رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثامن والخمسون 58 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
تم تحديث الفصل بتاريخ 4 مارس 2026
♡الثامن والخمسون ♡
هبط ليجلس مع والدته، يحتاج بعضًا من روحها ليطفو على سطح الحياة ويخرج من العمق الذي دفعه إليه صديقه دفعًا،لا يصدق حتى الآن الخيانة ولا أن تباغته الطعنة من أكثر المواضع أمانًا، صديقه طمع في زوجته أرادها لنفسه، تمناها وأشتهاها ولم تقف العشر سنوات بينه وبين شياطينه، لم تشفع ولم تمنعه ليفعل، كلما تصوره يتخيلها ويشتهيها يفور الغضب داخله وكلما أعاد على ذهنه الكلمات تقززت نفسه.
.
لِمَ يستكثرها عليه؟
لطمعًا وحقدًا في نفسه الخبيثة أم لأنه لا يستحقها حقًا، ثلاثة أيام يهيم على وجهه في الطرقات يفكر ويتألم، الخديعة خنجرًا يخترق القلب بلا رحمة أو عطف وإن نزعناه يبقى موضعه ملتهبًا شاهدًا على ما كان، يذكرنا ألمه ونزيفة بالعمر الذي بُعثرعلى طرقات الحقد، والسنون التي ضاعت في الوهم، بكى الحب الصادق الذي منحه دون حساب أو مقابل ورثى القلب الذي أنهكه في حب من لا يستحق.
ثلاث ليالٍ رفض فيها النوم يجلد ذاته في ندم وحرقه حتى يأس وقرر العودة لذراعيها وأمان قلب والدته.
جلس جوار ورد فرأت في عينيه نظرة وليدة، تفشى الألم فيها واخترق الروح والأعماق.
كأن مدينة روحه احترقت حتى أضحت رمادًا دفن فيها نفسه، فرحته بزوجته منقوصة يغطيها غبار الحسرة ويطفيء بريقها همًا ثقيلًا يجثم فوق صدره.
.
سألته «أنت كويس يا ضنايا؟
»
نظرتها اخترقت الحصون وهبطت للأعماق الفائرة، ابتسم أنكر وراوغ، صادقًا أم بائسًا يتصنع لا تعرف يحجب النفس عنها بإتقان وبراعة «مفيش حاجة أنا كويس»
حين يضرب السور بينهما تعلم أن الأمر جلل، شيء ما ينهش كبده فلا يُطلعها عليه، خبايا الأمور أطلعه عليها إبراهيم دون طلب بعدما رأى حالته وعز عليه وهنه وضياعه، قصّ عليه إخلاص سكن وعشقها وما فعلته والدته.
ربتت ورد على كتفه وهي تقول بينما تنظر لعينيه «مش كل حاجه تستحج الحزن والبكاء في حاجات تستحج الحمد والشكر، ومش كل وجع نهاية في وجع بداية»
لثم كفها وصمت بوجوم ، نظر لزوجته التي تطالعه الآن متحيرة في أمره، لأول مرة لا تفهمه ولا تستوعبه.
.
.
كان بين ذراعيها غريبًا لا تعرف من الفرحة أم هناك شيئًا بنفسه.
.
.
عاصرت في اللحظات الفائتة معه جنونه وغضبه وحزنه وحنانه الذي يتدفق ولا ينتهي بل يتجدد، كلما نظرت لعينيه أعطى دون مقابل ومنح دون حساب غمرها بالعشق، قبلاته مختلفة ولمساته مختلفة.
.
أقترب منها أول الأمر بغضب دون أن يجور، مندفعًا ليس كعادته ومتعجلًا كما لم يكن، بعدها صفت عينيه من كل شيء، اعتذر، واحتوى، أغدق عليها الحب والحنان
تحركت تجاه الطبخ وعادت نظراته هو لمستقرها بين رماد الخديعة، لم تقتنع ورد بما قال لكنها أثرت الصمت حتى تتكشف الحقائق.
عادت مدللته، تحمل بين كفيها قربان العفو، وعطاياها من التدليل والحب، هو ليس معها يسافر منها لعالم لا تعرفه وتعجز نفسها عن احتوائه، يغلق نوافذ عينيه عنها ويردها لجهلها به، لا تقرأه ولا تفهمه منحته كوب القهوة ونظرت لعينيه بعشق، تناولها مبتسمًا«جهوة أممم عايزة حاجة؟
»
تحركت ورد لتهاتف إبراهيم على راحتها، وتعرف السر الذي يخبئه.
قالت سكن بعاطفة «عايزة حمزة؟»
قطب مستفسرًا، يريد منها المعرفة، فقالت بتلقائية بمنتهى العفوية كما اعتادت «حساك تايه مني وأنا تايهه من نفسي»
ابتسم بمراوغة وهو يرتشف من الكوب،جادلها «مال نفسك؟»
أجابته وهي تجلس أمامه فوق وسادة عالية، تقول بنظرات عميقة «أنت نفسي، مش فاهمة فينك وغايب ليه وأنت جنبي»
شاكسها متهربًا «مش جولتي بتعرفيني من عنيا حصل إيه؟ اعرفي؟»
أمسكت بكفه وفردتها وهي تهمس ونظراتها مصوبة تجاهه«جافلهم وأنت عارف كِده، معيزنيش أعرف مالك»
مال قليلًا بعدما وضع كوب القهوة جواره «أغلى حاجه عندي بعد أمي أنتِ يا سكن»
ابتسمت وقالت بعشق «وأنت أغلى عندي من نفسي يا حمزة»
نظر لجمالها برهة بإعجاب قبل أن يمرر أصابعه على وجهها مُطالبًا «جميلة أنتِ يا سكن شكل وروح، وأنا عايز الي جوا وبره ليا لوحدي»
سألته ببعض الضيق «خوف مني ولا عليا ولا غيرة»
أزعجه السؤال فعاد بظهره يخبرها بضيق «فكري مش هغصب عليكي بس بتمنى يا سكن» فكرت قليلًا ثم همست «عمري ما شوفت نفسي جميلة ولا عرفت دِه غير فعنيك، أنا موافجة يا حمزة من غير تفكير الي يريحك يريحني وميفرجش معايا مبحبش برضو غير عينيك تشوفني، اخبيلك حته مني ليك لوحدك حاجه تفرحني متضايجنيش»
مال وضمها بقوته يريد طحنها وإذابتها داخله، ضغط بكل قوته وحبه وشغفه وهمس «ربنا يباركلي فيكِ يا سكن»
ابتعدت تطلب منه «حمزة عايزة أطلع للمطر عالسطح وافج عشان خاطري»
قال بحدة «هتعيي»
قالت تستميله بوداعة «بحبها»
كأنها تُحصي عمره وسنينه فتمنحه بعدد أيامها حبًا وهناء.
نادت عليه حين اشتد المطر «حمزة يلا»
اقترب منها فضحكت بإستمتاع وهي تقفز أمامه بفرحة، سحبه ليغادرا لكنها همست «احضني يا حمزة، اتخيلت كتير إن حبيبي يحضني تحت المطر ويبوسني»
وقف ثواني ينظر لعينيها الجميلة، اقترب وأحاط خصرها جذبها لأحضانه وضمها بقوة وهي تحاوط رقبته بذراعيها هامسةً في أذنه «مكانش فجلبي أي حب غير لأبويا لغاية ما جيت أنت ولجيت جلبي بيطرح حب ليك وللي حواليا، جذورك كانت فروحي يا حمزة مستنيه حبك يرويها ويكبرها عشان تطرح ليك ولغيرك» تأوه بشغف من كلماتها، همس وهو ينال مش شفتيها «الروح متعرفش غير جلبك سكن»
************
♡بمنزل سليم ♡
أجابها ونظراته تمر بمهارة على عناوين الكتب في المكتبة أمامه «برتب لخطبة الجمعة»
سألته مبتسمة برقة «عن إيه الخطبة يا شيخ؟»
سألها من جديد بإبتسامة رائعة «إيه رأيك؟ إجابة الدعاء ولا الرزق»
سألته من جديد بحياء «اشمعنا دول»
جلس خلف مكتبه قائلًا بصدق «عايز اتكلم عنك»
قطبت مستفسرة «أنا إيه دخلي؟»
تنهد هامسًا بعذوبة أسرت روحها «أنتِ دعوتي الي استجابت يا عاليا ورزقي في الدنيا» صمتت كلماته تتعمق داخلها، مصباحًا ينير العتمة ويهدي نفسها الحائرة، تثلج الصدرطال صمتها فهمست «عيزاك تراجعلي يا شيخ فايتني كتير»
سألها بجدية وبعض الغيرة «هتيجي الحلقة»
أجابت بمشاكسة «أبجى مرات الشيخ سليم وأجي الحلقة أسمعله زي غيري»
ابتسم قائلًا بإنشاء ورضا «لا مينفعش سليم وجلبه يجوا لغاية عندك» همست بسؤالًا يشبه الرجاء «مش هشوفك جريب؟»
فكّر قليلًا ثم أجابها بحنو «جريب هجيلك أنا وأبرار»
دخلت والدتها الحجرة فانفصلت عن عالمه الذي تحيا فيه معه، عادت للواقع المرير وعذابه وحيرة النفس، أحيانًا تشعر أن قلبها ملىء بالندوب تتحسسها بحذر ثم تتجاهلها وتطفو فوق السحاب مع كلماته وسحر لقياه.
