رواية إغواء قلب الفصل السابع والعشرون 27 كامل | بقلم ميرا كريم
السابع والعشرون
بعد انتهاء اللقاء الصحفي الذي دام لأكثر من ساعتين وظلت الأسئلة تنهال عليه دون إنقطاع لكنه كان ملم بكل شيء وكان يجيب بدبلوماسية ولباقة أدهشتها كثيرًا
وبرغم أن الأضواء الصادرة من كاميرات المصورين أربكتها، إلا أن محاوطته لخسرها و قربه منها ساعدها كثيرًا وأشعرها بالطمأنينة وعندما كانت تتقابل أعينهم كان يطالعها بشكل مثير للغاية وبنظرات حالمة ترجف أوصالها
تنهدت بعمق وهي تصعد السلم المؤدي الى الجناح الخاص به بعدما أمرها هو برفق أن تسبقه وانه سيوافيها بعد دقائق
وعندما دلفت الى داخل غرفة النوم تمددت على الفراش وظلت تركز نظراتها على نقطة وهمية بسقف الغرفة تتذكر نظراته ولمساته لها وقلبها البائس يخبرها أنه لم يكن يتصنع الأمر بل كان صادقًا.
وحين كانت هي مستغرقة في أفكارها باغتها صوت مقيت تعلم صاحبه تمام المعرفة:
- فكرك مش هعرف أوصلك يا ست البنات
انتفضت بقوة وشحب وجهها ثم نطقت برعب وهي تتراجع للوراء بخطوات متعثرة:
-جمال...
شمل هيئتها بنظراته الحاقدة ثم هدر بعيون تقدح بالشر:
-اه جمال اللي خد على قفاه واتخدتي منه بالعافية ولوي الدراع
هزت رأسها بقوة وهمهمت بذعر:
- انت أزاي دخلت هنا؟
ليجيبها هو بفخر أجرامي وبنبرة شيطانية:
- البيه بتاعك فاكر نفسه واعي أوي ومشغل عنده رجالة تسد عين الشمس ومتفوتش الدبانة بس على مين ده أنا جمال
لتحين منه ضحكةساخرة و يتشدق بعدها:
-والله البيه بتاعك ده مغفل وانا قررت أكسر عينه و اعلم عليكِ وانتقم منه على اللي عمله فيا ليغمز لها بمغزى تفهمت معناه من نظراته الجائعة.
.
.
لتنفي برأسها وتتراجع للخلف وإن كادت تصرخ أنقض عليها وكتم أنفاسها مهسهسًا:
-عايزة تصوتي يا ست البنات مكنش العشم برضو وبعدين متتعبيش نفسك الناس تحت لاهين في الهَلمة و محدش هيسمعك ولا هينجدك مني حتى المغفل بتاعك
-انا شايف أن مفيش حد مغفل هنا غيرك ياجمال
قالها صقر بعدما ظهر له من العدم وأنقض عليه يلكمه بقوة كي يبعده عنها.
.
.
شهقت هي بقوة وحاولت ألتقاط أنفاسها التى كانت تكتمها يد ذلك المقيت ثم انزوت بأحد الأركان تحتضن ذاتها تقاوم تلك الرجفة اللعينة الملازمة لخوفها.
ارتد جمال للخلف ثم استعاد توازنه سريعًا هادرًا بغيظ بعدما أشهر مديته:
-انت بتطلعلي منين عليا النعمة المرة دي لأجيب أجلك
وإن كاد أن يخطو نحوه وفي لمح البصر كان صقر ينقض على يده ويقبض عليها بكلتا يديه ورغم أنها جرحته بيده أثناء ضربها اعلى ركبته إلا أنه لم يهتم وظل يضربها عدة ضربات كانت كفيلة بوقوع مديته على الأرض ومن بعدها زمجر صقر وبكل قوته كان يقبض على رسغه يلويه بقسوة هادرًا:
-ده علشان تحرم تلمس حاجة تخصني
ليصرخ جمال بقوة وهو يشعر بطقطقة عظام انامله تحت يده في حين صرخت هي:
-كفاية يا صقر بلاش تورط نفسك بأذيته
لوهلة تعلقت عيناه بها كانت كفيلة أن تجعله ينصاع لها فقد دفعه بقوة نحو رجاله الذين تلقوه بين ايديهم وشلوا حركته وحاوطوه من كل جهة
ليهدر جمال بغضب وهو يتلوي بجسده منهم:
