رواية إغواء قلب الفصل التاسع والعشرون 29 كامل | بقلم ميرا كريم
التاسع والعشرون
تجمعوا جميعهم داخل المشفى بعد أن اسعفوها الى هنا
فكان هو يعدو ذهابًا وايابًا داخل رواق المشفى ينتظر الطبيب أن يطمئنه على والدته
وبعد بعض الوقت خرج الطبيب وملامح الأسف مرتسمة على وجهه
ليندفع صقر ويتسأل بقلق:
- خير يا دكتور أمي مالها
اجابه الطبيب بنبرة عملية: -للأسف جلطة في المخ واتسببت في شلل الجزء الأيمن من الجسم والمشكلة أن الضرر كان في الفص الشمال وده الجزء المسؤول عن الكلام والفهم و كمان النطق، إحنا عملنا كل اللي قدرنا عليه وان شاء الله مع العلاج ممكن يبقى في تحسن وبعد كده ممكن نلجأ الى العلاج الطبيعي، وان شاء الله تبقى أحسن
أومأ له صقر بحزن وبملامح مكفهرة ثم شكره و جلس بضياع على أحد المقاعد الحديدية القابعة بالرواق
لتأتي إليه فتون وتربت على ساقه تواسيه وتخفف عنه:
- علشان خاطري انت أقوى من كده، هي هتبقى كويسة وان شاء الله بعد العلاج هترجع زي الأول
همهم هو بضيق وبملامح متألمة:
- دي امي يافتون غصب عني لازم أزعل عليها، حتى لو هي فيها عيوب الدنيا بس هتفضل أمي اللي كانت السبب بعد ربنا في وجودي في الدنيا
هدرت فتون بنبرة مواسية:
-عارفة، بس انا اتعودت عليك أقوى من كده وهي لما تفتح عنيها عايزاها تشوفك جنبها وتعرف انك عمرك ما هتسيبها
ليجلس محمد بجانبه على المقعد المجاور له ويقول بطيبة:
- ادعيلها يا ابني
عقب صقر بنبرة حزينة متأثرة وهو يشرد في نقطة وهمية بالفراغ:
- هدعيلها يا عمي.
.
.
بس مش قادر استوعب أن هند العزازي بكل جبروتها وهيلمانها ده كله هتبقى مبتتحركش زي الأول ولا هتعلى صوتها وتزعق عمال على بطال.
.
.
لتتوقف الكلمات بحلقه ولم يستطيع ان يستأنف حديثه بسبب تلك الدمعة الحارقة التي سقطت من عينه حزنًا عليها
وعند رؤيتها لدموعه لم تتحمل فقد احتضنت يده بين راحتها و واسته بحزن بَين:
-ازمة وهتعدي بإذن الله
هز رأسه وشدد على يدها قائلًا بعيون دامية يتحجر الدمع بها:
-سامحيني يا فتون وخليكِ جنبي أنا محتاجك تقويني
ودون تردد هزت رأسها دليل على غفرانها وأخبرته ودمعاتها تؤازره:
-أنا جنبك يا صقر
ليواسيهم عمه بتأثر:
- ربنا ليه حكمة فكده يا ولاد خلي ايمانكم بربنا كبير
رددوا هم معًا:
-ونعم بالله
وبعد عدة دقائق بائسة ساد الصمت بها تعالى رنين هاتفه وعند رده علم بخبر مقتل عزت من أحد افراد حراسته الذي وكله بتتبعه، فقد زفر بضيق وتهجمت معالم وجهه وكاد ان يخفي الأمر عنها لولا ملاحظتها له وسؤالها:
-مالك مين كان بيكلمك
تنهد وأجابها بضيق:
- فتون مش عارف اللي هقولهولك ده هيزعلك ولا لأ بس لازم تعرفي
حثته بعيناها ان يستأنف بعدما انتابها القلق
-عزت العايق أتقتل
شهقت هي بقوة ووضعت يدها على فمها بعدم تصديق هاتفة: -ازاي حصل؟
ليسترسل هو موضحًا:
-كان بيلعب قمار مع تلاتة أصحابه، اتنين منهم قتلوه وسرقوا اللي معاه والتالت شهد عليهم و لما أتقبض عليهم وأعترفوا أن جمال هو اللي حرضهم على قتله وأكيد التهمة دي كمان هتضاف على جرايمه
أجهشت هي بالبكاء وتمتمت:
-انا كنت حاسة ان أخرته لازم تبقى وحشة، علشان ربنا شاهد على اللي كان بيعمله، بس انا كل اللي مزعلني فرحة هتزعل عليه، مهما كان ابوها، ومش عارفة هقولها أزاي
سحبها هو برفق الى حضنه وطبع قبلة حنونة على مقدمة شعرها وقال وهو يمسد على ظهرها بحنان:
-حبيبتي لازم تعرف ومتقلقيش كلنا هنبقى جنبها
- لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
ربنا يعدي الازمة دي على خير يا
ولادي
ليأمنوا على دعواته وهم يؤازرون بعض ويتمنون أن تمر تلك الايام الكاحلة على خير.
