رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل مئة وثمانية عشر 118 كامل | بقلم سهام صادق
تم تحديث الفصل بتاريخ 15 أبريل 2026
رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والثامن عشر
عليه أن يصارحها بعجزه الذي صار يؤرق مضجعه، أن يقف أمامها منكس الرأس ويسألها عن قرارها في التضحية وتقديم الدعم له في مشوار علاجه، وأن يكون أكثر صدقًا وهو يخبرها بنتائج رحلة صبرها معه من تحمل نوبات غضبه في كل مرة يتملكه اليأس أو يرى في عينيها أملًا يطفئه هو عندما تفشل محاولاتهما.
أغلق عزيز عينيه بانهزام بعد أن قيدته هواجسه بقسوتها، ثم أطلق زفيرًا طويلًا من صدره وتحدث بنبرة صوت مهزوزة لامست قلب الحاج عبد الرحمن:
ـ الاختبار المرة دي صعب أوي يا حاج، أنا حاسس إن حيلي مهدود والدنيا كل يوم بتضيق عليا
وتوقف عن الكلام مبتلعًا ريقه ثم رفع رأسه ونظر إليه:
ـ ليلى كل حلمها دلوقتي يكون عندها طفل، قولي أقولها إزاي إنك ممكن تتحرمي من نعمة الأمومة عشان اخترتي تكملي حياتك مع راجل
انحشرت بقية حديثه المرير في حلقه، ثم اتجه بعينيه دون قصد نحو تلك التي دلفت إلى المحل وفي يدها ابنتها.
أشاح بوجهه في اللحظة التي تلاقت فيها عيناه مع تلك المرأة الشابة التي لم يتعرف على ملامحها رغم أنها تعرفت عليه على الفور، وقد أصاب فؤادها رجفة لا تعلم سببها.
أطلق الحاج عبد الرحمن تنهيدة طويلة، فهو لا يتحمل رؤيته ضعيفًا هكذا، وكاد أن يتحدث لكن رؤيته لشقيقة زوجته وطفلتها جعلته يؤجل كلامه ويهتف بترحيب قائلًا:
ـ وأنا أقول المحل نور كده ليه؛ عشان روفيدة هانم عندنا
تركت الصغيرة روفيدة يد والدتها وركضت إليه، احتضنها الحاج عبد الرحمن رابتًا بحنو على رأسها.
اتجهت عينا أميمة نحو عزيز الذي ظهر عليه الهم والعجز.
تمسحت الصغيرة بحضن الحاج عبدالرحمن ثم رفعت رأسها ونظرت جهة عزيز قائلة:
ـ أنت عمو عزيز الطيب
كان عزيز سابحًا في أفكاره، لكن عندما وقفت الصغيرة أمامه وواصلت حديثها اجتذبت انتباهه:
ـ أنا روفيدة يا عمو عزيز، أكيد أنت معرفتنيش عشان شعري طول شوية.
رفرف عزيز بأهدابه ثم رفع رأسه وحدق بها، فابتسمت الصغيرة روفيدة وسألته:
ـ أوعى تكون نسيتني يا عمو عزيز، أنا كل ما بلعب بالعجلة بتاعتي أقول شكرًا يا عمو عزيز
وأسرعت بمط شفتيها ثم مواصلة حديثها الذي التمعت معه عينا عزيز:
ـ أنا بسأل ماما عنك دايمًا، ورحت معاها المصنع مرتين عشان أشوفك بس أنت كل مرة بتكون مسافر، هو أنت بتسافر ليه علطول يا عمو؟
ارتبكت أميمة عندما وجه عزيز نحوها نظرة خاطفة، ثم التقطت ذراع ابنتها وأوقفتها جوارها:
ـ كفاية يا روفيدة كلام، أنا مش قولتلك مينفعش نتكلم كتير ونزهق الناس اللي بنحبهم بكلامنا؟
أطرقت الصغيرة رأسها بخجل وتمتمت بخفوت جعل قلب عزيز يزداد خفقانًا:
ـ حاضر يا ماما، أنا آسفة يا عمو عزيز.
