رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والسبعون 76 بقلم منال سالم

🔥 هل تقدر تكمل فوق جبال الهوان للنهاية؟ اكتشف الإجابة على حكايتنا حكاية

رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والسبعون 76 بقلم منال سالم

⏱ وقت القراءة: 16 دقيقة تقريبًا 📝 عدد الكلمات: 3,248
رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والسبعون 76 بقلم منال سالم
رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والسبعون 76 هى رواية من كتابة منال سالم رواية
فوق جبال الهوان الفصل السادس والسبعون 76 صدر لاول مرة على موقع و تطبيق حكايتنا حكاية رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والسبعون 76 حقق
تفاعل كبير على ال لذلك سنعرض لكم
رواية
فوق جبال الهوان الفصل
السادس والسبعون 76
الفصل السادس والسبعون (الجزء الأول)
السؤال الذي طرحته لم تسمع له منه أي إجابة رغم إلحاحها الفضولي لمعرفة المزيد من التفاصيل.
تفاجأت نجاح بابنها ينهض عن المائدة فجــأة بخلاف عادته الشرهة لتناول الطعام فقامت هي الأخرى من مقعدها تسأله في استرابةٍ وكامل نظرتها الحائرة عليه:
-في إيه يا حبيبي؟
مكملتش أكلك ليه؟
ده إنت يدوب دوقت الأكل!
بعبوسٍ جم أخبرها وهو يرنو إليها بتلك النظرة الكئيبة القاتمة:
-ماليش نفس
وقبل أن تنهال عليه بأسئلتها المزعجة أعلمها راغب بجمودٍ:
-أنا رايح أوضتي أرتاح ولما أصحى هبقى أكل.
انطلت عليها كذبته الساذجة ولم تمانع ذهابه من أجل نيل قسطٍ من الراحة فابتسمت تشجعه على الاستلقاء:
-وماله يا حبيبي تحب أصحيك في وقت معين؟
هز رأسه نافيًا وباقتضابٍ:
-لأ.
كانت على وشك مرافقته إلا أن زوجها استوقفها محذرًا:
-سيبه يا نجاح براحته خليه يشم نفسه شوية ما تبقيش كابسة عليه كده!
زمت شفتيها معترضة:
-هو أنا عملت حاجة؟
ولا إنت بتتلكك!
زفر مرددًا في ضجرٍ:
-لا إله إلا الله الواحد مايعرفش يقول كلمتين في البيت ده.
ثم نهض عن المائدة متجهًا إلى الحمام ليغسل يديه فيما ولج راغب إلى داخل غرفته ورأسه مشحون بعشرات الأفكار التي تتمحور جميعها حول كيفية الانتقام من زوجته الحالية وأبيها.
بمجرد أن دخل الحجرة أوصد الباب بالمفتاح ورائه ليسرع بعدئذ نحو خزانة ملابسه فتش في الضلفة وتحديدًا في الرف السفلي عن حزمة الأوراق التي يحتفظ بها خلسة تلك التي تُدين حماه رجل الأعمال وتزج به في السجن ليتعفن بداخله لعدة أعوام.
بسطها نصب عينيه ليتأمل ما تحتويه من حقائق صادمة كانت وسيلته للضغط عليه ومساومته لاحت ابتسامة باهتة على ثغره حين استطرد متحدثًا إلى نفسه:
-وريني حريتك هتساوي كام يا حمايا العزيز!
في حنوٍ غير معتادٍ منه مسد بيده على شعرها المسترسل على ظهرها وهي تتمدد إلى جواره على فراشهما الذي شهد ليلة حب حميمية لا تتكرر إلا لمامًا.
تركت تفيدة إنارة الأباجورة الملاصقة لجانبها من الفراش مضاءة والتفتت ناظرة إلى زوجها الذي حرر تنهيدة بطيئة من صدره كتعبيرٍ عن شعوره بالراحة والاسترخاء بعدما عمت كل جسده.
اعترف لها بصدقٍ وهو يمنحها نظرة خاصة من حدقتيه:
-بجالي ياما مرتحتش في فرشتي إكده.
