يوم طـ ـلاقى 2
الزغاريد اللي سمعتها قدام باب المأذون، م.وتت آخر حتة كانت باقية لك في قلبي.
اللي يوزع شربات في يوم كسرة مراته، ما يستاهلش حتى العتاب
وما تفتكرش إن بنتي هتكون وسيلة ذل ليا..
بنتي بكرة هتكبر وتعرف إن أبوها استكتر عليا الفرحة.”
قفلت السكة في وشي..
المكالمة دي خلتني أغلي، بس المرة دي غليان من نوع تاني.
بصيت حواليا في الشقة، كانت عبارة عن مزبلة!
قشر ملبس، كوبايات شربات فاضية وناشفة، وبواقي أكل في كل مكان..
البيت اللي سمر كانت بتخليه يبرق، بقى ريحته تخنق.
مر أسبوع على اليوم اللي كنت فاكر فيه إني “انتصرت”.
الشقة اللي كانت دايماً ريحتها بخور ونظافة، بقت ريحتها “كمكمة” وسجاير.
الست اللي أمي بعتتها عشان تنظف، جت ساعة، لمّت الزبالة من على الوش، وأخدت مبلغ وقدره ومشيت، وسابت الأركان مليانة تراب..
أصل اللي بتنظف بفلوس، مش زي اللي بتنظف بحب.
دخلت المطبخ وأنا ميت من الجوع، فتحت التلاجة لقيت علب بلاستيك فيها بواقي أكل حمض، والبوتاجاز عليه طبقة دهون تلزق.
حاولت أعمل لنفسي بيض، حــر .
ــقت الطاسة ورميتها في الحوض فوق كوم المواعين اللي بقاله يومين..
سمر كانت بتغسل المواعين أول بأول وهي بتغني، وأنا كنت بزعق على صوت غناها.
دخلت أوضة النوم، السرير مكركب، والهدوم اللي المفروض تتغسل ملت الركن.
جيت ألبس قميص للشغل، لقيته مكرمش..
افتكرت “سمر” وهي واقفة بليل، رغم تعبها مع البنت، بتكويلي قمصاني بالواحدة عشان أنزل الصبح “باشا”.
مسكت القميص وحاولت أكويه، لزقت المكواة فيه وشاط!
رميت المكواة في الأرض وأنا بزعق:
ـ “يا ربى..
هو مفيش حاجة ماشية صح في البيت ده ليه؟”
نزلت الشغل وأنا قرفان من نفسي، ريحة لبسي مش زي زمان، وشكلي مجهد.
قابلت صاحبي “محمود” على القهوة، بص لي بشفقة وقال:
ـ “إيه يا جاسر؟
مالك شكلك مبهدل كده ليه؟
فين سمر والاهتمام بتاع زمان؟”
ـ “طلقتها يا محمود..
كنت بربيها، بس البيت باظ من غيرها.”
ـ “تربيها بالطلاق؟
يا صاحبي البيت اللي بيتهد مبيتبنيش بالسهولة دي..
والرجولة مش إنك تكسر اللي معاك، الرجولة إنك تحتويها.”
كلامه نزل عليا زي السلم، رجعت البيت بليل، الدنيا ضلمة، مفيش صوت ضحكة بنتي وهي بتجري تستقبلني، ولا صوت سمر وهي بتقول “حمد لله على سلامتك يا حبيبي، الأكل جاهز”.
قعدت في وسط الصالة المكركبة، وطلعت تليفوني.
دخلت على صفحتها على فيسبوك، لقيتها منزلة صورة لبنتي وهي بتضحك وكاتبة: “بداية جديدة..
والحمد لله على نعمة الأهل اللي بيسندوا بجد”.
النغزة اللي في قلبي زادت..
هي بدأت “بداية جديدة” وأنا واقف مكاني في “الخراب” اللي عملته بإيدي.
إخواتي اللي شجعوني، قافلين بيوتهم عليهم وعايشين حياتهم، وأمي كل ما أشتكي لها تقولي “اصبر بكرة تتعود”، بس أنا مش عايز أتعود..
