📁 آحدث المقالات

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل التاسع والخمسون 59 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل التاسع والخمسون 59 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل التاسع والخمسون 59 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
♡التاسع والخمسون ما قبل الأخير♡
انهار جالسًا في ممر المشفى،خارت قواه ولم يعد قادرًا على التحرك، روحه تئن في وجع لا يعرف مصدره، مودة تجلس جواره باكية بصمت،تكتم بكائها بكتفه وتمزق أنفاسها بشهقات عالية، فجأة انتفض يهتف بسرعة«كلمي سكن تيجي تشوفه»
مسحت مودة دموعها ووضعت كفها على كتفه تهدئه «أهدأ يا زين، عايزها تيجي تشوف مين؟»
تحرك يريد الوقوف قائلًا بعصبية ليس لها معنى اللحظة «عمك حسان قالي إنه عايز يشوفها وأنا نسيت»
تحرك ناحية الجدار مملوء بالندم وتنضح الحسرة من نظراته المنطفئ بريقها، لكم الجدار بيده السليمة في غضب وهو يلوم نفسه ويؤنبها، يجلدها بالألم «ليه نسيت؟
ليه؟
» اقتربت مودة في جزع، تتوسله الهدوء وهي تمسك بذراعه وتمنعه، تجبره ليتوقف عن تعذيب نفسه «شافها كانت جنبه قبل ما يموت» نفض يدها وأشار بهستيريا «هاتي تليفون، هكلم حمزة يجيبها خليها تودعه، ميمشيش من غير ما تودعه»
تكاثفت الدموع بمقلتيها من حالته، تفاجئت من انهياره للمرة الثانية الليلة، فحاولت التوضيح له «سيبها يمكن متتحملش وحمزة ممكن ميوافجش»
نظر لعينيها وقال بهدوء قاتل وهو ينحر نفسه بالكلمات «يوافق عشاني أنا وعدته ومشي قبل ما أوفي، كنت هجيبها عندنا ويشوفها»
لم تجد أمام إصراره إلا مهاتفة حمزة، سحب زين منها الهاتف وأخبره بجفاء وحدّة «جيب سكن هدخلها تودع عمها»
قطب حمزة بغير رضى، مازالت زوجته في طور الصدمة، جالسة على عتبات المنزل زائغة البصر، تناديه مرة وتبكي ألفًا، أحيانًا تغمغم بكلمات غير مفهومة كأن جنونًا أصابها، أو شيطان تلبسها اللحظة.
.
.
حدجها بنظرة متحسرة قبل أن يُجيبه «مش هينفع تيجي يا زين، مجدرش أعرّضها لحاجة زي دي لا هي هتتحمل ولا أنا هتحمل تعبها»
أمره زين بعصبية، صرخ فيه بغضب وهو يدور في الممر لا يعبأ بألم ولا يهتم بجرح بدأ ينزف من جديد بغزارة «لا ينفع هاتها، طلب مني يشوفها ويودعها وأنا مهتمتش وعملت حساب لزعلك، عشاني أنا دلوقت جيبها تشوفه تسلم عليه علشان لا أنا أندم ولا أنت»
استمع له حمزة بصبر، يفهم حالته ويتعامل مع عصبيته بهدوء مشفقًا عليه «خطر عليها يا زين الي بتطلبه»
هاج زين ولم يتفهم مدفوعًا بوعد مُحيت أسطره، مُحاطًا بسهام الندم وخناجره المسمومة، مازال يقع تحت أقدام الصدمة فتدهسه، أقدامها تشبه قدم رفعت الحقيرة التي وضعها يومًا على رأسه.
.
خواطره سوداء تعيث في نفسه الفساد فلا يتحكم في أعصابه ولا كلماته «اسألها؟
خيرها؟
» أجابه حمزة ولم يعد يستطيع المجادلة معه، من حقها رؤية عمها وتوديعه «حاضر هجيبها وأجي»
جلس زين على الأرض الباردة بهدوء، إلتقط أنفاسه وأنهى الاتصال في رضا ، منح مودة الهاتف فضمت رأسه بذراعها تمنحه بكاءً متسترًا وانهيارًا متواري بأحضانها، نهنهات بكائه لم تسمعها سوى ضلوعها التي تنهار كأعمدة اللحظة وتتفتت، دموعه تصل لعمق الروح ككرات من اللهب، زين الذي ظنّته يومًا لا يشعر ونسيت أن سوء الظن اثم،هذا الفارس المغامر يمتلك قلبًا رقيقًا مُحبًا مُخلصًا، رثى زين حسان «كنت خليك شوية يا عم لسه في حاجات كتير معرفتهاش ولا فهمتها»
رفع رأسه وعينيه المحمرتين قائلًا لمودة «كلمي سليم ييجي يا مودة قوليله زين عايزك» هزت رأسها دون فهِم أطاعت دون سؤال، رحل لحجرة العمليات بعدما جاء الطبيب وبقيت هي تنفّذ ما طلبه.
جلس حمزة جوار سكن يضمها بقلبه وذراعيه، تصلّب جسدها لثواني وشخصت نظراتها كأنها تنتبه لشيء ما، ثم رفعت رأسها تطلب «حمزة وديني لعمي، سمعت صوته بيجولي أجي»
قطب وهو يرمقها في صدمة جلية وكدر خائفا من هذيانها ، سألها بحنو «عايزة تشوفيه؟»
أكدت والدموع تطفر من عينيها بغزارة والوجع يتسلل ويحيط كيانها «أيوة سمعت صوته فجلبي يا حمزة بيجولي أجي»
قبّل حمزة رأسها وضمها لصدره قائلًا «حاضر جومي البسي عبايتك »
انتفضت من بين ذراعيه تسابق الزمن مثلها مثل زين، تتوسل الدقائق وترجو عقارب الساعة ألا تتحرك حتى تشبع منه وتملأ صدرها برائحته.
أخبر حمزة والدته فأومأت، بتفهم،استعد حمزة هو الآخر وهاتف عمار لينقلهما بسيارته.
طوال الطريق منكمشة بأحضان زوجها تُغمض عينيها متذكرة المواقف والضحكات، مشاكسته وحنوه ونصائحه التي تملأ عقلها، شتان ما بين سكينة وسكن، شتان ما بين أفكارها اليوم وقبل ظهوره، تأوهت بحسرة وجسدها كله ينتفض بشهقة عالية هدمت أسوار الصمت وسمحت للعجز بالإقتحام، بكت بحرقة لكنها لم تجرؤ على قولها «ليه يا عم» اعتراضها يعني الكثير، عمها أعطى عمره لحمزة وأخلص في وعد منحه لورد بحماية حمزة يومًا في المقابر، عمتها همست يومها «ياريت يفهم الي عيزاه منه» الآن فهمت سكن واستوعبت، فلا تلومه على إنقاذ حبيبها ولا تعترض على قضاء الله، بل تتعذب من حرقة الفراق، من وجعه وألمه، من الفقد ووطأته في النفس، رحل وترك نفسها جائعة لأبوته الفريدة، لمعرفته وتوبته التي تُثقل الميزان.
وصلوا المشفى فتقابلوا مع سليم الذي يخطو بحذر ودون معرفة، سلّم عليهم بتوتر ولسانه يعجز عن السؤال، في قلبه الليلة ألم لا يشبه أي ألم،كأن جزءًا من روحه فارقه أو يدًا غاشمة انتزعت قلبه انتزاعًا فسقط بين أحشائه،حزن يقيم في الصدر ويغلق منافذ الراحة، يعتصر القلب فيرتجف الجسد ببرودة لا يفهمها.
.
تحرك مثلهم للداخل التقت مودة بسكن وجلست جوارها منتظرة مترقبة
خرج سؤال سليم من عمق القلب المعصور «في إيه؟  زين كويس؟»
خرجت ممرضة متسللة وقفت أمامهم وهمست بترقب «فين سكن؟»
وقفت سكن جامدة لا ترمش، فسألت الممرضة مرة أخرى بنظرات متفحصة«فين سليم؟
» أعلن سليم عن نفسه ومازالت البلاهة تحيطه والذهول يلعب برأسه نظر إليهم فاقتربت منه مودة قائلة «استنى زين يطلع من العملية وهيفهمك»
قطب بتوهة وعاد ليجلس منتظرًا بينما أحاط حمزة زوجته بذراعه وقادها حيث ترقد جثة عمها بسلام، في الحجرة حاول تحريكها لكن أقدامها التصقت بأرض الحجرة الباردة، أغمضت عينيها تُصفي نظراتها من الدموع وبعدها تشبثت بأحضانه باكية لا تقوى على رؤية عمها ولا تقدر على ذلك الشعور الذي ينفذ للأعماق، تذكرت أنها آخر مرة ستراه فيها فتركت أحضان حمزة واقتربت تمسح دموعها بطرف كمها، رفعت الغطاء عن وجهه وتأملته تناديه كما تعودت، علّه يُجيبها «حسان أنا جيت»
فضحكت وعادت بنظراتها لعمها تخبره «حمزة وافج وسامح، جولتلك حمزة جلبه كبير يا عم ومفيش أحنّ منه»
لم يتمالك حمزة نفسه، اندفع يضمها بين ذراعيه معتذرًا لها عن كل ألم، ابتعدت تخبره بما رأت ونظراتها تتسع انبهارًا فوق ملامح عمها «ابتسملي يا حمزة والله»
هدأها حمزة قائلًا «ادعيله يا سكن»
وجهت نظراتها لعمها بإمتنان وهي تهتف «عمي فَدَاك يا حمزة عمل كده عشاني وعشان ورد، جولتله لو حمزة فيوم حصله حاجه هموت فمات هو»
ضم حمزة رأسها لصدره باكيًا لا يجد الكلمات المواسية المناسبة ليرد عليها، الموقف يشلّ تفكيره وسرعة الأحداث والصدمة تشتته.