ابتسمت له في وديةٍ قبل أن تهمس بصوتٍ رقراق ناعم:
-يجبر بخاطرك ربنا يا سيدي وتاج راسي.
تعلقت عينا محروس بسقفية الغرفة حين أضاف في رنة ألمٍ محسوسة في نبرته الخفيضة:
-جلبي موجوع يا أم البنات!
في التو أظهرت تعاطفًا كبيرًا معه دون أن تضغط عليه لتنتزع منه ما لا يريد البوح به:
-لا عاش ولا كان اللي يوجع جلبك يا سيد الناس.
لم تفارق جملته تلك شفتيه وهو يهسهس بها:
-بعد العمر ده كله ينضحك عليا؟
نفرت دمعة غادرة من طرفة فرأتها تفيدة وانتابها الجزع لذا سألته مستفهمة بعدما اعتدلت في رقدتها المسترخية:
-مالك ياخوي؟
إنت عتبكي؟
في التو قست تعابيره مستنكرًا بخشونةٍ إظهار لمحةٍ من ضعفه:
-عتجولي إيه يا ولية؟
دي عيني اطرفت!
جبر يلم العِفش.
ردت دون معاتبة وكأنها تخشى إغضابه:
-مجصدش يا خوي أضايجك حجك علي أني اللي اتعميت.
بلا مقدماتٍ تمهيدية أخبرها بلهجته غير القابلة للنقاش أو المحاسبة:
-أني نويت أتجوز.
وكأن برقًا أصابها تدلى فكها للأسفل هاتفة في ذهولٍ مصدوم:
-بـــاه!
عتتجوز تاني؟
مازحها بسخافةٍ:
-جولي رابع يا ولية.
ألجمت الصدمة لسانها ونظرت إليه في حزنٍ؛ لكنه تجاهل نظرة الانكسار الجلية في عينيها وتقلب على جانبه مرددًا ببرودٍ وبلا مراعاة لمشاعرها المهشمة:
-الجوازة دي لزامة لأجل ما أخد بيها حجي.
الاعتراض عليه أو إظهار استيائها من قراراته أحادية الجانب لن تغير من الواقع شيئًا لذا ارتأت ألا تعقد الأمور وتقبل بمصيرها البائس.
اختنق صوتها وهي تهنئه بقهرٍ متعاظم:
-مبروك يا سي محروس ربنا يجعلها جوازة الهنا عليك.
لم تهتم بمعرفة تفاصيل هذه الزيجة الجديدة فالمسألة سيان بالنسبة لها؛ لكنها ستكون كهبوب عاصفة رعدية جارفة لدى ضرتها وجدان.
سرعان ما كفكفت دمعها المسال بظهر كفها وانسحبت من الفراش مغادرة الغرفة ليستلقي محروس مرة ثانية على ظهره هامسًا:
-يحصل المُراد وعطلق التنين.
التهى بمتابعة الأعمال اليومية في التكية إلى جانب التأكد من إتمام ما يخصه ببلدته لئلا تظل شئونه عالقة.
وصل إليه خبر تعرض ابنة عمه للتسمم فأوصى والدته خلال مكالمته الهاتفية معها بزيارتها وإرسال أمانيه هو وزوجته لها بالشفاء العاجل وشدد على كلمته الأخيرة لتصل رسالته الضمنية إليها بأن ما كان بينهما من خلافات ومشاحنات مضت إلى حال سبيلها وعلاقتهما الآن في وضعٍ أفضل.
أوشكت الشمس على المغيب وغيث لم يعد لديه ما يشغله فاستعد للانصراف والعودة إلى المنزل خاصة وسيل عواطفه المتدفقة تستحثه على إعادة الوصــال مع من تختبر صبره وجَلده.
راح يفكر فيما يجب عليه أن يفعل ليستميل رأسها العنيد ويستعطف قلبها الرقيق.
اشترى في طريقه الفاكهة الطاظجة وحلوى البسبوسة الشهية.
كانت لديه نسخة احتياطية من المفتاح لذلك لم يكن بحاجة للطرق على الباب ففتحه في هدوءٍ وولج إلى الداخل باحثًا بعينيه عمن سرقت قلبه.
وجدها تقف على الكرسي بجوار نافذة الشرفة تبذل كامل جهدها لتعلق الستائر التي أخذتها من منزل فارس.