-ابعدوا عني مكتفني كده ليه انا معملتش حاجة...سيبوني
ليقول صقر بأنفاس غاضبة:
- انت غبي يا جمال ومبتتعلمش... ومش عارف أيه الجرأة اللي عندك دي اللي تخليك تيجي لغاية هنا بعد اللي عملته فيك
اجابه جمال بنبرة حاقدة:
-مش جمال اللي يبات ليه حق بره يا باشا... وأنت اللي جريت شكلي وخدتها مني وضيعت هيبتي وخليني فورجة وسط ناسي بعد ما كانوا بيعملوا ليا ألف حساب
ليعقب صقر بحدة وبصوت رجت له جدران المنزل:
-وجيت علشان تاخد حقك منها مش كده فاكرني غبي زيك انت لو فكرك إن انا معرفش انك بتحوم حوالين القصر انت و واحد من رجالتك
تبقى غلطان انا من أول ما رجليك خطت عتبة بيتك وانا عندي علم
حتى الأمن انا اللي أمرتهم و خلتهم يسهلوا دخولك وكنت عارف انك هتيجي في التوقيت ده وتستغل الزحمة والدوشة اللي كانت تحت، والله ياجمال انا بشفق عليك ومش عارف بصراحة هيحكموك أزاي بكل الجرايم دي حيازة سلاح ابيض، والتهجم على ممتلكات خاصة وكمان محاولة سرقة بالأكراه
ليهدر جمال بغيظ وهو يحاول أن يصل اليه ويتملص منهم: -محصلش انا مسرقتش حاجة
ليجيبه صقر بدهاء:
-هو ده يفوتني برضو أعتبر نفسك سرقت ليناوله أحد رجاله حقيبة صغيرة
تحوي بضع الأوراق المالية ومقتنيات خفيفة للغاية ويضعها حول رقبة جمال بعنف تحت مضضه وعند إنتهائه رتب صقر على صدره بقوة وأخبره بتشفي:
-ربنا معاك.
.
.
اه نسيت أقولك يا جمال ان أهالي المنطقة عملوا محاضر ضدك وطبعًا ده بمساعدتي، وكل واحد أفتريت عليه و نصبت عليه وخدت منه قرش القانون هيجبله حقه منك تالت ومتلت.
.
.
شوف بقى لو جمعنا عقوبتك على كل الجرايم دي هتبقى كام سنة ده مش بعيد تبقى تأبيدة يا راجل .
وعند انتهاء أخر كلماته زمجر جمال وكأن يتمنى وقتها لو يفتك به وقبل أن ينطق بكلمة واحدة
أندفعوا رجال الشرطة وتم تسليمه لهم وتم القبض عليه وعند وضع أحدهم الأصفاد الحديدية بيده تقدم منه صقر ولكمه بقوة عاتيه بعينه جعلته يصرخ بعويل كالنساء على آثارها هادرًا بتشفي بعدها:
-دي علشان بس بصتلها بصه مش كويسة ومعجبتنيش
ليسحبوه رجال الشرطة الى الخارج وهو يصرخ بوعيد:
- مش هسيبك يا صقر يا عزازي مش جمال اللي تأكله الأونطة
ليبتسم صقر ساخرًا من تهديده الواهي ويتشكر الظابط المسؤول ويخبره انه سيأتي بالصباح الباكر كي يستكمل أجراءات البلاغ
وحين انصرفوا أقترب منها يطالع ارتجافها وشحوب وجهها بنظرة مطمئنة قبل أن يضمها الى صدره بقوة ويضع قبلة حنونة على مقدمة شعرها ويهمهم بحنو نابع من قلبه الذي بالفعل ميز صدقها و رق لها:
-متخافيش من هنا ورايح محدش هيعرف يأذيكِ وانا على وش الدنيا وكل اللي أذوكِ وجم عليكِ هخدلك حقك منهم
ليشرد لوهلة ويضيف بشك يساوره ويخشى أن يتحول ليقين:
-و حتى لو كانو أعز الناس عليا هجبلك حقك منهم
تمتمت هي دون أن تنتبه لمغزى حديثه بنبرة مرتجفة مازالت تحمل بقايا خوفها وهي ترفع يده ترى جرحها:
-أنت بتنزف...
نفى برأسه وأجابها وهو يربت على ظهرها:
-متقلقيش ده جرح بسيط
هزت رأسها واستسلمت لعناقه مغمغمة:
-أنا كنت خايفة أوي لو مكنتش جيت كان...