«هكلمك تاني»
أنهت الاتصال فجلست نفيسة جوارها تسألها «سليم دِه يا عاليا؟»
هزت عاليا رأسها والدماء تنبثق من خديها وتشتعل بخجل جذاب أضفى على جمالها رونقًا، ربتت نفيسة فوق رأسه بسعادة خاصة نالتها حين حققت عاليا حُلمها واقترن اسمها بمن تهوى، كرهت أن تعاني فتاتها نفس المصير لكن الآن تبدلت المصائر.
«أمه وأخته شوفتيهم؟» قالت بضيق وحزن «لاه مجالش لأمه زعلانه من يوم ما أبوي طرده »
قالت نفيسة بلا مبالاة «مش مهم دلوك ييجوا، سليم شكله بيحبك يا بتي وأنا مطمنة يا عاليا لما تدخلي بيته أمه هتحبك»
ابتسمت عاليا بإمتنان بل أن تخبرها نفيسة «المهم انك نولتي الي اتمنتيه، بعده كل حاجه تيجي أو متجيش مش مهم، عذاب البُعد واعر يا عاليا والحلم العصي نار في الصدر مبتخمدش ولا تهدأ بتفضل تأكل في الروح لغاية ما تخلصها»
نظرت لعينيها الجميلة وقالت بأمومة «ربنا يهنيكِ ويرضيكِ يا بتي»
نهضت نفيسة من جلستها ووقفت تنظر لأغراض عاليا قائلة بحماس «عايزين نفرز العفش يا عاليا ونشوف إيه ناجصك ونجيبه»
وقفت عاليا وقد اشتعل حماسها «لسه بدري سليم متفجش»
قالت نفيسة بهدوء وفرحة تغمر القلب «عيزاكي جاهزة يا حبيبتي من كله،شوفي الناجص إيه وجبيه»
قالت بحماس وقد عادت لها روحها من توهتها في صحراء الوجع « هنزل أنا وسكن جنا»
قطبت نفيسة مستفسرة «بجت كويسة علطول؟»
أخبرتها عاليا بفرحة «أيوة وجالتلي أول خروجة ليكي وحمزة جالي هيجبلي كل الأطجم الحلل وحاجة المطبخ من أحسن الأنواع الي بيستخدمها وجلي أكتب وهو هيبعت ويجيبها مخصوص »
انشرحت نفيسة وابتسمت في رضا قائلة «كتر خيره فيه الخير»
هزت عاليا مؤكدة ثم اقتربت بهمة ونشاط تُحصي وتُعد الأشياء والأغراض، أرادت السؤال عن والدها لكنها صرفت تفكيرها بسرعة، فذكره يجلب الهم والغم ويعبث بسعادة الروح لذلك لم تُعد تفكر في أي شيء سوى السعادة المُقبلة عليها.
********
جن جنون رفعت هام على وجهه يبحث عن حسان الذي خدعه ونهب مقبرته،ترك كل شيء ودار يفتش بتوعد وغضب يحرق العالم، هاتف زين حسان بعد عدة محاولات فاشلة للاتصال وبحث مضني عنه، يخاف أن يجده رفعت ويريد الاطمئنان عليه ويعرف لما أفشل خطته، لكنه اختفى وكأن الأرض ابتلعته في جوفها ولم تُلقيه.
.
بمنزل خالة سما دفع رفعت الباب بقدمه فانتفضت سما مفزوعة مرتجفة الجسد والقلب، انزوت في أحد الأركان مرتعبة عينيها لا تبرح نظرات رفعت المتوعدة لها بشر عظيم «فين خالتك؟
» نطقها بغل وهو يتقدم منها متوعدًا بالويل والهلاك، انهارت أرضًا في تهالك مميت وهي تبكي متبرئة «والله ما أعرف بعد ما نمت طلعت ومرجعتش»
قبض على خصلاتها وجرها قائلًا «خالتك سرجتني»
حملقت فيه بذهول، تنكر قوله وتشفع لها فإن نجحت نجت «لاه معملتش كِده»
هزها ومازال يقبض على خصلاتها «عملتها هي وحسان ومش بعيد أنتِ وهشام واتفجتوا عليا يا بت المركوب»
بكت متوسلة بحرقة «لاه والله لاه»
جرها عنوة بغضب وهي تتوسله متشبثة بالأثاث تحاول الإفلات منه «تعالي معايا لما تطلع خالتك»
من بين نشيجها قالت بصدق «مش هفرج معاها سيبني الله يخليك» لكنه رفض وجرها قائلًا «لاه ليكي عوزة أكيد»
توسلته باكية حتى تقطعت أحبالها الصوتية وخارت قواها فصمتت تئن ألمًا وحسرة وهو يُلقي بها داخل سيارته كخرقة بالية تنتظرمصير مجهول.
*************
دخل سليم المنزل مترنمًا كعادته، أظهرت له الحياة اللون الذي يحب والطعم الذي يريد، حصل على ما تمنى وارتضت نفسه..
في الظلام عبر لحجرته بصمت، يبدو أن أبرار نامت الليلة.
.