ما زال صدره يتغضن ويوغره عندما يستحضر كلمات إيمان عن اهتمامه الواضح بتلبية ما تحب وتحقيق أحلام طفولتها.
صرف عن ذهنه ما يزعجه مكتفيًا بتأملها وهي تتصرف بأريحيةٍ فزاد عليه الشوق وراح يُعـــذبه باشتهاء قربها.
سمعها تهتف في تذمرٍ شبه حانق:
-إيمان تعالي كملي تعليق الستارة دي أنا مش طايلة العليقة بتاعتها وزهقت بصراحة.
ليرد عليها باسمًا ومن تلقاء نفسه:
-ما ينفعش أني أعلجها بدل ما نتعب خيتك؟
صوته الرجولي باغتها فقفزت في مكانها صائحة في جزعٍ لا يخلو من الاستعتاب:
-خضتني حرام عليك.
للحظةٍ كادت تفقد توازنها على الكرسي فهرع ناحيتها معتقدًا أنها على وشك السقوط.
مد ذراعه وأحاط بها من خصرها ليطوقها مستشعرة قوته عليها فشهقت من لمسته المحكمة والمفاجئة ليقوم بعدها بحملها وإنزالها أرضًا.
وقفت دليلة على قدميها إلا أنه لم يحررها تلاحقت دقات قلبها في توترٍ مرتبك من تصرفه الجريء وسألته في صوتٍ خفيض وقد تضرج وجهها بحمرة وردية مُغــرية:
-إنت بتعمل إيه؟
ما ضير أن تظل هكذا في أحضانه مستمتعًا بدفئها وقربها؟
سرعان ما دفعته دليلة من صدره بقوةٍ طفيفة لتبتعد عنه معنفة إياه في حرجٍ:
-مايصحش كده!
لكنه لم يرخِ ذراعه القابض عليها ورد بنبرة المشتاق الذي يأبى أن يستسلم مطلقًا دون الظفر بما يصبو إليه:
-اتوحشتني جوي.
اعترضت في ارتباكٍ متزايد:
-عيب اللي بتعمله ده!
ماما تقول عنك إيه؟
أسبل عينيه مرددًا ببسمة صافية:
-عجولها لساتك مَرَتي وأني مجادرش أبعد عنك واصل.
اشتعل وجهها بالمزيد من الحمرة الدافئة النضرة فشحذت كامل قواها لتتمكن من تخليص نفسها من حصاره متمتمة في تذمرٍ شبه عابس:
-دي اسمها قلة أدب!
حك طرف ذقنه معلقًا في عبثية:
-جِلة الأدب جاية بعدين وجت ما يتجفلوا علينا باب واحد!
كتمت شهقة مذهولة من جراءته التي تخطت الحدود وأظهرت ارتباكها بوضوح.
رمته بهذه النظرة المحذرة قبل أن تنطلق متجاوزة إياه وهي تهتف في تحدٍ:
-مش هيحصل.
-عنشوف!
قالها بنبرته الواثقة وهي يتبعها بنظرته الوالهة إلى أن اختفت بالداخل فتنهد مجددًا مؤكدًا عن يقين:
-إن شاء الله عتكوني في حضني اجريب!
لم تكن بحاجةٍ إلى وساطة خارجية أو إلى اتصال هاتفي لأحد أصحاب الكلمة المسموعة أو النفوذ المُطلق ليتم السماح لها بإحضار هذا الكم من المأكولات المنزلية خلال زيارتها لهذه المريضة الاستثنائية تحديدًا بل على العكس كان في استقبالها مدير المشفى بنفسه وأرسل معه نائبه للتأكد من إكمال كل شيء حسب رغبتها.
شكرته فاطمة على حُسن المعاملة وأكدت له على إطلاع زوجها وابنيها على هذا ليشعر الأخير بالرضا فما أجمل من نيل الحظوة لدى ذوي السُلطة هنا لتيسير كل الأمور المعقدة!
