الفصل الثاني: أول مرة يقف قدام أمه
صحيت داليدا تاني يوم على صوت عصافير وضوء شمس داخل من الشباك.
اتعدلت بسرعة وهي بتبص حواليها.
افتكرت كل حاجة.
الجوازة.
الهروب.
وعمران.
قامت تفتح الباب بحذر.
لقته نايم على الكنبة فعلًا.
زي ما قال.
ولا حاول يفتح بابها.
ولا قرب منها.
ولا حتى دخل الأوضة.
كانت أول مرة تحس إن الصورة اللي رسمتها عنه يمكن تكون غلط.
لكنها هزت رأسها بسرعة.
لا.
أكيد ده تمثيل.
أكيد مستني الوقت المناسب.
دخلت المطبخ تدور على مية.
اتفاجأت بالأكل متجهز.
وشاي سخن متغطي.
وورقة صغيرة جنب الكوباية.
“كلي الأول قبل ما تقلقي.”
بصت للخط.
وقلبها اتلخبط.
في نفس اللحظة فتح عمران عينه.
شافها واقفة.
فقام بهدوء.
ـ صباح الخير.
ما ردتش.
اكتفى بابتسامة صغيرة.
ـ كلي.
ـ مش جعانة.
ـ كدابة.
سكتت.
ـ من امبارح ما كلتيش حاجة.
بصتله باستغراب.
ـ عرفت منين؟
ـ كنت سامع بطنك بتصوت طول الليل.
رغم خوفها، ضحكة صغيرة هربت منها غصب.
وأول ما ضحكت…
عمران حس بحاجة غريبة جوه صدره.
حاجة عمره ما حسها قبل كده.
بعد الضهر وصل واحد من رجالة عمران.
كان اسمه سالم.
دخل وهو متوتر.
ـ عمران بيه…
الدوار مقلوب.
ـ أعرف.
ـ الحاجّة صفية بتدور عليكم في كل حتة.
عمران وقف.
ـ خليها تدور.
ـ والجد الكبير غضبان.
ـ هو كمان يدور.
سالم بلع ريقه.
ـ بيقولوا البنت هربت علشان…
قبل ما يكمل.
رفع عمران عينه له.
فسكت فورًا.
ـ علشان إيه؟
ـ بيقولوا سمعتها مش كويسة.
في ثانية واحدة.
اتحول وش عمران.
قام واقف.
لدرجة إن سالم رجع خطوة للخلف.
ـ اسمعني كويس يا سالم.
ـ حاضر.
ـ أي راجل هيتكلم على مراتي بكلمة هكسر سنانه.
ـ وأولهم اللي مطلع الإشاعة.
ـ وأمي نفسها لو قالتها تاني قدامي مش هسكت.
سالم فتح عينه بصدمة.
عمره ما شاف عمران بيتكلم بالشكل ده.
خصوصًا عن واحدة ست.
أما داليدا…
فكانت واقفة وراء الباب.
وسمعت كل كلمة.
كل كلمة.
وقلبها دق لأول مرة بشكل مختلف.
قبل المغرب.
قرر عمران يرجع الدوار.
ويسيب داليدا في البيت.
لكن قبل ما يمشي وقف عند الباب.
ـ اقفلي كويس.
ـ لو حد خبط متفتحيش.
ـ وأنا هرجع بسرعة.
سكتت لحظة.
ثم قالت لأول مرة:
ـ خلي بالك من نفسك.
عمران اتجمد ثانية.
ثم ابتسم.
وخرج.
وصل الدوار.
أول ما دخل.
قامت أمه من مكانها.
ـ أخيرًا جيت!
ـ أيوه.
ـ فين البنت؟
ـ مرتي.
ـ ما هي البنت!
ـ اسمها داليدا.
اتوتر المكان كله.
صفية زعقت:
ـ رجعها هنا حالًا.
ـ لا.
ـ يعني إيه لا؟
ـ يعني لا.
ـ أنت اتجننت؟
عمران قرب منها.
