رواية حنين الروح الفصل السابع والاخير بقلم اسما السيد




الفصل الرابع عشر: السر القديم

رجعوا من السفر بعد يومين.

لكن داليدا رجعت شخص تاني.

كانت طول الطريق مبتسمة.

كل شوية تفتكر موقف من الرحلة وتضحك.

وعمران كان سايق العربية ومبسوط لمجرد إنه شايفها سعيدة.

ولأول مرة من سنين…

حس إن البيت بقى بيت فعلًا.

مش مجرد مكان بينام فيه.

لما وصلوا الدوار.

اتفاجأوا إن الجو متوتر.

الخدم بيتكلموا بصوت واطي.

والكل باين عليه القلق.

أول ما دخل عمران سأل:

ـ في إيه؟

واحد من الرجالة رد بسرعة:

ـ الحاجة صفية تعبانة.

عمران اتجه لأوضة أمه فورًا.

وداليدا مشيت وراه.

دخلوا.

ولقوا صفية على السرير.

وشكلها مرهق جدًا.

أول ما شافت عمران دموعها نزلت.

وده لوحده كان غريب.

لأن صفية عمرها ما كانت بتبين ضعفها.

قرب منها عمران.

ـ مالك يا أمي؟

مسكت إيده.

وبصت له نظرة غريبة.

كأنها شايلة حمل سنين.

وقالت:

ـ محتاجة أكلمك.

لوحدنا.

داليدا خرجت.

وقفلت الباب وراها.

لكن قلبها انقبض.

لأنها أول مرة تشوف صفية بالشكل ده.

جوه الأوضة.

فضلت صفية ساكتة دقيقة كاملة.

وبعدين فتحت درج الكومودينو.

وأخرجت ظرف قديم.

أصفر من الزمن.

ومدتّه لعمران.

ـ افتحه.

استغرب.

لكن فتحه.

ومع أول سطر قراه…

وشه اتغير.

تمامًا.

بعد نص ساعة خرج من الأوضة.

وشه شاحب.

وعينه سرحانة.

كأنه سمع حاجة هزت الدنيا تحت رجليه.

داليدا قامت فورًا.

ـ عمران؟

بصلها.

لكن ما ردش.

ـ مالك؟

سكت.

ثم قال:

ـ عايز أبقى لوحدي شوية.

ومشي.

لأول مرة.

من يوم ما عرفته.

يمشي ويسيبها كده.


من غير ما يطمنها.

من غير ما يشرح.

من غير حتى ما يبصلها كويس.

وقتها بس…

داليدا خافت.

بجد.

عدى يوم كامل.

وعمران متغير.

بياكل قليل.

بيتكلم قليل.

وسرحان طول الوقت.

وفي اليوم التاني.

داليدا ما استحملتش.

دخلت عليه المكتب.

وقفلت الباب.

ـ إحنا هنتكلم.

رفع رأسه ببطء.

ـ دلوقتي؟

ـ أيوه دلوقتي.

فكملت:

ـ أنت زعلان من إيه؟

ـ مفيش.

ـ لا فيه.

ـ يا داليدا…

ـ لا.

لأول مرة كانت عنيدة بالشكل ده.

ـ أنا مراتك.

ومن حقي أعرف.

الجملة دي هزته.

لأنه فعلًا بقى متعود يحكي لها كل حاجة.

لكن دي بالذات…

صعبة.

قوي.

تنهد طويلًا.

ـ أمي خبت عليا حاجة طول عمري.

داليدا سكتت.

ـ إيه؟

ـ الحقيقة الكاملة عن أبويا.

اتوترت.

لأن عمران كان دايمًا حساس ناحية الموضوع ده.

من وهو صغير.

وهو فاكر إن أبوه مات وهو طفل.

لكن الرسالة كانت بتقول حاجة تانية.

حاجة قلبت حياته كلها.

قال بصوت متعب:

ـ أبويا ما ماتش وقتها.

داليدا اتجمدت.

ـ عاش سنين.

وسابنا.

الصمت نزل بينهم.

ثواني طويلة.

ثم همست:

ـ يعني إيه؟

ضحك ضحكة موجوعة.


ـ يعني الراجل اللي قضيت عمري كله فاكره بطل…

اختار يمشي.

ويسيبني.

ويسيب أمي.

ويسيب البيت كله.

كانت أول مرة تشوف وجع عمران الحقيقي.

الوجع اللي عمره ما وريه لحد.

وفجأة.

ومن غير تفكير.

قامت من مكانها.

ومشت ناحيته.

وحطت إيديها على كتفه.

ـ بصلي.

رفع عينه.

