📁 آحدث المقالات

رواية بعد عشر سنين كاملة الفصل الاول 1| بقلم رومانى مكرم

بعد عشر سنين من اليوم اللي جوزي السابق سابني فيه علشان يجري ورا واحدة أصغر منه بعشر سنين، القدر جمعنا تاني صدفة في مطعم خمس نجوم… بصلي من فوق لتحت كده بنظرة كلها استعلاء، وابتسم بسخر.ية وقال:


“المكان ده مش معمول للستات الغلابة اللي زيك.”

قبل ما يكمّل كلامه، جوزي الحالي ظهر ورايا وسأله سؤال واحد بس… خلا الابتسامة تختفي من على وشه في لحظة.


بعد عشر سنين من طلاقي، عمري ما توقعت إني هشوف كريم عبد السلام تاني.


آخر مرة شفت وشه فيها، كان واقف على باب الشقة اللي بنيناها سوا في منطقة شعبية في القاهرة، شايل شنطة في إيده، ومفاتيحه في الإيد التانية، كأنه مستعجل يهرب. وقتها كنت عندي 38 سنة، مهدودة من سنين وأنا بحاول أوفّر في كل جنيه، وبربي بنتنا، وبعمل نفسي مش شايفة البُعد اللي كبر بينا.


ما حاولش حتى يخفف كلامه. قال إنه “ضيّع سنين من عمره”، وإنه عايز يعيش، عايز حب وحماس، وواحدة تحسسه إنه لسه صغير. والواحدة دي كانت ڤاندا مراد… أصغر منه بعشر سنين، دايمًا شيك، وضحكتها كلها تصنّع.


حكايات رومانى مكرم


سابني أنا… مع الديون، وكلام الناس، وبنت صغيرة بتسألني ليه أبوها اختار واحدة تانية بدلنا.


السنين اللي بعد كده ما كانتش سهلة، بس كانت حقيقية. اشتغلت شغلانتين فترة. بعت الشقة. نقلت قعدت في شقة بسيطة في الإسكندرية بعد ما لقيت شغل ثابت كمديرة تشغيل في شركة مستلزمات طبية. اتعلمت أعيش لوحدي… من غير ما أستنى حد ينقذني. اتعلمت إني كفاية لوحدي.


ومع الوقت… بقيت مش نفس الست اللي كريم سابها.


بس ولا حاجة من ده كله كانت ممكن تجهزني للحظة اللي شفته فيها تاني… تحت نور النجف في مطعم فاخر في قلب القاهرة.


كنت هناك علشان حفلة خيرية. الشركة اللي بشتغل فيها كانت راعية لبرنامج طبي مهم، ووصلت بدري شوية، لابسة فستان كحلي شيك كنت مترددة أشتريه أصلاً. وأنا ببص على أماكن القعدة، سمعت صوت ورايا خلّى قلبي يقف.


“ياااه… ده إنتِ منى عبد السلام.”


لفّيت… ولقيته قدامي. كبر شوية، ووشه اتخن، بس لسه نفس النظرة المتعجرفة اللي شايفة نفسها أحسن من الكل. وعلى دراعه ڤاندا… لسه جميلة، لسه لافتة، ولابسة فستان أبيض يخطف العين.


كريم بصلي من فوق لتحت ببطء… وبعدين ابتسم ابتسامة كلها استهزاء.


“المكان ده مش للناس الغلابة اللي زيك.”


#الكاتب_رومانى_مكرم


في لحظة… صوت المطعم كله اختفى. صوت الكبايات، الضحك، والمزيكا… كله سكت. حسّيت بكل سنين الوجع والكسرة بتدوس على قلبي.


وفجأة… حسّيت بوجود حد ورايا.


