براحة.
يمكن علشان ابتدت تتعود على حياتها الجديدة.
أو يمكن علشان عمران بقى جزء من يومها من غير ما تحس.
كانت بتحضر الفطار وهي سرحانة.
كل شوية تفتكر كلامه إمبارح.
وتفتكر ابتسامته لما كشف غيرتها.
فتبتسم لوحدها.
وفجأة سمعت صوته وراها.
ـ بتضحكي لوحدك ليه؟
شهقت.
ولفت بسرعة.
لقته واقف عند باب المطبخ.
حاسر دراعه وبيبتسم.
ـ خضتني.
ـ أنا اللي خضيتك ولا اللي في دماغك؟
احمر وشها.
فرح عمران بشكل غريب.
لأنها بقت كل يوم أقرب.
بس هو كان صابر.
مستني.
مستني تيجي منه هي.
بعد الفطار خرج عمران للشغل.
وداليدا فضلت في البيت.
لكن قبل الضهر بساعة تقريبًا…
سمعت صوت عربية واقفة قدام البيت.
استغربت.
محدش بييجي هنا تقريبًا.
خرجت تبص من الشباك.
واتجمدت.
شاب نازل من عربية فخمة.
في أواخر العشرينات.
لابس بدلة.
وشكله ابن ناس.
↚
أول ما شافها ابتسم.
ابتسامة خليتها تتوتر.
خبط الباب.
فتحت بحذر.
ـ نعم؟
الشاب فضل يبص لها ثواني.
كأنه بيتأكد إنها هي.
ثم قال:
ـ داليدا؟
قلبها انقبض.
ـ أيوه.
ـ عرفتيش مين؟
هزت رأسها.
فابتسم بحزن.
ـ أنا رامي.
وفجأة افتكرت.
رامي.
ابن صاحب جدها.
الشاب اللي كان فيه كلام زمان إنها ممكن تتجوزه.
قبل ما يقرر الجد جوازها من عمران.
اتوترت.
ـ خير؟
ـ كنت معدي البلد وسمعت إنك اتجوزتي.
سكت لحظة.
ـ ومصدقتش.
داليدا بدأت تنزعج.
ـ الحمد لله اتجوزت.
رامي ضحك بسخرية خفيفة.
ـ عمران؟
ـ وانتي موافقة؟
الكلمة خرجت أسرع مما توقعت.
فهي نفسها انتبهت لها.
أيوه.
موافقة.
مش غصب.
ولا خوف.
لأول مرة اعترفت بده بصوت عالي.
لكن رامي ما اقتنعش.
وقال:
ـ الناس كلها عارفة إن الجوازة دي كانت بالعافية.
ـ الناس متعرفش حاجة.
ـ وأنا أعرفك.
ـ لا.
بصت له بثبات.
ـ أنت كنت تعرف داليدا زمان.
إنما دلوقتي لا.
في نفس اللحظة تقريبًا…
كان عمران راجع من الوحدة الصحية بدري.
ولما قرب من البيت شاف عربية غريبة واقفة.
عينه ضاقت فورًا.
وترجل من عربيته.
ودخل بخطوات سريعة.
وفي اللحظة اللي دخل فيها…
لقى رامي واقف قريب من داليدا.
قريب زيادة عن اللزوم.
وسمع آخر جملة.
“أنا أعرفك أكتر من جوزك.”
الصمت نزل فجأة.
داليدا التفتت.
وشافت عمران.
أما رامي فالتفت هو كمان.
ونظرات الرجالة اتقابلت.
ثواني.
لكنها كانت كفاية.
داليدا لأول مرة تشوف عمران غضبان بجد.
مش صوته.
عينيه.
العروق البارزة في رقبته.
والهدوء المخيف اللي بيظهر عليه لما يغضب.
قال عمران بهدوء:
ـ مين حضرتك؟
رامي مد إيده.
ـ رامي السيوفي.
عمران ما مدش إيده.
ولا بص لها أصلًا.
قال فقط:
ـ وعايز إيه من مراتي؟
كلمة “مراتي” خرجت قوية وواضحة.
رامي ابتسم ابتسامة مستفزة.
ـ بطمن عليها.
ـ وأنا موجود أطمنها.
ـ أكيد؟
سكت عمران.
أما داليدا فبدأت تقلق.
لأنها حست إن الموضوع داخل على مشكلة كبيرة.
رامي قال:
ـ أصل اللي سمعناه إن الجوازة دي كانت بالعافية.
وفجأة…
تكلمت داليدا قبل عمران.
ـ كفاية.
الاتنين بصوا لها.
وقالت بحزم:
ـ جوازي يخصني أنا وجوزي.
ـ داليدا…
ـ لو سمحت.
أشارت ناحية الباب.
ـ اتفضل امشي.
رامي اتصدم.
لأنه كان متوقع إنها تشتكي.
أو تبين إنها تعبانة.
لكنها كانت واقفة جنب عمران.
بإرادتها.
بعد لحظات طويلة خرج.
لكن قبل ما يركب عربيته بص ناحية عمران وقال:
↚
ـ خلي بالك عليها.
رد عمران بهدوء:
ـ طول ما أنا عايش محدش هيبقى أحرص عليها مني.
ورحل رامي.
لكن بعد ما اختفى…
فضل عمران واقف ساكت.
هادئ زيادة عن اللزوم.
وداليدا بدأت تقلق.
لأنها عرفت إنه غيران.
ولأول مرة…
هي كانت سعيدة بالغيرة دي أكثر مما ينبغي.
يتبع…
استمتع بـ رواية حنين الروح الفصل الرابع بقلم اسما السيد استكشف جميع فصول رواية حنين الروح بقلم اسما السيد