📁 آحدث المقالات

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثالث والاربعون 43 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثالث والاربعون 43 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثالث والاربعون 43 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
♡الثالث والأربعون ♡
جلست والدة سليم جلستها المعتادة تستمع لخطبة الجمعة من فم ولدها، تقرأ رسائله المشفرة وتعلم ما أخفاه عنها داخل نفسه ببراعة، وحجبه عن عينيها، لأول مرة تهتز نبرة صوته، تعلو وتهبط كاتمةً بين طياتها انفعالًا حاد، حابسًا ضجيج الألم خلف الكلمات، سقطت دموعها رغمًا عنها فها قد ألحقوا العطب بنفس ولدها الراضية، شتتوا شمل راحة قلبه وسكينة نفسه
هزوا ثبات روحه ونشروا فساد الظن في هواء رئتيه فتنفس الوجع وزفر الراحة ... غمغمت وهي تتلقف دموعها بطرف حجابها الأسود (جالولك إيه يا سليم؟)
لتجهش في البكاء داعية (الله عالظالم والمفتري وابن الحرام)
صلى الجمعة وجلس بعدها في صمتٍ وسكون مصحفه أمامه يقلب صفحاته برتابة وهدوء..رأسه معصرة لحشائش سامة ملعونة تستخلص زيوت الكدر والبؤس والكآبة.
ملامحه انطفأت كقنديل كسره حجرًا ثقيلًا ركلته أقدام مستهترة لا تهوى سوى السير في ظلمات البر،
روحه الحرة الطليقة تُحبس منذ أمس في قفص مظلم وقضبان باردة تتسلل برودتها له رغمًا عنه حتى تجمدت تمامًا عن الشعور وفقدت الحياة
انعزلت في فقاعة كبيرة تتراكلها أقدام مدنسة بخطيئة التجاهل والهوان.
كبريائه المطعون ينازع لينجو من الموت لكن هيهات الطعنة كانت من خنجرٍ مسموم لو نجى من القتل لن ينجو من سمه الذي ينتشر ببطء.
انتشله صوت الجد من ضياعه وأفكاره التي تتحد عليه،وتتجمع في جيوش محتشدة تهجم عليه مرارًا وتكرارًا دون رحمة تسلبه أمان نفسه
أخذت ربتة الجد بيد قوته مصافحةً (ازيك يا سليم يا ولدي)
ابتسامة مشروخة ارتسمت على ملامحه وهو يرحب بالجد وصورة الأمس تنعكس في مرآة ذاكرته المشروخة (ازيك يا حاج)
رمقه الجد بنظرة آسفة مغرورقة بالدموع الحارة وهو يراقب ملامح سليم وحزنه المتفشي فيه كمرضٍ عضال (حقك عليا أنا يا ولدي)
هتف سليم متفهمًا يحنو ولا يقسو يصرف السوء عن نفس هذا الرجل الذي عامله كابن (وأنت ذنبك إيه يا راجل يا طيب)
قال بنفسٍ مكلومة وروح ألحقوا بها الضرر فهامت تتخبط على قارعة الطريق تستجدي النسيان (أنا الي غلطان)
طأطأ الجد رأسه بحزنٍ عتيق عمره طويل وبأسه شديد، ليهمس بتوسل حار (متسبش عاليا يا سليم غاصبين عليها يا ولدي )
كان يطمح أن لا يكلّ ويواصل السعي إليها،أن يغفر ما كان ولا يهجر قصور الأمل،أن ينتظر ويدعو دون يأس، عز عليه أن يره هكذا وصَعُبَ عليه أن يكون بيديهم.
وتلك التي لا تتوقف عن البكاء مزعورة من تهديدات والدها تستحق أن يسرف في مشاعره لأجلها وأن يقرض قلبها قرضًا حسنًا من النجاة والأمل وحتمًا ستضاعفه له.
تطلع سليم إليه بتوهة وضياع قبل أن يقول بإستسلام ألحق الضرر بثياب عشقه وثقبها بنيران التخلي (مفيش فيدي حاجة الي أجدر عليه عملته )
ربت الجد على كتفه بحنو قائلا لا يريد الضغط عليه(يدبرها ربنا يا ولدي)
نهض الجد متعكزًا،ساقيه تخذلانه وعصاه تهتز كأنها جان من ضعف أو قشة ظنت نفسها يومًا عصا وها هو اليوم يدفع ثمن حلمها.
انفرد وحده في ركنٍ بعيد يكلل هامته البؤس وتحيطه كآبة النفس، تذكر حكيم فادمعت عينيه ودعا له، تذكر حمزة فهدأت نفسه، ليتذكر من بعدها عاليا والحالة التي هي عليها وما ينتظرها الوردة التي تُجتث بأيدي الشر من أرضها الطاهرة لتوضع في أرضٍ تسقى بماءٍ عكر.
.
.
تنهد الجد وهو يواصل التفكير بلا انقطاع ويدعو بلا توقف، يتضرع بلا استسلامٍ أو يأس بقين أن عند الله مخرجًا ولن يضيع عاليا.
أما سليم فنهض مُربتًا على خافقه المتعب بكلام الله، يتحلى بالقوة ويرتدي الثبات، يسرق من فم الأمل ضحكة ومن حنجرة التفاؤل نبرة، دخل المنزل فاستقبلته نظرات والدته الحنون، جلس جوارها مبتسمًا، قبّل ظاهر كفها وهتف بمرح زائف (جمعتك مباركة يا أم سليم)
مسحت فوق رأسه بحنو والنبرة تتوسله المشاركة؛ ليخف حمّله (جالولك إيه يا ولدي)
السؤال اعتصر قلبه، انتظر أن يمتلىء الكأس بدمائه ربما يغيب بسكرة الألم ويمكنه الكذب عليها حينها، احتار وانقسمت أفكاره يخشى عليه من الكلمات ونصلها الحاد الذي نحر كبريائه دون رحمة ويخاف الكذب وذنبه، ليأخذ من كلماتهم أصدق ما قيل وأبشعه وطأة على نفسه (ولا حاجه جالوا جيت متأخر وأنها اتخطبت)
شملته بنظرة قارئة، حيرتها تموج ما بين تصديق قوله وتكذيبه لتسأله بشك (بس كده يا سليم؟)
أخبرها بصدق وابتسامة ملعونة بالتوهة والوجع تعانق ثغره وتخشى المرور لعينيه (وهو في أكتر من كدِه يا أمي يعني مفيش أمل، ولا في عاليا...