الصوت اللي قطع الصمت كان صوت “ياسين”.. جوزي. ياسين مش بس راجل ناجح، ده الشخص اللي علمني إن الست مش محتاجة حد يكملها، هي محتاجة حد يقدر قيمتها وهي كاملة. حط إيده على كتفي بمنتهى الهدوء، وبص لكريم نظرة خلت كريم يترعش مكانه من غير ولا كلمة.


ياسين سأله سؤال واحد بس، وبنبرة صوت هادية جداً:


“هو حضرتك المندوب اللي باعتينه عشان يستلم شيك التبرع، ولا حد ضل طريقه هنا بالصدفة؟”


 ↚

الابتسامة اختفت من على وش كريم في ثانية. ملامحه اتغيرت وبقى لونه باهت. ڤاندا اللي كانت واقفة جنبه بتباهي، بدأت تبص للأرض بإحراج. كريم حاول يجمع شتات نفسه وقال بلجلجة:


“أنا.. أنا كريم عبد السلام، صاحب شركة توريدات.. إنت مين؟”


ياسين ابتسم ابتسامة واثقة وقال:


“أنا ياسين الألفي، صاحب المجموعة اللي منى هانم بتديرها، وزوجها. وأظن إن الدعوة اللي معاك يا أستاذ كريم كانت ‘درجة تانية’، يعني مكانك مش في القاعة الرئيسية هنا وسط الرعاة الرسميين.”


الكلمة نزلت على كريم زي الصاعقة. “منى الغلبانة” اللي سابها بدموعها في حارة شعبية، بقت هي “الهانم” اللي الكل بيعملها حساب، وهي اللي بتدير صرح طبي كبير.


كريم حاول يداري كسفته وبصلي بحقد:


“بقى هي دي الحكاية؟ لقيتي اللي يصرف عليكي ويعمل منك بني آدمة؟”


قبل ما أرد، ياسين ضغط على إيدي كأنه بيقولي “سيبيهولي”. وبص لكريم وقاله:


“منى هي اللي عملت لنفسها كيان، وأنا اللي اتشرفت إني فوزت بقلبها. وبالنسبة للمكان اللي بتقول إنه مش للي زيها.. فـ أحب أقولك إن القاعة دي محجوزة باسم شركتها هي، يعني إنت هنا ‘ضيف’ عندها.. ده لو حبينا نكرمك ونخليك تكمل السهرة.”


ڤاندا شدّت كريم من إيده وهي وشها أحمر من الكسوف وقالت بوشوشة: “يلا يا كريم، الناس بدأت تبص علينا، كفاية فضايح.”


كريم مشي وهو بيجر رجليه، والنظرة الاستعلائية اللي كانت في عينه اتحولت لنظرة انكسار وندم.. ندم على كنز كان في إيده ورماه عشان شوية مظاهر كدابة.


بصيت لياسين وابتسمت، حسيت وقتها إن الوجع اللي فات كله اتمسح. مش عشان ياسين أنقذني، لا.. عشان قدرت أشوف “كريم” على حقيقته.. مجرد راجل صغير، مبيعرفش يشوف القيمة الحقيقية للبشر.


طلبت من الجرسون يغيرلنا التربيزة لمكان أبعد، وقررت إن الليلة دي مش هتكون ليلة نكد، دي ليلة احتفال بـ “منى الجديدة”.


حكايات رومانى مكرم


الموقف في المطعم ما خلصش بس على الكسفة اللي كريم أخدها.. الحكاية كانت لسه بتبتدي.


طول السهرة، كنت حاسة بعينه عليا من بعيد. كان قاعد في ترابيزة في ركن القاعة، بيحاول يظهر إنه مستمتع، بس ملامحه كانت فضحاه. ڤاندا كانت مشغولة بموبايلها، وشكل الخناقة اللي حصلت بينهم خلى الجو “مكهرب”.


بعد ساعة، وأنا واقفة لوحدي عند البوفيه بختار عصير، لقيت خياله ورايا تاني. المرة دي صوته مكنش فيه استعلاء.. كان فيه “تمسكن” مقزز.