ابتسم عزيز ابتسامة باهتة لقطتها عينا الحاج
عبد الرحمن، وأسرع بجذب الصغيرة روفيدة إليه ثم مال بجذعه العلوي إلى الأمام واحتضن وجهها:
ـ لا يا حبيبتي اتكلمي براحتك وأنا آسف إني مبقتش أسأل عنك، بس خلاص هرجع أسأل عنك تاني.
توهج وجه الصغيرة واتجهت بعينيها هذه المرة نحو الحاج عبد الرحمن الذي تناديه بـ "الجد":
ـ شوفت هو وعدني يا جدو وقال هيسأل عني عشان لما أقولك خلينا نكلمه توافق.
واستطردت الصغيرة بالحديث الذي محا الحزن قليلًا عن قلب عزيز وأعطاه شعورًا بالسكينة:
ـ أنا مش عايزة لعب ولا حاجات حلوة، أنا عايزاك تسأل عشان أنا معنديش بابا، وبابا لو كان عايش ومراحش عند ربنا كان هيكون زيك طيب وجميل.
اهتز فؤاد عزيز، ورغمًا عنه طفرت الدموع في عينيه، ثم أسرع باحتضان الصغيرة لعله يداري في حضنها الدافئ البريء هزيمته أمام نفسه.
أشاحت أميمة عينيها عنهما، فما زال قلبها يخفق لرؤيته.
صوبت ليلى عينيها بترقب نحو هاتفها الملقى بإهمال على المنضدة الصغيرة التي أمامها، أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بقوة.
أطبقت أجفانها لوهلة حتى تستعيد رباطة جأشها وتنفض عن رأسها ذلك الصوت الذي يدفعها إلى ترك كل شيء والرحيل.
أجفلها من شرودها رنين هاتفها، فأسرعت بالتقاطه والرد لأنها تعلم صاحبة المكالمة التي تنتظرها:
ـ أيوه يا زوزو، لأ أنا لابسة ومستنية تليفونك
نظرت زينب نحو يزيد الذي انحنى نحو حذائه الرياضي وأخذ يربط رباطه بسرعة:
ـ حبيبي اربط الرباط بهدوء وبلاش تتخانق معاه.
ابتسمت ليلى عندما اخترقت مسامعها كلمات زينب اللطيفة مع ابن زوجها.
ـ ليلى، سما هتعدي عليكي تاخدك لأن أنا مضطرة أروح الأول النادي عشان جدة يزيد مستنياه هناك.
صاح يزيد بعلو صوته حتى يخبر ليلى بما سيفعله بالنادي مع جدته ويعيقه من القدوم معهن:
ـ أنا هكون talented swimmer يا ليلى!
اتسعت ابتسامة ليلى وهتفت بصوتها الناعم الهادئ:
ـ هتكون أشطر Swimmer، وأنا هاجي أشجعك.
برقت عيناي يزيد منتظرًا أن يتلقى الرد من ليلى.
ضحكت زينب على مظهر يزيد وفتحت مكبر الصوت حتى تعيد ليلى ما قالته ويسمعه هو :
ـ يزيد عايز يسمع منك تشجيعك يا ليلى.
توهج وجه ليلى وفهمت الأمر سريعًا:
ـ أنا هاجي النادي وأشجعك يا زيدو وأنت هتكون أشطر Swimmer.
ـ أنتِ حلوة يا ليلى وأنا هاخدك معايا التمرين بتاعي.
ضحكت كلتاهما على رده ونظرت إليه زينب بحزم هذه المرة:
ـ بسرعة يلا عشان نلحق التمرين
حرك يزيد رأسه وأسرع بإنهاء ما يقوم به.
غادرت زينب غرفته وقد وصل إليها تنهيدة ليلى الفاترة، وقبل أن تسألها عن السبب، فاجأتها ليلى بسؤالها:
ـ هي أشرقت هتيجي معانا؟
قطبت زينب حاجبيها بدهشة وردت على سؤالها بالتساؤل:
ـ ليه بتسألي السؤال ده يا ليلى؟
تلعثمت ليلى في ردها بالبداية لكن سرعان ما وجدت ردًا مناسبًا ومقنعًا:
ـ مش هي أخت العريس والمفروض تكون معاكم؟
انطلقت زفرة طويلة من شفتي زينب؛ فهذا هو المفروض لكن أشرقت تكره رؤيتها وهذا ما يجعلها تتجنب سما:
ـ هي مبتحبش تكون معانا ولا تشاركنا في حاجة.