تركته سكن واقتربت منه تشكره، تأخذ من ملامحه زادًا لسفر في الدنيا لا تعرف عدد أيامه ولا سنواته، لا تعرف متى يكون اللقاء مجددًا، مررت أناملها على وجهه ببطء مغتنم ثم قبّلت جبينه مغمضة العينين هامسة بما لا يسمعه سواها «مع السلامة يا أبوي هتوحشني ومتغبش عن سكن هستناك كل ليلة»
سحبها حمزة فأمسكت بحافة الفِراش تأبي تركه، عاجزة عن فعلها تريد الجلوس وتأمله، تحفر ملامحه داخلها، كلما رجاها حمزة الخروج بكت بحرقة شديدة متوسلة ونظراتها تلتهم من عمها ما تطاله «شوية يا حمزة الرحلة لسه طويلة وهيوحشني»
ضمها حمزة بذراعه وسحبها للخارج، وقف بها قليلًا يحتويها ويهدئها، تُفرغ خوفها وحزنها وأسفها على صدره، تستعيد قوتها وثباتها قبل أن يرحلا.
جاء سليم قاطبًا لا يفهم ولا يستوعب ما يحدث،دخل الحجرة حيث أشارت الممرضة وحيث يقف حمزة محتضنًا زوجته، دخلها وأغلق لا يعرف ماذا ينتظره،دخل بخطى ثابتة يذكر الله ويترحم على موتى المسلمين،اقترب من جسد الرجل يستكشف ملامحه فصُعق مما رأى،اندفع تجاه الرجل منتفضًا يتأمله بأنفاس لاهثة وقلبه على مسمعٍ منه قبل أن تستقر المعرفة داخل نفسه ويهذي بدفقة جنون تسربت من بشاعة الموقف وهول اللحظة  «أنت يا عم؟
أنت؟
»كرر سليم بإنهيار ونظراته لا تترك وجه حسان «إنا لله وإنا إليه راجعون» تأمله لدقائق متذكرًا كلماته وتوديعه له فبكى بغمٍ وحسرة، ردته اللحظات طفلًا يتيمًا شقيًا يتوسل العطف ويلملم الحنان من فوق أرصفة الخذلان، لا يجد كفًا تحنو ولا أضلع تحتوي جسده الضئيل الباكي،نطق في ذهول وهو يضع كفه على وجهه المبتسم متسائلًا «أنت مين يا شيخ»
تحرك للخراج ركض يسأل حمزة قبل أن يغادر بزوجته «مين ده يا حمزة؟»
أخبره حمزة بحزن وإشفاق «خالي حسان وعم مودة وسكن يا سليم»
نطق سليم اسمه في دهشة عظيمة ومواقفه تمر أمام عينيه،تذكر قوله فانشق القلب «أنا الجاني والمجني عليه»عاد سليم له مهرولًا تفحصه بدموع تركض في تيه،لامه وهو يكشف عنه الغطاء ويرى موضع رصاصات الغدر  «لما تجولي إنك حسان كنت هبعد؟
فاكرني هلومك يا عم؟
»
جلس سليم أرضًا مستندًا بظهره للحائط في تعب وجسد حسان أمامه فوق الفِراش يعاتبه برأفة ومودة «جيتلي متأخر وماشي بدري يا عم»
قرأ القرآن وهو ثابتًا في مكانه، عينيه لا تتزحزح عن وجه حسان المضيء، عاتب نفسه على نزول دموعه فكيف يبكي على رجلٍ كهذا؟
العم مصباح العتمة لا يُرثى ولا يبكى بل يودع بالدعاء.
.
هو من يستحق الرثاء والبكاء عليه،هو من فقد والده للمرة الثانية كأن الدنيا لا يكفيها جرحًا واحدًا بالقلب ولا يروقها صبره فقررت اختباره للمرة الثانية، نهض سليم ووقف أمام وجهه المضيء يهمس بإبتسامة مودّعة «في الجنة يا عم ونعيمها» ثم انحنى ولثم جبينه متنهدًا واستقام مودعًا «عارفك مش هتفارج ياعم كنت حلم حلو وهتفضل » رحل سليم واجمًا بقلبٍ مُثقل، اطمئن على زين وعاد لمنزله أغلق على نفسه وبكى في انهيار غير مسبوق .
♡*********♡
بعد مرور يومين بمنزل راضية
****
طلب زين لقاء  سكن فخرجت تستقبله بوجوم كعادتها منذ مات عمها، رحّبت به في خفوت وجلست غائبة عما حولها منتظرة أن يتحدث، التقت نظراتها بنظرات زوجها الذي جاء بصحبة زين، عضت شفتيها وصمتت مُطرقة تبتلع دموعها في جوفها المتقد فيلتهب صدرها أكثر، حمزة الحبيب يلومها على ابتعادها عنه وبقائها هنا  واختيارها أحضان الحزن وذراعي الألم،  بنبرة فقدت رونقها وحماستها قال زين «عمك سايبلك أمانة يا سكن»
التقط زين أنفاسه يسيطر على حزنه ومد كفه بورقة مطوية فوقها نقطتين جافتين من دماء عمها، ارتجف جسدها ونظراتها تقع فوق الورقة وزين يفسر لها «كانت فجيبه مكتوب عليها سكن»
ابتلع زين غصة ندمه ووضّح بحسرة تملأ كيانه،نبرته خرجت محاطة بالأسف تطلب العفو«كان طالب مني يشوفك ومحصلش نصيب والظاهر لما يئس سبلك الورقة دي» تلقتها بلهفة، ضمتها بين كفيها متباركة بها وختم دمائه فوق بياضها يؤكد صدق أبوته ومشاعره التي تملأ الورقة، فتحتها بعينين مغرورقتين وكفين مرتعشين.
وزين جوارها صامتًا بحزن عتيق، فضتها وقلبها يخفق بجنون نظراتها تمر على الكلمات بإبتسامة دافئة كلماته غير مرتبة لكنها كافية لترتقي بها فوق الألم «ازيك يا بتي اتمنيت أشوفك ولما خوفت ميحصلش خليت حد كتبلي الورجة دي عشان أبعتهالك، رديتي الروح ومليتي جلب عمك يا سكن، لما جولتي أبوي حسيت لعمري ووجودي جيمة هونتي عليا صعب الليالي يا بتي ومليتي الأيام بضحكتك،  أوعي تحزني ولا تبكي عمك مستعد يدفع عمره تمن ولا يشوف فوشك بكا، متخافيش من حاجة ولا تفكري إني هسيبك أنا معاكي وحواليكي روحي محوطاكي  جولي وحشتيني يا عم وهجيلك يا سكن فرعاية الله وحفظه»
شهقت ببكاء حاولت كتمه قدر المستطاع لكنها عجزت، تحرك حمزة وجاورها يفرد ذراعه حول كتفيها مؤازرًا، تذكرت وهي تبكي ما قاله لها يومًا أن الجسد فانٍ فلتتعلق بالروح هي الباقية وستظل حولها وإن رحل الجسد، الروح منبع الأسرار حين تتحرر من ظلام الدنيا وأسرها سيلتقي بها كيف يشاء.