فور أن أبصرتها نعمة قادمة حتى انتفضت من جلستها المسترخية على المقعد بجوار سيدتها لتهرع إليها هاتفة في ترحابٍ شديد:
-يا مرحب يا حاجة
وانحنت تقبل يدها في توقيرٍ يليق بشخصيةٍ مثلها لتربت الأخيرة على ظهر الخادمة في عطفٍ قبل أن تدير وجهها نحو أحلام التي لا تزال ممددة على ظهرها وتبدو مستغرقة في نومها.
تطلعت إليها بهذه النظرة الحانية المملوءة بالإشفاق وسارت نحوها تقول في أسفٍ وتعاطف:
-كبدي عليكي يا ضنايا ربنا يهون عليكي يا بتي.
وراحت تمسد برفقٍ على كتفها لتستفيق أحلام على تلك اللمسات الحانية مع الصوت المألوف.
فتحت عينيها ببطءٍ ورددت في نبرة ناعسة:
-مَرَت عمي.
سألتها وهي تميل نحوها ليبدو صوتها قريبًا منها
-كيفك يا بتي؟
حاسة بإيه دلوجيت؟
ردت أحلام في تعبٍ واضح وبنبرة تحمل اللوم الشديد:
-شوفتي اللي جرالي؟
شوفتي اللي بوي عمله فيا؟
أشفقت أكثر عليها وواستها:
-شِدة وتزول يا بتي ده جدرك ونصيبك محدش بيهرب من جدره.
طفرت الدموع من عيني أحلام وهسهس في ألمٍ:
-اتحرمت من أغلى حاجة في الدنيا بجيت ماليش عازة كيف الأرض البور.
حاولت أن تهون عليها مصابها بقولها المتعاطف:
-ماتجوليش إكده يا بتي ربنا جادر يعوضك بالأحسن.
كفكفت أحلام دمعها المسال وتساءلت:
-أومال فينها عبير؟
ماجتش وياكي ليه يا مَرَت عمي؟
ولا معنديهاش خبر إياك؟
أخبرتها على الفور لئلا تسيء الظن بها:
-عتاجي الزيارة الجاية أني اللي جولتلها تجعد في الجصر تروجه وتاخد بالها من عمك.
ثم تراجعت عنها لتسحب المقعد وتجلس عليه بالقرب من سريرها وهي تستوضح منها:
-صحيح فينه محروس؟
أني ماتخيلتش بيه؟
مش المفروض يكون جارك؟
جوليلي لو جصر إمعاكي أجول لعمك يشد عليه!
إنتي عارفاه ما عيستحملش الهوا الطاير عليكي.
صمتت للحظةٍ قبل أن تختلق عذرًا منطقيًا تبرر به غيابه:
-جه وأني غفيانة وعيبجى ياجي تاني.
هزت رأسها معلقة:
-ربنا يهديكم لبعض.
انتهت نعمة من إعداد مشروب الضيافة وتحركت نحو فاطمة لتقدمه لها فشكرتها الأخيرة وتابعت بنبرة جادة وهذه النظرة الغريبة تبرز في حدقتيها:
-بالحق ولدي غيث ومَرَته دليلة بعتينلك السلام ووجت ما يعاودوا البلد عيفوتوا عليكي في دارك.
سرعان ما فارت الدماء في عروقها وصاحت رغم الوجع الذي يعصف ببدنها:
-مَرَته!
هو ردها إياك؟
بلا مبالغة في ردة فعلها صححت لها بصوتٍ هادئ:
-هو مكانش طلجها من الأساس يا بتي.
انفرج فمها عن شهقة مستنكرة الواقع المرير:
-واه!
لتتابع زوجة عمها بنفس الهدوء:
-وبعدين ده زعل عفش وراح لحاله احنا ولاد النهاردة!
اختنق صدرها مما اعتبرته كلماتها المســمومة وعاتبتها في حـــرقةٍ:
-ليه إكده يا مَرَت عمي؟
مش كان فاتها تروح في داهية!
لا مفر من الحقيقة مهما أوهمت نفسها بالعكس لذا كانت مضطرة إلى فعل ذلك وإن كان في هذا إيلامها فلا تدمر ما تبقى من حياتها بالركض وراء الأوهام البالية.
رفعت فاطمة حاجبها للأعلى وقالت:
-عيعشجها يا بتي والجلب مالوش كبير.