وهنا لم تتستطيع حتى تخيل الأمر لتجهش بالبكاء وتتشبث به مغمغمة باحتياج وهي تدفن وجهها بصدره كي تنعم بذلك الآمان الذي لطالما حُرمت منه:
-خليك جنبي يا صقر
ابتلع هو ريقه ببطء شديد يحاول جاهدًا أن يتمالك نفسه ويتحكم في ثوران مشاعره وتأثره بها ليتحمحم بتحشرج كي يفض ذلك القرب المرهق له قبل أن تضعف ارادته:
-فتون متصعبهاش عليا وعليكِ روحي ارتاحي ونامي علشان النهاردة أنتِ تعبتي
وهنا لعنت غبائها وما تفوهت به لحظة ضعفها لتفصل العناق بروية وتطرق عيناها في الأرض وهي تغمم بحرج قبل أن تفر من أمامه:
-شكرًا على كل حاجة عملتها علشاني... تصبح على خير
أومأ لها بتردد ولا يعلم ما أصابه لتخطو هي وتتوجه لخزانتها كي تحضر منامة لها
ويشعر وهو يتطلع لظهرها أنه خذلها فهو يشعر بحاجتها له ولكن يقسم أنه مثلها بل اكثر منها فكل خلية به تطالب بقربها حتى قلبه يقرع طبولًا محتاجًا على أبتعادها، نعم هو تعاطف معها وحاول جاهدًا حمايتها بعدما استشعر صدقها، لكن ماذا يفعل بعقله اللعين الذي يآبى أن يستوعب أمر عفتها.
.
.
غافل أن العفة تكمن في العقل إيضًا.
زفر بقوة عدة مرات متتالية وهو يحاول أن يهدأ من فوران مشاعره ويتوجه الى غرفة الألعاب الرياضية خاصته كي يفرغ طاقة جسده وينهك ذاته حتى لا يرهقه عقله ويزيدها عليه.
-----------------------
بعد مشاجرته الحامية معها ودلوفه للغرفة وهو منفعل توجه الى الحمام ودثر نفسه تحت المياه الجارية لبعض الوقت وبعد أن شعر أعصابه هدأت قليلًا خرج من الحمام بعدما ارتدي فقط شورت قصير كعادته أثناء النوم، ثم توجه الى الفراش وهو يفرك عينه من شدة النعاس ثم أستلقى عليه وان كادت عينه تغلق ويستسلم للنوم فاجأه صراخها بقوة بجانب أذنه:
- انت بتعمل ايه في سريري قوم
انتفض هو بقوة بعدما فر النوم من عينه وأجابها:
- سريرك أزاي يعني انتِ مجنونة
وقفت هي أعلى الفراش ووضعت يدها بخصرها هاتفة:
-ده سريري وانا اللي هنام عليه لوحدي
أجابها هو بنفاذ صبر:
-تاني يا مي شغل القرود أنزلي وأقعدي زي الناس
لتباغته هي بعناد:
-لأ مش هقعد وأطلع بره
ليرد هو بعناد مماثل:
-مي انا مقتول نوم ومعنديش استعداد اناكف فيكِ، وبعدين انا الأيام اللي فاتت تعبت من نومة الكنبة فلو سمحتي سيبيني أنام
ليشتد عنادها وتهتف من جديد: -مش هسيبك ومش هتنام
ليقف هو ايضًا أعلى الفراش ويسحبها من ذراعيها برفق وبنبرة حنونة بعدما يأس منها ومن عنادها:
- حبي أستهدي بالله وأعقلي قوليلي أريحك ازاي
أجابته هي بحياد بعدما أثرت عليها نبرته الحنونة:
- انا موافقة هقعد معاك هنا بس بشرط كل واحد مننا في أوضة
أومأ لها بموافقته لكن بداخله يمقت هذا الشرط كثيرًا ولا يرضى عنه ولكن قرر أن يسايرها ليس إلا
لتشترط هي من جديد:
-وكمان هنزل شغلى زي الأول
ليتنهد هو بعمق ويخبرها بتفهم وبنظرات حانية:
- مي انا عايزك جنبي في كل حتة، وبعدين انا عمري ما أقدر أحبط طموحك ولا ألغي كيانك
وموافق طبعًا طالما مش هتبعدي عني
أبتسمت هي بهدوء فهاهو كما عاهدته سابقًا مراعي وحنون دائمًا
لتهمهم وهي تجول الغرفة بعيناها تستغرب كيف أعاد كل شيء كما السابق بها:
- هو انت مش كنت غيرت أوضة النوم بتاعتنا وجبت واحدة جديدة، رجعتها تاني ليه!