قبضت الأم على كفيه بخشونة محذرة له (إياك يا ولدي... عامله باليقين يعاملك بالمعجزات، مالك يا شيخ سليم اتهزيت ليه؟) قالتها بخوف استشعره
فرفع نظراته إليها يتزود من قوتها، ليهمس مُلقيًا بأثقاله على كتف أمومتها المتين (معاذ الله بس أنا ولا مرة اتمنيت حاجة وعاليا أول ما اتمنيت فعز على قلبي مينولهاش)
تنهدت الأم بآسى ثم قالت تذكره وترد إليه عقله ويقينه (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)
ابتسم قائلًا برضا (صُح يا أم سليم هعيش طول عمري اتعلم منك ربنا ما يحرمني منك )
قبّل كفها فملّست فوق رأسه داعية بتوقير (ولا منك يا شيخ سليم
هتف ونظراته تفتش عن أخته (هي أبرار مجاتش؟)
دخلت المنزل لاهثة ترد سؤاله (أنا جيت)
حاسبها بمرح وهو يترك جوار والدته ويقترب منها (متأخرة ومفيش غدا)
همست حتى لا يصل الصوت لأُذن والدته (جيبالك الي أحلى من الغدا)
قطب مستفهمًا فسحبته للداخل هامسةً (تعالى جوا يا سليم)
دخلت المطبخ وهو خلفها في ترقب وانتظار، وضعت ما بيدها على طاولة المطبخ واستدارت قائلة (شوفت عاليا يا سليم)
ارتجت نبضاته وتبعثرت تحت خطى حروف اسمها التي تواثبت في لهفة داخل عقله، همست أبرار بشفقة (معجبتنيش كدِه متغيرة وحزينة)
سأل بلهفة وهو الذي عاهد نفسه ألا يعود وعاد (مجالتش مالها؟)
أجابته مشفقة عليه هو الآخر (مقالتش غير جولي للشيخ سليم ميزعلش وحقه عليّ أنا)
وضع كفه على صدره علّ نبضاته الثائرة تهدأ وتهادن ضعفه ولهفته عليها، فسألته أبرار وهي تتحرك في المطبخ (هو حصل إيه؟ أنت محكتليش؟)
ابتسم قائلًا ونظراته تلمع (بس هي حكت كل حاجه)
قطبت أبرار بعدم فِهم وبلاهة، ليخرج من المطبخ واعدًا (هغير هدومي وأجي أساعدك يلا)
هزت رأسها قائلة وهي تتحرك خلفه للخارج (وأنا كمان يلا)
في منزل الجد كانت عاليا تهاتف سكن كعادتها بإنهيار شديد غير مسبوق يثير تعجب سكن ويحزنها على صديقتها
(لو أجبروني عليه هموت نفسي)
شهقت سكن مندهشة من قولها ويأسها الشديد، لتنهرها بقوة (متجوليش كدِه يا راس الكلب)
لان قول عاليا متذكرة (عذرتك يا بت لما عملتيها)
صرخت فيها سكن تردعها (فوجي وركزي محدش يجدر يجبرك)
هتفت عاليا بتشتت وضياع غير مسبوق (أنا معنديش حمزة زيك يلحجني ولا حد أستنجد بيه وأعرف هيجف جدامهم)
أدمعت عينا سكن حنينا لزوجها وملاذها الآمن، لتقول بتهدج (حمزة أخوكي يا عاليا ولو احتجتيه مش هيرفض بالعكس، حمزة جدع جوي ومبيتأخرش عن حد)
خرجت عاليا من فورة غضبها وحزنها، متنقلة لطبيعتها الساخرة ومزاحها (والله! جاية تعددي مزايا جوزك وتحبي فيه دلوك دِه وجته؟)
ضحكت سكن وهي تمسح دموعها بطرف كم بجامتها التي هبطت مشاركة لعالية في مصابها (كده اطمنت عليكي)
لتقول عالية بجدية شديدة وعقلانية (أنتم مش ناجصين يا سكن مصايب أبوي ولا همومي، الي فيكم مكفيكم)
فُتح الباب بقوة غاشمة لتستدير عاليا وتطالع الفاعل بغضب، ما إن لمحت كريمة تقف على أعتاب الحجرة حتى أنهت الاتصال (اجفلي يا بت محتاجة معايا طلعة للملاهي)
تراقصت الابتسامة المستمتعة على وجه عالية وهي تتأمل كريمة مفكرةً من أين تبدأ الافتراس، هتفت كريمة وهي تتجول في الحجرة بحرية (والله الأوضة دي شرحة وبرحة وريحها هادي)
تخصرت عاليا منتظرة، لتهتف كريمة منادية سعد (سعد يا سعد)
دخل سعد الحجرة محمحمًا، نظراته تجاهلت عاليا ودارت بالحجرة في إمعان وتفحص قبل أن يسأل زوجته التي ترمق عاليا بتحدي (عجباكي دي خلاص؟)
هزت كريمة رأسها وهي ترسل نظراتها المتشفية لعاليا (أيوة)
انتفضت عالية متسائلة بعدما وصلها معنى الحديث(أوضة إيه وعجبتها إيه؟)
هتف سعد بصرامة (كريمة عجباها أوضتك فهنبدلوا)
صرخت عاليا بغيظ واستنكار وهي تركل النظرات بينهما (نعم)
اندفع سعد بعصبية تجاهها يحذرها (وطي صوتك)
لم تهتم عاليا بتحذيره فداخلها حرائق مشتعلة، صرخت به (خليك فأوضتك يا سعد أنا أوضتي محدش يا خدها ولو مرتك هتمشيك أنت على مزاجها أنا لاااه)
لطمها بقوة ارتج لها جسدها وتزلزل ثباته، رمقتها كريمة بضحكة متشفية وشامتةً بينما زعق سعد بتهديد (اتكلمي زين واتأدبي يا جليلة الرباية)
وضعت عاليا كفها موضع اللطمة وطالعتهما بنظرة محتقرة تتحجر فيها الدموع قبل أن تنسحب من أمامهما لحجرة جدها متوعدة كريمة.
دارت كريمة في الحجرة تتتأمل جهاز عاليا الذي احتل نصف الحجرة، قبل أن تقترب منه ملتصقة تخبره بميوعة (كل دا جهاز أختك يا سعد؟)
داعب ذقنها بأنامله قائلًا (خدي منه الي عيزاه وتجيب غيره)
هتفت كريمة مفتخرة بصنيعه (تسلملي يا سيد الرجالة ربنا يخليك ليا)
*******""""
في منزل راضية
استقبلته مودة ببشاشة (تعالى يا زين اتفضل)
سلّم على راضية بترحاب ومودة بعدها دخل خلف زوجته للحجرة الجانبية التي يلتقيان فيها، وضع ما بيده جانبًا وهو يقول (ازيك ياميمو وحشتيني)
حمحمت هامسةً بخجل وهي تشير له (ازيك أنت اتفضل)
جلس قائلًا ينظر لإحمرارها اللذيذ وخجلها بإشتهاء وهو يحدث نفسه (لو فكرت اعملها هنا هترقع بالصوت)
سألته وهي تجلس بالقرب منه (بتجول حاجه؟)
أشار للأغراض للحقيبة التي وضعها جانبًا (دا الحاجة الي بعتتهالك سكن)
انتفضت مودة واقفة تسأل بفرحة طفولية أطلقت سراحها (بجد، هشوفها)
اندفعت للحقيبة تفتحها تحت نظراته المراقبة بإستمتاع، لأول مرة يراها تعبر عن فرحتها دون قيود أو تحفّظ لوهلة شعر أنها تخفي شخصية أخرى خلف صلابتها تظهرها أحيانًا دون حساب وفي غفلة.
.
سألته بإهتمام (شوفت الفستان عجبك؟
)
نهض وتحرك في اتجاهها قائلًا (أكيد لا يا مودة زي ما استلمتها جبتهالك)
إلتفتت إليه مبتسمة في إعتذار رقيق (آسفة مجصدش هو أصلًا عادي أنك تفتحها)
بادلها الابتسامة بتفهم ونظراته تسقط فوق الحقيبة التي فتحتها (فاهم)
وجّهت نظراتها لمحتويات الحقيبة بإهتمام، سحبت الفستان الذي كان يتصدر الحقيبة في حقيبة قماشية مغلقة بعناية، سحبته غير مهتمة بباقي محتويات الحقيبة، فردته بفرحة امتزجت بعفويتها المهلكة التي جعلته يراقب في صمت مغتنمًا تلك اللحظات القصيرة القليلة التي تترك فيها نفسها.
.
أغمضت عينيها بتلقائية ملتقطةً أنفاسها بروية قبل أن تشد سحاب الحقيبة أقترب وساعدها في إخراجه وبسطه فوق الأريكة لتقول بشهقة إعجاب (يا الله دِه جميل جوي يا زين)
لم يكن أقل منها انبهارًا به وبها وبحالتها تلك وسعادتها المتلآلآة كنجوم، أكد وهو يتأمل تفاصيل فستان الزفاف (فعلا تحفة يا مودة تسلم إيديهم والله ومبروك عليكي)
ليستطرد نادمًا (الحمدلله إن مصممتش على غيره)
شكرته وهي تمرر كفها على قماشه ومازال الإنبهار يغلف نظراتها ويمر على تفاصيل الفستان (شكرًا بجد يا زين)
قبض على كفها المتحرك فسبقته نظراتها المشدوهة إليه، المأخوذة بعاطفته الواضحة التي تركها الآن تحيط كلماته الآسرة (أنتِ استثناء يا مودة وتستاهلي تلبسي حاجة استثناء تشبهك وتليق بيكِ)
لثم باطن كفها يطبع بحبر أنفاسه الكلمات عليها، يداعب خطوط كفها بتلثيماته الرائعة المزينة بنظراته.
تألقت عاطفتها في ملقتيها اللامعة، ركضت تذوب في نظراته وتمتزج بعاطفته المفرطة وقد أسرف اليوم في إظهار مشاعره... فلم تبخل هي بإبتسامتها ولا همسها المقرون بتأثرها ورضاها (شكرًا)
همس وهو يرمق الفستان بأمنية (ما تلبسية؟ أشوفه عليكِ مش المفروض هتقيسيه؟)
ترددت وارتبكت، لكن حالة الثمالة التي هي فيها جعلتها تحاوره دون رفض قاطع أو إعتراض، فقط تبارزه بالكلمات لتستقر على رأى(مش عارفه، خليها بعدين)
همس لها بدفء انتقل إليها ولفها في دوامته (ليه بس عايز أشوفك بيه، وبالمرة تشوفي محتاج إيه وأخده معايا قنا يتظبط)
سحبت كفها من دف كفه واحتوائه هامسةً بخجل لوّن بفرشاته محياها الجميل (لااااه بعدين)
تأفف في اعتراض وهو يمسح وجهها ويهمس من بين أسنانه بغيظ (مش كفاية كل شوية تأجيل)
كتمت ضحكتها قائلة وهي تضم شفتيها بخجل مما ستقول (هو أنا الي جيت جدام أمي وجدي وتراجعت ووافجت على التأجيل)
قال من بين أسنانه متوعدًا (ماشي دي آخر مرة وقولت استنى يمكن حمزة يرجع وأختك تحضر)
ضحكت مودة بنعومة خطفته، قبل أن تسقط نظراتهما معا فوق محتويات الحقيبة، توترت نظرات مودة وانكمشت لاعنة أختها (يخربيت الغباء)
ليضحك زين باستمتاع وهو يسحب الملابس ويقلبها مستحسنًا ما يتأمله (الله ينور شكلي هرضى عنك وعن أختك وعن العيلة كلها إلا خالك دا حبيبي)
جذبت الملابس بقوة وأعادتها للحقيبة غاضبة مضطربة الفِكر، مشتتة المشاعر
أغلقتها بعنف بينما هو يستفزها بقوله (استني في حاجات حلوة تانية من باث أند بادي وريني أشمها)
هتفت بزجرة غير راضية تردعه بنظراتها وقولها (زين)
عاد لجلسته مقهقهًا بينما أغلقت هي الحقيبة ووضعتها جانبًا وعادت في محاولة بائسة منها للثبات وركل الخجل الذي يعصف بها الآن خاصة مع نظراته التي تقيدها وابتسامته التي تغيظها.