--------------------------
بعد عدة شهور
وقفت هي في شرفة الجناح الخاص بهم تستمتع بنسمات العليل المنعشة وبتلك الأطلالة الرائعة التي ذكرتها كم تشتاق لمالك قلبها وملاذها الوحيد في الحياة ودون أي تردد تناولت هاتفها الذي ابتاعه لها قبل سفره الى ألمانيا برفقة والدها للعلاج وقامت بالأتصال به عن طريق أحد مواقع التواصل وبعد ثوانِ معدودة أتاها صوته العميق الذي يبث بها الطمئنينة:
-وحشتيني يا تونة
اجابته هي برقة وبنبرة متلهفة: -انت وحشتني أكتر يا صقر راجعين امتى، انا هتجنن من غيرك انت وبابا
أجابها صقر بحنان:
-حبيبتي خلاص هانت
تنهدت هي وتسألت بقلق:
-وبابا عامل ايه دلوقتي كان نفسي ابقى جنبه اوي يا صقر
اجابها هو كي يطمأنها:
أبتسمت هي وهتفت بتفائل:
- يارب يا صقر وترجعولي بقى بالسلامة
ليعقب بإقتضاب:
-حبيبتي معلش مضطر أقفل هكلمك تاني
ردت هي بتنهيدة ثقيلة:
-خلي بالك من نفسك ومن بابا...لا اله إلا الله
أجابها بنبرة هادئة:
-سيدنا محمد رسول الله
أغلقت معه متنهدة بضيق ثم وضعت الهاتف جانبًا وتوجهت الى غرفة هند كعادتها كل صباح
وعند فتحها باب الغرفة ابتسمت بأتساع وهي تشاهدها قد استفاقت من نومها لتقول بلطف:
-صباح الخير عاملة ايه النهاردة
أومأت لها هند بضعف وابتسمت بسمة ضعيفة جاهدت لتظهرها واضحة بسبب أعوجاج فمها وتهدل جفن عيناها بعض الشيء
لتهتف فتون من جديد وهي تفتح الستائر وتدخل الضوء كي ينتشر بالغرفة:
- عارفة امبارح مجاليش نوم طول الليل وانا لوحدي، أعملي حسابك بقى لغاية ما صقر يرجع مش هنام غير جنبك
أومأت لها هند وهي تحرك رأسها كأنها ترحب بها
لتضغط فتون على زر التنبيه لتستدعي فوزية مدبرة المنزل وبعد دقائق
دخلت فوزية وهي تبتسم وتلقي عليهم تحية الصباح بأحترام: -صباح الخير يا هانم تأمريني بأيه
ردت فتون:
-صباح النور يا فوز عيزاكِ تغيري فرش السرير، عقبال ما أغيرلها هدومها، وخليهم يحضروا الفطار في الجنينة أصل الجو النهاردة حلو اوي
-يا هانم ما الممرضة موجودة وانا كمان أقدر أغيرلها
اجابتها فتون بأصرار:
-لأ...يلا أسمعي الكلام وياريت تصحي فرحة اتأخرت على جامعتها
ردت فوزية بطاعة:
-تحت أمرك يا هانم عن أذنك
وعند انصرافها هدرت فتون وهي تدفع كرسيها المدلوب لتنقلها عليه:
-يلا علشان ورانا حاجات كتير النهاردة واولها نكمل قراية الكتاب بتاع امبارح
وبعد بعض الوقت وعند انتهاءها من تحضيرها وأشرافها على تناول كافة عقاقيرها الطبية، جلسوا سويًا بحديقة القصر وظلت فتون تتحدث معها وتقرأ لها، دون أن تحصل على كلمة واحدة منها فبعد ما أصابها لم تتمكن من الكلام وأحيانًا كثيرة تشعر أنها لم تتفهمها لكن هي لم تيأس وتظل برفقتها تعتني بها وبعد مرور بعض الوقت وعند أخر جملة قرأتها بصوت مسموع:
(مع ان كل الخلق من اصل طين
وكلهم بينزلوا مغمضين
بعد الدقايق والشهور والسنين
تلاقي ناس اشرار وناس طيبين
-صلاح چاهين)
تنهدت بعمق وقالت وهي توجه حديثها لتلك الساكنة بجوارها:
-تصدقي ان صلاح چاهين ده كل كتاباته تجنن خصوصًا بقى رباعياته، ليهم حق يسموه فيلسوف القراء انا حبيت كتاباته اوي علشان بساطته في الكلام وعلشان بيدافع عن الفقرا، وبيتبنى مواقفهم في شعره، ياااه انا كمان نفسي أدافع عن الفقرا وأجبلهم حقهم وخصوصًا بقى
الناس اللي ساكنين في منطقتنا القديمة، وكمان بنات المصنع الغلابة اللي كانو بيشتغلوا معايا، تصدقي انهم وحشوني اوي، انا اول ما يجي صقر هقوله اروح أزورهم، وبالمرة اطمن على كوثر وست إحسان
-طول عمرك فقرية ياتونة
هدرت بها فرحة بخفة وهي تتقدم منهم
لتهتف فتون بغيظ وهي تشملها بنظرات متفحصة:
- انا مش قليلة الأصل يا مفعوصة، وبعدين تعالي هنا رايحة فين و متشيكة كده
ردت فرحة بحفة:
-ايه رأيك بذمتك مش أختك قمر
البركة في صقصق حبيبي مش مخلي نفسي في حاجة
ضربتها فتون بخفة على رأسها وهدرت بعدم رضا:
-يابت بطلي تقوليله صقصق وبعدين صقر ده حبيبي انا بس يا مفعوصة
ردت فرحة بتذمر كي تشاكسها:
-ماشي ياتونة ربنا يخليكم لبعض، بس انا مش مفعوصة،
انا كبرت وهبقى محامية قد الدنيا بس انتِ دعواتك لأختك حبيبتك
أجابتها فتون بود وهي تحتضنها :
- ربنا يوفقك يا حبيبتي ويخليكِ ليا
ابتسمت فرحة بأتساع وقالت وهي تدعي الحرج:
- فتون ممكن أطلب منك طلب
أومأت لها فتون برحابة وحثتها بعيناها ان تستأنف
لتقول فرحة بنبرة ماكرة:
- الروچ اللي انتِ حطاه ده يجنن عايزة أحط منه قبل ما أخرج
ردت فتون بود:
-حبيبتي خدي اللي انتِ عايزاه من الأوضة
نفت فرحةبرأسها وألحت:
- لا مش هعرف ادور انتِ
هاتيه
ردت فتون باستغراب من طلبها السخيف من وجهة نظرها:
-انتِ بتهزري انا مش فاضية لتفاهتك وعايزة أدخل ماما أوضتها
ازاحتها فرحة وأضافت بأصرار عجيب:
- وحياتي يا تونة، وانا وفوزية هنوصل طنط أوضتها
تأفأفت فتون ووافقت على مضض وذهبت كي تحضر لها قلم الحمرا
وحين وطأت قدمها غرفتها تنهدت بسأم وتوجهت الى طاولة الزينة بألية وبعدم انتباه وهي تبحث عن ضالتها وعندما تسللت رائحته الى أنفها همهمت وتأففت بضيق وهي تعتقد انه يهأ لها كعادتها:
- وبعدين بقى في ريحته اللي هتجنني دي اووووف...وحشتني اوي يا صقر
-وانتِ كمان وحشتيني يا قلب صقر
شهقت بخفوت وهي ترفع نظراتها الى انعكاس المرآة تتبع مصدر الصوت، لتتهلل أساريرها عندما وجدته هو بطلته التي تخطف الأنفاس يقف ويشاهد انعكاسها وتعتلي ثغره بسمة مهلكة أوقعتها بحبه لا تعلم للمرة الكم
اندفعت بقوة اليه وارتمت بين أحضانه وهي تصرخ بجنون:
- صقر انت هنا صح انا مش مصدقة
رفعها عن الأرض وظل يدور بها في دوائر مغلقةلتدفن هي وجهها بثنايا عنقه وتهمهم بنبرة ملتاعة طغى الاشتياق عليها:
-وحشتني اوي اوي اوي
توقف عن الدوران بها لكنه ظل يحتضن خصرها ويقربها منه بشكل خطير حتى الهواء لا يستطيع أن يمر بينهم وهو مازال يرفعها عن الأرض وهمهم بعشق تام وهو يشملها بدفئ عيناه:
-انتِ وحشتيني أكتر بكتير يا قلب قصر
لتهمس هي بنعومة وبدلال مفرط افتقده بشدة منها:
-كدة تكدب عليا
أجابها وتلك البسمة المهلكة مازالت تعتلي ثغره:
- كنت عايز أفاجئك انا وعمي
شهقت هي بخفوت وتسألت:
-بابا صح هو فين عايزة أطمن عليه
هز رأسه وقال بمشاكسة:
-لأ هو قالي انه عايز يرتاح شوية في أوضته وانا كمان بصراحة قولت فرصة استفرض بيكِ وبعت فرحة تناديكِ