“منى.. ممكن دقيقة؟”


لفيت ببرود، وبصيت له نظرة خالية من أي مشاعر. لا غل ولا حب ولا حتى عتاب. بصيت له كأني ببص لواحد غريب تماماً.


“خير يا أستاذ كريم؟ أظن ياسين وضح لك كل حاجة.”


كريم قرب خطوة، وصوته واطي:


“ياسين ده.. هو اللي ساعدك تفتحي الشركة؟ أصل أنا سمعت إنك بقيتي شريكة في مجموعة طبية كبيرة. بصراحة، مكنتش أتخيل إن ‘بنت الحارة’ هتوصل للمستوى ده.”


ابتسمت بسخرية:


“بنت الحارة اللي بتتريق عليها دي هي اللي شالتك سنين، وهي اللي لما وقعت في الديون بعد ما سبتها، وقفت على رجليها بجهدها وعرقها. ياسين دخل حياتي وأنا ‘مديرة ناجحة’ فعلاً، مش وأنا ضحية مستنية حد يلم شتاتها.”


كريم سكت لحظة، وبعدين قال بجملة خلتني عايزة أضحك من قلبي:


“تعرفي.. أنا وڤاندا بينا مشاكل كتير. هي مادية جداً، ومش زيّك أبداً. أنا ندمت يا منى.. ندمت إني ضيعت الست الأصيلة اللي زيك.”


ضحكت بصوت مسموع لدرجة إن كام حد من اللي واقفين بصوا علينا.


 ↚

“ندمت دلوقتي؟ لما لقيت الست اللي سبتها بقت ‘هانم’ وعندها بيزنس؟ ولا ندمت لما عرفت إن ‘ڤاندا’ اللي جريت وراها عشان سنها، مش مستعدة تشيل معاك شيلة زي ما أنا شلت؟”


كريم حاول يمسك إيدي، بس سحبتها بسرعة وقسوة:


“اسمع يا كريم.. إنت بالنسبة لي صفحة واتقطعت واتحــ,,ـــــرقت كمان. بنتك بتكبر وبكرة هتعرف الحقيقة، هتعرف إن أبوها اختار ‘المظاهر’ وساب ‘الأصل’. ولو فاكر إن ندمك ده هيحرك شعرة فيا، تبقى غلطان.”


في اللحظة دي، ياسين ظهر تاني، كأنه بيحس بيا من غير ما أتكلم. حط إيده في جيوبه وبص لكريم بابتسامة باردة:


“أستاذ كريم.. تاني؟ أظن الأمن بره ممكن يساعدوك تلاقي طريق الخروج لو مش عارف تمشي لوحدك.”


كريم وشه بقى أحمر زي الدم، وانسحب وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم. رجعت لترابيزتي مع ياسين، وحسيت براحة غريبة. لأول مرة أحس إني مش بس انتصرت عليه.. أنا انتصرت على “خوفي” منه ومن نظرة المجتمع ليا كمطلقة.


بس المفاجأة كانت لما رجعت البيت ولقيت رسالة على موبايلي من رقم غريب.. الرسالة كانت من ڤاندا!


حكايات رومانى مكرم


فتحت رسالة “ڤاندا” وإيدي بتترعش بسيط، مش خوف، بس استغراب.. كانت كاتبة:


“منى.. أنا عارفة إنك مش طيقاني، وحقك. بس كريم مش هو الشخص اللي إنتِ فاكراه دلوقتي. الراجل ده غـ,ـرقان في الديون، والمظاهر اللي شفتيها في المطعم دي كلها ‘منظرة كدابة’ وعربية قسط. هو بيحاول يرجعلك مش ندم، هو بيدور على ‘سبوبة’ تنقذه من الإفلاس اللي وصله بسبب طيشه.”


قفلت الموبايل وأنا مش مصدقة. يعني “كريم” اللي كان بيعايرني بالفقر والغلابة، طالع هو اللي “غلبان” ومحتاج حد يشيله؟ الدنيا فعلاً دوارة.