فعلا كما قالت وبعدها عمّ الصمت والسكون، تركهما زين وغادر بقلبه الموجوع يعرف الوجهة وقدماه تتحركان بإرادة منه، وصل للمكان فوجد سليم جالسًا أمام النار متربعًا يتلو القرآن في خشوع، جلس زين بصمت يستمع حتى انتهى وساد الصمت الذي قطعه سؤال سليم «كنت بتيجي هنا»
أجابه زين بحزن يقبض القلب «أيوة»
سأله سليم والدموع تترقرق في عينيه «مين الي جتله»
هتف زين بسخرية مريرة «حماك»
طبّق سليم شفتيه والألم يعجز عن وصفه، قال وهو ينهض مستسلمًا للقدر الذي فرّق وجمع «جوم اتوضأ ونصلي»
نهض زين وتوضأ وقف خلفه بخشوع وأثناء التلاوة كان يتذكر سليم حسان فيتحشرج صوته ويجهش بالبكاء، فلا يسيطر زين على حزنه وتتساقط دموعه.
انتهى وسلّم سليم ثم رفع كفيه يدعو لحسان بتضرع وإبتهال، فعل زين مثله وبعدها عاد ليأخذ زوجته ويرحل.
تربع سليم مكانه يهمس بإفتقاد «وحشتني ياعم»
فشعر بكف حنون تربت على كتفه وهمس دافيء يتسلل له «أنا جارك يا سليم جوم صلي»
انتفض سليم يفتش عنه بنظراته، لا يُصدق ما أحسه اللحظة ولا ما سمعته أذناه، دار حول نفسه ثم جلس خائب المسعى منشق الفؤاد، ترحم عليه ثم نهض يقيم الصلاة من جديد ويتلو بصوت عذب.
***********
في اليوم التالي
لفّت ورد الشال حول كتفيها وخرجت من الباب ليستوقفها سؤال حمزة «رايحة فين يا أمي؟»
اقترب وسألها بإهتمام واندهاش في ذات الوقت «لوحدك؟»
أجابته بإبتسامة دافئة «واه يا حمزة لسه منستش البلد الي عشت واتربيت فيها اطمن مودة رايحة معاي»
سألها بقلق «وسكن متروحش ليه؟»
ربتت ورد على كتفه مطمئنة له، تفهم معنى سؤاله «مع عاليا ومبيطلعوش» استطردت بحزن عميق «عاليا مبتطلعش لسليم وسكن فحالها فحال نفسها من بعد الي حصل»
سألها بإنهزام مستنكر فعلتها وإبتعادها «مبتجليش ليه يا أمي؟  وليه جاعدة بعيد؟ وبتدارى مني؟ أسبوع مش عارف ألمحها»
قالت ورد بفطنة « يمكن بتداري وجعها على عمها منك لتزعل، خايفة يا حبة عيني متجدرتش تداريه فبتبعد لغاية ما تروج»
قال حمزة بمرارة«مش هلومها يا ورد خلاص كل حاجه اتغيرت بس متبعدش كده»
طمأنته ورد بتفهم « دلوجت تلاجيها جيالك وحدها»
هز رأسه بغير صبر ، يريدها جواره تحزن قربه وتحتمي به، تختاره أنيسًا في خلوتها وجليسًا في زنزانة الألم، ألم يتعاهدا على ذلك؟ ماذا حدث؟
رحلت ورد بصحبة مودة، وخرج هو ممسكًا بفأسه، اقترب عمار وسأله «هتعمل إيه يا حمزة؟»
نظر حمزة على امتداد بصره وقال «هزرع المكان كله شجرة فاكهة»
أعجبت عمار الفكرة واستحسنها فقال في حماس ونشاط «حلوة الفكرة توكل على الله وأنا معاك»
ربت حمزة على كتفه بإبتسامة لطيفة قبل أن ترتفع نظراته للنافذة عله يلمحها، عادت نظراته محملة بالخيبة ليتنهد بيأس ويبدأ في العمل.
طرقت مودة الباب ففتحت أبرار لهما، ووقفت مندهشة من الزيارة المفاجئة، ازدردت ريقها بتوتر وهي تنقّل نظراتها بينهما وبين والدتها في رعب وخوف من القادم .
أدخلتهما أبرار بإبتسامة ممزقة مجهولة الهوية «يا أهلا وسهلًا اتفضلوا»
ابتسمت لها ورد ببشاشة، لكن ابتسامة مودة كانت حذرة حيادية المشاعر، وقفت والدة سليم تستفسر «مين يا أبرار»
وقفتا مكانهما حتى تسمح لهما بعد التعريف بهويتهما «مودة بت عمة عاليا و....
أكملت لها مودة بفخر «مرت خالي عبدالحكيم مرت عم عاليا»
استقبلتهما السيدة بترحاب شديد رغم توجسها من سبب الزيارة وتقلّب أفكارها في الحيرة «يا مرحب، نورتوا»
جلست ورد وجوارها جلست مودة، بينما وقفت أبرار قلقة مرتبكة، حتى صرفتها والدتها منزعجة من بلاهتها «الشاي للضيوف يا أبرار يلا همي»
غادرت للمطبخ مقررة إخبار سليم بما يحدث.
تحدثت ورد بفطنة ونظرات ثاقبة
«جولت ميمنعش أم سليم عن الواجب غير شديد جوي لما خلص العزا جولت أجي اطمن احنا بجينا أهل ولا ايه يا أم الشيخ؟»
تلعثمت السيدة لكنها أجابتها بثبات
«أيوة البجية فحياتكم يجعلها آخر الأحزان»
همست ورد بتضرع «أمين»
قالت ورد مصارحة لها بحزم رفيق «اسمعي يا أم سليم فيه كلام داير إنك مش رايدة بتي»
تعجبت والدة سليم ونطقت مستنكرة
«بتك»
قالت ورد بقوة امتزجت بكبريائها ومودة جوارها تتأملها بإبتسامة مُعجبة«أيوة بتي ومن اليوم عاليا أنا المسئولة عنها »
اقتحم الغضب صدر والدة سليم، غضب امتزج بحرجها وورد تُقيم عليها الحجة فاختارت أيسر الطرق،الصراحة
«الي حصل ميلدش على حد ولدي كنت عايزة أفرح بيه،رفضتوا ولدي وهزجتوه وبعدين تجوزوه سكيتي»
هزت ورد رأسها بعدما استمعت بصبر،ثم جادلتها بالتي هي أحسن
«إحنا شوفنا سليم كبير نسب ميتعوضش، أبوها رفض مهمناش احنا اشترينا راجل لبتنا،جبناه وجوزناه غصب عن عين أبوها دِه كله ميرضكيش؟»
قاطعتها والدة سليم بغيظ ومراوغة«بس أبوها راجل..»
قاطعتها ورد بكبرياء وفخر شديد متجاهلة ذكر رفعت،تعرف ما ستقوله
«واه عمها الاستاذ عبد الحكيم وجدها عامر، وواد عمها الدكتور حمزة ونسيبه حضرة الضابط وواد عمتها موظف في المحكمة راجل محترم.
.
سيبتي كل دول ومسكتي فأبوها، ليه؟
كل بيت فيه الزين والعفش واحنا مليحنا يردم على عفشنا»
استطردت ورد بغرور امتزج بفخرها لا تترك لأم سليم مجالًا للحديث، ترفع من قدرعاليا
«وبتي عاليا ست البنته تتحط عالجرح يطيب ألف مين يتمناها ويطلب رضاها إيه ينجصها؟احكمي عليها بعد ما تعاشريها وتشوفي»
« بتي مش رميه يا أم سليم  الي ميعوزناش منعوزوش، أنتِ وليّه وعندك بت لما عملت الي عملته وعرفنا إنها من بيت طيب متكلمناش جدمنا الظن الخير فيكم وسعينا لنسب ولدك يبجى مين الي غلطان؟»
ظلت والدة سليم تستمع لها بصمت ووجل،متعجبة ذاهلة وغاضبة حتى نهضت ورد منتصبة العود بكبرياء وحزم تُلقي بأخر كلماتها
«جولي لولدك ياجي يطلجها ولا على ايه ولدي يجوله زي ما جوزنهاله نطلجها »
تخطتها ورد بصلابة وخلفها مودة متعجبة مما حدث للتو، جاءت أبرار بأكواب الشاي فربتت ورد على خدها بحنان قائلة قبل أن تغادر «الشاي عندنا يا بتي والعزاء منصوب في الروح يوم ما تيجوا لبتي تعزوها وتاخدوا بخاطرها  تشربوه ولو مجتوش واجبكم وصل بزيادة»
"*" "" "" "*
استعانت ورد بمودة فيما انتوت على فعله بعد زيارة والدة سليم ، شاورتها في الأمر حتى تخبر زوجها وتأخذ أذنه فوافق على الفور، لفّت مودة ذراعها حول ذراع ورد وتحركتا تجاه منزل عمها عزام يتشاوران ويتحدثان حتى وصلتا، طرقت مودة الباب ففتحت والدة هشام تسأل عن الضيف القادم «مين؟
»
حملقت السيدة جيدًا في الوجوه قبل أن تهتف بلهفة وهي تندفع للخارج «ورد»
ابتسمت لها ورد ببشاشة وحنان يغمر قلبها ويفيض على مَن حولها فتعلقت والدة هشام بها وعانقتها بمودة حقيقية واشتياق صادق، قبّلتها على وجنتيها لا تصدق ما تراه ولا مجيئها «أم حمزة يا مرحب البيت نور»
تركتها متسائلة عن هوية الفتاة الواقفة بأدب «مين دي؟»
قالت ورد بفخر «مودة بت صالح»
عانقتها والدة هشام بترحاب شديد وفرحة غامرة ثم سحبتهما لداخل المنزل مُهللة تسقي زرع روحها الذي جف بمياه البشرى «لولا الملامة كنت زغرت»
ضمتها ورد دامعة العينين في حنو قبل أن تدخل للمندرة الصغيرة الجانبية المُعدّه لاستقبال الضيوف، جاءت آية تسأل فأشارت لها والدتها «همي سلمي على عمتك ورد وبت عمك مودة أخت سكينة»
ابتسمت آية بإرتباك امتزج بإندهاشها، تقدمت وعانقتهما بمشاعر حيادية ورغبة منهزمة بالقلق ثم جلست جوار والدتها، تتأمل ورد مستكشفة تتذكر وصف والدتها الدائم لها ورأي هشام فيها الذي قال لها أنه حين يراها يرتجف خافقه لا يعرف رهبةً منها أم صرخات لحب يولد رغمًا عنك لها حين تراها للمرة الأولى، قال إن ملامحها برقة الورد وكلماتها عذبة كمياه النهر، نظراتها مُربكة وقولها حكيم، لا تملك إلا أن تحبها، في قسوتها رقة وفي حزمها لين.
