قصة ليلى  كاملة من الفصل الأول للاخير | بقلم امانى سيد

ليلى بقلم امانى سيد

بقلم امانى سيد


طلقت مراتى بعد فتره بسيطه  من جوازنا  وادتها كل عفشها كنت عارف إن مالهاش حد بس كنت زهقت منها

حياتى معاها كانت هاديه وممله

قررت بعدها بفتره انى اتجوز مره تانيه واعيش حياتى ومابصتش ورايا ولا فكرت اعرف عنها حاجه زى مايكون مرض وبعدت عنه

مرت الشهور وأنا عايش في "نشوة" الانتصار الواهم، اتجوزت "صافي"..

كانت عكس طليقتي تماماً، صاخبة، متطلبة، وبتحب الظهور.

كنت فاكر إن ده هو ده "النبض" اللي كان ناقص حياتي، ونسيت تماماً "ليلى" وهدوءها اللي كنت بسميه ملل.

في يوم، صافي صممت نشتري فستان سهرة لخطوبة واحدة صاحبتها.

اختارت أغلى محل في المول، ودخلت وهي بتتمخطر كأنها تملك المكان، وأنا وراها بدفع وببتسم، بحاول أقنع نفسي إني سعيد.

أول ما دخلنا، صافي بصت لبنت واقفة مديانا ضهرها بتظبط الفساتين، وقالت بصوت عالي فيه غطرسة:

"يا انسه ولا مدام !

إنتي يا بتاعة إنتي..

تعالي شوفيلي الفستان ده فيه منه مقاس أصغر؟"

البنت لفت ببطء..

وفي لحظة، الزمن وقف.

ليلى!

وشها كان شاحب بس فيه هيبة غريبة، لابسة لبس الشغل البسيط، وعنيها جت في عيني..

ثانية واحدة كانت كفيلة تخلي جسمي كله يتنفض.

ليلى اللي سيبتها "مالهاش حد"، واقفة قدامي دلوقتي بتشتغل وتواجه الدنيا.

ليلى بصت لي بنظرة خالية من أي مشاعر، لا كره ولا عتاب، نظرة "غريب" لغريب، وقالت لصافي بهدوء احترافي:

"أهلاً

يا فندم، ثواني أشوفلك المقاس في المخزن."

صافي، اللي لاحظت سكوتي المفاجئ ولون وشي اللي خطف، بصت لليلى من فوق لتحت بمرارة وقالت:

"بقولك إيه..

ما تتأخريش، أنا مش فاضية للبطء ده.

وبعدين الفستان ده غالي عليكي أوي وأنتي بتشيليه، خليكي حريصة، ده تمنه ممكن يكون قد مرتبك سنة!"

حسيت بوجع في صدري، ليلى ماردتش، كانت لسه هتمشي بس صافي كملت بسماجة وهي بتمسك إيدي:

"شايف يا بيبي؟

أشكال غريبة بقت تشتغل في المحلات البراند..

لابسة جزمة مقشرة وعايزة تبيعلي فستان بـ 50 ألف جنيه!

روحي يا شاطرة هاتي المقاس وانجزي."

صافي مسبتنيش أخرج بسلام، كانت عايزة تكسر ليلى لآخر لحظة.

وقفت في نص المحل وعلّت صوتها وهي بتبص لليلى بقرف:

"بقولك إيه يا شاطرة..

الفستان ده عاجبني، بس أنا خايفة البكتيريا اللي في إيدك دي تكون اتنقلت له..

هو إنتي ليه ريحتك منظفات كدة؟

هو أنتي هنا بياعة ولا بتمسحي البلاط بالليل؟"

ليلى اتنفضت، الكلمة وجعتها بجد.

شفت إيدها وهي بتترعش وهي ماسكة شماعة الفستان، وضوافرها اللي كانت مقصوصة بزيادة وتعبانة من شقا الشغل اللي مكنتش متعودة عليه في بيتي..

ليلى اللي كانت "هانم" في بيتي، اللي كانت بتخاف على إيدها من المية، دلوقتي بقت ريحتها كلور ومنظفات عشان تعيش بكرامة.

صافي كملت بسماجة وهي بتطلع رزمة فلوس من شنطتها وترمي "خمسين جنيه" على الأرض تحت رجل ليلى:

"خدي يا حبيبتي،

هاتي لنفسك كريم للإيد، عشان لما تمسكي فساتين الهوانم بعد كدة متجرحيهاش بخشانة إيدك دي."