فقالت بهدوء:

ـ أنا ماليش دعوة هو عمل إيه.

ولا اختار إيه.

ولا كان يستاهل يبقى أب ولا لا.

لكن في حاجة واحدة أعرفها.

ـ إيه؟

ـ إنه خسر.

سكت.

فكملت:

ـ خسر إنه يشوف الراجل اللي بقيت عليه.

وخسر إنه يعرفك.

وخسر إنه يبقى جزء من حياتك.

أما أنت…

فأنت كسبت ناس بتحبك بجد.

عين عمران لمعت لأول مرة.

ثم قالت وهي تبتسم:

ـ وأنا أولهم.

الصمت نزل.

لكن المرة دي كان مختلف.

دافي.

مليان مشاعر.

وعمران فضل باصص لها.

كأنه بيشوفها لأول مرة.

ثم مد إيده.

ومسك إيدها بين إيديه.

وقال بصوت منخفض:

ـ تعرفي؟

ـ كل مرة أقول إني بحبك…

أكتشف إني كنت أقلل من الحقيقة.

احمر وشها فورًا.

لكن قلبها كان بيطير.

ومن يومها.

بقت أقرب إنسانة ليه.

بقت أول شخص يحكيله.

وأول شخص يدور عليه لما يفرح.

وأول شخص يحتاجه لما يتوجع.

لكن الأيام الجاية كانت مخبية لهم مفاجأة أكبر.

مفاجأة هتخلي الدوار كله يفرح.

وتخلي عمران يعيش أسعد أيام عمره.

لأن داليدا كانت على وشك تكتشف خبر هيغير حياتهم للأبد…

❤️

الفصل الخامس عشر: الخبر اللي غير كل حاجة

مر أسبوعين بعد موضوع الرسالة.

وعمران بدأ يرجع لطبيعته.

أو بالأصح…

رجع أسرع بسبب داليدا.

لأنها ما سابتوش لحظة.

كل ما تلاقيه سرحان تجره للكلام.

كل ما تشوف الحزن في عينه تفتعل أي حجة علشان تضحكه.

وفي يوم بالليل كان قاعد في المكتب.

يدور على ملف.


وفجأة لقاها داخلة.

شايلة صينية شاي.

ـ اتفضل يا دكتور.

رفع رأسه وابتسم.

ـ شكراً يا ست الدكتورة.

ضحكت.

لكن فجأة.

وشها اتغير.

وحطت الصينية بسرعة.

وجريت ناحية الحمام.

عمران اتخض.

وقام وراها فورًا.

ـ داليدا!

لكنها قفلت الباب.

وبعد دقائق خرجت.

وشها شاحب.

ـ مالك؟

ـ مفيش.

ـ مفيش إزاي؟

ـ يمكن تعبت شوية.

لكن عمران ما اقتنعش.

أبدًا.

تاني يوم.

صحيت متأخرة.

وده لوحده كان غريب.

وبعدين رفضت الفطار.

والغدا.

ولما شمت ريحة القهوة اللي بيعشقها عمران…

حست بدوخة.

فهمت.

أو بدأت تشك.

لكنها ما قالتش حاجة.

بعد يومين.

راحت تكشف في عيادة بعيدة مع دكتورة تعرفها.

وقلبها كان بيدق طول الطريق.

لحد ما خرجت الدكتورة بابتسامة.

وقالت:

ـ مبروك يا مدام داليدا.

كانت كلمة واحدة.

لكنها خلت الدنيا كلها تسكت حواليها.

ـ يعني…؟

ضحكت الدكتورة.

ـ حامل.

رجعت البيت.

وهي مش حاسة برجليها.

كانت فرحانة.

ومتوترة.

وخايفة.

وسعيدة.

كل المشاعر مرة واحدة.

أما المشكلة…

فكانت في عمران.

إزاي تقوله؟

في المساء رجع من الشغل.

ولقاها قاعدة هادية بشكل غريب.

ـ خير؟

ـ خير.

ـ متأكدة؟

ـ أيوه.

ـ يبقى أكيد في مصيبة.

ضربته بالمخدة.

فضحك.

وقعد جنبها.

ـ قولي.

ـ لا.

ـ ليه؟

ـ مفاجأة.

ـ أنا بكره المفاجآت.

ـ استحمل.

بعد العشا.

دخل أوضتهم.

ولقى علبة صغيرة على السرير.

استغرب.

فتحها.

وسكت.

تمامًا.

جوه العلبة كان فيه حذاء طفل صغير جدًا.

أبيض.

وصغير لدرجة إنه يستخبى في كف إيده.

فضل باصص له ثواني.