.
قال أن روحها شفافة ترى نفسك فيها كمرآة لذلك يهاب النظر إليها ويخشى الإلتقاء بعينيها.
ووصفها عمها قائلًا أنها كما يقولون أحلى ما في العمر وأمرّ ما فيه.
بعد مدة سألت ورد عن هشام فقالت والدته بأسف وعينين دامعتين في حسرة «جافل على نفسه يا خيتي من يوم ما مات عمه، يروح الجامع ويرجع، والليل كله بره»
شاركتها مودة الأسف حين أخبرتهما والدته بما ناله جراء تسرعه وزواجه من سما وطلاقها وما نتج عنه من خسائر لنفسه ولأمواله، وتعلقه في الفترة الأخيرة بعمه، نهضت ورد واقفة تطلب منهم «عايزه أشوفه»
نظرا والدته وأخته لبعضهما في حيرة واندهاش قبل أن ترحب والدته بذلك شاكرة «فيكِ الخير يا أم حمزة»
رغم خوفها من طلب ورد إلا إنها مطمئنة مرتاحة النفس، أشارت لها ناحية حجرة بعيدة بالداخل منزوية ومنفردة «جاعد فأوضة عمه»
تحركت معها فطلبت ورد منها ببشاشة «خليكِ أنتِ»
كررت ورد الطرقات بهدوء فنهض متأففًا فتح الباب؛ لينفجر فيهما كما يفعل، لكن كلماته توقفت في حلقه وماتت على شفتيه حين طالع الوجه المبتسم أمامه، اتسعت عينيه عليها بذهول وهو يتأملها ليتأكد مما يرى، تمتم وهو يزدرد ريقه ويستعيد ثباته «عمتي ورد؟
»
أحاطته بنظرة دافئة حنون أربكت دواخله وهي تقول بمرح «هتدخلني ولا هجعد كتير واجفة مفياش حيل أنا»
ألقى نظرة خاطفة على الحجرة خلفه يتأكد من صلاحية المكان وترتيبه حتى يستقبل فيه مجيئها العزيز ثم عاد إليها هامسًا وهو يترك الباب ويُفسح المجال لدخولها «اتفضلي يا عمتي»
دخلت ورد الحجرة الصغيرة المُكونة من فراش صغير بسيط وأريكة صغيرة مفروشة بكليم قديم أمامها طاولة خشبية مفروشة وبورق جرائد، حجرة لا تنتمي سوى لحسان ولا تليق سوى  بزهده في الحياة  ، تنفست ورد مترحمة على أموات المسلمين وجلست فوق الأريكة متربعة بأريحية وهي تطلب من الواقف أمامها مصدومًا «اجعد يا ولدي»
جلس هشام على الطرف الآخر من الأريكة يخفض رأسه بخجل ويواري عنها نظراته بتوتر، يشبّك أنام  كفيه ببعضهما في صمت منتظرًا قولها «جولت أجي أعزيك واطمن عليك»
رطّب حلقه الذي جف ورفع رأسه يسأل بنظرات مهتزة «أنا»
ابتسمت مؤكدة وهي تتأمل شحوب وجهه وذبول عينيه من شدة البكاء، لحيته التي نمت وارتعاشته الواضحة التي تنم عن ضعف جسدي ووهن استقر في عمق الروح، هزيمته التي تثقل كاهله فيتهدل كتفاه في بؤس، ربتت بكفها الحنون على كتفه قائلة «أيوة أنت، لولا الي حصل مكنتش هتستغرب كده، أنت واد الغالي ويعز عليا الفرقة بس الدنيا وحكمها الواعر»
صمت هشام يستمع بصبر قبل أن يحرر كلماته ويطلق سراح حروفه من سجون الصدر العطنة «كنت عايز أجيلك من بدري يا عمة»
أجابته بإبتسامة دافئة وكفها لا تترك كتفه تدعمه وتشد من أزره بحنو «كنت جيت»
أخبرها بحشرجة وهو ينظر لأنامل كفه «غلطت كتير فحجك ومكانش ليا عين حتى أجي أتأسفلك»
قالت بحكمة تمتص حزنه بطيب نفسها «المهم عرفت غلطك»
دمعت عيناه بتأثر وهو يهمس بإنكسار «حجك عليا يا عمة» تأثرت ورد بدموعه وهزيمته الساحقة همست وهي تواصل الربت على كتفه «مسامحة ودعتلك بالهداية»
همس وهو يطأطأ الرأس في خزي «جات متأخرة الهداية لما عمي راح»
أجابت بفطنة «حطك عالطريج وسابك، وأنت اختار، زي ما كل واحد فينا بيختار طريجه ويمشي فيه لأخره الحمدلله إنه دلك عالطريج»
مسح هشام عينه بكفه في صمت، ثم صارحها بما في نفسه «خايف يا عمتي»
همست ورد بمعرفة «ربنا هينور بصيرتك ويرشدك بس أنت طهر نفسك وخليك معاه»
تنهد هشام بقوة فشجعته ورد «جوم احلج دجنك دي  وروج  وخد مودة فطريجك وأنت رايح تصلي و خليني أشوف أمك عاملة عشا إيه  »
غمغم هشام ببلاهة صحبت انفعاله غير الواضح «إيه؟»
شجعته ورد مرة أخرى «صلي المغرب وتعالى متركنش عشان نتعشوا مع بعض والليل طويل نتحدتوا فيه»
أحاطت الدهشة ملامحه وهو يكرر خلفها «نتعشوا»
مازحته ورد تزعم الغضب والحدة وهي تمد كفها ليمسك به وينهض «جوم هتنح ليه ولا معايزش تعشيني»
تحركت للخارج قائلة بكبرياء «لاه أنا ليا هنا زي ما ليك وهجعد كمان كام يوم إن كان عاجبك»
تبعها يسأل بفرحة تقف على حدود الأمل «هتجعدي معانا صُح يا عمه؟»
حدجته ورد بنظرة منزعجة ببراءة «غصب عنك»
ضحك ببشاشة وفرحة غمرت قلبه،قبّل رأسها فجأة و ركض للأعلى ينفّذ طلباتها متخطيًا لها «هصلي وأرجع بسرعة »
بعد قليل سحبت هاتف مودة وانعزلت بعيدًا تهاتف حمزة وتخبره بأمر مبيتها الذي جاءه كصاعقة «تبيتي فين وتسبيني؟»
مصمصت مستغفرة وهي توبخه «أسيبك ليه هعملك الرضعة يا حمزة؟»
زفر بقنوط وهو يخبرها بلطف «متعودتش على كدِه وكمان فين؟ عند دول؟»
هتفت بحدة «اسمهم بيت خالك واتعود أمال أنا جوزتك ليه؟»
ابتسم يمازحها ببعض الضيق الذي لا يُفصح عنه «مجوزاني تخلصي مني»
قالت بتأكيد «أيوه»
قال بحزم ودون جدال «هاجي أخدك مفيش بيات»
هتفت بغضب من قوله«هتُحكم عليا؟ مرتك عندك احكم عليها براحتك»
ناقشها بإنزعاج شديد «إيه لزمته البيات»
هتفت بحزم ليُنهي النقاش ويستسلم «هو كدِه وهجعد يومين تلاته كمان وإياك تيجي»
انتفض من جلوسه يعترض على قولها «لاه خلاص هاجي عندك في الشارع ووريني هتطلعيلي ولا لاه»
زعقت فيه «هتلوي دراعي، تعالى يا حمزة وأنا هضربك على حج»
تأفف بضيق فأمرته  «شوف مرتك تروّح تبيت معاك»
قال بيأس وهو يعاود الجلوس مستسلمًا «خلاص براحتك وهي مش هترضى تيجي وتسيب عاليا»
لانت قليلًا وفاض حنانها وغمره «عايزه أجعد معاهم يا حمزة زي ما فهمتك، ولو سكن مجاتش خلاص روح جيبها غصب متحيلهاش، ومتسيبها بعيد عنك»
قال بطاعة «كنت هعمل كدِه بس محرج منهم وهي منشفة دماغها» تنهد وواصل «هبيت مع جدي في المندرة»
زفرت منزعجة تشدد على قولها «متشغلنيش عليك روح جيب مرتك أنا هكلمها»
هتف بغضب «هتحيليها عشان تيجي عنها ما جات»
مصمصت ورد وهي تحرّك شفتيها قائلة «جال عنها ما جات طيب يا حمزة أما أشوف تصبح على خير»