وقال بهدوء أخطر من الصراخ:
ـ اللي حصل امبارح مش هيتكرر.
ـ أنا أمك.
ـ وعشان كده ساكت.
ـ البنت دي ضحكت عليك.
ـ لا.
ـ هربت ليلة فرحها!
ـ خافت.
ـ من إيه؟
ـ منكم.
الصمت نزل على القاعة كلها.
صفية شهقت.
ـ مننا؟
ـ أيوه.
ـ أنت مصدقها؟
ـ مصدق نفسي.
وبعدين قال جملة خلت الكل يتسمر مكانه:
ـ لو داليدا قالت السماء خضرا…
هصدقها قبل ما أصدق أي حد بيتكلم عليها.
ولأول مرة في حياته.
وقف عمران ضد أهله كلهم.
واختارها هي.
وفي نفس الوقت…
في البيت البعيد.
كانت داليدا قاعدة لوحدها.
مش عارفة إن الراجل اللي كانت بتترعب منه…
بيحارب عيلته كلها علشانها.
وإن قلبه بدأ يقع فيها بالفعل…
من غير ما يعرف.
الفصل الثالث: أول مرة تشوفه بعين مختلفة
رجع عمران بعد المغرب متأخر.
طول الطريق كان غضبان.
مش من داليدا.
ولا من هروبها.
كان غضبان من نفسه.
لأنه اكتشف متأخر قد إيه البنت كانت عايشة وسط كلام وسموم وخوف.
وأكتر حاجة وجعته…
إنها كانت خايفة منه هو.
وصل البيت الصغير.
ولقى النور مولع.
ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه رغمًا عنه.
لأول مرة من سنين…
حد مستنيه.
دخل بهدوء.
فاتفاجأ بداليدا واقفة في المطبخ.
لابسة جلابية بسيطة، وشعرها مربوط، وبتحاول تعمل أكل.
لكن واضح إنها فشلت.
لأن الدخان كان مالي المكان.
عمران وقف يبص للمشهد ثواني.
ثم قال:
ـ واضح إن المطبخ بيودعنا النهارده.
شهقت داليدا والتفتت بسرعة.
ـ يا ساتر!
وبعدين بصت للحلة المحروقة.
ـ أنا…
كنت بحاول.
ضحك لأول مرة قدامها.
ضحكة حقيقية.
خلتها تتجمد مكانها.
لأنها عمرها ما تخيلت إن عمران بيضحك أصلًا.
أخته كانت دايمًا تصفه كأنه جبل متحرك.
لكن الراجل اللي واقف قدامها دلوقتي…
كان مختلف.
طفى النار.
وشمر أكمامه.
ـ ابعدي بس.
ـ هتعمل إيه؟
ـ هننقذ العشا.
ـ تعرف تطبخ؟
بصلها باستغراب.
ـ أنا عايش لوحدي بقالي سنين.
وبالفعل بدأ يجهز الأكل.
وداليدا واقفة تتفرج.
ولأول مرة تشوفه قريب.
مش كابن عمها المرعب.
ولا كالعريس اللي اتفرض عليها.
لكن كرجل عادي.
هادئ.
مسؤول.
وبيحاول يطمنها من غير كلام.
بعد الأكل.
قعدوا في الصالة.
الصمت كان مالي المكان.
لحد ما داليدا سألت فجأة:
ـ هو صحيح اللي كانوا بيقولوه عنك؟
رفع حاجبه.
ـ إيه؟
ـ إنك اتجوزت كتير.
ضحك بخفة.
ـ وإنك بتعذب مراتاتك؟
بص لها مطولًا.
ـ وأنا شكلي عندي مراتات أصلًا؟
احمرت من الإحراج.
لكنها كملت:
ـ أنا كنت مصدقة.
ـ عارف.
ـ ليه؟
ـ لأن محدش عرفك الحقيقة.
سكتت.
فأكمل:
ـ أول ما خلصت كلية الطب سافرت سنين برا البلد.
رجعت لقيت الناس مألفة عني حكايات أكتر من المسلسلات.
لأول مرة بدأت تسمع منه.