نهضت قائلة ومازال الارتباك رفيقًا للقول والفعل (هجبلك حاجه تشرب)
هربت من أمامه قبل أن يتفوه بالموافقة أو الرفض، شيعها بإبتسامته وانتظر حتى عادت بعد دقائق تحمل فوق صينية صغيرة ضيافته، وضعتها أمامه وجلست قائلة بإبتسامة هادئة (عملتلك كيكة من الي بتحبها)
نظر للطبق بإستحسان قبل أن يسألها (عرفتي منين إني جاي؟)
ابتسمت برزانة وهي تقدم له قطعة فوق طبق صغير (خمنت عادي)
تناول الطبق منها وذاق قطعة بتلذذ ثم ابتسم مثنيًا عليها (جميلة يا ميمو تسلم إيدك، لفيلي الباقي بقا)
زوت ما بين حاجبيها متسائلة بإندهاش (غريبة مش عوايدك تاخد حاجه مننا ولا حتى بتحب تاكل ولا تشرب غير من الي بتجيبه معاك)
تناول قطعة أخرى ورأسه تهتز تأكيدًا على قولها (صح، بس دي مختلفة أنتِ عملتهالي مخصوص عشاني)
أشاحت بخجل من نظراته التي تقتحمها، متهربة من ضحكته التي يؤكد بها تحرك مشاعرها تجاهه ويغيظها لأكتشافه ذلك
ترك الطبق وأمسك بكوب الشاي متسائلًا (قوليلي بقا قصة عاليا الي كنتي زعلانه علشانها امبارح)
عدلت من وضع الطبق وهي تبتسم هامسةً(بالهنا والشفا)
ارتشف من كوب الشاي قائلًا عن قصد (الله يهنيك يا حبيبي)
ابتسم بوداعة كاذبة وهو يخبرها (مش بنت خالك وخالك دا حبيبي حبيبي)
رمقته بنصف عين وتفكير عميق، ليشاكسها بمرح (دور المحقق كونان دا بتاعي أنا، أركني الدماغ دي وخليكي معايا يا روقة المستقبل)
ضربت جبهتها متكدرة من قوله، نافخة في سضجر (برضو روقة؟)
وضع كوب الشاي قائلًا في تحدي وعناد (ومش هتنازل وهفكرك... احكيلي بقا مال سليم وعاليا؟)
هزت رأسها في يأس منه وإحباط قبل أن تركل أفكارها وتبدأ بالحكي له.
***********
بعد مرور سبعة أيام
كتب والقلق يساوره عليها بعد أن أخبرته والدته بإعتزالها في حجرتها وغلقها الباب لا تلبي طلبًا أو نداء تنعزل وحدها في صمت (فينك؟ أمي جلجانة عليكِ وزعلانه عشان الي أنتِ عملاه فروحك ؟)
ابتسمت دامعة العينين في لهفة وهي تقرأ كلماته، مسحت دموعها وراسلته من تحت الدثار (مفيش متشغلش بالك )
ضغط زر الاتصال وحين أجابت
هتف بصدق وعاطفة لا تراها لكنها نابضة بكلماته (فيكِ إيه؟ بتبكي ليه؟ عايزة تروحي لمودة يا سكن؟)
قالت بضيق مفصحة له عما في قلبها وخاطرها (كان نفسي أكون معاهم في الوجت دِه وأشوف مودة وهي فرحانة وبتجهز وأفرشلها شجتها)
قال متأثرًا بقولها راغبًا في إرضائها والتهوين عليها (لو تحبي تروحي معنديش مشكلة هبعت هيما معاكي)
قالت بحدة من بين شهقاتها العالية (مش هبجا مطمنة من غيرك ولا مرتاحة ولا هعرف أفرح من الأساس يا حمزة)
غمغم وهو يبرم شفتيه مفكرًا يسمع بإنصات وتأني وليد أفكارها من كلمات (ولا أنا هكون مطمن عليكي يا سكن ولا مرتاح)
هتف عكس ما داخله وتستقر عليه نفسه (فكري وشوفي أنا مش عايز أحرمك من وجودك جنب أختك) همست بحسرة تستوطن قلبها (هو أصلًا عادي عاليا جنبها وأمي مبتحبش غيرها مش هيفرج وجودي كتير بس أنا كان نفسي أشوفها يا حمزة وبس معرفش هتفهمني ولا لااااه)
عارض قولها في ضيق وحزن متلويًا في حسرة لأجلها (متجوليش كدِه وجودك يفرق طبعًا وعمتي بتحبك أنتِ بتها يا سكينة)
صارخت من بين شهقاتها (متجوليش سكينة متضايجنيش أكتر)
رغم توجعه لأجلها وضيقه من بكائها وانهيارها الغريب إلا أنه ابتسم قائلًا بحنان(ماشي ممكن تهدي)
هتفت بسرعة تسابق سرعة أنفاسها (مش هدأ أنا حرة)
سألها بإدراك لحالتها الغريبة وجنونها (معلش النهاردة كام في الشهر؟)
أجابته بحدة وغيظ(ما تشوف الفون أنا مالي)
غمغم بما لم تسمعه ثم كتب بفهم (كدا فهمت جومي يا بابا اشربي حاجه دافية وشوفي شيكولاته في التلاجة وأجعدي مع أمي)
زعقت في غضب (متجوليش يا بابا أنا أبويا مات) استمع بصبر وحنو متفهمًا حالتها؛ لتمسح دموعها بطرف كمها وتسأله بهدوء يناقض ثورتها منذ ثواني (فهمت إيه؟)
قال بسخرية (سبب نكدك المعتاد)
أجهشت في البكاء من جديد معاتبة له (أنا بنكد عليك هو أنا الي كلمتك ولا أنت؟)
ضرب جبهته في نفاذ صبر وقلة حيلة تكبله، ليلتقط أنفاسه ويهمس بهدوء ودفء وصلها فاسترخت قليلا من تشنجها وتوقفت عن البكاء (أهدي يا سكن ونامي وبعدها أصحي أجعدي مع أمي شوية واشربي كوباية حليب شيكولاه من الي بتحبيه)
عادت لزوبعاتها في تخبط (أنت بتكلمني ليه؟ مش جولت مش هتكلم)
هتف بصبر متغاضيًا عن عصبيتها يوضح لها بهدوء (أمي زعلانه عشانك وقلقانة ومينفعش أعرف أنك بحالتك دي ومتكلمش مهما كان الي بينا مينفعش أسيبك)
شرعت في البكاء من جديد وهي تخبره بصدق(أنا بحبك يا حمزة)
هدأها برفق زان كلماته (ماشي بس اهدي وجومي اغسلي وشك واعملي الي جولتلك عليه وكلمي مودة وعاليا وافرحي معاهم عادي)
مسحت دموعها قائلة في طاعة التقط لها أنفاسه (ماشي سلام)
أنهت الاتصال وخرجت لتقابل ورد التي استقبلتها بالبشرى( ابشري يا سكن )
جففت وجهها جيدًا وجلست جوارها تسأل بكآبة تسيطر عليها (خير يا ورد)
هتفت بسعادة (هند كلمتني وجالتلي انها بتتصل عليكي مبترديش)
أجابتها وهي تضم ركبتيها لصدرها في بؤس قاتل (مشوفتش خير في إيه)
هللت ورد وهي تضمها (ورجك طلع يا بتي جهزي نفسك للسفر)
ابتعدت عن أحضانها قافزة بفرحة فوق الآريكة (بجد هروح لحمزة، وهشوفه)
ضحكت ورد لطفوليتها في استقبال الخبر وسعادتها التي تسرق القلب، لتهبط سكن وتركض تجاه الحجرة قائلة (هروح اجهز حاجتي)
لتقف في منتصف الطريق وتستدير متسائلة (هي حجزت التذاكر؟)
قالت ورد وهي ترمقها بنظرتها الثاقبة (جولتلها تحجز)
اقترحت سكن بتوتر شديد (ينفع نأجل كام يوم؟)
استنكرت ورد برفض (نأجل ليه؟ مالوش لزمة التأخير احنا ما صدجنا اتيسرت)
حاولت سكن التوضيح لها ومناقشة الأمر لكن الكلمات تحجرت في حلقها، تشتت أفكارها وهرب المنطق وتبعته الحجة وقفت متململة لا تعرف ماذا تقول وكيف تخبرها لتخبئ ورد ابتسامتها وتصرفها بإشارة (يلا جهزي حاجتك)
توسلتها سكن بضيق وأفكارها تنازع وتتفرق في كل اتجاه (خلينا يومين أشوف عمي وأرتب نفسي وحاجتي)
اعترضت ورد وهي تفرد ظهرها بإسترخاء ورضا (لااااه هو بكره وخلاص بطلي زن)
انسحبت سكن في استسلام مفكرة فيه، ترتب أفكارها وكلماتها التي ستقول، تتخيل كيف سيكون استقبالها ووقع المفاجأة عليه..