«وأنتِ بخير يا حبيبتي»
دخلت مودة المنزل، ارتدت معطفها وأخذت حقيبتها وهي تميل ناحية سكن أمرة «جومي روحي لجوزك»
قالت سكن بلا مبالاة «وأسيب عاليا»
زجرتها مودة بنظرة خاطفة مستاءة قبل أن تخبرها «عمتي بايته عند بيت عمي هتسيبي جوزك لوحده؟»
لوّحت سكن بلا مبالاة لا تعكس ما بداخلها «مش هيخاف يا مودة روحي أنتِ ومالكيش دعوة»
عضت مودة باطن شفتيها بغيظ وحنق من أفعال أختها الغريبة ومالت تهمس بخبث «مخيفاش عليه يجي عمك يجتله»
انتفضت سكن مرتعشة الجسد في فزع، فابتسمت مودة بظفر قبل أن تخطو مغادرة، أمسكت سكن بمرفقها توقفها مستفسرة «هو متجبضش عليه؟»
بنظرة مبتسمة في انتصار قالت مودة «لاه وأكيد متحلف لجوزك»
ابتلعت سكن ريقها وتراجعت خطوة تفرك جبهتها بخوف وقلق يقبض القلب، ربتت مودة على ذراعها ناصحة «روحي لجوزك عاليا أمي معاها ومريم وجدتي وكلهم، أنتِ محتجاله ومش هتطلعي من الي أنتِ فيه ده غير لما تروحيله وهو كمان فاستهدي بالله وروّحي»
قبلتها مودة على خديها ورحلت، ودّع زين حمزة وغادر وبقيّ عمار معه حتى حين وبعدها تركه معتذرًا لينام فلديه عمل في الصباح، ظل حمزة مكانه ينقر فوق هاتفه حتى رفع رأسه على صوتها «اتعشيت ولا لسه؟
»
منحها أروع ابتساماته وهو يُجيبها «اتعشى معاكي تاني إيه المشكلة»
تخطته للداخل قائلة وهي تضم جسدها بذراعيها «طيب يلا جوم البرد شد يا حمزة»
دخل وأغلق الباب فاتجهت هي للنوافذ أغلقتها جيدًا تحت نظراته وعادت إليه، لثم جبينها بقبلة دافئة ثم أحاطها بذراعه مقترحًا «حرم الشيف حمزة هتتعشى إيه؟
» ابتسمت بتردد وهي تنظر لعينيه مخترقة حصونه فتركها مُتجهًا للموقد يخبرها قولًا بما تخافه «مفيش عتاب، كفاية إنك جيتي أنا فاهم الي أنتِ فيه وبتعمليه بس متغبيش كتير مش هتحمل بعدك يا سكن وصدك »
اندفعت تعانقه بقوة شاكرةً إحساسه بها واحترامه وتقديره لحزنها وتوهة أفكارها «ربنا يخليك ليا يا حمزة»
أبعدها قائلًا وهو يخلصها من حجابها «روحي خدي حمام دافي وغيري الأسود ده متناميش بيه أكون جهزتلك العشا»
رحلت تنفذ أوامره، استرخت بحمام دافيء وأبدلت ملابسها ببجامة مخمل، أعدّ لها بعض الشطائر وصعد للأعلى، دخل حجرته وانتظرها حتى دخلت تجفف خصلاتها بالمنشفة، صعدت فوق الفراش وجاورته في صمت فضمها بين ذراعيه وناولها شطيرة هامسًا وهو يربت فوق رأسها «كُلي يا حبيبي»
تناولت نصف شطيرة وبعدها رفضت منكمشة على نفسها بداخل أحضانه، أبعد حمزة الشطائر وضمها وهو يدثرها جيدًا ويسألها برقة «مش هتتكلمي معايا؟مستنيكي بجالي كتير »
أغمضت عينيها وهمست وهي تأخذ لصدرها هواءً معبقًا برائحته «بكره يمكن أو بعده مش عارفه»
استمع لها بحنو ثم أخبرها وهو يلثم جبينها الندي «أنا عايز أحكيلك حاجات كتير» شجعته وهي تدفن وجهها بصدره «احكي لغاية ما أنام يا حمزة وحشني صوتك ولا أجولك غنيلي يا حمزة غنوة تشبهني » صمت مفكرًا وهو يربت على ظهرها برقة، ثم اقترح بإبتسامة مفيش غير غنوة واحدة تشبهك، شجعته بحماس «جولها يلا»
بصوت خافت رقيق غنى قائلًا «جابتك واتبسمت أمك وأنا على رأسي شلت همك هي الي عليها سمت أسمك وأنا الي عليا ابتلي بيكِ»
ضحكت لأول مرة بخفوت وعلى استحياء، قالت وهي تعاتبه «ماشي يا حموزتي أنا غلطانة»ثم سألته بإهتمام «هنسيب جدي لوحده؟
» احتوى قلقها وخوفها قائلًا «كل حاجه حاططها جمبه أكل وشرب وكل حاجة، الساقع والسخن وكل ساعتين هنزل اطمن عليه»
ابتسمت بإرتياح ورضا قبل أن تغوص في نوم هانيء وبسلام بعدما افتقدت وجودها بأحضانه فعاقبها النوم على الحرمان وأدبها الجسد على الفراق ولم يخضع لسلطان النوم.
*********
نهض زين من نومه بقلق تعوّد عليه، ألقى نظرة حنونة على زوجته وتحرك ليخرج، لكنها فتحت عينيها واعتدلت تتشبث بذراعه السليمة متسألة«رايح فين يا حبيبي» نظر إليها بقوة غاص داخلها ولأول مرة تنطقها، بسلاسة وبساطة مُربكة، كأنها قالتها عشرات المرات حتى إعتادها لسانها
قال بملامح غامضة «أول مرة تقوليها»
ابتسمت هامسة تعده وتمنيه«ومش آخر مرة» سألته وهي تقترب منه وتضع رأسها على صدره فتُهدم الحواجز بينهما «منمتش ليه»
صمت قليلًا ثم صارحها يمنحها قطعة من وروحه، ويفتح لها ما أغلقه من نفسه «حاسس إن جناحاتي اتكسروا يا مودة، وإني عاجز، حبيت أنا عمك بكل ماضيه وكرهت موته، مهمنيش الي عمله زمان كلنا بنلغط ومفيش حد ملاك»
سألته وهي ترفع رأسها وتسأل «كد كده مأثر فيك موته»
أخبرها بحسرة تُغرق روحه «قوي بقالي عند خالك تارين»
سألته لتفهم أكثر «عمي قتل خالي زمان معملش حاجة ساهلة»
أجابها بتفهم «كلنا بنقتل كل يوم وكل ساعة والقتل مش رصاص ودم يا مودة، ممكن نقتل ومنحسش الي يموت بيرتاح لكن في ناس بتتقتل وهي عايشة»
قطبت مندهشة من تفسيره ورأيه فاستطرد بحزن يفتت النفس ويسحقها «حسان مات مع خالك ألف مرة، ببعده عن حبايبه وكره الناس ليه بقطعته في الدنيا والي فضل منه فتات، ربنا كان رحيم بيه روحه عافرت رجعت للحياة عشان  تغير وتصلح وتريح  وعشان يستاهل روحه تتحرر من العذاب والذنب ولما يموت تاني يرتاح»
تفاجئت مما قال وسمعت، من رقة التفسير وحنان النظرة من الرفق واللين وتقبُل الغير ولمس الأعذار، اعتدلت وحاوطت وجهه بكفيها هامسةً بحرارة وصدق «أنا بحبك »
بدت نظرته تائهة قليلًا يتقلب بين المشاعر، تقتحم روحه بصدقها ومشاعرها الرقيقة «وأنا بحبك يا مودة»
لثمته بجرأة غير معهودة «مش حابه أشوفك كدِه، اترحم عليه وشد حيلك وانزل شغلك وأنا واثقة هتلاجي خالي وهتاخد حجك منه»
سألها بتردد «مش هتزعلي عليه؟»
مررت أصابعها في خصلاته وهمست بإبتسامة «لاه وهحب إنك تجتله وترتاح منه، هستنى أشوف فعنيك النصر وأحس براحة بالك»
حرّك رأسه مندهشًا حائرًا، لا يعرف بماذا يجيبها اللحظة، تغمره بعاطفتها وتحيطه بمشاعر دافئة، تسكب من رقتها فوق شفتيه دون طلب بل بإدراك لما يحتاجه اللحظة فتفعله برضا.