وقف متصلبًا على نداء والدته، بددت النبرة أمان قلبه وهشت على راحته ففرقتها ، تتأرجح ما بين اللوم والحسرة، العتب والإنزعاج، استدار ببطء ابتسم بتصنع وهو يتقدم ليجلس جوارها، يشاكس متجاهلًا «لسه صاحية يا أم سليم»
رفع سليم كفه لزر الإضاءة فنهته بخشونه «متفتحهوش يا سليم»
عادت كفه لموضعها والإرتباك يطرد أي شعور بالطمأنينة، قالت بحشرجة «مستنياك من العشا كنت فين؟»
تلجلج متحيرًا بماذا يخبرها، فقالت مسرعة لو كذب عليها تنهار أكثر«كنت عند مرتك؟»
ابتلع ريقه وأجاب بهدوء ورزانة بعدما تنهد بإستسلام «أيوة يا أما كنت عندها»
قالت متأثرة بفعلته، تحكي له شعورها بإستفاضة وخيبتها فيه بجزع «لما جه جوز خالتك وحكالي على الكلام الداير بره ودخلتك وطلعت على بيت الأستاذ مصدجتش، جولت سليم ميخبيش عليا ميعملش حاجة من وراي ده سره معايا» قطرت الدموع من عينيها بهزيمة فمسحتها بسرعة حتى لا يشعر بها محتمية بالظلام وقالت بصلابة «جيتك مبسوط وروجانك وغيبتك بره أكدتلي كلام جوز خالتك»
جادلها بالحسنى والرفق «اتجوزتها…» صمت مفكرًا لن يحط من شأن حبيبته ويخبر والدته أن جدها من جاء إليه، لن يترك كلماته محل شك أو سببًا لتحطيمها، بالطبع ستسأل والدته عن سبب زواجهما في السر «اتجدمتلها ووافجوا واتجوزتها»
سألته بخيبة وطموح انهزم «ليه في الدرى؟ ليه حلال ربنا تعمله زي الحرامية؟»
صارحها بصلابة «عشان أبوها وأخوها»
سألته بغضب مكتوم حبيس تعقلها وصبرها عليه «آمال مين جوزهالك؟»
قال بثبات وقوة «أمها وجدها وواد عمها وكلهم»
نطقت بتهالك «وعشاني، داريت عشان مجفش فطريجك صُح»
صمت يفكر بإرتباك، لا يجد كلمات فقالت بإنكسار «رضيت عاليا على حسابي يا سليم اخترتها هي»
انتفض قائلًا برزانة وحكمة أهداها له الوجع «لاه يا أما رضيت جلبي، تكرهي ليا أرضي جلبي»
سألته بحسرة تستوطن الجوف وتلهب الحواس«تهمك أكتر من رضايا عليك»
قال بوجع نبض بين حروفه المكلومة «لاه رضاكي على رأسي، عمري ما خالفتك ولا رجعتلك كلمة، خدتيني وجبرتيني على توبة ومتكلمتش، أرضيني أنتِ يا أما ووافجي أنا رايدها وروحي فيها»
قالت بغضب «هتجبرني اتجبلها؟ كتبت عشان تحطني جدام الأمر الواجع»
صحح سليم بحنو وفطنة اكتسبها من معارك الحياة «لاه عايزك تختاريني أنا، تبصي لحالي ولجلبي المتشعلج بيها، تفكري فيا أنا وأني أول مرة أطلب حاجة»
قالت بحدة «كله عشانك؟ وأنا زعلت عشان كسرة خاطرك»
قال بلين ورفق «وخاطري اتجبر وعرف جلبي الفرح متزعليش ولا تعاتبيني ماليش سلطان على جلبي»
هتفت محتدة في غضب «وأبوها هيسكت لما يعرف هيسيبك؟ ولو جرتلك حاجة عاليا هتنفعني يا سليم»
طمأنها بحنان «مش هيعمل حاجة كلهم فصفي وعايزيني، وعاليا لما تشوفيها هتحبيها»
قالت بجفاء ومازالت تستنكر عليه ما فعل من خلف ظهرها «كفاية أنت بتحبها يا شيخ، لو أبوها عمل حاجة مش هسامحك ولا أسامحها والله يعوض فتعبي وعمري الي ضيعته عليك وخلتني أسمع من بره زي الغريبة»
هتف يحاول السيطرة على غضبه «ليه مش حاسه بي ولا عايزة تفهميني ليه مش عيزالي الفرح»
وقفت في الظلام تسأله بحسرة ملأت صوتها «وإيه تاني يا سليم»
صمت في عجز يخاف التهورالذي يذبح، فألقت بقرارها «مفيش كلام بينا تاني يا سلام اتجوزها وجيبها وزي ما روحت وحدك كمل وحدك»
رفع رأسه يطالعها في الظلام بصدمة وذهول، قبل أن تنسحب للحجرة مُغلقة على نفسها وتركته وحده للشتات والحيرة تمزقه.
*********"""*****
ظل زين خلفه يحاول الإتصال به حتى أجاب واتفقا على موعد ومكان للمقابلة
وضع حسان الصرة التي يمسك بها جواره وجلس يلتقط أنفاسه قبل أن ينظر لزين بحنو قائلًا «كيفك يا ولدي؟»
هتف زين وهو يمر على ملامحه المُجهدة بقلق«كنت فين يا عم وإيه الي حصل وليه خلفت اتفاقنا»
ابتسم حسان بخشونة وهو يخبره بما خرج عن سيطرته «مخلفتش بس هي أجدار يا ولدي ومكتوبة، فتدبير ربنا كل الخير اطمن»
هز زين رأسه بإقتناع تام لم يكن ليناقشه هو يعرفه ويقرأ الصدق في قوله لكنه، سأله بفضول «حصل إيه؟»
قصّ عليه حسان ما دار بينه وبين خالة سما تلك الليلة وعودتها له، وتجرده من إرادته ليلتها وشعوره بأنه مسيّر وسعيها هي لمصيرها «جدر يا ولدي ونهايات مكتوبة ملناش فيها حيلة ولا يد»
استرخى زين قليلًا بتفكير يحيطه الصمت وهو ينفخ بخيبة مستسلمًا «أووف»
فرك زين جبهته قلقًا من الخطر الذي أصبح يحيط بحسان وهياج رفعت، ثم قال في حيرة عظيمة «رفعت بيدور عليك فاكرك نهبت المقبرة وضحكت عليه»
هز حسان رأسه وهو يتناول الصرة من جواره ويضعها على ساقيه قائلًا بلا مبالاة «عارف»
فتحها حسان أمام نظرات زين المترقبة، ونظر لمحتوياتها برضا قائلًا «جاييبلك هدية ليك ولمودة»
ابتسامة محرومة من الراحة محاطة بالقلق كل ما جادت به ملامح زين تلك اللحظة وهو يراقب حسان، أخرج حسان قلادة مميزة ومنحها لزين قائلًا «اديها لمودة تحتفظ بيها»
قلّبها زين بين كفيه بإنبهار وهو يسأله«منين دي؟» قرأ حسان الشك في نظراته فسارع بالتوضيح «كنت شايلهم من زمان، أرضنا كلها خير يا ولدي»
ثم ناوله تمثالًا صغيرًا وبعض مخطوطات البردي قائلًا «دهِ ليك أنت»
تناولهم زين متأملًا بإعجاب شديد وانبهار ظلل نظراته وهو يبتلع ريقه ويخبره في شكر «حلوين قوي يا عم»
قال حسان ونظراته تلمع برضا «عارفك بتحب التاريخ إنت ومودة ومحدش هيعرف جيمتهم غيركم ويحافظ عليهم كدكم»
قال زين ببعثرة ومازال مسحورًا بما نال «مش عارف أقولك إيه هدية مقبولة يا عم»
ابتسم حسان بإرتياح قبل أن يرجوه بإرتجاف «عايز منك خدمة؟»
هتف زين ملبيًا «أأمرني»
صمت حسان حائرًا ثم قال بعاطفة «عايز أشوف سكن لآخر مرة ومش عارف هعملها كيف»
استوعب زين طلبه ثم قال بإبتسامة هادئة ترسو فوق شواطيء الاطمئنان «مشيلش هم هتشوفها يا عم»
ابتسم حسان ممتنًا له قبل أن ينهض عازمًا على الرحيل،ويخبره «فاضل آخر حاجة هدية من حسان الجديم ليك»
وقف زين متصلبًا نظراته تستفسر، فقال حسان بثقة «هخليك تمسك الرجالة بتوع رفعت الي ضربوا عليك نار »
هتف زين متلهفًا للمعرفة «عرفت مكانهم؟»
أكدّ حسان بظفر «أيوة بجالي كتير بدور عليهم عشانك» أخبره حسان بمكانهم وخط سيرهم الليلة وخروجهم مع سعد في عملية تهريب مواد مخدرة وبعض الأسلحة، شكره زين بحرارة وهو يعرض عليه «تعالى عندي يا عم لغاية ما رفعت يتمسك»
ربت حسان على كتفه شاكرًا، رافضًا في لين «لاه هعرف أدبر أموري متشلش هم»
ثم أوصاه ببعض الإرتباك «عايزك تحمي سليم منه»
قال زين بتأكيد«من غير ما تقول يا عم»
تحرك حسان راحلًا يذكر الله في خشوع وتضرع «تعالى أوصلك يا عم فطريقي»قالها زين بشجاعة ومروءة لكن حسان رفض متعللًا بأنه قريبًا من المكان الذي يختبيء فيه لكنه في الحقيقة أراد حمايته من بطش رفعت لو رأهما أحد، وخاف عليه من جنونه وثورته وفساده فاختار البقاء بيعدًا حتى لا يُصاب زين بأذى من أي نوع، عاد زين لسيارته يُخبيء هدايا حسان جيدًا ويرحل لزوجته.