ابتسمت له بمشاكسة وهمهمت وهي تتمعن به:
- انت عامل حساب كل حاجةياحبيبي، بس انت أكيد جاي تعبان من السفر و لازم ترتاح
دفن رأسه بخصلاتها وأجابها بأشتياق تام:
- انا أرتحت لما شوفتك يا تونة وبقيت جنبك
ابتسمت هي بنعومة وهمست بدلال وهي تقترب من ثغره بشكل مغري:
-بحبك يا صقر....بحبك
ليجيبها هو بأنفاس ثائرة وعينه تنحصر على شفاهها برغبة قاتلة كادت تقضي عليه وهو بعيد عنها:
- انا بموت فيكِ يا قلب صقر ثم دون سابق انذار
ألتقط شفاهها بنهم شديد، بقبلة عميقة متمهلة بث بها كل ما يختلج بصدره من مشاعر جارفة، لتبادله هي بشغف وتحتضن رأسه بحميمية أججت رغبته بها أكثر ليغوص بها في ينبوع العشق الذي لا عاشق يكتفي بأرتوائه منه ابدًا.
-----------------------
زفرت بنفاذ صبر عندما استمعت الى غنائه بتلك الأغاني الشعبية الدارجة لتضع صغيرها الذي استيقظ لتوه برفق على الفراش وتتقدم منه بعيون يتطاير منها الشرار صارخة:
- انا قولتلك ألف مرة مش بحب الأغاني دي لأ وكمان بتغني بصوت عالى وعارف ان أبنك غلبني علشان ينام
كتم ضحكاته بصعوبة بالغة على هيئتها الفوضاوية وهتف بتسلية: -وفيها ايه بس يا ميوش لما أفرفش شوية وأغني وانا في المطبخ
صرخت به بعصبية:
-هاشم قسم بالله انا تعبانة ومنمتش بقالي ٤٨ ساعة وعندي استعداد ارتكب جريمة دلوقتي لو مسكتش
تنهد بعمق ثم أقترب منها وظل يمسد على ذراعيها صعودًا وهبوطًا بحنان قائلًا بمراعاته وتفهمه المعهود:
-حبيبتي مالك بس، انا أسف لو عصبتك، بس والله مش قصدي انتِ عارفة العادة الزفت دي فيا لما بدخل المطبخ، بس وحياتك هحاول أبطلها
تنهدت هي وهتفت بسأم:
-انا مخنوقة وحاسة اني عايزة أعيط
أحتضنها بقوة وأخبرها بنبرة هادئة خالفت كل توقعاتها:
- عيطي يا حبيبتي بس في حضني يمكن ترتاحي
رفعت نظراتها اليه وهي تحاوط خصره وهمست متسألة:
- هو انا بقيت تخينة أوي
أبتسم هو ببشاشته وأجابها بمشاكسة وبنبرة لعوب كي يهون عنها فهو يشعر أنها تكاد تصاب باكتئاب ما بعد الأنجاب:
- دة انتِ بقيتي عود البطل
تسألت وهي تعقد حاجبيها بعدم فهم:
-يعني ايه عود بطل؟
-قصدي انك زي القمر يا حبي في كل حالاتك، ايه المشكلة يعني لو تخنتي شوية
رفعت غابات الزيتون خاصتها اليه وتحمحت بترقب:
-يعني انا لسه عجباك و مش هتبص لواحدة غيري
تنهد بحب وهو يعبث بخصلاتها الفوضاوية و يضعها خلف أذنها ثم أجابها بنبرة عاشقة نابعة من صميم قلبه:
- حبيبتي النظر لغيرك معصية انا مش قدها، وهيفضل مكانك بين ضلوعي جنب قلبي اللي كل دقة فيه بتنتمي ليكِ
تنهدت هي بأرتياح من جرعة الحنان والكلام المعسول الذي نزل على قلبها سَكينة لا مثيل لها لتبتسم بسمة صافية وتطبع قبلة خاطفة على وجنته ثم قالت و هي تهم بالخروج من أحضانه:
-انا هروح أحاول أنيم أنس تاني
رفض افلاتها ورفعها بخفة من خصرها وأجلسها على الكنتور الخاص بالمطبخ، ثم فتح باب الثلاجة وأحضر علبة كبيرة من الشوكولاتة التي تفضلها ووضعها بين يدها وناولها ملعقة هامسًا بحنان:
- حبي انتِ تقعدي تخلصي العلبة دي كلها، وبعد كده هحضرلك الحمام تاخدي شاو دافي يريح أعصابك، واذا كان على أنس بيه الجارحي ابني انا هنيمه متقلقيش
هزت رأسها بعدم أقتناع وهتفت ساخرة:
-حبيبي أبنك ده خارق مش بينام وتعبني معاه، ومعتقدش انك هتعرف
رفع رأسه بتفاخر قاصد أغاظتها يعقب بثقة:
- هتشوفي انا جهزت لجنابه الببرونة بتاعته ويا أنا ياهو النهاردة
ضحكت هي بنعومة وبصوت رنان على أصراره وتمتمت من بين ضحكاتها وهي تدعمه كأنه سيخوض أختبار يتوقف عليه حياته:
- بتمنالك التوفيق من كل قلبي
ليشاركها الضحك ويهمس وهو يحتضن وجهها ويضع قبلة خاطفة اعلى شفاهها:
- هثبتلك يا ميوش وأعتبريه رهان ولو كسبت لازم مكافأة مجزية
هدر هو بجملته الأخيرة وهو يغمز لها بإيحاء
هزت رأسها بلافائدة بعدما تفهمت الى ماذا يرمي فزوجها يظل جامح ولا يكتفي...لتقول بتحدي مماثل وكأنها تثق من هزيمته وهي تتعمد أن تتغنج عليه وتتحسس صدره:
- حبيبي انت تأمرني اي مكافأة تطلبها انا مش هتأخر اني انفذها بس انت نفذ ونيمه
أومأ لها وهو يبتلع ريقه ببطئ شديد وكاد يشعر بنيران عاتية تشتعل بجسده من لمساتها، ليشجع ذاته على الفوز ثم دون اي تردد تقدم بخطوات سريعة نحو غرفة أنس
وبعد مرور ساعتين تناولت هي الشوكولاتة خاصتها واستلقت في حوض الاستحمام باستسلام تام رغبة منها أن تريح أعصابها ولو قليلًا فقد اغمضت عيناها لوهلة واحدة كانت كافية له أن يقتحم عليها خلوتها بعد عناء ومجهود مضني من تمكنه من تنيم الصغير
لتهتف هي منهزمة وبأعصاب متراخية وهي تدرك انه ربح رهانه:
- هاشم انا عارفة اني وعدتك بس ربنا يخليك انا مش قادرة بلاش تغلس عليا
أبتسم هو باتساع وجلس على حافة الحوض ثم تناول زجاجة سائل الاستحمام يسكب منها القليل على راحة يده ثم أخذ يفرك ظهرها برفق وبحنان مبالغ به معقبًا بتفهم ومراعة تعشقها به:
-متقلقيش يا حبي مش هغلس عليكِ انا بس هساعدك انا عارف ان أنس مش بينيمك وبيتعبك كتير بس معلش انا جنبك وهحاول على أد ما أقدر أراعيه معاكِ
هزت رأسها بأمتنان وببسمة هادئة فهو دائمًا كما عاهدته مراعي وحنون ويغدقها بأهتمامه لتهمس بعشق وهي تتيه في ملامحه البشوشة التي تفقدها عقلها:
-بموت فيك يا هاشم
لينثر هو المياه على جسدها بخفة ويتناول المنشفة وينتشلها من حوض الاستحمام ويخبرها هو أيضًا بمشاعر صادقة:
- وانا بعشق صاحبة عود البطل
لتضربه هي بخفه وتتعلق برقبته ويعتلى ثغرها أبتسامة راضية،
لتتعالى ضحكاته ويسير بها الى الفراش.
وبعد ان ساعدها في ارتداء ملابسها مددها برفق ثم دثرها بالغطاء وتركها تنعم بنوم هادئ تعويض لها وتقديرًا على المجهود الكبير التي تبذله مع صغيره.
--------------------
إذا أردت شيء بشدة أطلبه من الله في كل سجدة وقل يا الله أرني عجائب قدرتك فيما اتمني.
وذلك ما فعله هو لم ييأس قط من الدعاء والتضرع لله عز وجل وفي كل سجدة يسجدها يدعو من صميم قلبه أن يردها له سالمة، يشعر انه زهد كل شيء دونها لكنه عاهد نفسه إلا يعترض طريقها مرة أخرى ويترك الخيار لها، هو لا يعلم الى متى سيطول الفراق لكن مازال بداخله يقين أنها ستعود يوم ما وربما يكون من أجله.