بعد مرور مدة  كانت تلتصق به، تمسك بمجلد كبير وتفتحه بينهما وهي تقول «تعالى ننسى ونقرأ مع بعض، ندخل جوا التاريخ وبين فرسانه هتلاجي نفسك فحدوتة أنا متأكدة انك فارس منهم»
ضمها بقوة بذراعه السليمة قبلها على رأسها بإمتنان وحب وهو يهمس «عرفتي ليه كنت متمسك بيكِ»
سألته وهي تقبّل صدره «ليه؟»
أجابها بعاطفة تزهر بين الضلوع، هي مودة التي تملك من الرقة ما يأنس به القلب وتستظل به الروح «بتكمليني»
ابتسمت قدر إعجابها بكلمة قليلة الحروف ممتلئة بالمعاني، لثمت خده وهمست «بحبك»
ثم اتجهت بنظراتها للكتاب ممازحةً له «هتضيع الوجت ومش هنقرأ يخربيت خالي»
ضحك ضحكة قصيرة لكنها كفيلة لأن تُبهج القلب، شاركها المزاح وهو ينظر للكتاب «الله يحرق خالك فنار جهنم»
قالت ضاحكة « يتحرق فداك يا زينو ألف واحد زي خالي»
ضمها يأنس بقربها ليبدأ القراءة على مهل وبإستمتاع، يتناقشان ويخططان تحت السطور، تذكر اللحظة  حسان الذي أخبره يومًا أن يبحث عن شيء يربطهما، ويتفقان عليه، أن يفتش عن ما يجمعهما، نقطة إلتقاء واحدة بينهما يمكنهما بها البدء من جديد.
********
ثلاثة أيام يتحرك فيهم من المسجد للخلوة، زهد المنزل وعناد والدته، عافت نفسه صراعات ليس لها داعٍ حقيرة لا تساوي مَن فقد ولا اهتزاز كونه وانهيار عالمه بمعرفة هوية العم مصباح العتمة وصديق النفس، المعين والسند وباسط كفيه بالأمل نحو قلبه المغرم،نزع رداء الصدمة فتجلت له الحقيقة وذاق مرّ الفراق وسطوته على النفس فانزوى وحيدًا لا يعبأ بالحياة ولا مَن فيها.
يظل ليله ساهرًا يصلي ويدعو الله له ولنفسه أن تهدأ، يعاتب في الليل دموعه التي تنساب اشتياقًا للعم وحاجة لكلماته، بمن يلوذ ومن يسأل؟
عاليا حزينة بائسة تتوارى عنه في صمت ٍ وحسرة ووالدته عنيدة تؤدبه على تمنيه، تعاقبه أن القلب مال والروح حلُمت.
علا صوت أذان الفجر فلملم سجادته واتجه للمسجد في خطى ثابتة شارد الذهن نظراته حزينة فاقدة لبريقها المشع وللحياة المضيئة، سراج روحه انطفأ بموته فما عاد للحياة معنى ولا قيمة.
أقام الصلاة وصلى بزمرة من بينهم كان حمزة وعمار،وبجانبهم آخر جاء راكضًا ليلحق.
تلا الآيات في خشوع أرجف القلوب فأدمعت العيون أنهى الصلاة ودعى له بثبات وترحم عليه في محبة وطلب ممن خلفه أن يفعلون.
اصطدمت نظرات حمزة جواره بهشام، ارتبك لكنه تخطى وجوده بثبات، هتف هشام بنظرات كسيرة «ازيك يا دكتور»
صمت حمزة متحيرًا لكنه تذكر مكان وجوده فربت على كتف هشام مُجيبًا في سلام نفسي «ازيك يا هشام البقاء لله»
أجابه هشام دون أن يمنحه نظراته الحزينة «سبحان من له الدوام»
اقترب عمار منه وفعل كما فعل حمزة قدّم واجب العزاء ونهض، غادرا بصمت ولم يكن حمزة بحسبانه أن يوضع في موقف كهذا لكنها الظروف والحياة.
بقيّ هشام في ركنٍ قصي يقرأ القرآن في خشوع، عرفه سليم فتركه مكانه ونهض ليغلق باب المسجد مقررًا البقاء هنا؛ لتهدأ نفسه.
نام سليم منشرح صدر وفعل هشام مثله بعدما أنهى ورده اليومي ارتاح صدره، تذكر عمه فترحم عليه ودعى له بصدق ثم أغمض عينيه.
*******
في منامها رأت سكن نفسها جالسة أمام منزلهم مطرقة بحزن،رفعت رأسها على نداء بإسمها فتشت بعينيها حتى  رأت عمها بملابس بيضاء ووجه مشرق واقفًا وسط الحقول الممتدة يشير لها فنهضت مبتهجة القلب، ركضت تجاهه حتى وصلت إليه مبتسمة تسأله وهي تلتقط أنفاسها «أنت رجعت يا عم؟
»
ابتسم برضا وهو يخبرها دون أن يقترب منها «مين جال إني مشيت أنا حواليكي وزعلان منك يا سكن»
سألته بحزن «ليه يا عم؟»
قال معاتبًا بحنان أبوي «مش جولتلك متحزنيش ومتهمليش جوزك هي دي وصيتي ليكِ؟»
طأطأت رأسها وأجابته بندم امتزج بأسفها « صعبان عليا انك مشيت بدري ومخدتش من الدنيا حاجة غير الوجع»
همس لها بضحكة رائقة« كل الوجع راح وكأنه مكانش يا بتي، أنا مبسوط يا سكن ومرتاح وعايزك دايما فرحانه ومبسوطة أوعديني»
رفعت رأسها تمنحه الوعد في ابتسامتها فقال وهو يستدير ويرحل «يلا روحي لحمزة وهجيلك تاني»
استيقظت من نومها تنادي عليه «حسان»
نظرت حولها للحجرة فاستوعبت أنها تحلم، نظرت لجسدها وذراعيها مغمغمة بفرحة «جيت يا عم أنا حاسة بيك»
نظرت جوارها للمكان الفارغ، الخالي من زوجها فنهضت قافزة بعدما أبعدت عن جسدها الدثار، ركضت تبحث عنه فلم تجده، قررت تبديل ملابسها وصنع فطور له ثم تأخذه وتذهب إليه.
ابتهجت وتوهجت روحها من الذكرى البعيدة التي قررت اليوم أن تُحييها، صلت فرضها وارتدت عباءتها ثم جهزت الفطور وذهبت به للمزرعة من المؤكد أنه لم يتناوله وسيعود على موعد استيقاظها ليجهزه لها ويتناوله معها لذا قررت مفاجئته وإدخال السرور على قلبه اليوم بعدما أثقلت عليه بالفراق والبُعد، دعت لعمها ورحلت تطير بجناحي السعادة.