مال عليها قليلًا ثم سحب يدها وأحتضنها بين يديه وأخبرها بعشق تام:
- انا غيرتها علشان مكنتش بعرف أتنفس جواها من غيرك كنت كل ما أدخل علشان انام فيها أشم ريحتك جواها وأقعد اتخيلك معايا وده اللي كان مجنني، علشان كده غيرتها، لكن أكتشفت بعد كده اني مقدرش أفرط في أي حاجة منك ورجعتها
وخصوصًا ان أوضة النوم دي شهدت على ذكريات كتير جمعتني بيكِ
حاصرت عيناها داخل عينه وهي تشعر بتراقص ضربات قلبها من شدة السعادة
ليبتسم هو ببشاشة كعادته ويتحسس وجنتها بحنان ويخبرها بصدق:
- انا بحبك يا مي، أعذري وانسي اللي فات علشان خاطر البيبي اللي جاي يتربى وسطينا ليضع يده الآخري بحذر على بروز بطنها البسيط و الغير واضح بحنان مبالغ به وكأنه يرسل رسالة حثيةلجنينها ويخبره ان يتشفع له عندها، وعندما لاحظ توردها وصمتها الذي يؤشر على بادئة أقتناعها أقترب وتمتم بخفوت أمام وجهها:
-انا عارف ان قلبك طيب وهتسامحيني واوعدك لو ده حصل هكون أسعد راجل في الدنيا
وقبل ان يدع لها فرصة للرد أو حتى الاعتراض خطف قبلة عابرة من وجنتها وخرج من الغرفة قاصد النوم على تلك الأريكة وهو يتوعد لنفسه بسأم انه سيتخلص من تلك الأريكة الملعونة في القريب العاجل حتى لا ترغمه مرة آخرى على النوم عليها
أما هي بعد خروجه ظلت تفكر مليًا بشأنه فهي استشعرت ندمه ومدى تمسكه بها، فنعم ستسامحه وتعذر طبيعته كراجل، لانها هي ايضًا بحاجته ولا تستطيع العيش دونه أكثر، لتبتسم بهدوء وهي تنوي أن في الغد ستصلح كل شيء ولكن ليس قبل أن تشترط عليه ان يخرج تلك النيرة التي تمقتها من حياته نهائيًا.
------------------------
أما عنه فبعد قضاء أزيد من ساعتين من ممارسته لكافة التمارين الرياضية التي يعرفها أخذ حمام بارد ثم توجه الى الفراش حين وجدها متسطحة على الأرض مثل الليلة السابقة ومستغرقة بالنوم وهي ترتدي منامة وردية عارية وضيقة للغاية أفقدته صوابه، فلو لم يكن هو من انتقى لها تلك الملابس كان ظن انها تتعمد إغرائه بها.
زفر بضيق ثم مال بجزعه عليها وحملها بحذر وهو يطالع ملامحها الهادئة أمامه واستسلامها بتشتت، ابتلع ريقه ببطء شديد ثم حاول جاهدًا طرد أفكاره العابثة نحوها فقد توجه بها الى فراشه ومددها عليه بهدوء واستلقى بجانبها في الجهة الآخرى للفراش وبعد عدة دقائق من فشله بالنوم تنهد باستسلام ودون أي تفكير وكأنه عقله مغيب بسحرها، أقترب منها وأحتضنها من ظهرها بعدما حاوط خصرها بحنان مبالغ به ودفن رأسه بخصلاتها الحريرية التي يفوح منها عبق الياسمين الذي يعشقه، ليغفو دون أي عناء وكأنه وجد سَكينته بقربها.
-------------------
تململت هي بتكاسل كعادتها كل صباح وحين داعبت أنفها تلك الرائحة التي تعشقها، ارغمت نفسها على فتح أهدابها وحينها وقعت عيناها عليه يجلس بجانبها على الفراش ببشاشته المعتادة ونظراته الهائمة بها التي جعلتها تبتسم دون شعور
لتتسع ابتسامته أكثر ويهمهم بحنان:
-صباح الخير يا حبي اناعملتلك النسكافيه يلا قومي وبطلي كسل علشان نروح الشغل مع بعض
أومأت له ومازالت تلك البسمة الهادئة تعلو ثغرها ثم أعتدلت بجلستها وتناولت من يده كوب النسكافيه خاصتها وبتلهف شديد ارتشفت منه رشفة كبيرة ليصدر منها دون قصد تلك الاصوات المستمتعة التي تفقدة صوابه.
ليغمض هو عينه بنفاذ صبر ويخبرها وهو ينهض:
- انا أعصابي باظت على الصبح، انا هروح أحضر الفطار عقبال ما تجهزي
أبتسمت هي بأتساع بعدما تفهمت الى ماذا يقصد بحديثه وأومأت له بطاعة غير مسبوقة منها
لينصرف ويتركها تستمتع بكوب النسكافيه وهي تشعر أنها حقًا أشتاقت له كثيرًا من صنع يده والى الآن لا تعلم كيف يعده ليكون بذلك المذاق الرائع.
----------------------
أما هي رمشت بأهدابها عدة مرات متتاليه وهي تستغرب كم الراحة والدفء التي تشعر به و لم تحظى به يوم وعندما فتحت اهدابها كادت يصيبها نوبة قلبية، فهاهو مالك قلبها وأمانها الوحيد بتلك الحياة بقربها ويغمرها بين يده، ابتسمت بسعادة غامرة و أخذت تتمعن بملامحه الرجولية أثناء استغراقه بالنوم ودون أي تردد مررت أناملها الرقيقة على وجهه وظلت تتحسس كافة ملامحه ببطء وكأنها تود نحتها على جدار قلبها لتواسيها حين يتركها.