ليلى بصت للخمسين جنيه اللي على الأرض، وبصتلي..

كانت نظرة ذل ممزوجة بكسرة قلب عميقة.

عنيها اتملت دموع بس رفضت تنزل، كانت بتبلع وجعها قدامي وقدم الست اللي خدت مكانها.

أنا وقفت زي الندل، مش قادر أنطق.

كنت شايف "كسرة" ليلى وهي بتنحني ببطء، مش عشان تاخد الفلوس، عشان تلم الفستان اللي وقع من إيد صافي "بالقصد" على الأرض.

انحنت بوجع وكأن ضهرها هو اللي مكسور مش مجرد انحناءة شغل.

انحنت ليلى ببطء، وفي اللحظة دي حسيت إن كل "بريستيجي" وفلوسي وعربيتي اللي راكنة بره بقوا ولا حاجة.

ليلى لمت الفستان وبدأت تنفضه بإيدها المرتعشة، وصافي واقفة فوق راسها بتضحك بانتصار وتقولي:

"شايف يا حبيبي؟

لازم يتعلموا الأدب عشان يعرفوا مقاماتهم، ناس متجيش غير بالعين الحمراء."

أنا لساني كان مربوط، كأني متبنج.

ليلى قامت ووقفت، وشها كان أحمر زي الدم، بس الغريب إنها بصت لصافي بكل هدوء وقالت لها:

"الفستان نضف يا فندم، والمقاس اللي حضرتك عايزاه مش موجود، والمحل كله ميشرفوش يبيع لواحدة بترمى فلوسها على الأرض..

اتفضلي الفستان، واتفضلي اطلعي بره."

المحل كله سكت.

صافي وشها جاب ألوان وصوتها علي:

"إنتي بتطرديني أنا؟

إنتي عارفة أنا مين؟

وعارفة ده مين؟

ده جوزي اللي ممكن يشتري المول ده باللي فيه!"

ليلى بصت

لي في عيني مباشرة، ولأول مرة شفت في عنيها "قرف".

بصت لصافي وقالت بكسرة نفس بس فيها عزة:

"عارفة هو مين كويس..

وعارفة إنه يقدر يشتري أي حاجة بالفلوس..


إلا كرامة الناس.

يا أستاذ، خد المدام واطلعوا بره، وإلا هطلب الأمن

صافي اتجننت، لفت لي وهي بتزعق: "ساكت ليه ؟

رد عليها!

اقطع لها لسانها!

دي شتمتني وشتمتك!"

لقيت نفسي ببعد إيد صافي عني.

الحركة دي خلت صافي تبرق بصدمة.

بصيت لليلى، كنت عايز أقولها "أنا آسف"، كنت عايز أقولها "حقك عليا"، بس الكلمة كانت تقيلة، أتقل من جبل.

مديت إيدي ووطيت أنا على الأرض، وخدت الخمسين جنيه اللي صافي رمتها.

صافي ضحكت باستهزاء: "أيوه كدة، خدها من وشها."

بس أنا مخدتهاش عشانها..

أنا طبقت الورقة وحطيتها في جيب جاكتي، وبصيت لصافي وقلت لها بصوت واطي ومكسور:

"يلا بينا من هنا يا صافي..

كفاية كدة."

صافي بدأت تشتم وتدعي وتوصف ليلى بأبشع الأوصاف وهي ماشية قدامي وبتخبط بكعب جزمتها في الأرض، وأنا ماشي وراها زي "الضِل"، بس قبل ما أخرج من باب المحل، لفيت وشي لآخر مرة.

ليلى كانت واقفة مكانها، متهزتش، بس شفتها بتسند إيدها على فاترينة القزاز عشان متقعش.

شفتها بتمسح دموعها بطرف كمها "الدايب" من الغسيل والمنظفات.

خرجت المول، الهوا كان ساقع، بس الوجع اللي في صدري كان أسخن من النار.

ركبت العربية وصافي مكملة وصلة الردح والشتيمة، وأنا مكنتش سامع غير

صوت "نشفان" إيد ليلى وهي بتلم الفستان.

ليلى بقلم امانى سيد

بقلم امانى سيد

ليلى بقلم امانى سيد

كنت فاكر إني انتصرت لما طلقتها وسيبتها للزمن، مكنتش أعرف إن الزمن هيلف ويخليني أشوف "خيبتي" بعيني وهي بتتباع في محل فساتين، وإني أنا اللي بقيت "رخيص" أوي في نظر الست الوحيدة اللي كانت شايلاني في عيونها وهي صامتة.