أطرقت ليلى رأسها عندما اقتحمت ذاكرتها صورة أشرقت عند دلوفها شقتها:
ـ جربوا تقربوها منكم يمكن تكون محتاجاكم.
نظر مراد نحو هاتفه الذي يعلن عن اتصالها ثم ابتسم ساخرًا.
اختفت ابتسامته وتجهم وجهه عندما تذكر تلك المساومة التي أبلغته عنها السيدة لبنى حماته العزيزة.
توقف الهاتف عن الرنين ثم عاد مرة أخرى يصدح رنينه.
ضغط بقبضتي يديه على عجلة القيادة ثم زاد من سرعة انطلاق السيارة متجاوزًا السرعة القصوى.
ألقت أشرقت هاتفها بغضب على الفراش بعد أن أتتها رسالة غلق الهاتف ثم تهاوت بجسدها جواره.
بدأ صداع رأسها يداهمها كالعادة، فأطبقت أجفانها بضيق:
ـ أنا مكنتش ناقصاك أنت كمان
سطحت جسدها على الفراش، فهي لن تتغلب على هذا الصداع الذي يأتيها فجأة إلا بأخذ غفوة قصيرة.
صدور رنين هاتفها جعلها تفتح عينيها وتنتفض من رقدتها تبحث عن الهاتف بلهفة وقد ظنت أن المتصل هو.
خاب أملها ثم ارتسمت الحيرة على وجهها وتساءلت:
ـ زينب بتتصل بيا؟
شعرت زينب بالضيق عندما لم تجب عليها وهتفت إلى نفسها حتى تهدأ:
ـ مش جديد عليها يا زوزو، أنتِ عملتي اللي عليكي معاها، وعشان كمان تكوني أحسن منها قولي لـ سما تكلمها.
كادت زينب أن تهاتف سما لكن اهتزاز هاتفها في يدها وظهور رقم أشرقت أدهشها.
افتر ثغر زينب بابتسامة واسعة وفتحت الخط سريعًا:
ـ معلش يا زينب كنت باخد شاور.
ردت زينب وهي تتحرك في الشقة حتى تغلق الأنوار المفتوحة:
ـ ولا يهمك، أنا كنت متصلة بيكي أقولك إيه رأيك تكوني معانا النهارده عشان نفرح سما.
عبست أشرقت بشفتيها وتساءلت بأسلوب فظ اعتادت عليه:
ـ وليه سما متصلتش بيا؟
مش المفروض هي اللي كانت تتصل ولا أنتِ إيه رأيك يا زينب؟
سيطرت زينب على حنقها وردة فعلها في الرد وابتسمت:
ـ سما متوترة أوي الفترة دي، هي محتاجانا جنبها، خلينا نفرحها ونفرح معاها.
طأطأت أشرقت رأسها، فهي تعلم أن زيجة سما وشقيقها من تدبير العائلة، وكل ما يحدث في هذه الزيجة سريع وعجيب، وبالتأكيد سما شعرت بالإهانة من هذا التصرف، ولأول مرة بحياتها تلتمس للآخرين الأعذار:
ـ عندك حق يا زينب، قوليلي هنتقابل فين.
غادر عزيز محل العطاره وقد رافقه الحاج عبد الرحمن.
اتبعته عينا أميمة هي وصغيرتها التي ابتهجت ملامحها لأنه وعدها أنه لن ينساها مرة أخرى.
أخفضت أميمة رأسها تهمس لنفسها بعتاب:
"أنتِ ما صدقتي تموتي شعورك ناحيته يا أميمة؟
ولا عشان شايفاه مهموم وحزين قلبك حن من تاني؟
عزيز بيه راجل متجوز، إياكي تفكري فيه من تاني"
ـ ماما أنا فرحانة أوي إني شوفت عمو عزيز النهاردة.
انتبهت أميمة على حديث صغيرتها ونظرت إليها ولم تجد ما تخبرها به.
ـ عزيز، إياك تقنط من رحمة الله، وخد بالأسباب وصارح مراتك هترتاح صدقني.