جاءت لتودعه، رغم ضيق الوقت وانشغالها وشتات أفكارها وخوفها مجهول السبب، اقترحت عليها ورد أن تكتفي بـ مهاتفته لكنها أصرّت أن تراه وتقابله مودعةً له قبل سفرها هذا، لن ترتاح نفسها حتى تراه وتشاركه فرحتها وتثرثر معه قليلًا، وتستشيره فيما يجب عليها فعله.
هتفت حين رأته يدخل من باب الشقة متعكزًا بتعب وإرهاق (حسان كنت فين كل دِه)
أشهر ابتسامته في وجهها قائلًا وهو يجلس بإرهاق وجسده يتصبب عرقًا (ازيك يا بتي كيفك؟)
جلست جواره متسائلة بنظرات قلقة تجوب ملامحه مستكشفة بينما أناملها الرقيقة ترتفع لجبهته في حنو مجففه قطرات عرقه (فيك إيه يا عم؟)
ابتسم لها بحنو من بين نزاعات المرض ونهشات الألم (مفيش شوية تعب هاتيلي بوج ميه )
نهضت راكضة للمطبخ بسرعة، صبت كوبًا من الماء البارد وخرجت تقدمه إليه ونظراتها القلقة تتفحصة بحنان (خد يا عم)
ارتشف منه بسرعة أنفاسه المتسارعة تركل القطرات وترميها فتقفز من فوهة الكوب متساقطة تستقبلها كف سكن المستريح أسفل ذقن عمها.
توقف يلتقط أنفاسه فسحبت سكن الكوب من بين أنامله المرتعشة وهي تتعمق النظر إليه بترقب، سألته وهي تجفف لحيته بكفها في حنان وتربت على وجهه بكفها المبلول ببعض قطرات المياه الباردة (بجيت كويس يا عم)
رمقها بنظرة تقديرية ممتنة تغشاها سحابة دموع وهو يهمس (الحمدلله يا بتي ) ربت فوق كفها وهو يسألها كاشفًا لمعة عينيها وحيوية نظرتها وتألقها (خير عينيكِ بتلمع)
اهتزت الابتسامة فوق ثغرها بتردد ومازال قلقها عليه قائمًا في صدرها يرفض الرحيل
همست وحروفها ترقص على شفتيها (أنا مسافرة لحمزة يا عم)
هتف بسعادة (واه زين جوي يا بتي ربنا يجمعكم على خير)
سألته بإهتمام وهي تراقب شحوبه ووهنه (أكلت يا عم؟)
تهرب من نظراتها قائلا (الحمدلله يا بتي)
شعرت بتضليله وتهربه الواضح فاقترحت (بجولك إيه أنا مكلتش وجولت أجي أكل معاك وحشتني الجبنة بتاعتك والله)
اعتدل حسان يمازحها (دلوك تروحي لحمزة وتنسي حسان والجبنة وكله)
أكدت شاعرة بحزنه وخلوّ كلماته من المزاح وامتلائها بالعتب والرجاء (لاااه مش هنساك وبعدين هما تلت أيام بس)
مسح حسان فوق رأسها يوصيها بأبوة (راعي لنفسك يا بتي ومتسبيش فرضك وحصني نفسك بالأذكار)
سحبت سكن كفه من فوق رأسها ولثمتها بتقدير قائلة (حاضر يا عم)
أشار لها وموج مآقيه يشتد ويتحرك ضاربًا صخور صلابته (يلا حضري الوكل وتعالي محدش عارف متى تاني هنجعد مع بعض وناكل ولا متى اللجاء)
هتفت بتوسل حار ورجاء جاور حروفها(اوعى تمشي وترجع قنا يا حسان وتسيبني بعد ما أمشي)
ابتسم يؤكد بنظرته الدافئة المطمئنة (متخافيش مش هرجع وأسيبك غير لما أطمن عليكي أنتِ وحمزة )
هتفت بإمتنان لأبوته الحقيقية مانحة له وسامًا خاص تقديرًا لأفعاله وحبه واحتوائه لها ولأيامها العصيبة التي مرت وهو جوارها خير سند ودعم (ربنا يخليك ليا يا أبويا وميحرمنيش منك أبدًا) أغلق عينيه مطلقًا تنهيدة قوية حارة حملت كل الوجع الذي استوطن صدره، بعدما حاربته كلماتها وانتصرت وطرت كل شعور دخيل بالوحشة والنبذ، غطى عينيه بكفه المتغضنة وأجش في البكاء الذي أوجع قلبها وجعلها تعتذر بغير فهم (خلاص حقك عليا متزعلش لو زعلتك مني)
لكنه واصل البكاء يُغرق الآسى في بحور الدمع ويكوي جراحه بملحها، يغسل قلبه من أدران الهم والكدر، يهش بعصا كلماتها فوق يأسه فيتفرق ويهرب بعيدًا تاركًا ربوع قلبه تدخله شمس الأمل والسكينة التي كانت لها من اسمها نصيب ليس بهين، هي ترياق الكراهية وأكسير للحب، وشربة ماء من الونس نالها فلن يظمأ بعدها أبدًا
**********
في منزل إبراهيم نهض على طرقات الباب المتزامنة مع رنين الجرس هتف بتأفف وإنزعاج من إلحاح الضيف (أيوة جاي لازقين على الباب يعني)
ما إن فتح ووضع عويناته وأبصر الواقف أمامه حتى هتف بضجر شديد (أعوذ بالله يا قاعدين يكفيكم شر الجايين)
هتف هشام بثبات متجاهلًا قوله(ازيك يا إبراهيم.؟)
هتف هيما بإشمئزاز (اهلا خير؟)
سألته والدته التي جاءت من خلفه تستفسر وهي ترمي بنظراتها علها تلمح الضيف وتعرف هويته (مين يا هيما؟)
قال هشام بحرج من وقفته واستقبال إبراهيم السيء له (كنت جاي أسأل على عمي حسان لأنه غايب بجاله مدة وكان جال آخر مرة أنه سكن هنا وبيشتغل هنا)
هتف هيما ببلاهة وعدم إدراك (سكن مين الي هنا وإيه هيجبها عنده؟)
لكزته والدته وهي ترحب بابن أخيها (ازيك يا هشام اتفضل يا ولدي)
لانت ملامح هشام المتشنجة وانشرح صدره بمقابلة عمته فتقدم يصافحها، لكنها ضمته بحنو مشتمة ًفيه رائحة أخيها الراحل، ليبتعد هشام ويسألها (عمي ساكن هِنا ولا فين؟)
ضرب هيما جبهته بإدراك (ساكن)
لتشير عمته للداخل مرحبةً به (اتفضل يا ولدي اجعد معانا وأشرب حاجة ولما ترتاح هكلمهولك)
استنكر هيما صنيعها وهتف يردد كلمتها في حنق ورفض (يرتاح؟)
لكزته والدته وهي تغمز رادعةً له في تحذير ليلوح هيما بذراعه مستهينًا ويجلس في صمت وترقب بالقرب منهما يستمع لحديثهما الدائر، ومن وقت ٍلآخر كان يزجره ببعض النظرات في نفور
رن هاتفه فأجاب ضاحكًا(الله يسهلك هتسافري لجوزك) انتبه هشام بإهتمام وترقب يستمع لكل كلمة بإنصات واهتمام؛ ليتأكد هل هي أم غيرها
(خلاص اتأدبت فداهية حمزاوي هاتيلي شوية حاجات بقا ودلعيني)
(ياستي خلاص أنا الي فداهية متزعليش)
تأكد هشام من أنها هي فاختلجت في قلبه نبضة وخرجت عن مسارها مما جعله يرتبك ويفتش عن سجائره ويشعل واحدة تخفف من توتره وتمتص ارتباكه.
أنهى هيما الاتصال واعدًا (لازم أوصلك المطار أمال هسيبك دا أنتِ مرات الغالي)
قالها وهو يرمي نظرة كارهة مشمئزة لهشام الذي نهض منتفضًا وقد تكالبت عليه الذكريات وأججت براكين غضبه
هتف لعمته (همشي يا عمتي)
اعترضت في ودّ (خليك يا ولدي وهشيع أجبلك عمك)
قال وهو يطالع هيما بضيق (لااه هاتيلي بس العنوان وأنا هروحله)
نظرت لولدها بإستنجاد فقال (مدناش عنوانه هو الي بييجي أو لما بيفتح تليفونه بنكلمه)
هتف هشام وهو يخطو ناحية الباب (تمام عن إذنكم)
هرولت عمته خلفه هاتفةً (استنى يا ولدي)
قال وهو يفتح باب الشقة ويخرج منها مذمومًا مدحورًا (لاااه هبجا أجي تاني تكونوا بلغتوه)
كان يركض على الدرج بلا اهتمام لكلمات عمته ولا يلقي لها سمعه، جاء لعمه هاربًا من كل شيء ندمه وخسارته وسوء اختياره لتلطمه المفاجأة وينغرس في قلبه سيف الذكرى البتار.