لتدمدم أحلام بحسرةٍ:
-كنها سحراله!
مجيء الطبيبة في هذه اللحظة تحديدًا كان كنجدةٍ من السماء ليخفف من وطأة الأمر على كلتيهما تساءلت الأخيرة في اهتمامٍ وهي تتفحص اللوح المعدني المدون به تفاصيل الوضع الصحي لمريضتها الهامة:
-أخبارك إيه النهاردة يا ست أحلام؟
أجابتها وهي تئن من وجع القلب قبل الجسد:
-أني حاسة إن عضمي كله واجعني وجسمي سايب من بعضه كني مش جادرة أجف على حيلي.
ردت عليها تطمئنها:
-ده طبيعي إن شاء الله مع الأدوية والعلاج الطبيعي حالتك هتتحسن
ثم قامت بفحصها ظاهريًا لتتأكد من انضباط مؤشراتها الحيوية وتابعت باسمة في تهذيبٍ:
-المهم عندنا إنك قومتي بالسلامة حالتك مكانتش سهلة.
تحدثت فاطمة بجديةٍ:
-الحمدلله لازمًا نـــدبــحوا حاجة ونطلعوها لله.
أعادت الطبيبة وضع اللوح المعدني على حافة الفراش واستطردت:
-هفوت تاني أطمن عليكي يا ست أحلام ولو احتاجتي حاجة دوسي على الزرار اللي جمبك وهتلاقينا كلنا عندك.
رافقتها فاطمة حتى الخارج وهي تشكرها:
-تسلمي يا ضاكتورة نوردهالك في الفرح.
فيما غاصت أحلام في أوجاعها أكثر ورددت بصوتٍ خفيض في التيـــاع مؤلم:
-لساك عاشج بت البندر يا واد عمي لساك مسحور بيها!
المصالح المشتركة تتغلب بطبيعة الحال على المشاعر الإنسانية وهذه النقطة تحديدًا استغلها محروس ولعب عليها بجدارة ليقوم بزيارة حماه راشد في بيته ليُعيدا معًا صياغة شروط اتفاقية الزواج القائم بين العائلتين.
لم يتذوق محروس كوب الشاي الموضوع قبالته على الطاولة الرخامية الموجودة في المضيفة وهتف في جديةٍ:
-أني مش جاي أضايف يا حاج أني جاي أحط النجط ع الحروف إمعاك.
سأله الأخير وهو يتكئ بكفيه على رأس عكازه:
-خير يا محروس؟
اتحدت دوغري.
بلا مواربة أو تجميل أخبره وجهًا لوجه:
-أني عارف إن بتك كانت عاشجة واد عمها وجوازها مني لأجل ما تكيده.
صاح الأخير في استهجانٍ منفعلٍ:
-دي هلفطة حريم يا محروس كيف تصدجها عاد؟
بدا غير مبالٍ بالمرة بالثورة التي ظهر عليها وقال في جمودٍ:
-ماعتفرجش معاي بس أني نفسي أخلف واد اللي يشيل اسمي
حدجه راشد بنظرة قاتمة إلا أن الأخير لم يكترث بشأنه وتابع في غير تحفظٍ:
-وبتك دلوجيت بجت زي الأرض البور مهما اترمى فيها من حَب عمرها ما عتطرح زرعة.
ليسأله في صبرٍ محدود:
-والمطلوب إيه؟
جاء الجواب مباشرًا:
-أني عتجوز واحدة تجيبلي الواد اللي نفسي فيه.
زمجر محتجًا:
-عتتجوز الرابعة يا محروس؟
أجابه ببرودٍ مستفز:
-طالما جادر إيه اللي يمنع؟
كز راشد على فمه كاظمًا غيظه منه فالمساومة هنا غير مجدية ليستغل محروس فرصته مانحًا إياه حق الاختيار وتقرير مصيرها:
-أني بس عخبرك يا حاج راشد لو عايزني أطلج بتك عطلجها بس مصالحنا عتنفضوا مع الطلاج ده فكر براحتك وشيعلي لما تجرر.
حسم الأخير مصيرها بكلمته التي لا رجعة فيها:
-خليها حداك هي مَرتك وإنت حر تتجوز تخلف براحتك بس راعيها وماتجورش على حجها.