أنا بدأت أحس إني كنت ملك في مملكة، ودلوقتي أنا مجرد واحد وحيد في بيت مهجور.
مسكت التليفون وأنا قاعد وسط كومة الهدوم والمواعين، والبيت ريحته بقت تخنق، كنت محتاج حد يشيل معايا الشيلة دي..
مش هما اللي زغرتوا؟
مش هما اللي قالوا “ألف مبروك”؟
يبقى هما اللي يحلوا.
رنيت على “عبير” أختي الأول، وصوتي كان مخنوق:
ـ “عبير..
أنا مش عارف أعيش في البيت ده، سمر قفلت كل السكك، والبنت وحشتني، والشقة بقت خرابة..
انزلي معايا بكرة نروح لأهلها نصالحهم ونرجعها، أنتي عارفة إن الكلمة منك بتفرق.”
جالي صوت “عبير” وهي بتمضغ لبان وببرود تام قالت:
ـ “يا جاسر يا حبيبي، إحنا روحنا معاك عند المأذون عشان ده كان قرارك وأنت راجل البيت، دلوقتي عايزنا نروح نصالح؟
شكلنا هيبقى وحش أوي قدام أهلها..
وبعدين أنت مش صغير يا حبيبي، اتصرف وظبط أمورك، أنت اللي طلقت وأنت اللي لازم تعرف تلم الموضوع لوحدك..
سلام بقى عشان العيال بيعيطوا.”
قفلت السكة وأنا مذهول!
رنيت على “نجلاء” وأنا كلي غل:
ـ “نجلاء، أختك بتقولي اتصرف لوحدك، تعالي أنتي معايا بكرة، أنتي كنتي بتقولي إن سمر مش كويسة، تعالي قولي لأهلها إننا عايزين نفتح صفحة جديدة عشان خاطر البنت.”
ردت “نجلاء” بنبرة حادة:
ـ “أنا يا جاسر؟
أنا مالي ومال المشاكل دي؟
أنا يدوبك ملاحقة على بيتي وعيالي، وبعدين يا أخويا أنت اللي عملت فيها “سي السيد” وطلقت قدامنا كلنا، دلوقتي جاي تقولنا تعالوا صالحوا؟
عيب في حقك كراجل..
اتصرف يا جاسر، البيت بيتك وأنت أدري بيه.”
الدنيا اسودت في عيني، رنيت على “أمي” وأنا بصرخ في التليفون:
ـ “يا أمي..
إخواتي بيتبروا مني!
هما اللي خلوني أعمل كده، هما اللي زغرتوا وفرحوا، ودلوقتي سايبيني غرقان!”
أمي ردت بصوت هادي وفيه لؤم غريب:
↚
ـ “يا ابني إحنا فرحنا لفرحك، كنت فاكرينك مرتاح كده..
دلوقتي لما الدنيا باظت في إيدك جاي تلومنا؟
يا حبيبي أنت راجل وسيد الرجالة، انزل اشتري لمراتك طقم دهب وروح هاتها، أو استنى لما هي تحن وترجع لوحدها..
المهم أنا مش حمل مشاوير وخناقات مع أهلها، اتصرف وظبط حالك يا جاسر، أنت مش صغير.”
رميت التليفون في الحيطة وكنت عايز أكسر كل حاجة حواليا..
البيت اللي كنت فاكر إني ملكه، طلع سجــ .
ــن.
والناس اللي كنت فاكرهم سندي، طلعوا مجرد “جمهور” اتفرجوا على الحريقة وصقفوا، ولما النــ ــار بدأت تأكل فيا، كل واحد فيهم لف ضهره ومشي.
بقيت لوحدي..
مفيش غير صدى صوت زغاريدهم اللي لسه بيرن في ودني، بس المرة دي الزغاريد كانت طالعة بـ “سخـ ــرية”، كأنهم بيضحكوا عليا مش ليا.