مش عنه.
وكان الفرق كبير.
مرت الأيام.
يوم ورا يوم.
الخوف بدأ يقل.
والراحة بدأت تكبر.
بقت تضحك قدامه.
وترد عليه.
وأحيانًا تزعقله.
وهو يضحك.
وفي مرة كانت بتنزل من على السلم الخارجي الصغير.
ورجلها اتلوت.
صرخت.
وفي ثانية واحدة كان عندها.
مسكها قبل ما تقع.
وكانت أول مرة تبقى قريبة منه بالشكل ده.
قريبة جدًا.
لدرجة إنها سمعت دقات قلبه.
أو يمكن كانت دقات قلبها هي.
مش عارفة.
لكن اللي عرفاه…
إنها نسيت تتنفس.
وعمران كان باصصلها.
نفس النظرة اللي بيخبيها بقاله سنين.
نظرة راجل شايف أجمل ست في الدنيا.
فاقت فجأة.
وبعدت بسرعة.
أما هو فسابها براحتها.
كالعادة.
لكن الهدوء ما استمرش طويل.
لأن في اليوم اللي بعده…
وصلت واحدة ست كبيرة للبيت.
وخبطت الباب بعنف.
ولما فتحت داليدا…
اتجمدت.
كانت صفية.
أم عمران.
واقفة قدامها.
وعينيها مليانة غضب.
وقالت أول ما شافتها:
ـ أخيرًا لقيتك يا بنت عمي.
وشعرت داليدا إن العاصفة الحقيقية لسه بتبدأ…### الفصل الرابع: عمران يختارها أمام الجميع
اتجمد الدم في عروق داليدا.
كانت صفية واقفة قدامها بنظرات حادة تخوف أي حد.
ـ أيوه…
واقفة تتفرجي عليا ليه؟
داليدا حاولت تتمالك نفسها.
ـ اتفضلي.
ـ مش داخلة.
أنا جاية آخدك.
شهقت داليدا.
ـ آخدني فين؟
ـ بيت جوزك.
ـ أنا في بيت جوزي.
ارتفع حاجبا صفية.
واضح إنها ما كانتش متوقعة الرد.
وقبل ما ترد…
وصل عمران.
كان نازل من عربيته وشاف المشهد من بعيد.
وفي ثواني وصل عند الباب.
وقف بين أمه وداليدا مباشرة.
كأنه حاجز بشري.
وقال بهدوء:
ـ خير يا أمي؟
ـ خير؟
مراتك بترد عليا.
ـ ما هي مش خدامة عندك.
الصمت نزل فجأة.
حتى داليدا نفسها بصت له بصدمة.
أما صفية فشهقت.
ـ عمران!
ـ أيوه.
ـ دي أمك اللي بتكلمك.
ـ وعشان كده بتكلم باحترام.
لكن محدش هيزعق لمراتي.
أبدًا.
أول مرة داليدا تشوف حد يقف علشانها بالشكل ده.
أول مرة حد يحميها بدل ما يطلب منها تسكت.
وأول مرة تحس بالأمان الحقيقي.
بعد ما مشيت صفية.
قعد عمران ساكت فترة.
كان واضح إنه متضايق.
داليدا قربت منه.
ـ زعلت أمك عشاني.
ـ لا.
ـ بس…
ـ أنا زعلان إنها زعلتك.
رفعت عينيها له.
وللحظة…
ما عرفتش ترد.
لأنها شافت الصدق في كلامه.
وشافت الاهتمام.
وشافت حاجة عمرها ما كانت متوقعاها.
الحب.
لكنها ما كانتش مستعدة تعترف بده حتى لنفسها.
في تلك الليلة…
لأول مرة داليدا نامت وهي مبتسمة.
ولأول مرة عمران نام وهو مطمن إنها موجودة تحت نفس السقف.
مش خايفة.
ومش بتفكر تهرب.
لكن الاتنين ما كانوش يعرفوا إن الأيام الجاية…
هتخلي قلوبهم تقع أكتر وأكتر في حب بعض.