تاني يوم في المكتب، كنت قاعدة براجع ميزانية الشركة الجديدة، لقيت السكرتيرة بتقولي:


“يا مديرة منى، في واحد بره اسمه كريم عبد السلام، مصمم يقابلك وبيقول إنه موضوع شخصي وعائلي.”


بصيت للسكرتيرة ببرود وقلت لها:


“دخليه.. بس خليكي قريبة، ولو احتجت حاجة هندهلك.”


دخل كريم، بس المرة دي مكنش لابس البدلة الشيك اللي كانت في المطعم. كان باين عليه التعب، وعينيه فيها قلق مش طبيعي. قعد من غير ما يستأذن وبدأ يتكلم بسرعة:


“منى.. أنا عارف إني غلطت. بس إحنا بينا عشرة، وبينا بنت. أنا بمر بأزمة مالية كبيرة، والبنك حاجز على المخازن بتاعتي. إنتِ دلوقتي صاحبة نفوذ، وممكن كلمة منك للرعاة اللي كانوا معاكي في الحفلة تفتح لي أبواب مقفولة.”


بصيت له بذهول.. الراجل ده معندوش دم؟


“إنت جاي تطلب مني أساعدك في شغلك بعد ما كنت لسه بتهينني قدام جوزي وتقولي المكان ده مش للغلابة؟”


كريم نزل عينه في الأرض:


“كنت بكابر يا منى.. كنت بحاول أحسس نفسي إني لسه فوق. ڤاندا سابتني لما عرفت إن الحنفية اتقفلت، وبقت بتهددني بالرسايل اللي بتبعتها لك دي عشان تبوظ صورتي قدامك.”


قمت وقفت، ورحت عند الشباك اللي بيبص على شوارع القاهرة الزحمة، وقلت له بصوت قوي:


“كريم.. أنا مش هساعدك. مش عشان أنا حقودة، بس عشان إنت لازم تتعلم إن الست مش ‘استبن’ بنرجع له لما الدنيا تضيق بينا. أنا بنيت نفسي من الصفر وأنا شايلة بنتك في حــ,,ـــــضني، وإنت كنت بتصرف فلوسك على الفساتين والسهر. دلوقتي، واجه قدرك لوحدك.”


كريم قام وقف وهو بيزعق:


“يعني ده آخر كلام؟ هتسيبيني أضيع؟ وفين العشرة؟”


في اللحظة دي، الباب اتفتح، ودخل “ياسين”. مكنش باين عليه الغضب، بالعكس، كان هادي جداً، حط ورقة على المكتب قدام كريم وقال:


“دي قائمة بالديون اللي عليك للشركات اللي تبع مجموعتنا. إحنا مش هنطلب منك السداد فوراً، هنمهلك شهر.. تقديراً لكونك ‘أبو بنتها’ بس. بعد الشهر ده، القانون هياخد مجراه. اتفضل يا أستاذ كريم، المديرة منى عندها شغل مهم.”


خرج كريم وهو مكسور تماماً، كأنه صغر عشرين سنة في لحظة. بصيت لياسين وقلت له:


“إنت كنت عارف؟”


ياسين ابتسم وقرب مني:


“كنت عارف إن اللي زيه بيبني قصور من رمل. بس كنت مستنيكِ إنتِ اللي تنهي الحكاية دي بكلمتك، عشان تحسي بطعم انتصارك الحقيقي.”


حسيت براحة مش طبيعية، بس لسه في حاجة ناقصة.. بنتي. بنتي اللي كبرت وبدأت تسأل عن أبوها، تفتكروا مواجهتها معاه هتكون إزاي بعد ما تعرف إنه حاول يستغل أمها تاني؟



حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
📲
تطبيق حكايتنا
تحميل التطبيق الآن
تحميل
0
SHARES