************
في المزرعة
«ازيك يا دكتور البهايم» رفع رأسه لا يصدق ما سمعته أذنيه، طالعها بنظرة مشككة قبل أن يبتسم ويتنهد مُجيبًا بغرام ذاب فيه «بت عمتي مرة واحدة»
اقتربت منه ومالت تحييه «ازيك يا دكتور حمزة» نزع قفازاته ورماها جانبًا واقترب قائلًا ببهجة خاصة «الحمدلله، ايه جابك؟»
عضت شفتيها وهي تمرر نظراتها على ملامحه التي تعشق ببطء وافتقاد قبل أن تهمس متذكرة ما مضى «جبتلك الفطور وجيت أشوف حوض الورد بتاعي خايفه يكون دبل من غيري»
وضع كفه موضع قلبه يهدئ من خفقاته هامسًا «اطمني زي ماهو، مستني تجيله»
ضحكت بخجل وهي تجلس فوق السور الأسمنتي قائلة بمرح  افتقده منها«واديني جيت متاخرتش»
جاورها هامسًا بوله «يارب دايما عند حسن ظن الجلب يا بت عمتي»
نظرت لما حولها وباركته بسعادة
«مبروك المزرعة عرفت جدي ادهالك»
نظر لعينيها بعمق قائلًا«ميهمنيش فيها غير بجرة واحدة» ابتسمت بحياء لوّن وجنتيها من نظراته وقالت «جبتلك الفطور»
نظر للحقائب شاكرًا «تسلمي»
نهضت واقفة تخطته للحجرة القريبة وجلست أمام الطاولة الصغيرة مقررة
«هاكل معاك ولا ليك ناس وناس»
نهض وتبعها يهمس«فينها الناس مشيفش غيرك »
جلس أمامها مُخرجًا الفطور من الحقائب وهو يعرض «ينفع اعزمك جريب يا بت عمتي»
تناولت شطيرة ومنحتها له قائلة بإبتسامة تنافس الشمس في ضيائها «ينفع» ثم مالت وهمست «عمتك بتحبك مش هتمانع بس فين؟
» ضم كفها المحتضن للشطيرة وقرّبه من فمه يقضم وهو يغوص بنظراته في زيتونيتيها هامسًا «في الحلم»
تذكرت رغبتها في معايشة وتحويل الحلم الذي جمعهما دون ميعاد لحقيقة فضحكت مُعلنة موافقتها «ماشي»
سألها وهو يتناول فطوره من بين أناملها الرشيقة «فاكرة الميعاد ياحلوة؟»
أجابت برقة وهي تتأمل ملامحه التي اشتاقتها «فكراه»
شدد عليها وهو يطبع قبلة ناعمة بباطن كفها بعدما أنهى الشطيرة «متتاخريش»
سألته وهي تعض شفتيها بخجل «لو اتأخرت هتمشي يا دكتور»
ابتسم مؤكدًا على حبه ورغبته «لاه هجيلك أنا يا حظي الحلو»
منحته شطيرة أخرى وهي تُعلن موافقتها بكل حماس «اتفجنا»
تملّك زين اليأس آتى بسعد واستدرجه ألف مرة عله يصل لمعلومة لكنه فشل، سعد أخبره بكل الأماكن التي يتردد عليها والده ويعرفها ولا مزيد يخبئه ، أخبره زين بمقتل أمه على يد والده صوّب لصدره سلاح الكلمات ولا فائدة ضربه وسلّط عليه عساكره والنتيجة واحدة هو لا يعرف أكثر مما قال، والده لم يثق سوى في نفسه، خائن فخاف الخيانة.
عاد زين مهمومًا اجتمع عليه ألم نفسه وعجزه وألم ذراعه المصابة، جلس جوار مودة صامتًا حزينًا يملأ الحزن نفسه وينضح من نظراته، ربتت على كتفه وواسته في رقة، بعثرت الأمل في نفسه وطمأنته، بثت فيه الثقة والشجاعة «هتلاجيه والله أنت شاطر وهتوصل يا حبيبي» النظرة الضائعة بعينيه تبخرت، حل محلها إعجاب ذائب  في بحور الهوى، ربت على خدها ممتنًا عاشقًا فتناولت كفه وقبلت راحته هامسةً بحفنة صدق «هتوصل متأكدة»
جذبها لأحضانه الدافئة ضمها متأوهًا من رقة مشاعرها والعطاء الذي يتدفق من بين جوانحها، ابتعدت عنه قائلة برفق «يلا هساعدك تغير هدومك عشان تتغدا»
وفعلت بهمة ونشاط، ساعدته وخرجت تُعدّ له الغداء، صفّت الأطباق فوق طاولة السفرة ونادته بنبرتها الهادئة «يلا يا زين»
خرج ومازال أمر رفعت يحيره ويشغله، لن يهدأ حتى يقبض عليه، لن يتمتع بهذا الحب الذي يتدفق حتى ترضى نفسه ويفي بوعده، جلست تخبره بهدوء عن زيارة ورد لوالدة سليم فابتهج أخيرًا ونطق مثنيًا على صنيعها «والله كتر خيرها يارب بس الست تكون سمعت»
أبدت إعجابها بعمتها وفخرها وهي تتحدث وتحكي له كما لو أنها تحكي عن أسطورة، أخذها الحماس وتدفق من نبرتها وهي تخبره بزيارتها لمنزل خالها وفرحة هشام التي لمستها وحاله الذي تبدل، أطعمته حتى نسي أن يمد كفه ويأكل، شغلته بالحكي له عن ما حدث وتهديدها لسكن.
.
توقف عن المضغ وهو يطلب منها أن تعيد تهديدها ففعلت بإقتضاب وذهول
فهتف شاكرًا «يخربيت خالك»
سألته عن سبب فرحته فأجاب قائلًا «وصلتيني للي هيجيب خالك على ملا وشه» قطبت مودة مستفهمة، فنهض قائلًا وقد شعر بالشبع «اغسلي إيدك وتعالي هحكيلك»
لملمت السفرة وغسلت كفيها ودخلت الحجرة لتجده جالسًا يخطط فوق ورقة بيضاء تركها ما إن رأها قادمة، وضعها جواره والتفت إليها وقد جلست ملتصقة به تسأل «لجيت الفكرة لازم تشكرني»
ابتسم مؤكدًا وهو يتأملها اللحظة بإشتهاء«هيحصل»
تنفس بعمق ثم سألها «لو مكنتش قابلتك كان هيحصل إيه»
ضحكت قائلة بمزاح «كنت هتفضل تشرب برتقال بالجزر» ابتسم مؤكدًا وهو يخبرها بسعادة متدفقة من بين خلجات نفسه وراحة غمرته «جولي الدعاء الله يخرب بيت خالك» عاتبته برقة امتزجت بخجلها المستمر «ما تحفظه بجى يا أخي»
وعدها بضحكة انتزعها من بين أفكاره مستمتعًا بقربها اللحظة «أوعدك بس أقبض على خالك الأول»
في اليوم التالي كان زين يعمل على خطته سريعًا اجتمع بمخبريه وأملى عليهم الكلمات التي سينشرونها بين الناس وعلى الأفواه أن تتناقلها بسرعة وإتقان ثم اجتمع بالرجال الأربع «هشام سليم وحمزة وعمار، وعلى هامش الحياة كان الجد يستمع بصمت وحزن كعادته منذ ما حدث، نالت من ذاكرته الأحداث السريعة المتواصلة ونال الغدر من جسده فلا يتحرك إلا بقدر ولا يتحدث إلا لضرورة غائبًا في ملكوته، لم يصب بالزهايمر قدر ما أصيب بخسة الولد وغدر المحبين، أفعال رفعت كانت سمًا بطيئًا تخلل أوردته وانتشر داخله، أحكم سيطرته فبات يهذي دون داعٍ ويزعق دون سبب، رحل عن دنياهم لدنيا أخرى بعيدة اللقاء على أرضها محرم  ومحظور.
.
رغم توتر النظرات واضطراب الأفئدة وتضارب المشاعر لكن الهدف واحد والنية واحدة لن يتركوا هذا الشيطان يعبث بمصائرهم ثانية ًولا أن يحيا في رغد بعد ما كان، قتلُه أصبح فرضًا وتمزيقه أصبح غاية يصبو إليها كل قلب ذاق على يديه الحزن ومرارة الفقد، اتفق الشباب وعدّلوا في الخطة حتى استقروا عليها وتفرقوا في الأنحاء؛ لينفّذوها.
أذاعوا أن حمزة اجتمع بأخواله وأقرباء والدته، تم الصلح من جديد دون شروط وأعلن حمزة أنه سيتكفل بما تسبب فيه عمه من خسائر سيمنحهم البهائم من مزرعة عمه تعويضًا عن التي احترقت وسيمنحهم منزله إمعانًا في إذلاله وتعويضًا عادلًا لهم عن مصائبهم، سيعطي لهم أرض عمه الزراعية دون مقابل هو لا يريدها ولا تهمه وليبدأوا عهدًا جديدًا.
.