قالها الحاج عبد الرحمن عند وقوفه قبالة عزيز بعد أن صاروا جوار سيارته، ثم أردف:
ـ هتفضل تعبان طول ما أنت مخبي عليها، ولو فاكر إنك كده بتحافظ على جوازكم، فأنت للأسف بتهدمه، اسمع نصيحتي يا عزيز.
أخرج عزيز زفرة طويلة من شفتيه، فربت الحاج عبد الرحمن على ذراعه وواصل كلامه:
ـ قبل ما تسافر بلغها وخليها تاخد وقتها في قرارها.
توقفت سمية عن الحركة في تلك المساحة الصغيرة من الشقة واستدارت بجسدها نحو مكان جلوس سيف وقد باغتها بالرد الذي أصابها بالشلل للحظات.
ابتسم سيف بسخرية عندما رأى نظرتها إليه، فكرر ما أخبرها به:
ـ خليها تسافر وتبعد عنك بدل ما هي ماشية وراكي زي الدمية
وأردف بشماتة لم تظن أن تراها يومًا في عينه:
ـ أنا مش عارف إزاي السيد هارون مكتشفش كل السنين دي حقيقتك
تعالت أنفاس سمية من شدة غضبها، فألقى بوجهها ما يثلج فؤاده المحطم من فعلتها الأخيرة معه:
ـ والدي ربنا رحمه من شرك ومات، وعمي ربنا بيحبه إنه اكتشف حقيقتك ورماكي بعيد عن حياته، ولولا إن أنا ونيرة رابطينه بيكي كان عمره ما دخلك حياته تاني، وياريته كان عم جاحد وحرمنا منك.
التقطت سمية أنفاسها الهادرة ببطء وصاحت بنبرة صوت مهزوزة:
ـ أنت بتقول إيه!
بقى أنت شايف أمك بشعة كده؟
انفرج ثغر سيف بابتسامة واسعة وأجابها ببرود يُحسد عليه اليوم:
ـ أمي ست حية وخبيثة ومبتحبش غير نفسها.
وسمية كالعادة لا ترى نفسها إلا في صورة الضحية وأن الجميع يدفعها لتخرج النسخة السيئة منها:
ـ مهما عملت معاكم وعشانكم برضو بتكرهوني، أقول إيه؟
عزيز عرف كويس يكرهكم فيا.
تجلجلت ضحكات سيف واقترب منها:
ـ عملتي عشانا إيه؟
قوليلي يمكن أفتكر حاجة حلوة ليكي تخليني أترمي في حضنك وأقولك يا أمي محتاجلك.
تراجعت سمية بخطواتها وارتعش سائر جسدها عندما صاح عليها بصوت قوي:
ـ قوليلي عملتي عشاني إيه؟
خلتيني راجل ضعيف الشخصية ومشوه بأفكاري، أنا بقيت بكره نفسي وحياتي، أنتِ استحالة تكوني أم!
صفعته على وجهه وصرخت عليه بعد أن فقدت قدرتها على تحمل كل ما يحدث في الآونة الأخيرة:
ـ أنت مش ابني ولا يمكن تكون ابني، طول عمرك بتكرهني، يا خسارة يا سيف ياريت حبي ليك كنت أديته لـ نيرة، بس قولت أنت الراجل وسندي وهتكون في ضهري وقت ما أحتاجك.
تجمدت ملامح وجهه ونظر إليها بنظرة خاوية لا حياة فيها:
ـ عيش هنا وخليك في الفقر، وبكرة ترجع تتحسر على حالك وأنت شايف كل حاجة بتضيع منك والكل عايش في حياته مبسوط وأولهم عمك.
اتجهت سمية نحو باب الشقة وقبل أن تفتحه التفتت إليه قائلة حتى تشعل غضبه وتجعله يعود إلى قبضتي يديها:
ـ هارون عنده حق إنه يبعد بنته عنك، وكارولين معذورة إنها خانتك، أنت آخرك بنت السواق.
غادرت سمية أمام نظراته التي توقدت، ورغم محاولته المستميتة أن يتمالك أعصابه إلا أنه لم يشعر بنفسه إلا وهو يحطم كل شيء أمامه.
انفزعت تلك الفتاة التي خرجت من الشقة المقابلة وأسرعت مهرولة على الدرج وهي تضم حقيبة أغراضها الدراسية مغمغمة بلهاث:
ـ الجار الجديد شكله مجنون على رأي ماما.