أغلق هيما الباب مستحسنًا فعلتها قائلا بكراهية (يلا فداهية)
لامته والدته بنظراتها لكنها تجاهلها ملوحًا في استهانة وهو يغادر حجرته متأففًا.
*************
حين وصلت وأصبحت قريبة منه، هاتفت ورد تطمأنها تلك التي أوصتها به خيرًا فاستمعت لها بصبر، وتفهم تطمأنها أحيانًا وتشاكسها أحيانًا (حاضر يا ورد)
شددت ورد لأول مرة بحنو ورجاء خرج من عمق قلبها (متزعلهوش يا سكن وراضيه عشاني أنا المرة دي)
لأول مرة تشعر بالشفقة عليها والذنب تجاهها مما كانت تفعله بتلك السيدة التي تحملت الكثير لأجلها (حاضر اطمني والله)
حين وطأت أقدامها أرض الشقة الصغيرة أنهت الاتصال ودخلت مبتسمة في استعداد.
بينما كانت ورد تفعل معه نفس الشيء(بعتالك هدية يا حمزة)
ضحك قائلا وهو يخطو ناحية الشقة بحماس (هند قالتلي بعتيلي محشي)
ضحكت مردفةً بتأكيد (أيوة محشي بس مش أي محشي هيعجك جوي)
قال بحنين وامتنان لها (تسلميلي يا أمي أكيد من يدك غير)
وصل لباب شقته وهو ينهي الاتصال ويفتح بابها (سلام يا حبيبتي)
قالت بتنهيدة رضا، وقلبها يدق طبول الفرح ( ربنا يسعدك ويريح بالك)
دخل الشقة وأغلق خلفه، ألقى المفتاح والهاتف ودار مفتشًا بنظراته عن الهدية التي أخبرته هند أنها تحتاج مفتاح شقته لتضعها فيها حتى يعود من عمله،لأنها قد تتأخر أو تنشغل ولضمان حصوله عليها ستوصلها له،فشل في إيجادها،فجلس فوق كرسي صغير ممسكًا بالهاتف يحاول الاتصال بهند ليسألها أين وضعتها وهل أحضرتها أن أنها انشغلت ونسيت؟
غادرت جوفه تنهيدة مضطرمة بنيران الشوق وزقزقة عصافير الهوى وهو يعيد الهاتف لمكانة هامسًا بغرام ذاب في أنفاسه فخرجت حاره (كنتِ جبيلي سكن يا ورد)
تراقصت الابتسامة فوق ثغره متخيلًا متمنيًا قوله الذي سكب الحنين وأحيا ذكرياتهما في قلبه فراقص رغبته في قربها
أدمعت عيناها وكلماته تصلها تهدهد طفل الآسى بخافقها وتطلق زغاريد الفرح، تنغي أنشودة العشق.
تسللت على أطراف أناملها حين انشغل وغابت أفكاره، تُرى هل يكتب لها هي؟
يراسلها ليعلم ماذا أرسلت له هي أيضًا؟
تسللا كفاها بلطف لعينيه، حجبتاهما عن الهاتف وكل شيء، استأثرت بهما في راحتيها متمنية أن تصافح عيناه الدافئة خطوط العمر في كفها وتسلب من حدقتيه زهر الربيع، وصبا العمر وكهولة هو رفيق خطواتها، تلثمهما كما اشتهت شفتيها وتداعب أهدابه كما تمنت.
تصلب جسده واستكان في مفاجآة كدوي الرصاص، تململ في رفض مُزج بغضبه فتصارعت أنفاسهما هي ترغب وهو يرهب.
(أنت ِمين)سألها بانزعاج شديد خشية أن تكون تلك الحمقاء التي تطارده
نطقها بزعر وهو يُسقط الهاتف ويرفع يديه لينزع عصابة كفيها الناعمين الرقيقين، لكن عزمها أقوى وإصرارها أوعر..
استنكرت أن تكون بهذا القرب منه ولا تمتزج معه، تركت لشفتيها حرية الاقتناص، تلثيم عنقه وتنثر براعم شوقها فوق جلده، تمد جذور الهوى والشغف في أرضه.
.
.
همسها الرقيق انساب لأذنه كسينفونية (معرفتنيش يا حموزتي)
صمت تاركًا صوتها الناعم يجوب طرقات الذكريات في عقله يقرع الأبواب وينثر الورد في أوردته، همس بذهول (سكن)
مرغت وجهها في كتفه ونبرتها تحمل له عتابًا خاص (سكن الي وحشتها وهتموت عليك)
انتفض متأثرًا رغمًا عنه، نزع كفيها ووقف منتفضًا، يستدير ليتأكد ناطقًا وفكه يتدلى في بلاهة (سكن)
أغمض عينيه لثواني وهو يفرك جبهته كأنه يصفي أفكاره أو يتوسلها الرحمة به، خاطب خيالاته وهواجسه والشوق الذي لا يرحمه بعين الرأفة ، وهويغمغم من بين أسنانه (مش معجول طلعتي من خيالي هي وصلت لكده)
زغاريد فرحتها به كانت دمعتان وحيدتان على خديها كقطرات ندى، جياد نظراتها تركض ملتهمة المسافات ناثرة غبار الحنين..
دهشت أول الأمر لكنها ضحكت بسعادة وقالت في حنو بالغ (بعتلك بلوتك يا حمزة)
زرع عينيه بعينيها في قوة وهو يهمس في سُكر ونظراته تراقص نظراتها وتحتويها في عناق (سكن هنا معايا!)
ضحكت سكن ونظراتها تؤكد القول، خطواتها إليه تمنح، تعطي، تمني وتلملم شتات وشظايا الوجع الذي تركته بخافقه ، أمسكت بكفه فتعلقت نظراته بأناملها التي تتحرك بنعومة لتمنحه الشعور بها والثقة وترد له وعيه.
أنهى الاتصال على دعاء والدته الحار (ربنا يسعدك ويريح بالك ويهدي سركم يا حمزة)
أسقط الهاتف من يديه مرة أخرى وهو يهمس برجاء وتهافت (سكن)
فكت شفرات أحرفه المتهادية فوق شفتيه، اندفعت بقوة متعلقة برقبته تخبره بهمس ضاحك (فوج يا حمزة جننتني) تشبث بعناقها في قوة مغمضًا عينيه يستشعر قربها بين ذراعيها يغمر كيانه برائحتها ووجودها الطاغي، ليبتعد قليلًا محيطًا خصرها بذراعيه في قوة غير متخلي، رفعها قليلًا عن الأرض ودار بها في فرحة صافية لا يعكرها صفوها شيء، ضحكاته الممتزجة بتأوهاته حين يضمها تنطلق فتتصدع جدران الحزن في قلبه ويرحل العتاب دون رجعة (بجد أنتِ هنا)
توقف يلتقط أنفاسه، يضم وجهها بكفيه فتهمس وهي تلثم كفه بحرارة وبنبرة عاتبة (وحشتني يا حمزة)
على حلبة الشوق تصارعت رغبته وكرامته المتناحرة بخنجر كلماتها ورفضها، أطلّت من عينيه للحظة نظرة متوجعة وارتجف بنزاع، فضته هي بنعومة ضحكتها، بعدما كشفت لها عينيه دواخله، اقتربت هي، بادرت غير مترددة ترحم حيرته وتهدهد وجعه، فنال تدليلًا خاصًا من شفتيها، حظًا وفيرًا من قُرب مهلك ببصمتها هي، اعتراف بمذاق الشهد من ثغرها وآسفًا برحيقها الفريد، ارتضى هدايا حبها في سكون، قلبه يعلق زينة الفرح وروحه تنشر السرور، همست بإسمه وكل حرف من بين شفتيها يحمل معنى مختلف، آسف، عتاب، ورجاء
(حمزة)
فتح عينيه يأسر نظراتها ويحفظها في ذاكرته، لثم خديها جواريها الحسان، وأنفها هيبتها، وجبينها الذي تصارعت فوقه أيامه ولياليه، تسلل لشفتيها في غفلة من نفسه المعذبة ومن صراخ الكلمات وزنزانة
الماضي العفنة باللوم، دللهما كما يحب، عاتبهما كما يرتضي كتب فوقهما تاريخًا جديدًا، سطر فوقهما ملاحم وقصائد عشق، عزف بهما فوق حزنه ليركض ويخلي ساحاته للفرح والحب وضحكتها.
تذكر المسافات، وأرقه، خيانة النوم، وضحكات وحدته عليه فاحتدت قبلاته، عناقه لشفتيها كان قويًا بطعم ما عاناه، انتقم من بُعدها فيهما.