بعد مرور ثلاثة أيام
رأته من فوق سطح المنزل يقف مع جارتهم الجديدة فتاة تسكن في منزل منفرد بالجوار، يبتسم برقة أغاظتها بينما تتأمله الفتاة بهيام وتراقبه باهتمام، نظراتها ترتفع لخصلاته بإعجاب ولهيئته بإنبهار، توعدته في غيظ شديد «ماشي يا دكتور البهايم»
تحركت ناحية ورد وجلست منشغلة تفكر في عقاب له على تلك الفعلة ووقوفه مع الفتاة وابتسامته التي يوزعها بسخاء، هتفت ورد بابتسامة حنون «بتدبري إيه يا بت صالح»
قالت من بين أسنانها بغيظ حارق «ولدك واجف مع البت الي سكنت جديد جارنا»
سألتها ورد وهي تلف أصابع المحشي بعناية وإتقان «وإيه يعني؟»
انتفضت صارخة بحنق «لا مفيش مشكلة خالص، يجف ويضحك وينبسط»
هتف حمزة الذي وصل للتو مشاكسًا لها «معليا صوتك على أمي ليه يا بت عمتي؟»
وقف أمامها يتوعدها بنظراته فوضّحت بإرتباك «معلتوش بتكلم عادي»
سخر حمزة بفظاظة وهو يمسك بأذنها دون قوة تؤلم«كده عادي أمال لو مش عادي يا سكن»
تأوهت بألم كاذب قبل أن تسأل ورد برجاء مُدعية البراءة «أنا عليته يا عمتي»
اختارت ورد مؤازرتها وصفها قائلة «لا معلتهوش يا جلب عمتك»
قال حمزة بتأكيد راغبًا في مشاكستها «لاه علتيه وأنا الي أجول»
هتفت معتذرة وهي تتملص منه «خلاص آسفة مش هكررها»
تركها حمزة مبتسمًا برضا لا يرى المكر بنظراتها ولا التوعد الذي تضمره داخلها «جدعة اجعدي ساعدي أمي ومتتنططيش، من هنا ورايح مش هاكل غير من يدك »
صرخ فيها من بين أسنانه «كدابة أنا عارفك»كتمت ضحكتها وقالت «ظالمني والله»
ركضت للأسفل حين رأت جمر الغضب المشتغل بنظراته كلما تأمل هيئته، وتشمم ملابسه، هبط خلفها يهددها «مش هعديها يا سكن»
استفزته أكثر وهي تهبط الدرج لاهثة تضحك بإستمتاع «احمد ربنا انها مية سلج ودافيه مش حاجة تانية»
دخلت الحجرة وأغلقت خلفها مستندة بظهرها للباب وهي تهتف بتشفي «خد دوش وانجع نفسك فديتول يا حمزة»
ركل الباب بغضب من سخريتها وهو يقول «ماشي يا سكن»
ارتمت بجسدها فوق التخت متجاهلة توعده، ساخرة من انفعاله «روح احشي مع أمك وجهزلنا العشاء»
طلب منها بعدما هدأ غضبه ولانت نبرته «عايز هدوم»
وقفت أمام الخزانة تختار له الأسوأ ثم فتحت الباب ودفعتهم له، مد قدمه للباب يمنع إغلاقه ثم دفع الباب في قوة، دخل وتقهقرت هي في خوف من نظراته، قال بهدوء وهو يغلق الباب بالمفتاح «وحياة أمك هتغسليهم على إيدك»
تخصرت مستهينة بقوله «إيه يجبرني؟ » اقترب منها منقضًا عليها، يخبرها بظفر وهو يشل حركتها بذراعيه،يقيدهما خلف ظهرها «هيحصل بمزاجك صدجيني» ابتلعت ريقها وقالت متحدية في عناد «بتحلم»
ابتسم وهويميل يلثم عنقها هامسًا «حلمت بيكي واتحجج» قبّل شفتيها برقة مُردفًا «وبوستك واتحجج»
كادت تفقد صوابها من رقته وعذوبة لمساته على بشرتها، شفتاه تجوبانها بإتقان وخبرة، همست وتأثيره يتغلغل داخلها «البت كانت بتجولك إيه؟»
أجابها مبتسمًا وهو يترك ذراعيها ويضمها لصدره «ولا حاجة حاجات فارغة»
رفعت نظراتها لعينيه وقالت بغيرة «كانت بتاكلك بعنيها»
ابتسم هامسًا وهو يلثم جانب ثغرها «مشوفتهاش ولا خدت بالي »
قالت بعتاب امتزج بغيظها منه «كنت مبتسم وأنت ابتسامتك حلوة»
قال بصرامة وهو يصهرها بين ذراعيه دون مقاومة أو رفض منها «هتغسلي الهدوم على يدك يا سكن»
طوقت عنقه وضحكت هامسة وهي تبادله قبلاته «هغسلهم»
بعد مرور مدة سقط حمزة في النوم بينما ظلت هي مستيقظة تفكر وتخطط لا يشفي غليلها ما فعلت مازالت الغيرة عليه تحرق جوفها وتعذبها،أخبرها أن الجارة الجديدة طلبت مساعدته فوافق على أن يذهب لها غدًا، لا تنسى نظرات الفتاة تركت الفراش واتجهت لطاولة الزينة فتحت أحد الأدراج وسحبت ماكينة حلاقة الشعر خاصته تأكدت من شحنها واتجهت ناحيته في رضا تام لما تنوي فعله، غرست المكينة في منتصف فروة رأسه وبعدها على الجانب ثم أطفأتها،حين يستيقظ ويرى الخراب سيأتي بخصلاته كلها أرضًا هذا انتقام عادل حتى لا تنظر الجارة إليه ولا تهيم بهما سيبدو أقل وسامة وهذا يُريحها ، لكنه استيقظ وقبض على معصمها يسترد وعيه ويطرد النعاس، استوعب ما بيدها وانتفض يسأل «بتعملي إيه؟
»
ابتلعت ريقها وقالت تزعم الجدية «ولا حاجة»
ترك معصمها وانتفض واقفًا اتجه لمرآة الزينة يتأمل رأسه بينما تركت هي الماكينة وفرّت هاربة.
.
.
رأى فعلتها فاغتاظ بشدة، توعدها بغضب، هبط يفتش عنها، أخبرته ورد وهي تتأمل خصلاته المقصوصة بعشوائية وبقايا الشعر على كتفيه «راحت عند أمها»
عاد للحجرة وهاتفها فأجابت فورًا تستمع له«أسبوع مشوفش وشك هنا»
استنكرت بغيظ «ولا يوم هبعده»
توعدها في انتقام «تعالي وشوفي يا سكن»
*****
في المساء جرّت والدتها خلفها جرًا،بعدما بكت لها تشكو في كدر بؤس منه، وأنه يسيء معاملتها ويظلمها والآن يطردها كأن ليس لها أحد ، حملقت فيها راضية بذهول وهي ترى خداعها ودموعها الزائفة وتمثيلها الرائع لكنها هدأتها وطمأنتها أنها ستقف له، عاملتها كالمجاذيب «كيف يعمل كدِه لاه أنا هروحله»لكن الجميلة هتفت « جوليله يرجعني من غير ما تزعليه»
مصمصت راضية بصمت وخرجت معها لمنزلها،لا تعرف ما يحدث بين العاشقين رمت السلام ودخلت وقفت فاحتمت بها سكن ووقفت خلف ظهرها تراقبه،سألته راضية بحنو «طاير ورا سكينه يا حمزة؟
»لكزتها معترضة بضجر «جوليله سكن» ابتسمت راضية وصححت «عملت إيه سكن زعلك منيها؟
»
أجابها بهدوء وهو يتفادى نظرات زوجته«أيوة ومش عايز أشوفها أسبوع »
تعجبت راضية وهي تتقدم لتجلس جواره «واه ليه؟ ومن متى؟»
رمى لها نظرة حانقة وهو يقول «من النهاردة »
زجرتها راضية بنظراتها وهي تغمزها، تسأل عن سبب غضبه منها لهذا الحد «عملتي إيه يا ملكومة»
أدعت سكن البؤس والاضطهاد منه ورمته بباطل وهي تغيظه بنظراتها بعدما رأت رأسه الحليقة وارتاحت«ولا حاجة ده تلاجيه شايفله شوفه وبيتحجج»
ضمت راضية شفتيها مؤنبة فتاتها على ما تفوهت به من حماقات ، لكنها أشاحت بلا مبالاة ثم جلست تستعطف ورد هامسةً «جوليله يرجعني» همست ورد بشماتة «تستاهلي تحلجيله شعره» أجابت بضيق «عاجبني كده وعشان محدش يبصله»
همست ورد بفخر «أنا ولدي يتبصله بشعر ومن غير مأذتيش غير نفسك»
عقدت ساعديها بتأفف وهي تختلس منه النظرات وتكتم الضحكات فيزداد غضبه. سألته راضية «حلجت شعرك ليه في البرد يا ولدي؟»
أجاب وهو يتوعدها بشر «جلة عجل يا عمة زي جلة العجل الي خلتني اتجوزت »
فغرت سكن فمها ذاهلة مما نطقه،
ثم وجّه كلماته لسكن «يلا متجعديش هنا على بيت أبوكي»
أشارت سكن لوالدتها بغيظ تدّعي القهر وتشهدها على ما يقع عليها من ظلم «شايفه جولتلك»
تملصت راضية منها «ماليش دعوة أنتِ وهو أحرار مع بعض وإيه يعني تعالي نامي معايا وونسيني»
انتفضت واقفة بغضب تستنكر قولها «أيوة اتودوتوا واتفجتوا ماهو حبيب الجلب» التفتت لورد تستنجد بها «ورد جولي حاجة»
تبرأت منها ورد بابتسامة «ماليش دعوة كل واحد يتحمل عمايله»
دبدبت معترضة، ترفض الخضوع لأوامره «مش همشي»
ترك هاتفه وزعق فيها بحدة مصطنعة غير معهودة منه لها «على البيت يلا ومتطلعيش غير بأذني»
نفخت بسأم وغادرت كما طلب بينما ظلت راضية تكتم ضحكاتها بطرف طرحتها وهي تخبره «مش هتنام يا ولدي هتفضل الليل ماشية على رجليها»
اقترحت ورد بفطنة «خليها تنام معايا تحت» اعترض حتى لا يضعف أو تستغل هي وجودها في المنزل فتحاول التأثير عليه «لاه»
انقضت السهرة ورحلت راضية لتجد سكن في انتظارها، سألتها بضحكة «منمتيش»
غمغمت بقهر «ولا هنام فالليلة دي»
انكمشت راضية تحت الغطاء وتسطحت قائلة «لاه نامي ده لسه أسبوع» ثم سألتها «عملتي إيه خلتيه جلب عليكي»
كتمت ضحكتها وأجابتها متذكرة ما فعلته «كبيت عليه مية سلق الكرنب وحلقتله شعره» فغرت راضية فمها في ذهول من بساطة القول وجرم الفعل، لكنها قالت تؤازر حمزة في قراره «يبجى نامي لو أداكي شهر ما جليل عليكي»
عاتبها سكن مدعية البراءة «أنا بتك يا راضية» ربتت راضية على ظهرها مصمصمة بشفتيها «نامي يا بتي»
أولتها راضية ظهرها لتنام بينما ظلت هي ساهرة تفكر كيف ستخرج من هذا المأزق وتعود لمنزلها.