انتبه هارون لأول مرة لتلك السيارة التي تتبعه، ضاقت حدقته وهو يأمر سائقه:
ـ بطئ السرعة وادخل يمين.
اندهش سائقه من أمره وكاد أن يخبره أنهم سيفقدون طريق وجهتهم، لكن هارون أسرع بتكرار أمره بصرامة:
ـ قولت ادخل يمين وبطئ السرعة.
نفذ السائق أمره سريعًا، فاستمرت عينا هارون في رصد تلك السيارة التي شك فيها.
احتقن وجهه وبرق الوعيد في عينيه مغمغمًا بهمس:
ـ مش هتعملي كده غير لما تكوني خايفة إني أكشف لعبك من ورايا يا سمية.
قطع سائقه شروده:
ـ على فكرة يا بيه العربية دي بتمشي ورانا من فترة مش النهارده بس.
وضعت سماح يدها على جبينها وهي تشعر بالوهن الشديد، لكن عليها أن تستمر في عملها حتى لا تخسر يومية هذا اليوم من بيع الخضار.
اقتربت منها إحدى نساء حارتها والتي تسكن في البيت المقابل لها، وقد رأت سيارة هارون ودخوله إلى بيتها في المرتين اللتين أتى فيهما:
ـ إزيك يا سماح؟
ابتسمت سماح وأعطتها كيس البلاستيك الذي ستضع به حبات الخضار:
ـ الطماطم النهارده ما شاء الله حلوة وسعرها نزل، أوزن ليكي كام كيلو؟
مررت الجارة حمدية عينيها على الخضار الموجود ثم بدأت بالتقاط حبات الطماطم:
ـ وماله ناخد كيلو، قوليلي يا سماح مين البيه اللي بيجي عندك وبيدخل شايل ومحمل؟
اختفت ابتسامة سماح وحدقت نحو ميزان البيع، فأردفت الواقفة بخبث:
ـ معقول ظهر ليكم قرايب مش بنشوفهم غير في التلفزيون؟
شعرت سماح بالاختناق، فهذا ما كانت تخشاه:
ـ متزعليش مني يا سماح، أنتِ شابة وأرملة والواحدة مننا ملهاش غير سمعتها فلو عينه منك يتجوزك على سنة الله ورسوله.
احتدت عينا سماح ونظرت إليها، ثم التقطت منها ما جمعته من حبات طماطم حتى تزنها لها وتنهي هذا الحديث الذي يذكرها بجرمها عندما استسلمت لـ هارون:
ـ أنا طول عمري في المنطقة والكل بيحلف بشرفي، وإذا كان على هارون بيه ده من أهل أبويا الله يرحمه وحس بالذنب من ناحيتنا فبقى يجي يسأل علينا
أومأت الواقفة برأسها وقد اقتنعت بالكلام لكبر هارون في العمر:
ـ أنتِ زعلتي مني يا سماح؟
أنا بقولك الكلام يا حبيبتي عشان تاخدي بالك، ولو نفسك في الجواز اتجوزي، أنتِ لسه صغيرة ومحتاجة راجل.
أطبقت سماح جفونها بعد رحيل جارتها الخبيثة وتمتمت بوجه غاضب وشاحب:
ـ منك لله يا هارون خليت سيرتي على اللسان.
اقتربت أشرقت من ليلى فور أن أبصرت قدومها جوار سما، وقد تلاعب الشك داخلها أن تكون ليلى تحدثت عن رؤيتها بحالتها المزرية بالأمس.
ابتسمت ليلى عند رؤيتها لكن نظرة أشرقت إليها جعلتها تتردد في إخراج سوار المعصم الذي سقط منها في شقتها.
مرت الدقائق بينهن في صمت إلى أن أتت زينب التي كسرت هذا الصمت وأخذت تخبرهن عن مغامرتها الأخيرة مع قيادة السيارة:
ـ أنا كل يوم بتأكد إني مينفعش أسوق حرصًا على البشرية وعلى نفسي وعلى المال العام.
ضحكت ليلى على حديثها الفكاهي وانشق ثغر أشرقت بابتسامة صغيرة، أما سما فكانت الوحيدة بينهن شاردة، فأمر الزواج صار لا مفر منه بعد أن وعدت جدها أنها لن تفعل شيئًا يحزنه:
ـ ها يا بنات، نبدأ منين؟
اليوم طويل وعايزين نظبط العروسة ونفسنا.