ارتجفت قليلًا فابتعد يطلق صراح اعتذاره (آسف)
هي مستسلمة تذوب بين ذراعيه تاركة له يفعل ما يشاء
همس من بين لهاثه متذكرًا أحلامه (مش حلم يا سكن صح؟)
همست متأثرة بعاطفته التي فاجأتها (لا مش حلم ) مرر أنامله على وجهها قبل أن يرفع كفها ويقبل راحتيها هامسًا بصدق اخترق أعمق نقطة في قلبها (دي أحلى مفاجأة حصلت لي فعمري والله)
سألته بدلال تسلك طريق رضاه لآخره فهذا ما جاءت لأجله ولن تبرح حتى تبلغ (خلاص مش زعلان؟)
أمسك أنفها بأنامله مداعبًا،يخبرها (زعل إيه وأنتِ جدامي متحصلش يا سكن)
سحبته من كفه ليجلسا فوق التخت قائلة (أنا جيت مخصوص أراضيك ياحمزة وأجاوبك على كل الأسئلة الي معذبة جلبك)
وضع كفه فوق شفتيها مانعًا (اشششش، مش دلوجت يا سكن)
هزت رأسها في تردد، ليطلب منها بحنو وهو يربت على رأسها (يلا غيري هدومك وتعالي، هجوم أجهزلك حاجه تاكلي عشان ترتاحي شوية بعدها يا حبيبي)
همست برجاء (حمزة مش عايزة غير أفضل جنبك، مش عايزه تبعد ولا أكل ولا أنام) ابتسم بتقدير لإحساسها الصادق ومشاعرها البكر (يا حبيبي طيب بدلي هدومك)
نفخت بضيق واستسلام، لتقول(ماشي)
نهض يسألها وهي يبحث بنظراته (فين الشنطة)
أشارت لموضعها (هناك خبيتها)
اتجه ناحيتها، حملها وعاد بها ليفتحها فوق الفراش قائلا (اختارلك أنا ولا في مشكلة؟)
كتمت ضحكاتها وهزت رأسها موافقة (ماشي)
فتحها مفتشًا ليرفع نظراته متسائلا (إيه ده؟)
ادّعت عدم الفهم والبلاهة وهي تطالع محتويات الحقيبة (إيه؟)
رفع بعض الملابس وهتف مستنكرًا (فين الهدوم الي بتصورهالي؟)
قالت ببساطة (في بيتنا)
هتف محتدًا بغيظ شديد (جيبالي البجامات بكم؟)
نهضت واقفة تخبره من بين قهقهاتها (حسيت إنك بتحبها)
قذفها بوسادة صغيرة وهو يتوعدها (ماشي يا سكن)
أغلق الحقيبة بغضب وأعادها مكانها، ثم ابتسم بتشفي وهو يخبرها بهزة كتف مستهينة (عامل حسابي وعندي كتير)
فرغت فمها بدهشة غير منطوقة، ليهز رأسه بتأكيد، لكنها كتمت ضحكتها وقالت (حمزة يا حبيبي مش مصدجاك معجول..؟ دي ورد معملتش فحياتها غير ربتك.)
قذفها بوسادة أخرى فركضت تجاه المرحاض مقهقهه دخلته وأغلقت بينما وقف هو بالخارج يتوعدها (ماشي يا سكن لما تطلعي)
اتكأ على الباب المغلق هامسًا بشوقه الشديد (وحشتيني يا سكن)
هتفت ضاحكة في شقاوة (وأنت لااااه)
قال وهو يتحرك تجاه المطبخ الصغير (مكنتيش جيتي)
تحرك للمطبخ يعد لها طعامًا سريعًا بينما بدلت هي ملابسها بأخرى كانت قد وضعتها قبل أن يأتي وجهزتها، أزالت عن جسدها التعب وإرهاق السفر بحمام دافيء وارتدت بجامة من المخمل كما دللت جسدها بزخات متناثرة من العطر وتركت شعرها حرًا طليقًا خلف ظهرها، خرجت تبحث عنه حتى وجدته متربعًا فوق الفِراش وقد أبدل ملابسه بأخرى بيتية مريحة
توقف عما يفعل ورفع نظراته المنبهرة يستقبلها بإعجاب (ماشاء الله اللهم صل عالنبي)
ابتسمت وهي تعتلي الفِراش متربعةً في مواجهته تسأله (إيه يا حمزاوي)
أكد ونظراته تعانقها بإعجاب شديد (إيه؟)
سألته وهي تتناول شطيرة وتلتهمها (متغيرتش حبة؟)
أجابها بصدق وعفوية وهو يتأمل كل ما فيها بهيام (بتحلوي يا سكن بزيادة)
انتقلت لجواره واختبأت تحت الدثار هامسةً (سرحلي شعري يا حمزة)
ترك الشطائر نافضًا كفيه ملبيًا دعوتها في حماس، غادر قليلًا وعاد ليجلس خلف ظهرها قائلًا (ماشاء الله شعرك طول جدًا يا سكن)
قالت وهي تمضغ الطعام (بهتم بيه زي ما بتجولي) استدارت برأسها تخبره بعاطفة (حتى هو اشتقلك يا حمزة)
مشطه لها ببطء مستمتعًا بالفعل الذي اشتاقه واهتمامه بها وبتفاصيلها حتى انتهى وجلس أمامها متأملًا بصمت
ثرثرت هي بالكثير المفهوم والغير مفهوم وهو يستمع بصبر ويطعمها بحنو وإهتمام،ويراقبها بشغف
توقفت أخيرًا وطالعته بنظراتها هامسةً (مأكلتش أنا الي أكلت واتكلمت)
سحب الأطباق من أمامهما بعدما مسح بقايا الطعام عن فمها ومنحها كوب العصير، وغادر للمطبخ قائلا (أنا أكلت أنتِ الي جاية من سفر)
تركت الكوب فوق الكومود الصغير المجاور للفراش وقفزت راكضة ناحيته، وقفت خلفه وضمته هامسةً (متعملش حاجه تعالى جنبي)
استدار واحتواها بين ذراعيه مقبلًا رأسها في رقة (حاضر بس أنا عايزك تنامي شوية)
رفعت رأسها ولثمت ذقنه مطالبة بحقها الذي سلبه الفراق (تعالى نومني زي ما كنت بتعمل دايما يا حموزتي ولا نسيت)
لملم خصلاتها هامسًا بإبتسامته الحنون ونبرته العميقة (لاااه منسيتش حاضر يلا بينا)
انحنى وحملها بين ذراعيه تحيطه دهشتها وشهقاتها الناعمة، ابتسم قائلًا بمزاح (تخنتي ولا أنا الي مبقاش فيا حيل)
تعلقت برقبته مرفرفة بأهدابها في وداعة، قبل تتنهد هامسةً بإعجاب (يخربيت حلاوتك يا حمزة، جمر)
وضعها فوق الفِراش ودثرها جيدًا ثم جاورها فاردًا ذراعه في دعوة لتندفع وتلبيها بينما هو يهمس (ملاحظ بجيتي جليلة رباية في الكام شهر دول)
ضحكت متسائلة بعتب وهي ترفع رأسها قليلًا وتحتضن ملامحه (ليه هو أن جولت إيه؟ بعدين ما أنت جمر يا حمزة وتتاكل والله)
أغمض عينيه نائيًا بنفسه وبمشاعره لتهدأ قليلا، وتكف عن الثرثرة لترتاح من إرهاق السفر، حجب عنها انفعاله بكلماتها وشجعها لتسترخي (يلا يا سكن نامي أنتِ تعبتي)
وضعت رأسها على صدره وأغمضت عينيها في استسلام وهي تطلب بطفولية (متسيبنيش أنام كتير يا حمزة هزعل، صحيني أفضل معاك)
قبّل رأسها قائلا وهو يربت على خصلاتها بحنو (حاضر)
*بعد مرور ساعات *
فرقت بين جفنيها في تيه، وشوشة النعاس تهمس وكسله يمتطي جسدها المرهق، تطلعت للمكان حولها بدهشة قبل أن يُرد إليها وعيها المسلوب والمأسور من سلطان النوم استدارت بجسدها تتأكد مما طرأ في خيالها وعزفت أفكارها به.
وجدته نائمًا جوارها ابتسمت وقد عاد إليها إدراكها كاملًا، مررت أناملها في خصلاته المبعثرة ترتبهم، ثم هبطت لذقنه النامية قليلًا، عيناه حبيبتاها ونافذتها على روحه.
.
اقتربت ولثمتهما ببطء، فردت أنفاسها على وجهه كبساط من ياسمين ثم ابتعدت، تحسست بأناملها وجهه فأمسك بكفها وأوقفها هامسًا وهو يغلق عينيه على ذلك الشعور (كفاية صحيت)
سألته وهي تسحب رسغها من قبضته (نمنا كتير؟)
أجابها بآثار نعاس في صوته (معرفش)
مررت إبهامها على شفتيه هامسةً برقة تذيب مقاومته وتهلك ثباته (حمزة من زمان مجولتلكش سر عني إيه رأيك أجولك دلوقت واحد )
أمسك بكفها المتجول على وجهه بحرية ورفعه لفمه مقبلًا وهو يهمس (جولي)
ابتسمت للذكرى المشتعلة برأسها في ثورة للخروج من اعتقالها لها (فاكر يوم ما نمت في بيتك بالغلط وأنت كلمتني الصبح)
تنهد لما يحمله الموقف من ذكرى له أيضًا (فاكر جدًا)
عضت شفتيها بتردد قبل أن تصارحه بإبتسامة خجول (حلمت بيك يومها يا حمزة، كنت لابسه الفستان الي جبتهولي وبوريهولك بس أنت...