راسلته ترجوه، تستميله بأسلوب ملتوي «حمزة مشبعتش بُعد عاقبني من غير ما أبعد عن حضنك»
أجاب فورًا مكتشفًا خداعها «العبي غيرها»
«هتنام من غيري عادي؟»
«أحلى حاجة لا حد يتقلب ولا أصحى أغطي»
«بس أنا مش هعرف من غيرك يا حموزتي»
«اتعودي، أخيرًا هرتاح وأجعد مع أمي براحتي واتكلم»
«بتغيظني صح؟»
«روحي نامي مش رايجلك»
«اختار عقاب تاني»
«لاه هو ده لو لمحتك يا سكن ورحمة أبويا أخليهم عشرة أيام»
بعد مرور يومين قضتهما بمنزل والدتها دعى الجميع على وليمة شواء فوق سطح منزله..
حين اقترب من مودة لاختبار نضج اللحوم، مالت وهمست «دكتور مزعل سكن ليه؟)»
ابتسم حمزة بسخرية وسألها وهي يقلّب قطع الدجاج فوق الشواية «هي اشتكتلك كمان..فاضل عاليا»
همست ترجوه وهي تختلس النظرات من زوجها الجالس جوار سليم يتبادل معه الحديث «ابعتلها تتغدى معانا»
تشبث بقراره بتحدي مزعوم «لاه خليها، وأبجي اسأليها الأول عملت ايه»
كتمت مودة ضحكاتها هي أخبرتها بكل صراحة عن أفعالها، ناقشته مودة برحمة «جالت مكانتش تجصد بالغلط»
نظر إليها متأففًا يعاتبها «يا مودة دي متجصدش دي؟»
ضحكت مودة ترجوه بأمل «هتيجي تتغدى متكلمهاش» في قرارة نفسه يعلم أنه لن يتركها ولن يقسو سيرسل في طلبها لكنه ادّعى غير ذلك حتى تأتي هي من طرف مودة دون تنازل منه «تمام»
رمق زين زوجته بنظرة مُعنفة على وقوفها وهمساتها مع حمزة فابتعدت فورًا في تفهّم.
جاء عمار بصحبة زوجته وعاليا وسكن التي وقفت منكمشة تائهة لكنه ما أحب منها ذلك ولم يرضيه، هتف لها «سكن تعالي ساعديني»
اندفعت تجاهه مستبشرة، ساعدته بصمت، جهزت مودة أطباق السلطة والطحينة وسخنت عاليا الخبز، بينما مريم ملأت ووزعت أطباق المشويات..
همس عمار وهو يقف جوار حمزة «أنت طاير ورا سكن..؟» تأفف حمزة بإختناق وهو يسأله «حتى أنت؟ مين فاضل مراحتلوش» ابتسم عمار يرجوه ويتشفع لها عنده «رجعها عشان خاطري أنا»
نظر إليه حمزة مليًا بتفكير ثم ابتسم متفهمًا بمروءة«لجأتلك حاجة كويسة هرجعها عشان خاطرك وهجولها إنك إنت الي اقنعتني»
ابتسم عمار في امتنان حقيقي لتفهم حمزة ومساعدته له الدائمة في التخطي، وتصحيح المسار... مساندته التي لا يبخل به
غادر عمار فحمل حمزة آخر طبق وسحبها من كفها لتجاوره، لكنه تذكر جده وعمته فأعدّ لهما وجبة متكاملة ونهض قائلًا «هنزل للجماعة تحت» اهتزت الرؤوس بإستحسان، ناداها حينما شعر بعدم وجودها خلفه «سكن هاتي مخلل»
حملت طبقًا وركضت خلفه، عنفها بغيظ من حماقتها «أنا نزلت تنزلي جاعدة ليه؟»
صمتت ببلاهة ثواني قبل أن تتأمله باشتياق هامسة «وحشتني يا حمزة»
رفع حاجبه وأشار لها «جدامي بلاش رغي»
هبطت معه وضع الصينية فالتف الموجودين حولها شاكرين داعيين، دمعت عينا راضية وهي تدعو له بحرارة «يجعل بيتك عامر يا ولدي وحبايبك حواليك»
أغلقت ورد عينيها على صورته تستدعي زوجها داخلها وهي تهمس «ولدك هيلم الي اتبعتر يا حكيم»
رجته راضية وهي تلمح سكن منكمشة خلفه «جرب يا حمزة»
انحنى يستمع لهمسها «رجعها هتولع فينا وتداير عليك» كتم حمزة ابتسامته ولثم رأسها بصمت قبل أن ينسحب وهي خلفه
توقفت في منتصف الدرج «ماشية وراك زي الخدامين والله لأرجع»
استدار لها فانكمشت، شاكسها وهو يتأملها بإشتياق أفرج عنه «الخدامين حلوين كده؟»
نظراته لها كفيلة لتعرف أنها نالت الصفح والعفو، استدار قائلا «عمار كلمني ارجعي ونامي مع أمي»
قالت بذكاء وهي مازالت تقف مكانها «كداب أنت بتكبر عمار لكن مش هو السبب»
جز على أسنانه بغيظ وهو يستدير موبخًا «بجرة والله العظيم، بتجوليلي أنا كداب»
حاوطت عنقه والتصقت به في حميمية فسألها «وإيه السبب يا نبيهة»
أجابته وهي تلثم خده برقة «إني وحشتك وجلبك هو الي شفعلي عندك»
عانق شفتيها بلهفة واندفاع ، فأبعدته عنها معاتبةً وهي تنظر للأعلى «احنا عالسلم»
ابتعد عنها مؤنبًا لها «تعملي المصيبة وتجولي الناس»
سحبها من كفها خلفه فقالت «مش هنام مع ورد» ابتسم لها قائلا «مش هتنامي مع ورد» كان جمعًا رحيمًا ودودًا، تناقش فيه الرجال بحماس وضحكت فيه الفتيات بفرحة، كان يومًا رائعًا نسي كل واحد منهم همه وفتح قلبه للحياة بأمل
*""""""""
تلقى رفعت الخبرين بصدمة مُربكة، زواج عاليا والقبض على سعد وبعض رجاله، هربت أفكاره في أحراش النفس فزعة.
.