لاحت على ثغره ابتسامة المنتصر وهو يؤكد له بخبثٍ:
-اطمن ده أني عتجوز اللي تريحها جبل ما تريحني!
فضلت ألا تبقى متحفظة مع ابنتها ومصير مستقبلها مع زوجها لا يزال على المحك عليها أن تقوم بدورها الجاد لإرشادها للطريق الصحيح الذي تحيد عنه.
استدعتها للحديث معها بألفةٍ وودية في غرفتها بعدما فرغت من أعمال المنزل لتأتي إليها صغيرتها متسائلة في استغرابٍ تشوبه الحيرة:
-إيمان قالتلي إنك عايزاني يا ماما.
أشارت لها عيشة لتجلس بجوارها على طرف الفراش وهي تخاطبها مبتسمة بلطافةٍ:
-تعالي يا حبيبتي اقعدي جمبي.
استجابت لأمرها البسيط وجلست مجاورة لها دون أن تغلق باب الغرفة معتقدة أن المسألة عادية لتتفاجأ بها ترمقها بهذه النظرة المطولة العجيبة فضيقت ما بين حاجبيها متسائلة في تشككٍ:
-في إيه يا ماما؟
بتبصلي كده ليه؟
مدت يديها نحوها واحتضنت كفها الصغير بينهما مرددة بنبرة شبه متأثرة:
-مش مصدقة إنك كبرتي وبقيتي بتشيلي المسئولية وكمان عندك بيت وجوز.
كان مضمون ما تحاول البوح به كافيًا لجعلها تفهم السر وراء ذلك الحديث الجاد فسعت لإنهائه قبل أن يبدأ هاتفة:
-ماما الموضوع ده بالذات آ
إلا أن والدتها قاطعتها قائلة بنبرة حازمة لكنها هادئة:
-من فضلك اسمعيني للآخر
على مضضٍ لم تجادلها وأصغت إليها وهي تتشدق موضحة:
-مهما حاولتي تنكري وتقولي العكس فأنا واجبي كأمك أنصحك وأدلك على الطريق الصح لو مش شايفاه.
أطرقت رأسها قليلًا متحاشية تلك النظرة الخبيرة التي تخترقها وتكشف ما تبذل جهدها لإنكاره مؤقتًا.
وجدتها تنطق بما تتردد في قوله بهذه البساطة:
-غيث بيحبك ولسه متمسك بيكي ووارد بين الزوجين يحصل خلاف وجدال ويمكن يوصل لخصام بس المهم بعد ده كله توصلوا في الآخر لنقطة تفاهم بينكم وده بيجي بالعِشرة وحُسن المعاملة
رفعت رأسها بشيءٍ من الاهتمام لتنصت أكثر إليها وهي تكمل:
-واللي شوفناه مع غيث أكد إنه راجل جدع ابن أصول وإنه عمره ما هيفرط فيكي ويحميكي من أقل حاجة ممكن تأذيكي.
سريعًا اعترضت صائحة بما يعتمل في نفسها ضد موقف خذلانه لها:
-بس جه في لحظة وقرر لواحده إنه يستغنى عني إيه اللي يضمن إنه ما يعملش كده تاني؟
أعلمتها في صراحةٍ:
-هو غلط واتسرع في ده وأظنه اتعلم من غلطته وجاي وراكي من آخر الدنيا علشان ينول رضاكي يبقى ده اسمه إيه؟
سكتت ولم تقل شيئًا لتضيف والدتها باسمة بمرحٍ:
-وبعدين اللي كان ما بينكم ساعتها جواز صوري دلوقت الوضع اختلف وعايز الجوازة تكمل بجد.
تورد وجهها خجلًا من فهم التلميح المتواري من جملتها الأخيرة.
فاستحثتها عيشة على نبذ الماضي خلفها بتشجيعها:
-ما تعانديش يا بنتي وافتحي قلبك من تاني ليه.
ليتدخل غيث من تلقاء نفسه في الحوار مهللًا:
-ربنا يكرمك يا حماتي.