لتتعالى أنفاسه و تدرك انه استيقظ من نومه لتغمض عيناها بحرج وتضع يدها تخفيها، وظلت تلعن ذاتها من جديد فماذا سيظن بها أكثر.
ليتمتم هو بصوت أجش أثر نومه وهو مازال مغمض العين ومتشبث بها:
- صباح الخير
أخفضت يدها ببطء ثم ردت بخجل وهي تضغط على طرف شفاهها بأسنانها:
- صباح النور هو انا ايه اللي نيمني هنا
أجابها وهو يشملها بدفئ عيناه: -انا شيلتك ونيمتك جنبي
ليستأنف بنبرة صارمة لا تقبل التفاوض:
-أخر مرة تنامي على الأرض فاهمة
أومأت له بضياع وهي تغرق في دفئ عيناه، وان طالت تشابك نظراتهم انتابته نفس الرغبة الملحة خاصة الأمس لكنه حاول جاهدًا تمالك نفسه، ليتحمحم بهدوء وهو يفك حصار يده من عليها ويجلس على طرف الفراش يواليها ظهره:
- انا يظهر اتأخرت في النوم على غير العادة، انا هاخد شاور و اخرج حالًا علشان أروح القسم واكمل بقيت الأجراءات بتاعة البلاغ، ياريت متخرجيش من الأوضة لغاية ما أرجع خليكِ مرتاحة النهاردة وهخليهم يبعتولك الفطار
أومأت له بتفهم وقالت بهدوء بعد أن أعتدلت بنومتها و نفضت الغطاء عنها:
- انت كمان مينفعش تنزل من غير فطار
ليلعن هو بخفوت تحت انفاسه بعدما التفت برأسه لها ويهب من جلسته عندما لفت نظره من جديد منامتها الوردية خاصة الأمس ليحمحم بتحشرج كي يتهرب من تأثيرها عليه:
-مش هينفع هتأخر
لتبتسم هي ببهوت متفهمة ويتوجه هو بخطوات مشتعلة الى المرحاض ليأخذ حمامًا باردًا لعله يطفئ تلك النيران المشتعلة بجسده بفضل تأثيرها.
تحضر هو اليوم لمغادرة المشفى
فقد تحسنت حالته كثيرًا عن السابق وسمح له الأطباء بذلك
وعند خروجه من غرفته ومروره بالمرر الذي يتواجد به مكتب هاشم نظر الى الباب نظرة حزينة مطولة، فبعد مناقشتهم الحامية بشأن فعلته، وهاشم يتجنبه ويتحاشى الحديث معه
حتى انه لم يمر عليه للأطمئنان كعادته
ربتت والدته على يده المسنودة عليها بحنان وقالت تخفف عنه: -معلش يا حبيبي يمكن مشغول ولا حاجة وبعدين كتر خيره مسبناش من ساعة اللي حصل
حانت منه بسمة ضعيفة ساخرة من تبرير والدته، وعذرها فهي الى الآن لا تعلم شيء عما أقترفه من أخطاء بسبب ظنونه الواهية،
ليهمهم لنفسه بخفوت واليأس يتملك منه:
-ماجتش عليك يا صاحبي ما كلكم كرهتوني وبعدتوا عني...
لتربت امه من جديد على يده وتسنده برفق ليغادروا المشفى.
بشرود تام وبعدم تركيز وهي تتذكر كلماته الحنونة ومحاولاته الشتى لأرضائها لتبتسم بسعادة عندما تذكرت نظراته المتلهفة لها أثناء استقلاله لها بسيارته الى المشفى، فكان كل حين وآخر تسمعه يستغفر ربه بخفوت و كأنه يكبح شيطانه عنها الذي يبدو أنه يود أن يلتهمها وهي تجلس بجانبه
فاقت من شرودها على طرقات خافتة على باب مكتبها لتسمح للطارق بالدخول ومازالت تلك البسمة مرتسمة على ثغرها وحين وقعت عيناها على تلك الشقراء اللعينة تلاشت ملامح السعادة من على وجهها وأحتل مكانه الضيق
لتهمهم نيرة بحرج بعدما لاحظت تغير ملامحها وهي تقترب منها: -ممكن اتكلم معاكِ شوية
تنهدت مي بسأم وردت بغيظ من بين اسنانها:
- ممكن اتفضلي
همهمت نيرة بتلعثم ولا تعلم من اين تبدأ الحديث فهي قد عزمت أمرها على الأعتراف ل مي بشأن ادعائهم لأمر خطبتهم:
- بصراحة انا جاية علشان أريح ضميري، وأقولك على كل حاجة، بس عيزاكِ توعديني متتعصبيش وتسمعيني للأخر
زفرت مي بنفاذ صبر وهتفت: -ياريت تتكلمي وتخلصيني من غير مقدمات
همهمت نيرة بتردد:
-انا وهاشم مفيش حاجة تجمعنا غير صدقتنا ب أكمل، هاشم طلب مني مساعدة وانا مكنش ينفع ارفض وخصوصًا لما اترجاني وقالي انه عايز بس يثبتلك انه هيعرف يعيش من غيرك وانك مش فارقة معاه
عقدت مي حاجبيها بذهول وهي تحاول ان تستوعب الأمر لتصيح كعادتها بأندفاع:
- نعــــــــــــــــــم انتِ بتقولي ايه يا مايعة انتِ انا مش فاهمة حاجة
زاغت نظرات نيرة وكررت بتوجس من ردة فعلها:
- انا وهاشم كنا بنمثل عليكِ،
انا والله مكنتش هقبل غير لما أكمل قالي اوافق هاشم علشان تعرفي بقيمته آه ه...