فتح عينيه على ترددها وخجلها من الإعتراف، ابتسم وأكمل لها (بس أنا بوستك مش كدِه يا سكن؟)
اتسعت عيناها وهي تهمس مندهشة (هو أنا حكيتهولك؟)
رتب لها خصلاتها وهو يخبرها (محكيتهوش أنا الي حلمت نفس الحلم يومها عشان كدِه كلمتك)
توسعت عيناها عليه بذهول سرعان ما تبخر وهي تستطرد متطلعة لعينيه ترغب الإحتواء وتتدفأ بالقرب (معرفتش أنساها يا حمزة ولا أنسى الحلم دِه خالص، من يومها وريحة أنفاسك فصدري مفارجتنيش، بشمها كل وجت كأنك طبعتها فروحي)
لامها بعتب حاني رفيق (وبعدها حصل إيه؟ بعدتي مجربتيش واخترتي غيري)
أخبرته بحنو (وأنت وجتها محطتش نفسك فقايمة الاختيارات بعدت وطولت وسيبت غيرك وأنا فهمت إن مفيش أمل)
صارحها بصدق وهو يمسد خدها بإبهامه (كنت خايف عليكِ وعايزلك الأحسن، تاخدي واحد من سنك مسبجلوش الجواز ولا ارتبط بحد غيرك)
اعتصرت عينيها متنهده تلومه (ياريتك اتكلمت كنت هوافج)
ابتسم مقدرًا قولها (عارف أنك هتوافجي، وعارف حتى لو رفضتي ممكن عمتي تضغط عليكي عشان كدِه بعدت ولما رجعت كان الأوان فات )
همس وهو ينزع نظراته من أسرها ( اختارتيه وكنتِ عيزاه وعملتي كتير عشانه)
(الحقيقة اخترتك أنت برضو) همستها دون تردد وبيقين، ليستنكر (ده أزاي يا سكن؟)
ذكرته قائلة (فاكر لما أمي ومودة راحوا لمرت عمار وفضلت أنا بيت جدي ورجعت بالليل أبكي وأنت شوفتني وفتحت ودخلتني وأنا جولتلك أمشي)
ضحك في مرح ومشاكسة (فاكر طبعا لسانك مكانش بيتوصى)
همس بإشفاق وهو يلملم دموعها المتساقطة بأنامله (مجولتليش ليه بطلي بكا؟)
ضم شفتيه ووبخها في حرقة( يخربيت دماغك)
أكدت وهي ترخي أهدابها في خجل (معرفتش أتجبله يا حمزة ولمسته كانت بتضايجني وتخنجني، والله العظيم ما جرب مني ولا لمسني ولما حاول ضربته بالسكين وهربت)
استنكر في ذهول ضرب رأسه وهز إدراكه (سكين؟)
بينما تحركت هي لأحضانه وضمته معلنة انتمائها له قولًا وفعلًا (شوفتك جدامي يومها يا حمزة كأني أخصك وبتاعتك وأن جربه مني مش من حقه أنا بتاعتك يا حمزة أنت أنفاسك مفارجتش صدري إزاي هجبل غيرها يدخل،رجعت وكنت هتجنن )
ضربها بخفة فوق رأسها موبخًا في غيظ خالط سعادته بما اعترفت به (بجرة من يومك، أمال جولتي ليه الي جولتيه؟)
بللت دموعها ملابسه واخترقتها لبشرته تفرض أحقيتها به، همست بحشرجة (كنت متغاظة وخايفة تسيبني وتبعد عني تاني مكنتش هجدر)
أمسك بذقنها ورفع رأسها إليه لتواجه نظراته، قال معترفًا أمام عينيها وهو يحتمي بقربها ويلوذ بذراعيها (وأنا بخاف تسيبيني يا سكن وبخاف تبعدي عني، لما جولتي أمشي متحملتش ولا فيوم هتحمل غيابك وفراجك يا سكني)
ابتسمت من بين دموعها هامسةً (لا مش هبعد خالص يا حمزة دا أنت راحة جلبي بعد التعب)
ضمها بقوة لأحضانه موضحًا (يا بجرة الي فيكِ مكانش بيدك ولا كنت هسيبك يعني أنا يا سكن لو تعبت هتسبيني)
لكزته بقهر في صدره صارخة (لما عارف أنه مش بيدي عذبتني ليه؟)
أوضح من بين قهقهاته (المشكلة مش فالتعب المشكلة فلسانك والي جولتيه ومعملتيش حساب ليا، جيتي زي التور جدام زهرة وأبدعتي)
حركت أهدابها ببراءة متدللة في وداعة (سماح بجا يا حموزتي)
ضمه لصدره بقوة وكلماته تتخلل قبلاته الكثيرة فوق رأسها (سماح يا جلب حموزتك)
أبتعدت عنه قليلًا تخبره في تردد (في حاجة عملتها يا حمزة وعايزة أجولك عليها)
رمقها متوجسًا بنصف نظرة وهو يشجعها (استر يارب جولي يا بلوة)
(دخلت شجتك وشوفت حاجتك ) قالتها بسرعة خاطفة الحروف ثم أغمضت عينيها في قلق وترقب، تأمل فعلتها بإبتسامة حنون وهو يسألها (وارتحتي؟)
لما لمست هدوئه وشعرت بلطف نبرته فتحت عينيها في حذر وأخبرته بوجع (لاااه يا حمزة تعبت أكتر وأكتر)
أوجعته النظرة القلقة في عينيها والحزن المارق فيهما ليخبرها (أنا اشتريت بيت تاني يا سكن لما أرجع هننجل فيه وهنسيب الجديم بالي فيه والي بيزعلك ويحزنك، و إن شاء الله يعجبك، وعايزك تبتدي لما ترجعي تجهزي كل حاجتك وتختاري الي أنتِ عيزاه يا حبيبي وأفرشيه زي ما تحبي)
تأثرت بقوله وأفعاله التي تهبط كالنسيم البارد على حرارة غيرتها فتلطفها، همست وهي تصطفيه بأروع نظرة وأجمل ابتسامة كأنما صنعتها لأجله خصيصًا تواريها عن الأعين وتفضله بها (أنت جميل يا حمزاوي)
ضمها ضاحكًا في مرح وسعادة (وأنتِ بلوة حمزة ودعوة ورد)
سألها وهو يمسح على رأسها (في أي اعترافات تانية؟)
انسحبت من بين ذراعيه جالسةً تخبره بنزق (لا مفيش لو افتكرت هجولك)
جلس مثلها وضم خصرها بذراعيه يقربها منه هامسًا وهو يلثم كتفها العاري (أوعديني متخبيش عني حاجة وتحكيلي دايمًا الي مزعلك وبيضايجك وتفهميني لو أنا مش فاهم)
همست بإرتعاش من رقة قبلاته ونعومة لمساته على بشرته (أوعدك يا حموزتي)
ابتعدت تاركةً ذراعيه وقفزت من فوق الفِراش قائلة (جوم صلي وكلّم ورد)
غادرت للمطبخ وامتثل هو لطلباتها وبعدها جلسا متجاورين يهاتفان ورد.