فكان يجلس على سجادة الصلاه بعد تأديته لصلاته يتضرع لله كعادته في الآونة الأخيرة يناجيه بقلب تائب ونفس مُعذبة أن يغفر له ويتقبل توبته.
لحين قطعت والدته خلوته قائلة:
-وبعدين يا أكمل هتفضل على الحال ده كتير
عدى شهور يا أبني وانت مبتخرجش من أوضتك ده حتى مبتنزلش تحت تقعد معايا ولازم انا اللي أطلعلك، وشغلك مش بتروحه والشركة حالها في النازل
تنهد بإنعدام رغبة ومرر يده على وجهه المتعب يزيح دمعاته الخاشعة ثم نهض يطوي سجادته ويجلس على طرف فراشه وهو مطرق الرأس ولم ينبس ببنت شفة
لتستأنف والدته من جديد وهي تحاول أن تشد من أذره:
-حبيبي علشان خاطر أمك بلاش تقهرني عليك، انا عايزاك ترجع لشغلك الشركة هتضيع يا أكمل، حرام الناس اللي شغالين فيها يتشردوا هيبقى ذنبهم في رقبتك
همهم هو بضيق وبنبرة منهكة: -ماما حرام عليكِ متشيلنيش ذنبهم، كفاية ذنوبي اللي مش عارف أكفر عنها
ردت فايزة بنبرة هادئةوهي تجلس بجانبه وتربت على يده بحنان:
-ربك مفيش أحن منه سلم أمرك ليه وعلشان خاطري متوقفش حياتك، ده حتى صحابك مش بترد عليهم، ده هاشم غُلب يتصل بيك وانت مش بترد وكل ما يجي هنا مترضاش تقابله وحتى أكرم أتصل كذا مرة بيا وكان عايز يطمن عليك، وكلو كوم والمجنونة نيرة دي كوم تاني دي مش بتفصل بتتصل كل عشر دقايق
عقب بعدما حانت منه بسمة مُعذبة بتقريع الضمير:
- انا مكسوف منهم ومش عارف هحط عيني في عين حد فيهم ازاي بعد اللي عملته، انا مستهلش غير أني أعيش لوحدي
تنهدت والدته بضيق قائلة:
- يا ابني لو كنت سمعت كلامي وروحت ل صقر وقتها كان كل حاجة أختلفت
هز رأسه بقوة وأجابها برهبة من مواجهة الأمر:
-مقدرتش اواجهه، وأكتشفت أني أجبن من ان أقف قصاده
ليستأنف راجيًا:
-علشان خاطري يا ماما سيبيني انا كده مرتاح بخلوتي، وياريت متحاوليش تقنعيني علشان عمري ما هرجع تاني أكمل اللي كل الناس عارفاه
تنهدت والدته بحزن بعدما أصابها حديثه بالأحباط وعزمت أمرها انها لن تقف تشاهد خسارتها لأبنها الوحيد وهي مكتوفة الأيدي.
------------------------
في صباح اليوم التالي
طرفت بأهدابها عدة مرات متتالية قبل ان تستفيق من سباتها على رائحته التي تصيبها بالجنون
وعندما كشفت عن لألأها وجدته يسند وجهه على راحته وهو متكأ بجانبها ويتمعن بها بعشق خالص
همهمت بنبرة رقيقة ناعسة وهي تحاول الأعتدال بنومتها:
- صباح الخير، لتصمت لبرهة تتمعن بنظراته وتتسأل:
-حبيبي انت بتبصلي كده ليه
أبتسم هو بسمة مهلكة لقلبها وأخبرها وهو يعبث بخصلاتها:
-عايز أملي عيوني منك وأحفر ملامحك جوة قلبي
ابتسمت باتساع واستندت على صدره العريض بذقنها قائلة:
- انت ازاي حنين كده، عارف يا صقر السنين اللي عيشتها من غيرك مش محسوبة من عمري
همس وهو يمسد على خصلاتها بحنان:
- انا نفسي أعوضك عن كل اللي فات يا تونة انتِ لو طلبتي نجمة من السما هجبهالك
أجابته وهي تمرغ وجهها بصدره:
-حبيبي أنت مش منقصني حاجة و انا مش عايزة من الدنيا غيرك، انت عوض ربنا ليا
لترفع نظراتها بتوجس وتهمهم معاتبة:
- لو أني نفسي...أجبلك بيبي يملا علينا البيت
رفع حاجبيه بمشاكسة وهدر وهو يعبث بخصلاتها بشكل فوضوي بعثره:
-انا مش قولت نصبر شوية
هزت هي رأسها بتذمر وردت متسألة بأندفاع:
- نصبر ليه انا نفسي أعرف أديني سبب واحد
تنهد بعمق وأعتدل بجلسته ثم تناول بنطاله وارتداه بأهمال وأستطرد قائلًا بغموض أغاظها:
- فتون قولت نصبر وخلاص ومش عايز مناقشة انتِ عارفاني مبحبش المجادلة الكتير
تأففت وهتفت وهي تحاوط جسدها بالغطاء و نهضت قاصدة المرحاض:
-افففف براحتك انا مش هفتح بؤي تاني بس أعمل حسابك إني مش مقتنعة ومش راضية عن قرارك
جذبها من خصرها قبل ان تتخطاه وضمها بقوة لصدره وهو يهمس بحنان مبالغ به بأذنها:
- انتِ بتثقي فيا ولا لأ
حاوطت عنقه وغاصت داخل عيناه وأكدت:
- بثق فيك أكتر من نفسي وانت عارف
لاحت منه بسمة حانية ثم أخبرها بمغزى لم تتفهمه:
-يبقى تصبري، وتسمعي الكلام، وانا أوعدك بكرة نعمل كل اللي نفسك فيه
أومأت له وهمهمت:
-أمري لله هصبر
طبع قبلة خاطفة على وجنتها وسحبها برفق الى الحقيبة الكبيرة التي تقبع بزاوية الغرفة ولم تنتبه لها هاتفًا بحماس:
- تعالي بقى أفرجك جبتلك ايه معايا
-يا حبيبي انت مغرقني حاجات انا مش محتاجة حاجة غير وجودك جنبي
ليقول وهو يرفع كف يدها يلثمه:
-أعمل ايه غصب عني كل ما أشوف حاجة اتخيلها عليكِ عقلي يطير معرفش أمسك نفسي غير وانا شريها
ليسحب الحقيبة بهدوء ويفتحها أمام ناظريها لتشهق هي بذهول فكانت تحوي على كم هائل من ملابس النوم الكاشفة التي أقل ما يقال عنها فاضحة
لتهمس هي بخفة وهي تتفحصهم بوجه يتدرج بحمرة الخجل:
- انا عرفت ليه عقلك كان هيطير منك، انا يا ست عقلي طار
ضحك هو بملئ صوته الرجولي على طرفتها وهمهم بخفة مماثلة :
-انا لسه عريس جديد ومن حقي ادلع، ولا أنتِ ناوية تحرميني
ضغطت على طرف شفاهها بخجل ثم هزت رأسها بقوة مستنكرة قوله وهي تتيه به وبضحكته التي استرقت أنفاسها
ليسحبها ويحتضنها بقوة لتهمس بين أحضانه:
-ربنا يخليك ليا يا حبيبي
بعد بعض من الوقت دخلت غرفة ابيها بخطوات متلهفة وعندما وجدته هتفت بسعادة مفرطة وهي تهرول اليه:
- وحشتني اوي يا بابا حمد الله على سلامتك
أحتضنها محمد بحنان وأجابها:
-وانتِ كمان يا فتون
طمنيني عملتي ايه من غيرنا
خرجت من أحضانه قائلة:
-الحمدلله يا بابا أهم حاجة انت طمني بقيت أحسن
أومأ لها بهدوء وهمهم ليزف اليها الخبر:
- الحمد لله التحاليل المرة دي كويسة
تهللت أساريرها وقبلته على وجنته وهي تهتف بسعادة:
- ياااااه أخيرًا يا حبيبي، ربنا يخليك لينا، انا مبسوطة اوي
ليجيبها محمد بحنان:
- ربنا يحلي ايامك يا بنتي، يلا علشان نتغدا معاهم، ميصحش تخلي جوزك يستنى كتير
أومأت له بطاعة ونزلوا سويًا لتناول الغداء برفقة صقر وفرحة ورغم ان هند لاتتمكن من تناول الطعام بمفردها إلا ان فتون أصرت ان تشاركهم وتقوم هي بتلك المهمة برحابة صدر، فكان غداء أسري لا مثيل له بث في روحه الراحةو الطمأنينة، وبعد مرور بعض الوقت من شروعهم بالأكل قاطعتهم فوزية وهي تتنحنح بأحترام وتخبره:
- أسفة يا صقر بيه بس مدام فايزة الصرفي عايزة تقابل حضرتك
عند تفوه فوزية بلقب عائلته توقفت عن مضغ الطعام ورفعت نظراتها اليه بحيرة، فهي استنتجت انها والدة أكمل
ليرسل لها هو نظرات مطمئنة وينهض للقائها تلك الضيفة التي توجس من حضورها
وبعد وقت ليس بقليل من انفرادهم بغرفة مكتبه، وعند انتهائها من غرض زيارته استأذنت وخرجت ودمعاتها ترافقها للخارج، لتنظر فتون الى أثارها وتدلف اليه بمكتبه وتسأله بتوجس:
-كانت عايزة ايه ؟
تنهد هو بعمق وأسند رأسه على ظهر مقعده الدوار وشرد قليلًا في سقف الغرفة، يحاول جاهدًا أن يتخذ قرار
لتباغته هي بقلق:
-حبيبي مالك؟ الست دي كانت عايزاك ليه؟
هز رأسه بهدوء وأستطرد قائلًا:
- ولا حاجة، ممكن متقلقيش، انا بس عايزك تعمليلي فنجان قهوة من أيدك وتسيبيني شوية محتاج ابقى لوحدي
أومأت له بطاعة ثم نفذت ما طلبه منها دون أي أعتراض فهي تعلم أن تلك عادته عندما يكون أمر يشغله ويود أن يتخذ به قرار.