صرخت هي بألم بعد تفوهها بأخر كلمة عندما هجمت مي عليها بأندفاع و بشراسة مطلقة شدت بكل قوتها خصلاتها الشقراء حتى كادت أن تنزعهم من رأسها هاتفة بغيظ:
- بقى كنتِ هتشليني وحرقتي دمي وكنت هموت من غيرتي وانا شيفاكِ بتتمايعي عليه
وفي الأخر تقوليلي كنا بنمثل عليكِ، والله ما هسيبك غير لما أكون مموتاكِ يا مايعة
لتصرخ نيرة بألم و تستعطفها:
-والله مليش ذنب هو اللى كان عايز كده....سيبيني يا مجنونة هتقطعي شعري
لتهتف مي بأنفعال:
-انا مجنونة ...طب بقى انا هوريكِ الجنان على أصوله لتنحني عليها وتعض بأسنانها ذراعها بقوة، لتصرخ نيرة وتتلوي من شدة الألم،
وإن كادت أن تدفعها عنها أحال هو بينهم بعدما تناهى الى مسامعه صراخهم وهدر بقوة:
- في ايه انتِ وهي اتجننتوا
لتحاول مي ازاحته وتمد يدها تريد أن تتعلق من جديد بشعر نيرة هاتفة بغيظ:
- سيبني والله لموتها
ليمنعها هو بقوة وهو يتمسك بخصرها ويرفعها من على الأرض بعيد عن الآخرى
لتصرخ من جديد وهي تتلوى بين يديه:
-سيبني متمنعنيش سيبني أفش غليلي منها المايعة دي
ليهتف هاشم وهو يوجه حديثه ل نيرة المنكمشة على نفسها:
- انتِ عملتلها ايه عصبها كده؟
تمتمت نيرة بنبرة متألمة وهي تدلك ذراعها مكان عضة تلك الشرسة:
-انا غلطانة كان قلبي عليها و كنت جاية أقولها الحقيقة واعرفها بالتمثلية اللي انت عملتها عليها بس دي مجنونة ربنا يكون في عونك بتحبها أزاي
لتصرخ مي وهي تحاول ان تتخلص من قبضته على خصرها وتلوح بالهواء:
- برضو بتقول عليا مجنونة والله ما هسيبها
ليهدر هو بعصبية ينهرها:
- أهدي يا مي علشان خاطري المستشفى كلها سمعت بينا
ليوجه حديثه لنيرة:
-امشي انتِ يا نيرة، ومتشكر اوي لخدماتك الحمد لله طيرتي الربع اللي كان فاضل في دماغها
لتخبرها نيرة بكيد أثار حنقه هو شخصيًا قبل انصرافها بخطوات سريعة:
-شوفتي حتى شوومي رأيه فيكِ انك مجنونة
لتصرخ هي بين يديه والشرار يتطاير من عيناها:
-لسه بتقول شوومي قدامي البجحة سيبني هقتلها...هقتلها
فرت نيرة قبل أن يفلت هاشم زمام تلك الشرسة، وحين فعلت ترك مي واندفع الى الباب بسرعة متناهية و أوصده من الداخل حتى لا تلحق بها
لتصرخ هي به بأنفعال:
- انت بتعمل ايه سيبني هروح اجبها من شعرها دي بتقول عليا مجنونة
ليهمس هاشم بنبرة حنونة:
-أهدي يا مي علشان خاطر ربنا هي مشت خلاص ...وهي ملهاش ذنب انا اللي طلبت منها ده وقتها
لتضيق عيناها بغيظ وتجز اسنانها وتقذفه بتلك المنفضة الكرستالية التي كانت تتوسط المكتب
ليتفاداها هو بأحترافية وبخفة متقنة؛ فهو أعتاد على الأمر في الآونة الأخيرة منها ليعقب على فعلتها مؤكدًا:
-زعلانة علشان بتقولك يا مجنونة ده انتِ مجنونة وستين مجنونة كمان، كنتِ هتموتيني
لتهتف هي بغيظ وهي تقترب منه بخطوات غاضبة وتضربه بصدره عدة ضربات متتالية:
-انت ليه كدبت عليا الكدبة السخيفة دي كان ممكن تعاقبني بأي طريقة تانية إلا اني أشوفك مع واحدة غيري، انت عارف انا كنت بحس بأيه، كنت بموت بالبطيء
ليهمهم هو بأسف وهو يستقبل ضرباتها لصدره برحابة:
- انا آسف حقك عليا غيرتي وشكوكي كانوا عاميني وكان نفسي تحسي بالنار اللي انا حسيت بيها واوجعك زي ما وجعتيني وجرحتي كرامتي
لتخبره هي بعيون غائمة بعبراتها وهي تصفق له:
- براڤو عليك مثلت دورك تمام وبصراحة هي كمان ممثلة في منتهى البراعة
لتتهدل معالم وجهها ووهن صوتها وهي تستأنف بنبرة صادقة نابعة من صميم قلبها وبدمعات فشلت بكبحها:
- بصراحة بهنيك على الدرس اللي انت اديتهولي انا فعلًا معرفتش قيمتك غير لما بعدت عني وحسيت انك هتبقي لغيري، وقتها حسيت بسكاكين بتقطع في قلبي وأكتشفت اني بحبك اوي ومش هقدر أعيش من غيرك، وقررت اني هبذل كل جهدي علشان أرجعك ليا، لكن لما رفضت تردني لعصمتك وقتها قررت أستسلم وأرضى بخسارتك وألملم الفاضل من كرامتي وابعد، ويمكن اللي كان محسسني اني مخسرتش كل حاجة في بعدك، هو اني شايلة جوة مني حتة منك وهتفكرني بيك
كانت تلك أخر كلمة تفوهت بها قبل أن يبتلع باقي حروفها بجوفه بعدما سحبها الى أحضانه و تناول شفاهها بلهفة شديدة ورغبة مُلحة فهو كان يستمع لها بملامح منكمشة متأثرة وقلبه يعتصر من الألم ولكن عندما صرحت له بحبها لم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع إليها ويفيض بمشاعره الثائرة ورغبته المُلحة التي تكاد تقضي عليه فقد
ظل يتناوب على شفاهها واحدة تلو الآخري بتلهف مبالغ به خارج عن سيطرته، بادلته هي ايضًا بشغف ولم تبخل عليه بشيء ثم رفعت يدها وأخذت تعبث بخصلاته البنية القصيرة بحميمية، وعندها لم يستطيع الصمود أمامها أكثر ورفعها من على الأرض برفق وتوجه بها الى الأريكة التي في زاوية من زوايا غرفة مكتبها ومددها عليها ثم أعتلاها وباشر غمرها بالمزيد من قُبلاته
لتهمهم هي بضعف من بين شفاهه وأنفاسه المحمومة التي تلهب كافة حواسها:
-هاشم...مش...هينفع إحنا... في المستشفى...أستنى
لما نروح البيت
هز رأسه برفض تام ودفن وجهه بثنايا عنقها يلثمه بوله وهو يهمس بشكل خطير خدر حواسها:
-مش قادر أصبر أكتر من كده...
لم تعترض بل تركت العنان لنفسها وسمحت له كي يغدقها بتلك المشاعر الجارفة والأحاسيس الصادقة التي كانت تفتقدها وتتوق لها.
-------------------------
أصر على والدته أن تسبقه الى المنزل وأخبرها انه سيلحق بها، ودون تردد وجد نفسه ينساق الى قبر شقيقته الراحلة
وحين دلف الى مدافنهم الخاصة وجد شاب يجلس بجانب القبر ويلامس اللافتة الرخامية بملامح ممزقة و يذرف دمعات حارقة متمتمًا ببعض الكلمات التي أثارت كافة شكوكه تجاهه ليقترب بخطوات حثيثة اليه دون ان يشعره ليستمع بوضوح أكثر الى همهمته:
- وحشتيني يا أمل.
.
.