صافي فضلت ترغي وتشتكي طول الطريق، وصوتها كان بيخبط في نفوخي زي الشاكوش: "أنا مش هسكت، أنا هكلم صاحب المحل، أنا هوديها ورا الشمس، إزاي حتة بياعة زي دي ترفع عينها فيا؟"

وأنا ولا هنا..

كنت سايق ودمي بيغلي، مش منها، من نفسي.

كنت شايف ليلى في كل إشارة مرور، شايف وشها الباهت اللي كان زمان بينور لما بدخل البيت، شايف إيدها اللي كانت زي الحرير ودلوقتي الكلور أكلها.

​فجأة، من غير ما أفكر، فرملت العربية بقوة لدرجة إن صافي اتنطرت لقدام وصرخت: "إيه يا أحمد!

في إيه؟

أنت اتجننت؟"

بصيت لها ونطقت لأول مرة ببرود مرعب:

"انزلي."

​بصت لي بذهول: "نعم؟

أنزل فين؟

إحنا في نص الطريق!"

قلت لها بصوت أعلى وهدوء يسبق العاصفة: "بقولك انزلي يا صافي..

اطلبي أوبر، خدي تاكسي، مش عايز أشوف وشك دلوقتي..

مش عايز أسمع صوتك."

صافي بدأت تصوت وتغلط، بس أنا مديتهاش فرصة، نزلت فتحت لها الباب وشديتها من إيدها -الإيد اللي مليانة غوايش دهب بفلوسي- ونزلتها على الرصيف، وركبت وعملت (U-turn) ورجعت للمول بأقصى سرعة عندي.

​دخلت المول زي المجنون، قلبي بيدق في رجلي مش في صدري.

وصلت قدام المحل..

وقفت بعيد أراقبها من ورا الفاترينة.

ليلى كانت قاعدة على كرسي صغير في ركن المحل، مكنش فيه زباين.

كانت

حانية راسها بين إيدها وبتعيط..

بس من غير صوت.

كتافها كانت بتتهز بوجع، الوجع اللي أنا كنت سببه من شهور لما رميتها وهي ملهاش حد، والوجع اللي كملت عليه صافي النهاردة.

​رجلي مكنتش شايلاني أدخل، بس دخلت.

أول ما جرس الباب رن، مسحت دموعها بسرعة ووقفت، رسمت الابتسامة المهنية الباهتة وقالت وهي مدياني ضهرها:

"أهلاً يا فندم، أي خدمة؟"

​لفت..

وشافتني.

الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة رعب وكأنها شافت عزرائيل.

رجعت خطوة لورا وقالت بصوت مرعش:

"أنت رجعت ليه؟

لو سمحت اخرج بره..

أنا مش حمل مشاكل، صاحب المحل لو جه و..."

​قاطعتها وأنا بطلع ورقة الخمسين جنيه من جيبي، الورقة اللي كانت صافي رمتها تحت رجلها.

حطيتها على الفاترينة قدامها وقلت بصوت محشرج:

"أنا مخدتهاش عشانها يا ليلى..

أنا خدتها عشان المحل نضيف، ومينفعش حاجة وسخة زي دي تفضل على الأرض في مكان إنتي واقفه فيه."

​ليلى بصت للفلوس، وبعدين بصت لي، وضحكت ضحكة وجع قطعت قلبي ميت حتة:

"دلوقتي يا أحمد؟

دلوقتي جاية تنضف وراها؟

طب والوساخة اللي إنت سيبتها في قلبي يوم ما طلقتني عشان 'زهقت'؟

والكسرة اللي كسرتها لي وأنا ماليش ضهر؟

دي مين هينضفها؟"

​قربت منها خطوة: "أنا عارف إني غلطت..

مكنتش فاهم قيمتك، كنت فاكر إن الهدوء ملل، بس اكتشفت إنه كان أمان..

ليلى، ارجعي لي."

​بصت لي بذهول، وكأنها مش مصدقة الجرأة اللي بتكلم بيها، وبعدين بصت لإيدها "الخشنة" اللي صافي اتريقت عليها، ورفعتها قدام وشي وقالت بقوة:

"الإيد دي اللي ريحتها كلور ومنظفات،

أشرف لي بمية مرة من عيشة كنت فيها 'ديكور' في حياتك.