بعد مرور عدة أيام
كانت غرفته تغط في ظلام حالك
وكان هو مستلقي على ظهره أعلى الفراش و شارد في صاحبة القلادة التي استرقت كافة أحلامه، لينتفض بذعر عندما اندفع الباب بقوة وأنارت كافة الأضواء من حوله
ليغمض عينه كي يتحاشى الضوء ويحجبه بظهر يده وما لبث ان وضحت الرؤية أمامه، نال لكمة قوية أطاحت به
لتجحظ عينه بتفاجأ ويمسك فكه متألمًا، وما أن رفع نظراته ليرى من تجرئ على ذلك تجمدت كافة حواسه وتعالت أنفاسه من شدة رهبته حتى أن صوته خرج مهزوم منكسر وهو يهمس بأسمه:
- صقر
باغته صقر بحدة وهو يرفعه من حاشية ملابسه الى مستواه:
- اه صقر يا عديم الأصل، ايه منظرك ده هاااه تقدر تقولي عامل كده ليه؟
همهم أكمل بخزي من نفسه:
- انا مستهلش أعيش غير كده لوحدي
ليهدر صقر بعصبية مفرطة:
- طول عمرك غبي وتفكيرك محدود، ده أسمه هروب يا جبان
انزل أكمل يده وجلس مطرق الرأس متهدل الأكتاف يغمغم بنبرة متألمة ظهر الندم جليًا عليها:
- انا خسرت كل حاجة يا صقر بغبائي ومبقاش عندي رغبة في الحياة، وأيوة جبان انا بعترف مقدرتش اواجهك لغاية النهاردة علشان عارف نفسي غلطان وعمرك ما هتسامحني
ليتنهد صقر ويخبره بقراره النابع من أصله الطيب:
- بس انا للأسف سامحتك، وهحاول انسى اللي عملته... ومتسألش عن السبب علشان هفضل الأحتفاظ بيه لنفسي
رفع أكمل نظراته اليه بعدم تصديق بعدما غامت عيناها:
-بجد يا صقر سامحتني
أومأ له صقر وهدر بنبرة صارمة لا تقبل الحياد وهو يرمق هيئته المزرية باشمئزاز:
-قسم بالله لو ما قومتش حلقت دقنك دي، وعدلت من شكلك لكون راجع في كلامي، وأحلف ما أخدك معايا
عقد حاجبه بعدم فهم وتسأل بترقب وهو يشعر أن ذلك الساكن في يمين صدره ينتفض مما سوف يتفوه به:
-تأخدني معاك فين؟
لاحت من صقر بسمة ساخرة على أضطرابه الواضح واستطرد قائلًا بنبرة غامضة وترت الأخر وافقدته أعصابه:
-لما تفوق كده وتعمل اللي قولتلك عليه هبقى أقولك... سلام
ليتركه متخبط، مشدوه، فاغر الفاه لم يفهم إلى ماذا يرمي بحديثه ولا حتى يستطيع تصديق أي شيء مما حدث للتو.
---------------
الثلاثون والاخير من هنا
قراءة رواية إغواء قلب الفصل الثلاثون والاخير 30 كامل | بقلم ميرا كريم
انتقل مباشرة إلى الفصل التالي من رواية إغواء قلب الفصل التاسع والعشرون 29 كامل.
رواية إغواء قلب كاملة جميع الفصول
جميع فصول رواية إغواء قلب كاملة في مكان واحد لتسهيل الوصول والقراءة.