وحشتني كل حاجة فيكِ يارتني انا اللي كنت مكانك تحت التراب سامحيني انا السبب، انا مش ندل ومسبتكيش بمزاجي انا كان عندي أستعداد أواجه الدنيا معاكِ وفعلًا روحت لابويا وقولتله اني بحبك وعايز اتجوزك رسمي لكن هو ما أقتنعش، وقعد يماطلني علشان نيجي ونطلبك من أمك، في الوقت ده ابويا غصب عليا اسافر معاه بحجة انه تعبان ولازم يعمل عملية ووعدني لما نرجع هينفذلي اللي انا عايزه، ولما سافرت أكتشفت انه ضحك عليا علشان يبعدني عنك و يجوزني بنت صاحبه علشان مصالح مشتركة مبينهم، بس انا عارضته وقولتله اني متجوزك انتِ وبحبك ومش هعيش مع غيرك، وده اللي أستفزه وخلاه خد مني الورقتين العرفي بتوع جوازنا وقطعهم قدام عيني ووصلت بيه انه حابسني وأخد مني باسبوري وكل ورقي علشان معرفش أرجع،
وبعد ما صاحب أخوكِ هدد أمي وقالها مش هسكت وشرحلها الحالة اللي انتِ وصلتلها، أمي كلمتني من ورا ابويا وكانت متعاطفة معاكِ وقالتلي لازم ارجع وأصلح غلطتتي
ليشهق بقوة ويستأنف من بين دمعاته بهذيان وهو يربت على اللافتة الرخامية وكأنه يخاطب شخصها:
- انا عارف ان دي مش اول مرة أحكيلك اللي حصل بس معلش أستحمليني وسيبيني اكمل للأخر، انا حاولت والله حاولت أهرب منه لكن وانا بجري من رجالته اللي كانت محاوطاني في كل حتة مخدش بالي غير وعربية خبطاني بكل قوتها ووقعتني سايح في دمي، قعدت أسبوعين مش حاسس بالدنيا ولما فوقت عرفت ان أصابتي كانت في العمود الفقري قعدت كتير بتعالج وعملت اكتر من عملية علشان بس أعرف أقف على رجلي وكنت في الوقت ده بحاول أعرف أي أخبار عنك من امي لكن كانت بتطمني وتقولي انك بتتعالجي في المصحة وانك بقيتي أحسن مكنتش أعرف انها بتكدب عليا وانك انتحرتي بسببي
- مش بسببك لوحدك
هدر بها أكمل بحزن وبنبرة منكسرة بعدما شعر بصدق حديث ذلك الشاب الذي يحتل الحزن ملامح وجهه وشعور الفقد يمزقه حزنًا على شقيقته:
مسح فارس وجهه بكف يده ورفع نظراته اليه وتسأل بذهول بعدما أدرك انه أستمع لحديثه:
- مين حضرتك
حانت من أكمل بسمة متألمة وغامت عينه وهو يخبره:
-انا الغبي اللي بعدت عنها ومكنتش جنبها في أكتر وقت محتجاني فيه...يمكن لو كنت جنبها مكنتش عملت كده في نفسها وفيا...انا أخوها
ليبتسم فارس ببهوت ويخبره وهو يشرد في تلك اللافتة الرخمية التي تتزين بأسمها:
- كانت بتحبك اوي وعلطول بتحكيلي عليك، كان نفسي أقابلك في ظروف أحسن من دي وتبقى هي معانا بس يظهر ان القدر استكترها عليا وحرمني منها زي ما حرمني من حاجات كتير في بعدها
ليحاول فارس النهوض بصعوبة بالغة أثارت دهشة أكمل مما دفعه لمساعدته وبعد ان نهض انحنى قليلًا وتناول عكازيه من جانب القبر وأتكأ عليهم ثم أنسحب بهدوء وبخطوات متعثرة ضعيفة من امام أكمل دون أن يتفوه بأي كلمة آخرى.
ليؤشر أكمل الى مسؤول المدفن الخاص بهم أن يقترب ويسأله:
-هو الشاب ده بيجي هنا كتير
اجابه العامل بثقة:
-فارس بيه يووووه يا بيه ده كل يوم والتاني هنا وبيقعد يعيط على قبر الهانم ويكلم نفسه بالساعات
هز أكمل رأسه
ونظر لأثاره بملامح شاحبةوبدهشة كبيرة فكان يعتقد أن شقيقته قد عانت ما عانته بسبب ذلك الفارس؛ لكن اكتشف أنه أخذ جزائه من العذاب أيضًا بعد رحيلها فيكفي أنه مازال إلى الآن مؤنب بسببها ويكفي ايضًا وفائه لذكراها بعد موتها.
.
.
تنهد تنهيدة مثقلة بالكثير وقد ادرك أن فراق شقيقته لم يحرق قلبه فحسب بل احرق معه قلب وحياة معشوقها.
رأيكم يسعدني يا قمرات متبخلوش عليا بيه
الثامن والعشرين من هنا
قراءة رواية إغواء قلب الفصل الثامن والعشرون 28 كامل | بقلم ميرا كريم
استمر في قراءة رواية إغواء قلب الفصل السابع والعشرون 27 كامل عبر الفصل التالي كاملًا.
استمتع بقراءة رواية إغواء قلب كاملة
رواية إغواء قلب كاملة من الفصل الأول حتى الأخير بترتيب دقيق.