قالتها زينب وهي تجتذب سما الشاردة إليها ثم همست بخفوت:
ـ فكي التكشيرة، أشرقت معانا ودي أخت العريس.
عبست سما بوجهها ونظرت نحو أشرقت:
ـ أنا مش عايزة أتجوز أخوكي يا أشرقت عشان طلع مخادع وكداب.
مررت أشرقت أصابعها على خصلات شعرها وسارت أمامهن:
ـ كل الرجالة مخادعين، أنا لو مكانك أهرب
اندهشت ليلى من تعقيب أشرقت على كلام سما واتجهت بأنظارها نحو زينب التي تأبطت ذراعها:
ـ إحنا عيلة بتحب الصراحة ومبنزعلش منها.
وقفت بيسان أمام والدها وقبل أن تخبره برفضها لقراره وتناقشه فيه لعله يتقبل حديثها اليوم:
ـ هتسافري الصين يا بيسان وده مش أمر ده رجاء مني ليكي.
ابتلعت لعابها وأخفضت رأسها، فأسرع باجتذابها إلى حضنه:
ـ هترفضي رجاء بابا يا بيسان؟
سقطت دموعها، فهي تعيش في صراع لا تعرف ولا تفهم كيف وصلت إليه:
ـ قولتي إيه يا بيسان؟
والارتياح لم يظهر على وجه هارون إلا عندما أخبرته بما أراد:
ـ حاضر يا بابا، لو ده هيريحك فأنا هسافر.
نظرت أشرقت نحو سوار معصمها الذي وضعته ليلى في يدها ولم تنتبه لضياعه:
ـ هو وقع عندك؟
اتجهت ليلى بأنظارها نحو سما وزينب المنشغلتين في الحديث مع المتخصصين بمركز العناية بالجسم والبشرة وكل ما تحتاجه العروس، وقد أظهروا استياءهم من تأخر العروس في القدوم إليهم:
ـ ليلى، ممكن من فضلك تنسي إنك شوفتيني منهارة؟
مبحبش حد يشوف ضعفي.
ضاقت حدقتا ليلى بتعجب من رجائها، فأخفضت أشرقت رأسها:
ـ أنتِ ممكن متفهمنيش لكن أنا طبعي كده
حدقت نحوها ليلى لوهلة ثم ابتسمت بعدما تفهمت طبيعة شخصيتها:
ـ على فكرة أنتِ كده قاسية على نفسك أوي وكأن نفسك عدوتك.
ابتعدت ليلى عنها وسارت ببطء بسبب ألم قدمها المجروح واتجهت نحو زينب وسما حتى تشاركهن الحديث.
استدارت أشرقت بجسدها ونظرت جهتهن وفي عينيها نظرة حزينة، والحقيقة التي لا تحب الاعتراف بها أمام نفسها هي أن لا أحد يحب معاشرتها لأنها جافية الطبع وصفات أخرى توارثتها.
انسحبت من المكان حتى تختلي بنفسها وتحاول مهاتفة مراد مرة أخرى.
انتهت محاولاتها في مهاتفته بالفشل ليتجهم وجهها.
ـ أشرقت ليه خرجتي وبعدتي عننا؟
تفاجأت بخروج زينب وراءها والتفتت إليها ترمقها بنظرة جعلت زينب تتساءل:
ـ أنتِ في حاجة مزعلاكي يا أشرقت؟
والرد أصاب زينب بالذهول:
ـ هو أنتِ كنتي تعرفي مراد قبل ما أتجوزه يا زينب؟
تجاوزت زينب صدمتها من سؤالها بالقهقهة، فقطبت أشرقت جبينها بحيرة:
ـ ولا عمري شوفته غير لما انتوا اتخطبتوا، بس ليه السؤال ده؟
سحبت أشرقت نفسًا عميقًا وأشاحت وجهها عنها:
ـ سؤال عادي يا زينب، خلينا نروح نشوف سما.
والسؤال لم يمر من رأس زينب، وقد وقفت محدقة بخطوات أشرقت بعد أن ابتعدت عنها.