اتصل بوالدته بعدما اتفقا ورتبا حوارهما،جاءه صوت والدته
فهتف بعصبية مصطنعة بينما هي تقف خلفه تتململ في نفاذ صبر، وإدعاء كاذب للحزن والخذلان تستعطف به ورد التي ثارت حين رأتها هكذا(جبتيهالي ليه ياورد ؟)
تأففت ورد بضيق لكنها هتفت بهدوء قدر المستطاع (ايه هو الي جبتها ليه)
زفر بغيظ وهو يسألها (اعمل ايه يعني؟)
ضربت ورد صدرها مندهشة تستنكر قوله (تعمل إيه فأيه يا مري أجووول بووو يا حمزة)هتف هيما بقهقهة عالية (الصدمة يا خالتي هموت)
حذره حمزة بغضب(اخرس)
ليقول هيما من بين قهقهاته العالية سخرية (اسأل جوجل يا حمزة)
سبه حمزة بصوت خافت، لينتفض بقراره النهائي هاربًا من تلك المحاصرة (تقعد مع هند وتتفسح وترجع مفيش بينا كلام )
حذرته والدته بحزم رفيق(ابجا اعملها يا واد حكيم وشوف هيحصلك إيه مني بلا لعب عيال)
لتتقدم سكن قائلة بإنكسار مزيف وبكاء تمثيلي (أنا غلطانة يا عمتي جيت عشان أرضيه وأريحه بس أخرتها شوفي كلامه)
رمقتها ورد بشفقة وهي تطيب خاطرها (معلش يا بتي)
لتوجه نظراتها الغاضبة لحمزة (بجا كده يا حمزة، زعلتها ليه؟)
هتف بإنتفاضة وثورة (خلاص يا أمي معدش ينفع نكمل هرجعهالك وخلصنا)
زعقت ورد متخلية عن هدوئها (واه طيب ابعتهالي ومشوفش وشك يا واد حكيم)
ضم سكن بذراعه لصدره قائلا من بين قهقهاته العالية بعدما توقف عن التمثيل والتصنع (مجدرش على زعلك ولا زعلها يا وردتي، برضوأهون عليكي؟)
تنفست الصعداء معاتبة (وقعت جلبي يا حمزة)
هتفت سكن برأفة وحنو (سلامة جلبك يا أمي)
سألتهما ورد وهي تنقل نظراتها بينهما (خلاص كدا هديتوا واترضيتوا)
نظرا لبعضيهما في صمت وابتسامة متلألأة ليعود حمزة بنظراته لوالدته مؤكدًا (مستغناش عن سكني يا ورد)قالها وهو يطبع قبلة تقديرية فوق رأسها وهو يستطرد (كفاية جيتها لي والله)
هتفت ورد بإستحسان وإعجاب لقوله (جدع يا حمزة واد أبوك) انسحبت سكن للمطبخ وتركتهما قليلًا ليتحدثا
أنهت ورد الاتصال بعدما اطمأنت وارتاح قلبها (يلا أشبعوا من بعض تصبحوا على خير)
(وأنتِ بخير يا حبيبتي) أغلق الجهاز واستدار للواقفة منتظرة بقلق منذ أغلق
اقتربت تسأله (كله تمام ورد كويسة؟)
ضيق عينيه قائلًا بمكرمستغلًا الأمر (بتسأل وتطمن مستنيه الحفيد)
تراجعت خطوة مهتزة بصدمة وحرج، فركت أناملها بتوتر وهي تهمس بقلق (أنا أصل… مجولتلهاش إني......
ضرب راحة كفه بالهاتف مقاطعًا يجيب بدلًا منها بإبتسامة(مجولتيلهاش بس أنا عارف)
طالعته بدهشة ذابت في ضيقها وغضبها (عارف إيه؟)
أخبرها وهو يحك رأسه متسليًا
(إن عندك عذر شرعي ؟)
أرخت جفنيها في خجل شديد متململة في وقفتها تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها الآن، سألته بتلعثم (عرفت منين؟)
أجابها بضحكة مكتومة (قبل ما تيجي بيومين كنتي بتبكي عالفاضي والمليان ومستلماني والي بالمناسبة كان نفس يوم ما رجعنا من قنا ففهمت وسكت)
اقتربت ولثمت خده معتذرة في حياء متمنية أن لا يسيء الظن بها (آسفة)
واصل بإستمتاع مشاكستها يقول من بين أسنانه بغيظ وحنق كاذب (لبستهاني أنا وطلعتي منها، ما أنتِ خفيتي؟)
غمغمت موضحة بحرج مما تقوله (عمتي أصرت هند تحجز في الوقت دِه واتكسفت أجولها يا حمزة وهي صممت )
هتف بضيق مفتعل يلومها وهو يتأمل ما هي فيه بحنو وإشفاق ( عاجبك كده أمي هتفكرني معجد و نحس وهتفضل تجول يا مري للصبح وتدعيلي بصلاح حالي )
قالت في إرتباك شديد غير واعية لابتسامته ولا ملامحه الساخرة (لو عايزني افهمها معنديش مانع)
هتف بجدية مصطنعة وهو يتأمل ملامحها التي تلونت بالضيق
(لا بس مش يمكن أنتِ جاصدة يا سكن؟)
انتظر قربها منه بصبر يفتعل التجاهل واللامبالاة، ضمته مؤكدة بعفوية (والله يا حمزة لو جاصدة مش هاجي كل دِه بعد الي حصل، وأعمل حاجة زي دي)
تنهد قائلا بآسى كاذب لا يبادلها القرب (براحتك يا سكن عادي مش فارجة )
قالها وابتعد لتنهمر دموعها فيعود متراجعًا يعتذر موضحًا بضحكة (بس بس بهزر معاكي والله يا حبيبي، أنا عارف وفاهم وورد هي اللي اشتغلتك أصلًا)
رددت مكذبة اياه (ورد، ليه؟)
أكد بضحكة رائقة (أيوة ورد، دي أمي لو عايزة تلففني أنا وأنتِ حوالين نفسنا هتعملها أنتِ طيبة يا سكني)
سألته بإهتمام لا يهمها سواه (يعني أنت مش زعلان)
تنهد بإستسلام (لااااه عادي أمري لله اتفجتوا علىّ هعمل إيه؟ تعالي بجا احكيلي موضوع عاليا من طقطق لسلامو عليكم)
**************
بعد أن نامت سكن، تسلل من جوارها مشتاقًا للحديث مع والدته ومشاكستها كما يحب، أمسك هاتفه واتصل بوالدته التي أجابت فورًا، استقبلها حمزة بهتاف مغتاظ من خدعتها وابتسامته الرائقة تجلو حزن وكآبة الأيام المنصرمة (كنتِ قاصدة بجا يا ورد؟
وعملتيها فيا)
فهمت ورد مقصده فقهقهت بإنشداه قبل أن تخبره بمكرمقرّة ومعترفة بتدبيرها (آمال أسيبهالك كدِه ببساطة؟ كفاية إني بعتهالك، واها أحنا جدمنا معاك السبت والحد فأيدك لسه باجي الأسبوع)
هتف بمشاكسة ومرح عاد إليه مجددًا (والمطلوب إيه عشان واد عبد الحكيم ينول الرضا)
هتفت ورد بكبرياء تجاريه في مرحه (وريتك إنه خلاص بتي تمام، وجبتهالك لحد عندك تراضيك، عايزها انزل فرّحها زي البنته وجهزلها شجتها واتجوز مش عايز بكيفك والله احنا مش خسرانين)
هتف بفهم من بين ضحكاته الرائقة (شوج ولا تدوق صح)
أكدت ورد بفخر وسعادة (أيوة أمال إيه، الي عايزنا يورينا شطارته ويثبت)
قال بمرح مستمتعًا بالحوار والمشاكسة معها بعد غياب (ما ممكن أنا أجعدها كام يوم كمان هنا وأتجوز وهي مش هتمانع ولا هتصر على موقف حتى لو حفظتيها حفظ؟)
تنهدت ورد بإستسلام مؤكدة (هتجولي ما أنا عارفه تتمنالك الرضا ترضى يا واد عبد الحكيم )
قهقهه حمزة مردفًا (أمال إيه هو أنا شوية؟)
هتفت بفخر مشددة على قولها برفق (بس أنت مش هتتخطاني يا حمزة وهتعمل الي أنا أجوله)
أكد بتقدير (على رأسي يا أمي الي تأمري بيه ويرضيكِ كلي فداكِ)
أوصته خيرًا في عطف ومودة (مش هوصيك يا حمزة سكن معادتش بت عمتك ولا خالك دي حتة مننا وبتكملنا، متبصش غير أنها منك وملهاش غيرك،بتك وحبيبتك ومرتك، تراعيها وتصبر عليها البت بتحبك يا حمزة واهيك جولت مترفضلكش طلب)
نظر للنائمة بهدوء واطمئنان قائلا في مرح (طب ما توصيها هي مرة عليا)
أكدت ورد بنبرة حنان ( والله يا ولدي هي ما محتاجه وصاية من غير ما أجول بتعمل، جيتها ليك كانت شورتها هي وسعيها هي ليك متحملتش تبعد عنها وتزعل كل دِه)
هتف وهو يقترب منها ويقف عند رأسها مدلكًا بأنامله منابت شعرها قبل أن يجلس ويلثم جبينها(عارف يا أمي هي فهمتني)
(في رعاية الله يا ولدي وسلملي على سكن)
(في رعاية الله يا حبيبتي خلي بالك من نفسك)
*******
في قنا دخل عمار مهرولًا يُسكت النسوة ويوقف قرع طبولهن بإشارة من كفه وهتافه (بس بس فضوها)
توقغ الجميع منتبهين إليه يتسألن بإستفهام عن سبب إيقافه لهن ، تقدمت والدته مفتشةً في ملامحه المزعورة بقلق وهي تستفسر (خير يا ولدي دي حنة أختك والبنته فرحانين وبيرجصوا وجفتهم ليه)
نظر عمار بإشفاق لمودة الواقفة خلفهما تستمع بإنصات ثم هتف بحسرة (زين اتصاب فكمين على الجسر الغربي ونجلوه المستشفى حالته خطيرة)
الرابع والاربعون من هنا
قراءة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الرابع والاربعون 44 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

لا تفوت الفصل التالي من رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثالث والاربعون 43 كاملة بدون حذف لمزيد من التفاصيل.

تابع أحداث رواية ملاذ قلبي سكن كاملة

رواية ملاذ قلبي سكن كاملة من الفصل الأول حتى الأخير بترتيب دقيق.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
⚖️ بلاغ حقوق النشر للرواية
🏁
🏆