أنا النهاردة عرفت قيمتي يا أحمد، عرفت إني قوية لدرجة إني قدرت أقف قدامك وقدام مراتك وأنا بمسح دمعتي وبكمل شغلي.

ارجع لك؟

ارجع للي سابني ورماني وأنا ماليش حد عشان 'زهق'؟"

​سكتت لحظة، ونظرة عينيها اتحولت لجليد:

"أنا النهاردة مكنتش بلم الفستان من على الأرض..

أنا كنت بلم اللي فاضل من ذكراك جوايا وأرميه في الزبالة.

اتفضل اخرج بره..

والمرة دي بجد، وإلا هطلب الأمن يرميك زي ما رميتني."

​خرجت من المحل وأنا حاسس إني عريان، ضئيل، وصغير أوي.

بصيت على نفسي في مراية المول، شفت واحد لابس أغلى لبس بس "روحه" مقشرة وتعبانة زي جزمة ليلى اللي صافي اتريقت عليها.

ليلى مكنتش محتاجة حد يشيلها..

أنا اللي كنت محتاج حد ينقذني من القرف اللي رميت نفسي فيه، بس للأسف..

الأوان كان فات.

رجعت لصافي البيت، لقيتها قالبة الدنيا، صريخ وعياط واتهامات بإن "البياعة" دي سحرتلي أو إني لسه بحن لفقرها.

كنت سامعها وهي بتتكلم وكأني بتفرج على فيلم قديم، "أكشن" ملوش معنى وصوت عالي على الفاضي.

بصيت لها ببرود وقلت لها جملة واحدة سكتتها:


"إنتي طالق يا صافي."

قعدت على الكنبة وهي مبرقة، مذهولة إن الرفاهية واللبس والمظاهر اللي كانت عايشة فيها طارت في لحظة غضب.

بس الحقيقة مكنش غضب، كان "فوقان".

مكنتش طالقها عشان ليلى هترجع لي، أنا عارف إن ليلى "ماتت" بالنسبالي من اللحظة اللي شفت فيها نظرة القرف في عينها، بس طلقتها لأني عرفت إن اللي كنت بسميه "نبض" كان مجرد

ضوضاء بتغطي على صوت ضميري.

مرت الأيام، وبقيت كل يوم والتاني أروح المول.

مكنتش بدخل المحل، كنت بكتفي إني أقف بعيد، ورا عمود أو في كافيه قصاد المحل، أراقبها من بعيد.

شفتها وهي بتترقى وبقت هي المسؤولة عن الفرع، شفت ضحكتها وهي راجعة لوشها بس المرة دي ضحكة "ست" حاربت الدنيا وكسبت، مش ضحكة الست المستسلمة اللي كانت مستنية رضاي في البيت.

في يوم، شجعت نفسي وقررت أبعت لها رسالة مع حد من أفراد الأمن في المول.

كتبت فيها: "أنا طلقت صافي، ومش طالب منك غير إنك تسامحيني..

مش لازم ترجعي، بس سامحيني عشان أقدر أعيش."

استنيت بره المول لحد ما شفتها خارجة في ميعاد روحواها.

شافتني واقفه، مشيت ناحيتي بكل ثبات، ووقفت قصادي.

طلعت ورقة الرسالة من شنتطها، وقطعتها قدام عيني ميت حتة، وقالت بهدوء يوجع أكتر من الصريخ:

"المسامحة دي للي غلبته ظروفه يا أحمد، مش للي داس على كرامة حد عشان 'يغير جو'.

أنا مش كارهاك، أنا أصعب من الكره..

أنا مابقتش شايفاك أصلاً.

إنت بقيت بالنسبة لي زي الفستان اللي وقع على الأرض في المحل..

نفضته من ترابه، وركنته، ومستحيل أفكر ألبسه تاني."

سابتني ومشيت، وخطوات كعب جزمتها "الجديدة" كان ليها رنة عزة وفخر بتهز المول كله.

وقفت أتفرج عليها وهي بتبعد، ولأول مرة أحس بمعنى كلمة "مالهاش حد".

ليلى مكنش مالهاش حد..

ليلى كان ليها "نفسها"، وأنا اللي اكتشفت في الآخر إني أنا اللي "ماليش حد"، واني بعت الجوهرة عشان خاطر حتة إزاز بتلمع، وفي الآخر..

لا طولت الجوهرة، ولا الإزاز نفعني

وقت العتمة.

متابعة القراءة

إرسال تعليق