امتقع وجه صالح بالعبوس عندما أخبرته زينب أن عليها البقاء مع سما في منزل جدها وأن يتفهم هذا الأمر:
ـ يعني إيه؟
ابتعدت زينب عن أنظار جدها وسما وهمست بخفوت:
ـ صالح يا حبيبي يا جميل يا كتكوت.
استنكر كلمتها الأخيرة وقال:
ـ مش واخدة بالك إنك بقيتي تتعاملي معايا زي ما بتعاملي يزيد؟
اتسعت ابتسامة زينب وتثاءبت بإرهاق:
ـ خلاص لما نكون لوحدنا هعاملك معاملة الكبار.
التوت شفتا صالح بامتعاض وكاد أن يخبرها أنه في الطريق إليها ليأخذها من منزل جدها، لكن رجاءها الناعم جعله يخضع بالنهاية:
ـ عشان خاطري يا صالح وافق، سما محتاجاني معاها.
زفر أنفاسه بتنهيدة عميقة خرجت من صدره ونظر إلى صغيره النائم جواره بالسيارة:
ـ خلاص يا زينب، ما دام وجودك معاهم هيبسطك
بغنج صارت تجيده لأنه يشبعها حبًا هتفت:
ـ قول زوزو عشان أصدق إن الكلام من قلبك.
انفكت عقدة حاجبيه وابتسم:
ـ لو استمريتي في دلعك ده هاجي آخدك ومش هيهمني حد، وياريت تاخدي بالك من التنطيط أنا مستني بنتي بفارغ الصبر، تمام؟
تخضبت وجنتاها بحمرة خفيفة و أومأت رأسها وكأنه يراها:
ـ بكره لينا مكالمة سوا هتكون صوت وصورة.
أسرعت بوضع يدها على شفتيها حتى لا تخرج صوت ضحكتها، فهي تفهم ما يرمي إليه.
ارتبكت ليلى عند دلوف عزيز الغرفة، وقد قرر الليلة مصارحتها ولن يؤجل هذا الأمر لبعد غد حيث ليلة سفره.
وجهه الشاحب جذب عينيها، ورغم غضبها منه إلا أنها نهضت من الفراش متسائلة:
ـ أحضرلك العشا؟
اهتمامها وحنانها الفائض يثلجان صدره ويعذبانه في الوقت نفسه:
ـ أنا أكلت في المعرض، واقعدي عشان رجلك أنتِ اتحركتي عليها كتير النهارده.
ثم تساءل بعد أن وجدها اكتفت بالصمت:
ـ انبسطتي معاهم واشتريتي كل اللي نفسك فيه؟
هزت رأسها إليه وتساءلت في نفسها: كيف لم يلاحظ التغير الذي طرأ على شعرها، وجهها الناضر، ورائحتها الجميلة؟
ـ ارفعي رجلك خليني أشوف الجرح.
حدقت به، فلم ينتظر منها استجابة ورفع هو ساقها.
ببطء مرر يده على باطن قدمها وبصوت متحشرج تمتم:
ـ أنا آسف يا ليلى، آسف على كل وجع سببته ليكي وأنتِ مش فاهماه.
سقطت دموعه على قدمها التي يتلمسها بيديه، فشعرت بالفزع وتساءلت:
ـ عزيز أنت بتعيط؟
تمالك نفسه ومسح دموعه ثم رفع وجهه إليها:
ـ أنت فيك إيه يا عزيز؟
قولي فيك إيه وريحني.
والاعتراف كان لابد أن يخرج منه الليلة دون تراجع، وقد اخترق السر الذي يخفيه عليها آذانها، ومع سقوط دموعه سقطت دموعها ليتساءل بقهر:
ـ هتقبلي تعيشي مع راجل هيحرمك من الأمومة يا ليلى؟
الفصل المائة والتاسع عشر من هنا
قراءة رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل مئة وتسعة عشر 119 كامل | بقلم سهام صادق
تابع تطورات رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل مئة وثمانية عشر 118 كامل المشوقة في الفصل التالي.
رواية ظنها دميه بين أصابعه كاملة بدون اختصار
تابع قصة ظنها دميه بين أصابعه كاملة من أول فصل حتى النهاية.
أشهر روايات سهام صادق
جميع روايات سهام صادق متاحة للقراءة أون لاين بسهولة.