دار حول نفسه مزمجرًا لاعنًا حتى هدأ والتقط أنفاسه، فعلها زين ونال منه في سعد، تتبعه حتى قبض عليه وعلى رجاله، كان يعرف أن هذا الحقير جاء لعله، تقرّب مهم لسبب وصاهرهم لهدف، ظنه حماية له لكن بعدما تربص له في الكمين أدرك حجم ذكائه وغروره وأحقاد نفسه ، فضربه بدمٍ بارد حتى لا يكشف أمره ويتتبعه من جديد ويعرقل عمله ويقف له كغصه كما كان والده، صديق عبد الحكيم وبئر أسراره المعين له والسند، يعرف الكثير إلى جانب فطنته وذكائه، إصراره وعزيمته وتهديده له بعد موت أخيه أنه سيكشف قذارته ويودعه في السجن و لن يتركه يهنأ بما سلب من أرواح وكنوز.
.
.
وقتها لم يجد مفرًا من القضاء عليه حتى تخمد الثورة ويزيحه عن طريقه ويسرق باقي كنوز المقبرة التي كانت في عهدته
واليوم فعلها ولده لكن لا بأس سينتقم منهم جميعًا وبعدها يرحل.
ترك الشقة المستأجرة وغادر للمنزل، سيجمع أمواله وغنائم سنينه وبعدها يرحل بعيدًا سيختبيء سعد لن يصمد كثيرًا هو يعرفه ، وصل المنزل متخفيًا يعينه الظلام ويسانده الصمت، ركض للأعلى لحجرته، فتح الباب واندفع لخزنته الكبيرة فتحها ووضع الأموال في حقيبة.
استدار على صوت نفيسة البارد الحاد «على فين العزم»
حدجها بإستهانة وتحقير، بنفور قبل أن يستدير ويباشر عمله في صمت وسرعة وإتقان، أغلق الحقيبة واستدار لها يُجيبها بقرف «غاير من وشك يا بت المركوب»
اقتربت نفيسة منه، ضحكت بهستيريا ثم رفعت كفها وأطلقت زغروته خافتة، كمم فمها ونهرها «اكتمي بدل ما أجطع خبرك»
واجهته بحدة، بقهر عتقته السنون في قلبها «ياك هزعل لما تجولي همشي»
دفعها من كتفها في عنف وغلظة شدة، يلعنها في جبروت وتجبر «غوري يا فجرية يا وش الشوم»
سحب الحقيبة وتحرك، أنسته المفاجأة والإرتباك أن يسأل ففعلها «فين بتك؟»
قالت ببرود وتشفي «مجعداش»
ضيق عينيه وسألها بنبرة خطرة «جوزتي البت من وراي»
قالت بشماتة وحقد ترعرع فقطفت ثماره ولقمتها له «أمال أسبهالك تنهشها وتجبلنا العار»
أمسك بمرفقها ودفعها بغضب وهو يستفسر «جصدك إيه يا مره؟»
نفضت ذراعه بقرف استوطن النفس، ثم ضربته بكفيها على صدره بقوتها المتجمعة حتى ترنح وارتد للخلف «بتمد يدك عالبت يا ناجص، فاكرها واحدة من غوازيك يا عفش»
حملق فيها بذهول قبل أن يمسكها من فكها بقوة متسائلًا «بتجولي إيه يا مرة اتجنيتي؟»
بصرخة خرجت من عمق الروح وحنايا القلب الموجوع دفعته بعيدًا تحكي له عن حقارته وتكشف المستور «أنت الي الشُرب غيب عجلك لازم تنسى بس أنا هفكرك يا رفعت وهجولك.
.
مديت يدك على بتك يا نجس مكفكاش الواد الي ضاع لاه زودتنا عار وفضايح»
مازال على ذهوله لا يستوعب تراهاتها وهذيانها، لكن الحرقة والغضب بنبرتها أخبره بصدقها، سألها «فين البت يا واكلة ناسك»
دارت حوله وقالت بتشفي وهي تلملمه في نظرة محتقرة «عند حمزة ومش هترجع، هتطلع عروسة من هناك»
هدر بجنون وهو يضع كفه على وجهها ويدفعها بقوة«اتجنيتي يا مرة بتهرتلي عايزة تركبيني العار»
صرخت بجنون «لاه يا نجس»
ضربها بقبضته على رأسها في قوة «اتفجتوا علي، بعتّيها لحمزة تخفيها عنده ياك مجدرش أجتله وش المصايب وأجتلها؟»
استطرد وعنفه يشتد ويسحقها «موتيني بالحيا وحكّمتي حمزة في وشمتيه ودلوك بتتبلي علي»
هربت من قبضته، اتجهت للكومود وفتحت الدرج وهو خلفها يسحبها من خصلاتها، سحبت السكين وخبأتها، حينما استدارت أشهرتها في وجهه تقسم «أنا هموتك صُح مش بالحيا وأخلص الناس من شرك الي مبينتهيش»
مال فمه بإبتسامة ساخرة مستهينة قبل أن يقترب منها ويحاول نزع السكين من كفها لكنها تتمسك بها بكل الغل المحبوس داخلها له، تقبض عليها كطوق نجاة وسببًا لخلاصها، شتمها وضربها، لكنها عازمة على تمزيقه بها، خارت قواها ضعفت أمام قوته، ثنى ذراعها فانغرست السكين الحادة في صدرها تمزقه، شخصت نظراتها ورخت قبضتها، شهقت غير مصدقة قبل أن تقع أرضًا ينتفض جسدها وتشهق.
وقع مكانه لا يتحرك يراقبها بصمت ولهاث، لا يعرف كيف حدث ذلك.. مع آخر شهقة خرجت الروح لبارئها وأسلمت لقدرها.
ابتلع ريقه باضطراب وهو ينحني متحسسًا رقبتها بأنامله قبل أن يمسك بالحقيبة ويركض للأسفل في سرعة..
من بعده دخلت كريمة الحجرة، وجدت الجثة أمامها فصرخت بقوة ثم أخلت الحجرة وهبطت راكضة، هاتفت زين فورًا.. الذي نهض من نومه يقرأ اسم المتصلة ، أجابها بقلق «في إيه..؟»
قالت من بين لهاثها وأنينها المكتوم «رفعت قتل نفيسة مراته يا زين باشا»
انتفض زين من على الفِراش يردد بذهول «قتل نفيسة»
أجابته بالتأكيد فوجهها وهو يتجه لخزانته «خليكي لغاية ما أجي متتحركيش»
هرولت مودة ناحيته حين أنهى الاتصال، وقفت خلفه تسأل «نفيسة مين؟ ومين الي بيكلمك»
شرع في إرتداء ملابسه وهو يخبرها بآلية «مرت سعد؟ خالك قتل مراته يا مودة»
لطمت مودة لا تصدق ما تسمعه، تجاهلت معرفته بكريمة وانغمست في الكارثة التي حلّت فوق رؤوسهم.. ارتدى ملابسه بسرعة وهو يأمرها «البسي يا مودة روحي أقعدي مع أمك هناك أمان »
اتجه زين للكومود سحب سلاحه فسألته بخوف أرجف كل خلاياها «ليه؟ وأنت هتكون فين»
أجابها بحيرة لا يبثها شكوكه ومخاوفه «معرفش أكيد هيكون في شغل كتير ومعرفش هيحصل إيه؟»
تشبثت به، ضمته بكل ذرة حب امتلكتها له، توسلته «متبعدش عني متروحش، مش هتحمل يحصلك حاجة»
ربت على ظهرها بحنو وتفهم، وهو يلثم جبينها موضحًا «دا شغلي متخافيش خير»
رفضت تركه عانقته بشدة وهي تهمس بإحتياجها وعشقه الذي ملك كيانها وتغلغل أعماق روحها «أنا بحبك مش هتحمل يحصلك حاجه هموت» أطلقتها في لحظة صادقة وبخوف تجلى في نظراتها التي تضمه الآن، ابتسم رغم ما يعتريه من هموم «متخافيش كله هيعدي»
طمأنها بحنو وضمها برقة محتويًا حتى اقتنعت وأبدلت ملابسها، بعدها سحبها للأسفل.
.
طوال الطريق ممسكةً بكفه تطالعه بحب نفذ لأعماقه، تتأمله كأنه أروع ما حدث لها، أوصلها لمنزل حمزة الذي كان مستيقظًا فتح لهما الباب واستقبلهما بترحاب رغم الخوف والقلق، حكى له ماحدث بإقتضاب ورحل.