هنا انتفضت دليلة تلومه في عتابٍ عندما رأته يقف عند عتبة الغرفة وقد احتل وجهها هذه النظرة شبه الغاضبة:
-إنت بتتصنت علينا؟
من نفسها تولت أمها الدفاع عنه فقالت:
-أنا اللي طلبت منه يقف برا ويسمعنا واحنا بنتكلم.
افترت شفتاها عن صدمةٍ لحظية وهي تدير رأسها نحوها لتنظر إليها فيما تحدث غيث بصدقٍ وهو يتقدم ناحيتها:
-أني عاشجك يا بت الناس وعندي استعداد أعمل أي حاجة تردلك اعتبارك وتخليكي راضية عني.
أدارت وجهها تجاهه وكتفت ساعديها أمام صدرها لتقول بعنادٍ:
-كلام بس.
وقف قبالتها يرمقها بهذه النظرة المتيمة وهو يهمس لها:
-جربي ومش هتندمي.
تلبكت من اقترابه الذي يحرجها أمام والدتها وخفضت من ذراعيها مبتعدة عنه لمسافة آمنة فيما ألحت عليها عيشة هاتفة:
-ها قولتي إيه يا دليلة؟
ننسى اللي فات ونبدأ من جديد.
نظرت ناحيتها في ترددٍ فاستمرت على هذا النهج لإقناعها:
-ده المثل بيقول ما محبة إلا بعد عداوة وإنتو ماكنش في بينكم عداوة من الأول.
من جديد تكلم غيث مستعطفًا قلبها مسبلًا عينيه:
-أني غلبان والله.
ظن للحظةٍ أنها على وشك رفضه؛ لكنها زمت شفتيها هاتفة بنزقٍ:
-طب لو قولت إني عايزة فرح كبير بقى ولا ألف ليلة وليلة  ويكون فيه.
قبل أن تتم كلامها قاطعها مؤكدًا وقد دق قلبه بحماسٍ:
-أؤمري وأني أنفذ بعون الله المهم أنول السماح والرضا.
شعَّ وجه دليلة بحمرة الخجل التي كانت ولازالت تثير في نفسه الشوق والبهجة بينما ضحكت عيشة بسعادة لكونها قد نجحت أخيرًا في استمالة قلب ابنتها وإدراك حقيقة مشاعر زوجها نحوها.
شاركتهما الحديث قائلة:
-بس لازمًا المرادي نعزم عمتك وكل حبايبنا وأهلنا.
قال غيث في نبرة عازمة:
-احنا عنروحوا حداها وما عنفوتهاش إلا لما تاجي معانا بمشيئة الرحمن.
لتقوم عيشة من جلستها مرددة:
-أنا هطلبها وأديها البشارة.
انتظر غيث بتوقٍ مغادرة حماته الغرفة ليختلي بزوجته لبعض اللحظات؛ لكن أحلامه التي لم تفارق مخيلته تبددت بتراجع دليلة لتصيح معاتبة إياه:
-مبسوط دلوقت؟
عملت اللي في دماغك؟
-أني في دماغي حاجات كتير بس مستنظر لما يتجفلوا علينا باب وساعتها آ.
تملكها الارتباك من أسلوبه الشغوف الدافئ معها وهرعت تركض متعللة كذبًا بحرجٍ طاغٍ:
-أيوه يا إيمان أنا جيالك.
ليطلق ضحكة مجلجلة وهو يراها تهرب من حصاره الوهمي بهذه الطريقة الطفولية ليتنهد بعدها مليًا مرددًا في رجاءٍ وأمل:
-هون يـــا رب!
عندما يقرر أحدهم الارتباط بامرأة يعرفها من نفس الحي تُقام الأفراح والليالي المِلاح عند الجميع فالكل يساهم ويساعد في إتمام تلك الزيجة الميمونة واليوم اجتمع الجيران فوق أسطح إحدى البنايات لمشاركة عائلتي العروسين مظاهر البهجة والسرور.
كانت رضا من ضمن المدعوين لحضور حفل الحناء حيث انقسم الحشد إلى جمع النساء فيجلسن في الميمنة يصفقن ويطلقن الزغاريد والرجال يجلسون جهة اليسار يهللون ويرقصون على الأغاني الطربية والشعبية.