انتشرت الأخبار بسرعة البرق، تناقلت الأفواه الكلمات في براعة وحملتها العقول الفارغة في إخلاص، قبضت الصدور على الوعود بين جنباتها في إندهاش وتعجبوا قائلين «وتلك الأيام نداولها بين الناس» ترحموا على حسان ولعنوا رفعت
تلك الأنباء وصلت له بحرفية وبمزيد من التشويق والبهارات، أضفت العقول عليها المزيد ليصبح الأمر مشوقًا وحديث يستحق أن يُذكر في جلساتهم ومحافلهم، فوصل إليه كوجبة سخنة حارة تُلهب الجوف، انتفض متوعدًا زئر كأسد ذبيح خانه ذئب وتحداه ثعلب ماكر، لكم الجدران وزعق بعجز، مزقهما في خياله ألف مرة وذبحهم دون رحمة، عض كفه وارتشف الخمر حتى ذهب عقله وسيطرت شياطين الظلام، في لحظة تهور وانتفاضة يأس العاجزين لفّ شاله حول رأسه وخبأ سلاحه وخرج يتربص بحمزة ليقتله فيشفى صدره ويشمت في والدته، وفي طريقة امتزج الواقع بالخيال تذكر لعنته بحبها ورغبته فيها، وكيف نالها حكيم وتمتع بها  وظل هو يتحسر لأعوام كاد يجن فيها ويفقد صوابه، تزوج الكثير من السيدات ولم يصل للرضى، هام واقترب من كل إمرأة جميلة ليكف عن الرغبة فيها لكنه لم يفعل عُذّب بها طوال العمر.
لا يعرف أحبها أم اشتهاها ربما لو نالها كان سيعرف، تحرك بين الحقول يصافح العتمة ويمزق الظلام بجسده، أخبروه أن الجميع عند منزل عزام الليلة يحتفلون بالنصر عليه وبحصولهم على كبده.
.
عض شفتيه ولعن، قرر أولًا الذهاب ناحية منزل حمزة والإختباء له، قد ينال فرصته ويبتسم له الحظ، دار حول المنزل بحرص وحذر، وجد نافذة المندرة مفتوحة فتسلقها وقفز للداخل لا يعرف هل هي مخاطرة أم مغامرة.
.
ربما يجدها بالدخل فيقتلها هي أولًا ويشفي غليل قلبه أو يقتل زوجته فيحسره عليها بقية العمر كما تحسر هو على ورد.
تحرك بين أركان المنزل المظلم حتى وجدها في الحجرة تجلس فوق الأريكة أمام النافذة، رأى وجهها على ضوء المصباح الخارجي، نزع شاله في استعداد ودخل ببطء وقبل أن يخطو للداخل  سمعها تقول «جيت من مصر عشان اللحظة دي يا أبو سعد»
قالت وهي تطالع السماء من النافذة «من يوم ما مات حبيبي وأنا مستنياها»
قال بضحكة سمجة وهو يتحرك ليتمدد فوق الفراش بأريحية وبرود «وأديني جيت»
قالت ورد بحزم وغصة تقف بصدرها «بينا حساب هيخلص الليلة»
ضحك ساخرًا «حساب إيه يا أم سبع الرجال»
قالت ورد بعذاب ودموعها تنهمر وكل لحظات الألم التي عاشتها تعود وتتجمع داخلها«جتلت حبيبي ويتمت ولدي وفرجت أخواتي»
قال ببرود ولا مبالاة وهو ينظر لجسدها متفحصًا على ضوء المصباح «واد عمك الي عمل»
تسلل حمزة من نافذة الصالة وفعل زين مثله وخلفهم عمار انتشروا حول الحجرة وترقبوا إشارة زين.
ترك رفعت الفراش واقترب منها يطالعها برغبة قديمة تتجدد كلما رأها ثم انحنى وهمس أمام وجهها «لو كنتِ وافجتي تطلجي وتسيبيه مكنتش عملت الي عملته»
أبعدت وجهها ممتعضة في نفور واضح وكراهية تملأ نفسها، جددت الهواء حولها بتحريكها لكفها تطرد رائحته العفنة وهي تقول بكبرياء وعشق ونظرة محتقرة له «عايزني أسيب سيد الرجالة وأتجوزك أنت َ؟
دا وجود اسمه وراء اسمه شرف، خلفتي لحته منه تكريم ليا، إيش تكون إنت»
قبض رفعت على فكها بحقارة وغيظ من كلماتها التي تزيد من حقده وكرهه لأخيه، دفعته عنها نافرة زاعقة «شيل يدك يا نجس» عاد إليها في سخط يخبرها والكراهية ينفثها كالسم «اهو مات بكيدي ومات حسان الي طلع وحام حواليكي عايز الرضا واتمنى طلة من وشك، وجريب ولدك»
رمقته بنظرة مستهزئة تبينها على ضوء مصباح عمود الإنارة وهي تقول متشفية «مسكين إنت يا أبو سعد جريت فالدنيا وخسرتها وكدبت الآخرة وخسرتها»
اقترب منها قائلًا بغل استوطن نفسه «أنتِ السبب»
وقبل أن يقترب من عنقها في رغبة متزايدة لقتلها والخلاص منها ومن تلك النظرة المستهينة به الساخرة منه كان زين يقتحم الحجرة وخلفه حمزة، أضاء حمزة الحجرة قائلًا «كل حاجة تكون في النور يا عمي احنا مش بتوع ضلمة»
تراجع رفعت مصعوقًا متفاجئًا بحضورهم، حانت لحظة الحساب لكنه لم ينتقم منهم لم يشفي صدره.. ابتلع غضبه وتقبّل خسارته مُحييًا مثنيًا على جسارتهم «يا اهلا بالرجالة»
اقترب حمزة من والدته ضمها وقبّل رأسها ثم طلب منها «اطلعي يا أمي»
قالت دامعة «سيبني اتشفى يا حمزة»
قبّل كفها واعدًا« هجبهولك تحت رجلك»
رحلت بعدما ألقت عليه نظرة متشفية شامتة فأغلق حمزة الباب بالمفتاح قائلًا وهو يرفع اكمامه في استعداد «جولتلي يا زين أبوك كان بالنسبالك إيه؟»
أجاب زين ونظراته تصوّب لأذرع رفعت «ايدي»
قال حمزة بمرارة وهو ينظر لعيني عمه التي تحملق بغرور لا يستوعب ولا يرضخ«عبد الحكيم كان عيني الي بشوف بيها»
سأله زين وهو يستعد لمعركة شرسة «تجرب برتقال بالجزر يا أبو سعد»
ضحك حمزة ساخرًا وهو يقترب من عمه الذي نقّل نظراته بينهما في زعر «خليها قهوة سادة على روحه»
نظر رفعت للنافذة يريد الهرب لكنها محاولة فاشلة، نظر لحمزة وللحظة رأي أخيه أمامه متجسدًا فارتجف وجف حلقه، ارتدت خطوة وهو يرى حسان خلفهما مبتسمًا، لم يكن خيالًا بل حقيقة يقف ويشاهد متشفيًا، فرك عينيه ليتأكد فأشار حمزة لزين برأسه في حماس وهمة عالية «يلا يا باشا»
انقض زين عليه بكل القهر والغضب قائلًا «استعنى على الشقى بالله»
كانت معركة شرسة ضارية، أفرغ فيها الرجلان شحنة غضبهما ويأسهما وحزنهما، تناوبا عليه بشراهة للانتقام وجوع لإسترداد الحق وشهوة للعدل، كلما تألم انتشى زين مترحمًا على الموتى، عانق حمزة اليأس في صلابة عمه وصافح الأمل في تأوهه وانسياب الدم من أجزاء جسده، تحركت أقدامه من الماضي للحاضر عبر الفجوة وتحرر فضربه بكل قوته، حتى جاءت اللحظة الحاسمة، نال من عينه اليمنى التي تجرأت ، سرق رؤيته وبصره الذي امتد لوالدته وأعان على قتل والده ، حينها صرخ بكل قوته المبعثرة،صرخة هزت جدران المنزل  فابتسم حمزة بإنتصار وانتشى بصرخته«سبتلك عين واحدة تشوف بيها الي جاي»ونال زين من ذراعه اليمنى غرس السكين في باطن كفه بانتقام وعذاب أثلج صدره ومازال يترحم على موتاهم.
.
همس زين وهو يضع قدمه فوق رأس رفعت «حق عاليا وأبوي وعمي والأستاذ»
وورد جالسه بالخارج تبكي كما لم تبكي من قبل، شريط حياتها يمر أمام عينيها فتجد في صراخ رفعت العدل وفي تأوهه الانتصار.
.
حتى انتهيا منه وسحبه حمزة للخارج ، ألقاه تحت أقدام والدته الباكية، يمكنها الآن أن تحزن على حبيبها وتنعيه، ترثيه وتشتكي الفقد والاشتياق ومن الليلة ستنصب صوانًا للعزاء وتتقبله مترحمة عليه.
#انتهى
الستون والاخير من هنا
قراءة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الستون 60 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

انتقل مباشرة إلى الفصل التالي من رواية ملاذ قلبي سكن الفصل التاسع والخمسون 59 كاملة بدون حذف.

رواية ملاذ قلبي سكن كاملة بجميع تفاصيلها

رواية ملاذ قلبي سكن كاملة تجربة قراءة منظمة وسهلة.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
⚖️ بلاغ حقوق النشر للرواية
🏁
🏆