انكمشت مودة في حضن عمتها بينما انهار حمزة جالسًا يهتف بذهول «إنا لله وإنا إليه راجعون»
اشتد بكاء سكن وحيرة مودة،ليخرج صوتها أخيرًا من بين ركام الحزن «البجية فحياتك يا عاليا مرت خالي تعيشي أنتِ»
شخص بصرها وتصلب جسدها، تمثال نحت من وجع قبل أن تنتفض وتستفسر «أمي أنا يا بت يا سكن؟ أمي نفيسة؟ »
واصلت سكن البكاء بينما طأطأت مودة رأسها، انتفضت عاليا تركت الحجرة وركضت ترتدي خمارها وهما خلفها، سألت عمار فصمت وهزت راضية فرثت أمها، توسلت مريم فضمتها مُعزية، تاهت في دهاليز الوجع، نظراتها دارت في الوجوه ما استقرت تسأل، تستفسر «أمي؟
كيف؟
كانت زينة؟
»
تحركت تجاه الباب «هروح أشوفها» أمسكن بها الفتيات يمنعنها «اهدي يا عاليا الحكومة هناك مينفعش تروحي»
وقفت مستنكرة، تسأل وهي تحدق في الوجوه الكئيبة «حكومة ليه؟ »
ضمتها سكن، احتوت جسدها المرتجف بين ذراعيها بحنو «وحدي الله يا عاليا»
قالت وهي تدفع سكن بعيدًا «عايزة أشوف أمي كيف هتسيبني؟ كيف هتمشي ومشوفهاش؟»
أجهشوا في البكاء فقالت بهستيريا وهذيان «البت كريمة صُح»
صمتوا لا ينطقوا فاستطردت «حرامية تلاجيها هي الي عملت كده عشان تسرج دهب أمي »
توسلتهم بمآقي لا تُلقي بأوزارها، جفت ينابيعها «عايزة أشوفها»
أوضح عمار بحرج «الحكومة والتحليل الجنائي هناك يا عاليا وهيمنعوكي»
استفسرت بذهول «ليه كل دِه؟»
من خلفها وقف سليم على عتبات المنزل جاء لاهثا بعدما راسلته سكن تستنجد به، تعلم مدى حب عاليا له، ومقدرته على احتوائها، استدارت ركضت تجاهه تسأله «أمي وديني لأمي»
ضمها بين ذراعيه يهدئها «إنا لله وإنا إليه راجعون»
ابتعدت عنه تتأمله كأنها لا تعرفه، وقفت بينهم جميعًا ثم أطلقت صرخاتها تشق عنان السماء، صرخت بقوة المفاجآة وتيهها، زئرت روحها المطعونة بالفجيعة حتى انهارت واقعة بينهم.
***************
انقضت أيام العزاء وهي غائبة عن الوعي، لا تكاد تفيق حتى تنام مجددًا، يحاوطنها بإهتمام ورعاية، يدخل سليم فلا تمنحه سوى قطرات من الدموع وتشبث دافيء وبعدها تغيب في ملكوت خاص..
تركتها سكن مع سليم ورحلت للمنزل، بحثت عن زوجها حتى وجدته في الحجرة، ما إن وقع بصره عليها حتى فتح ذراعيه يعرف حاجتها، اندفعت لملاذها الآمن انكمشت في أحضانه بصمت، ضمها بقوة يريد دمجها به، يربت عليها بتفهم وحنو بالغ، يعرف أنها لن تتحمل وجع عاليا والخوف، ستأتي إليه هاربة من كل شيء تحتمي به.
.
.
لم يكن يجرؤ على اقتحام جلسات النسوة وطلبها وهاتفها مُلقى بإهمال هنا.
.
فظل صابرًا يطمئن عليها وينتظرها حتى جاءته، انكمش بها فوق الفِراش وكان أول ما جادت به «خبيني»
لثم جبينها بعاطفه وهو يربت على ظهرها«أنتِ فحضني»
صارحته بدموع وهي تمسك بكتفه«خايفة»
لثم باطن كفها برقة وهو يمنحها الطمأنينة «أنا جنبك يا حبيبي»
همست بشتات «عايزة أمشي من هنا يلا نرجع حاسة إني فكابوس»
ضمها بكل قوته وهو يهمس «تفوق عاليا والأمور ترتاح هنمشي»
أطلقت دموعها على صدره وهو يهدؤها بصبر وحنان حتى نامت فتمدد بها وسحب الغطاء على جسديهما، كلما تحرك قليلًا اشتدت قبضتها على ملابسه متوسلة بخفوت «متبعدش خليك جنبي»
فيربت على خصلاتها ويهمس لها «جنبك يا حبيبي اطمني ونامي»
أما مودة فعقلها ممزق مهترىء من شدة التفكير والفزع، تتنقل أفكارها ما بين زين الغائب ولا تراه إلا لمامًا وعاليا التي لا تتحسن، تهاتفه، أحيانًا يرد فتلومه وتصرخ في خوف ثم تبكي بحراره وتخبره أنها تفتقده وتخشى عليه، تتمزق من شدة التفكير والخوف، يهدئها وبعدها ينهي الاتصال ويعود لعمله.
**********
في اليوم التالي
في منزل سليم سألت والدته أبرار عنه في غم «أخوكي اتعشى يا أبرار»
تنهدت أبرار بقلة حيلة وهي تخبر والدته في مرارة ويأس «مرضاش جال ماليش نفس»
قالت والدته في ضجر تُخبيء به حزنها عليه وقلقها «هيفضل على الحال دِه كتير؟»
وضعت أبرار راحتها على صدرتها تستعطف والدتها «عشان خاطري يا أما كلميه، ادخليله وهياكل»
رمشت والدتها بإضطراب، مشفقة عليه، حزينة لأجله لكنها هتفت بكبرياء «لاه يا أبرار خليه يشوف النسب الي ناسبه والناس الي خد بتهم الواد مرمي في السجن والرجل جتل المره وهرب»
ناقشتها أبرار بضيق من قسوتها وعنادها «ذنب عاليا إيه يا أما؟ والنبي يا أما ما تجسي على سليم زيادة»
أشاحت والدته بضعف، عضت شفتيها تكتم عنها تأثرها وحزنها عليه، خرج من حجرته بعدما استمع لما قالته، وقف قليلًا ينظر إليها بعتاب رقيق وبعدها رحل، يستنكر عليها شماتتها وتشفيها فيما نالت زوجته من مصائب عظيمة وهموم، كل يوم يذهب إليها وينفرد بها ساعة وبعدها يعود في صمت وينعزل مجروحًا بخنجركبرياء والدته ، يتمنى لو تنصفه والدته وتتنازل لأجله، تذهب لعاليا وتدرّ عليها من عطفها وحنانها وهي في تلك الحالة، تنزع عنها البؤس الذي يشتد بلطف معاملتها واحتوائها في مصيبتها أن تكون لها أمًا في المحنة.
توسلت أبرار والدتها حين لمحت الدموع تترقرق في عينيها «تعالي يا أما نروح نعزيهم»
رفضت والدتها في حدة وارتباك «لاه عايزة تروحي أنتِ روحي أنا لاه؟»
توسلتها أبرار موضحة «روحي وكبري بسليم يا أما وفرحيه»
تلعثمت السيدة وزاد اضطرابها، فنهضت تعلن قرارها النهائي «لاه.. مش اعتبرني ميته خلاص يكمل وحده»
انتقلت لحجرتها، انعزلت فيها تبكي بقلب منفطر على وحيدها الذابل، لكنها لن تتنازل بعدما فعله.
تنهدت أبرار بضيق، نظراتها مسلطة على بابا الحجرة بأمل وهي تسمع نهنهات البكاء، تتمنى أن تتنازل والدتها وتعفو عن خطئه أن تحتويه ولا تتركه لكن كبرياء أمومتها يمنعها صدمتها فيما فعل تكبلها.
دخل عليها سليم اليوم، فكانت مختلفة صامتة عينيها تلومانه أم تعذرانه أو تشفقان عليه، لم يفهمها وربما تجاهل وطوى تلك النظرة مع أشياء في النفس، هي زوجته جزء منه، أمنية القلب وكنز العمر، تأوهت وهو يجاورها ويسحبها لتُلقي برأسها على صدره، يمتص حزنها وأفكارها بحنوه ورقته معها، أرادت أن تسأله عن والدته، عن أخته لكنها خافت من إجابه تهزم النفس وتفتت القلب، وهي تعرفه صادقًا لن يراوغ سيصارحها بما يرهقه ويحزنها، كلما تذكرت همسات النسوة في العزاء فتحت فمها في شجاعة تذوب وتتبخر، تطبق شفتيها وتعود للصمت واختزان أكبر قدر من أنفاسه ودفء ذراعيه
دارت الدوائر ولم يعد نسبهم يليق بالشيخ.