لم يتوقف زهير عن مراقبتها رغم انخراطه في الحديث مع الغالبية باعتباره أحد المساهمين البارزين في شراء ما احتاجه العروسين.
كان اليأس قد بدأ في التسرب إليه بعدما فشل في الوصول إلى أي أخبارٍ تخصها حاول اختبار شيءٍ آخر لعله يأتي بثماره ويستحث من حوله على إنجاز ما يعجز عن تحقيقه لذا وضع قناع الرأفة والتعاطف على وجهه واستطرد يشكو إلى الجالس بجواره وكأنه يتخذ موقفًا لصالحها:
-هي الحاجة رضا مالهاش قرايب يزوروها؟
لأحسن صعبانة عليا من آخر مرة كان ابن الحــــرام هيخبطها فيها؟
أخبره الرجل بسذاجةٍ ودون أن يضمر نوايا سيئة:
-لأ ليها بس ساكنين في بلد تانية.
هز رأسه في وجومٍ زائف وتابع بعد زفرة مهمومة:
-الناس معدتش زي الأول كان الكل بيسأل على بعضه.
ليرد الرجل بسجيته:
-الكل مشغول بحياته يا حاج.
همهم معقبًا بنفس الوجه المتجهم:
-ربنا يعين الناس على حالها.
ليلمحها وهي تنهض فجأة من موضع جلوسها وهاتفها المحمول ملتصق بأذنها لتدنو منه صائحة بنبرة تكاد تكون مسموعة للجميع:
-أيوه يا عيشة معلش مش سمعاكي كويس.
وكأن باب السماء كان مفتوحًا واستجيب دعائه فهذا الاسم المميز جعله يتأهب في جلسته مصغيًا بتركيزٍ شديد لكل حرفٍ تتفوه به وخصوصًا عندما رددت:
-بتقولي إيه؟
استني كده يا عيشة هبعد عن الدوشة.
اشتدت عضلات وجهه قساوة وهب واقفًا ليسأله جاره مستفهمًا عندما رآه ينهض فجأة هكذا معتقدًا أن شيء ما ربما أزعجه:
-خير يا حاج صالح؟
في حاجة حصلت؟
لم يظهر أي تغيير على ملامحه وهو يخبره بهدوءٍ حذر:
-رايح أفك مياه وراجع.
استراح لكون الأمر مرتبطًا بتلبية نداء الطبيعة فلوح بيده مرددًا ببسمةٍ صغيرة:
-خد راحتك يا حاج شفاكم الله وعفاكم.
ليغادر زهير مسرعًا في إثرها ليلحق بها تجمد في مكانه عندما وجدها تقف بجوار الدرابزين وصوتها المتحمس يتساءل:
-خير يا حبيبتي؟
تلصص عليها مراعيًا ألا تبصره فتتخذ حذرها منه وعلى الأسوأ تشك في سبب ملاحقته لها والأخطر كشف حقيقة هويته.
اختبأ في زاوية غير مرئية لها وسمعها تتساءل في مزيدٍ من اللهفة:
-بجد؟
هتيجوا تزوروني؟
إمتى؟
كلماتها العفوية جعلت حواسه تتحفز بالكامل فبدا غير مصدقٍ لما يسمع فيما ضحكت رضا ملء شدقيها وأكملت:
-هستناكوا تنوروني يا غاليين.
تراجع زهير بخطواتٍ حثيثة غير ملحوظة مثلما جاء خلسة وردد مع نفسه في تحفزٍ مثير:
-فرصتك وجت لحد عندك يا زهير ترجع اللي اتاخد منك وتنتقم للي راح!
(
للانضمام لقناة الواتساب
اض
قراءة رواية فوق جبال الهوان الفصل السابع والسبعون 77 بقلم منال سالم

💣 أحداث رواية فوق جبال الهوان القادمة تحمل صدمة لن تُنسى!

رواية فوق جبال الهوان كاملة بدون حذف

رواية فوق جبال الهوان كاملة بجميع الفصول، تجربة قراءة سلسة ومريحة عبر جميع الأجهزة.

روايات منال سالم كاملة مرتبة

استمتع بمكتبة قصص منال سالم الكاملة للقراءة.

إرسال تعليق