مش مستوعب.

ثم رفع عينه ببطء.

ولقى داليدا واقفة.

وعينيها مليانة دموع وفرحة.

همست:

ـ مبروك يا بابا.

في اللحظة دي…

وقف الزمن.

عمران ما اتحركش.

ولا اتكلم.

ولا حتى رمش.

ثم فجأة…

ضحك.

وبعدين دمعت عينه.

ولأول مرة في حياته.

بكى من الفرح.

داليدا نفسها اتفاجأت.

لأن عمران عمرها ما شافته بيعيط.

أبدًا.

لكنه قرب منها.

ومسك وشها بين إيديه.

وقال بصوت مخنوق:

ـ بجد؟

هزت رأسها.

ـ بجد.

ـ حامل؟

ضحكت وسط دموعها.

ـ يعني هيبقى عندنا طفل؟


في اللحظة دي شالها من الأرض.

ولف بيها.

وهو بيضحك كأنه طفل صغير.

ـ عمران نزلني!

ـ مستحيل!

ـ هتقعني!

ـ أخليكي تقعّي وإنتي شايلة ابني؟

ثم توقف فجأة.

ـ أو بنتي.

ـ أو بنتك.

ـ أو الاتنين.

ضحكت.

وهو فضل يبصلها كأنه مش مصدق.

ومن اليوم ده…

اتحول عمران لشخص تاني تمامًا.

بقى يسألها كل خمس دقايق:

ـ أكلتي؟

ـ ارتحتي؟

ـ شربتي مية؟

ـ نمتي كويس؟

لدرجة إنها بدأت تشتكي.

ـ عمران أنا حامل مش مريضة.

ـ الاتنين عندي واحد.

ـ لا مش واحد.

ـ عندي واحد.

حتى صفية نفسها بدأت تلاحظ التغيير.

وفي يوم دخلت عليهم.

ولقت عمران بيمنع داليدا تشيل صينية صغيرة.

شهقت.

ـ يا نهار أبيض.

عمران بص لها.

ـ نعم؟

ـ دي صينية فاضية.

ـ برضه تقيلة.

داليدا انفجرت ضحك.

أما صفية فهزت رأسها.

وقالت:

ـ ابني ضاع.

لكن رغم كل الفرح…

كان في شيء جديد بيحصل.

شيء بدأ يكبر جوه صفية نفسها.

لأنها لأول مرة بدأت تشوف داليدا بعين مختلفة.

وبدأت تعترف بينها وبين نفسها…

إن البنت دي فعلًا بتحب ابنها.

أكتر من أي حد تاني.

وإن وجودها خلا عمران أسعد راجل في الدنيا.

لكن لسه الطريق طويل.

ولسه الحمل في أوله.

ولسه عمران هيكتشف إن غيرته وخوفه على داليدا هيزيدوا أضعاف.

خصوصًا بعد الحادثة اللي هتحصل في الشهر الرابع…

واللي هتخليه يعيش أسوأ ساعات عمره.

الفصل الأخير: بعد سنوات من الحب

مرت شهور الحمل ببطء على عمران.

أما على داليدا…


فمرت وسط حب واهتمام كانت أحيانًا تضحك بسببه.

لأن عمران تحول حرفيًا إلى حارس شخصي.

لو عطست مرة يسألها عشر مرات.

ولو اتأخرت دقيقة عن الرد عليه يقلب الدنيا.

ولو مشت بسرعة خطوتين يطلب منها تهدى.

وكانت كل ما تضحك عليه يقول بجدية:

ـ أنا دكتور.

فترد:

ـ وأكتر راجل مبالغ في الدنيا.

وفي الشهر الرابع حصلت الأزمة اللي خوفت الجميع.

داليدا تعبت فجأة.

واضطروا يروحوا المستشفى.

وساعات طويلة مرت على عمران وكأنها سنين.

ولأول مرة أهل الدوار شافوا خوفه الحقيقي.

كان ماشي في الممر ذهابًا وإيابًا.

وشاحب الوجه.

ولا قادر يقعد.

ولا قادر يتكلم.

ولما خرج الدكتور أخيرًا وقال:

ـ الحمد لله…

هي والبيبي بخير.

جلس عمران على أول كرسي قابله.

وكأن حمل جبل كامل انزاح من فوق صدره.

ومن يومها زاد تعلقه بها أكثر.

وأقسم ألا يجعلها تحمل همًا واحدًا ما دام حيًا.

وجاء يوم الولادة.

الدوار كله كان مستيقظًا.

صفية تدعو.

الحاج منصور يسبح.

والكل ينتظر.

أما عمران…

فكان أسوأهم حالًا.

حتى إن أحد أعمامه قال مازحًا:

ـ اللي جوه بيولد مين بالضبط؟

داليدا ولا عمران؟

فضحك الجميع.

إلا عمران.

كان قلقًا بالفعل.

وبعد ساعات طويلة…

خرجت الممرضة مبتسمة.

وقالت:

ـ مبروك.

رزقكم الله بولد جميل.

لم يشعر عمران بنفسه.

دخل الغرفة فورًا.

ولما رأى داليدا تحمل طفلهما…

توقف.

كان المشهد أجمل من كل أحلامه.

اقترب ببطء.

وجلس بجوارها.

ثم نظر للطفل.

وقال بصوت مرتجف:

ـ ده ابني؟

ضحكت داليدا.

ـ لا…

ابن الجيران.

نظر لها ثم ضحك.

ولأول مرة حمل طفله بين يديه.

وكانت عيناه تلمعان بالسعادة.

بعد عامين…

رزقهم الله بطفلة جميلة.

وبعدها بسنوات قليلة…

امتلأ البيت بالأطفال والضحكات.

الولد يركض خلف أخته.

والصغيرة تتعلق برقبة أبيها.


والدوار الذي كان يومًا مليئًا بالمشاكل…

أصبح مليئًا بالحياة.

أما صفية…

فتغيرت هي الأخرى.

ببطء.

لكن بصدق.

وفي يوم من الأيام كانت داليدا تساعدها في المطبخ.

فقالت صفية فجأة:

ـ داليدا.

التفتت إليها.

ـ نعم يا خالتي؟

سكتت صفية قليلًا.

ثم قالت:

ـ سامحيني.

اتسعت عينا داليدا.

لأنها لم تتوقع أن تسمع هذه الكلمة أبدًا.

أكملت صفية بصوت منخفض:

ـ ظلمتك.

وخسرت سنين بسبب عنادي.

لكن ربنا شاهد إني دلوقتي بحبك زي بنتي.

ولأول مرة…

احتضنتها داليدا.

وبكتا معًا.

وانتهت سنوات الجفاء في لحظة واحدة.

أما الحاج منصور…

فكان يجلس كل مساء يشاهد أحفاده وأحفاد أحفاده يملأون الساحة.

ويقول مبتسمًا:

ـ الحمد لله.

اختياري الوحيد الصح في آخر عمري.

وكان يقصد زواج عمران من داليدا.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية

[email protected]

منذ 12 ساعة

4٬499

حنين الروح حكايات اسما السيد ×7 – الصفحة 5 – المنصة الذهبية

فيسبوك

لينكدإن

بينتيريست

طباعة

وفي إحدى الليالي…

بعد مرور سنوات طويلة.

كان الأطفال نائمين.

والبيت هادئًا.

وداليدا تقف في الشرفة.

تنظر إلى السماء.

فشعرت بذراعين تلتفان حولها من الخلف.

ابتسمت دون أن تلتفت.

ـ لسه بتغير يا عمران؟

ضحك.

ـ وهبطل ليه؟

ـ بعد العمر ده كله؟

ـ بعد العمر ده كله أكتر.

لفت نحوه.

وكان الشيب قد بدأ يظهر في شعره.

لكن عينيه كانتا كما هما.

نفس النظرة.

نفس الحب.

نفس الحنان.

فقالت بهدوء:

ـ تعرف؟

ـ إيه؟

ـ أنا لحد النهارده بشكر ربنا على ليلة هروبي.

ـ وأنا كمان.

ـ ليه؟

ـ لأنك لو ما هربتيش…

مكنتش هعرف قد إيه أنا مستعد أعمل أي حاجة علشانك.

امتلأت عيناها بالدموع.

لكنها كانت دموع سعادة.

سعادة امرأة بدأت قصتها بالخوف.

وانتهت بحب عمر كامل.

حب وجدته في الرجل الوحيد الذي ظنت يومًا أنه عدوها…

فاكتشفت أنه كان وطنها وأمانها وسندها.

وعاش عمران وداليدا وسط أولادهما وأحفادهما سنوات طويلة مليئة بالمحبة والدفء والطمأنينة…

وكلما سألهم أحد عن سر سعادتهم…

كان عمران يبتسم ويقول:

ـ السر كله…

إني كسبت داليدا.

فتضحك هي وترد:

ـ لا يا دكتور…

إحنا الاتنين اللي كسبنا بعض.

تمت بحمد الله ❤️حصري بقلم اسما السيد


استكشف جميع فصول رواية حنين الروح بقلم اسما السيد

إرسال تعليق