.
تُرى هل ندم؟
هل راجع نفسه وشعر بفداحة اندفاعه وجنونه ولهاثه خلف الحب، هل يلوم نفسه وتوبخه والدته، هل تعوفها لذلك لم تأت ولم تغفر، أغلقت عقلها وروحها واستمتعت بإنفرادها الآن بأحضانه،فربما في الغد يتغير كل شيء .
صمت مثلها في حرج، تمنى صمتها وكرهه، أراد سماع صوتها وخاف من السؤال.
أسبوع وهي على حالها حين يأتي يجذبها فتضع رأسها على صدره بصمت، يتحدث هو قليلًا لا يعرف أين ذهب علمه ورحلت حكمته، لماذا يعجز الآن عن تصبيرها وبث الإيمان بالقدر في نفسها، مكتوف الأيدي يلوذ بالصمت ويحتمي بالفرار.
يرى في نفسها الإنكسار ويقبض على رماد الحسرة في نظراتها، أشباحًا وأطياف راحلة من ألم في عينيها الجميلة التي تحولت بين عشية وضحاها من واحة جميلة لصحراء مقفهرة.
والدته لا تلين تتشبث في عناد ليتها تأتي معه تؤازرها وتأخذ بقلبه هو، تسانده..
الأسئلة تحاصره والنظرات تبحث وتفتش
يشعر بالحرج من مجيئه وحده ، الكون يطبق عليه وأدخنة الهم يستنشقها الجميع فتضيق الصدور ولا تنطق الألسنة، زين يحذره يطلب منه المحافظة على نفسه وعائلته.
.
.
لو سمعت والدته لثارت أكثر وربما تبرأت منه.
شعر بانتظام أنفاسها، الجميلة نامت هربًا وبقيّ هو يصارع أفكاره.
نادى بصوت خافت «فجاءته مودة مُلبية»
طلبت منه أن يتركها لها وفعل.. خرج فنادته ورد التي كانت تجلس في انتظاره «سليم تعالى يا ولدي»
أخفض بصره وتقدم منها في أدب «أأمريني يا أم حمزة»
طلبت منه أن يجلس تريد الحديث معه، خاف وارتجف.. قطب في قلق وهو يجلس
مررت أناملها على مسبحتها ثم سألته بهدوء «أمك فين يا ولدي؟»
احتار سليم بما يُجيبها، صمت مهمومًا يأكل الغم قلبه ويلوكه،ثم يسقطه بين أحشائه.. أجابت وسألت «هي لسه مش موافجة يا ولدي..؟»
رفع نظراته المهتزة فقابلتها نظرات ورد الحنون المراعية المبتسمة على الدوام، ابتسامة تبعث على الهدوء وراحة النفس
قال بأدب بعدما شجعته بلطفها لم يجد مفر،سيصارحها بما كان «جيت لعاليا بس أبوها رفضني وأمي من يومها هي مش متجبلة، لما جه أبو عامر يبلغني موافجته على طلبي مستنتش اسألها كتبت بدون علمها خفت منها ومن رفضها وعليها لإني مكنتش هتنازل عن عاليا، ولما عرفت زعلت مني ومبتكلمنيش وجالت طالما روحت من غيري كمل من غيري» لا يعرف لماذا أفصح وماذا في نظرات تلك المرأة جعله يحكي بهدوء، ربما هو الحاجة للإفصاح وسكب وجع النفس لتهدأ من فورة حزنها
ابتسمت ورد متفهمة، وصلها من سكن ما حدث والآن اكتملت الرؤية أمامها، رممته بهمسها المراعي وكرم أخلاقها «خير يا ولدي هي أمك وحبيبتك ربتك وتعبت عليك عز عليها الي عملته، هتزعل شوية بس لما تشوفك مبسوط ومرتاح هتفرح»
اعتذر سليم بأدب «أسف إنها مجاتش يا عمة»
احتوت ورد حرجه بكلماتها وتفهمها«مفيش حاجة يا ولدي متشيلش الهم خير يا ولدي خير اطمن»
هز سليم رأسها وبعدها استأذنها ونهض مغادرًا،بينما أطرقت ورد مفكرة بصمت عازمة على فعل شيئًا ما.
وقف زين أمام حسان قائلًا بقلق «أنت بخير يا عم؟»
أجابه حسان بابتسامة حنون «بخير يا ولدي»
سأله زين وهو يمسح وجهه في ألم «عرفت الي حصل..؟»
أجابه حسان في حزن عميق «عرفت»
قال زين بقلق «لازم تمشي من هنا لغاية ما أمسكه»
ابتسم حسان بخشونه قائلًا «متخافش عليا يا ولدي»
زفر زين بإرهاق وهو يوضح له «لا لازم أخاف رفعت دلوقت زي التور الهايج»
طمأنه حسان بحنان أبوي «خلي بالك أنت بس من الي معاك وهملني»
مدّ له زين يده ببعض الأوراق قائلًا «خد يا عم؟»
سأله حسان وهو يأخذها منه ويُقلبها بين يديه «إيه دِه يا ولدي؟»
ابتسم زين قائلًا مترقبًا رد فعله على ما سيقول «هدية مني تأشيرة عمرة»
اتسعت عينا حسان على الورق لا يصدق ما تفوه به زين، يلهث بإنفعال وهو يسأله «بتجول إيه؟»
ابتسم زين بإشفاق وهو يخبره بصبرٍ وحنو «روح عمرة ياعم وادعيلنا»
ارتبك حسان وكاد يرفض الهدية «بس يا ولدي دِه كتير»
أوضح زين «هاديتني كتير ودي أقل حاجة ممكن أهاديك بيها، روح يا عم وأبعد عن هنا»
قال والصدمة تشل تفكيره وتهز قلبه باللهفة لزيارة البيت الحرام «مجدرش أسيبكم غير لما اطمن عليكم»
أوضح زين بتفهم «اطمن، رفعت مش هيهرب كتير، روح وادعيلنا ومتحملش هم»
صمت حسان يحملق في الأوراق بقوة قبل أن يجهش في البكاء مصليًا على الرسول ذاكرًا الله، صمت زين متفهمًا مُقدرًا إحساسه وشعوره حين هدأ وصاه «بالله عليك يا عم ما تغامر دلوقت، وابعد عن رفعت»
صمت حسان دون إقتناع فكيف يبتعد ويتركه يمزق شملهم ويعكر صفو أيامهم، لن يهنأ حتى يتم القبض عليه، لن يرتاح حتى يتركهم وشأنهم.
ودعه حسان بصمت بعدما خرج من السيارة، فرحل زين ليأخذ زوجته ويعود بها للمنزل..
انتفض رفعت في مخبأه يلعنهم جميعًا في غرور وكبر ، يتوعدهم بشر وانتقام يليق بمصابه، أخبره أحد رجاله بما رأى ومقابلة حسان وزين، فأقسم أن ينال منهم..
خرج بعدما منح رجاله إشارة بإلقاء سما على الطريق الغربي، استكفى منها ونال ما يريده، سيلفظها من حياته ويرميها، أفرغ فيها رغبته ، مزق لحمها بتشفي وأنتقم من خالتها فيها.
.
حتى إذا ما عادت ترى ما وصلت إليه وتسببت فيه، وربما تكون طعمًا يصطادها به، حملوها في السيارة جثة هامدة بملابس ممزقة وجسد يرتجف بأنين خافت.
.
ألقاها في طريقه وانطلق برجلين هو ثالثهم.
.
والآخر تركه في الشقة، ما إن رحل حتى هاتف حسان يخبره بمجيء رفعت وما ينوي فعله، على الفور كان يلف شالة ويركض بين الحقول، حاول الاتصال بزين لكنه لم يفلح فاضطر أن يذهب بنفسه وينبهه لمجيئه حتى يكون في استعداده
بعد مرور نصف ساعة كان يقف تحت نخلة عالية يلتقط أنفاسه..
نهض زين الذي كان يجلس مع حمزة وعمار ، ركض زين تجاهه في رغب يستفسر وهو يسحب سلاحه «في إيه يا عم؟»
قال حسان من بين لهاثه العنيف «رفعت جايب الرجالة وجايلك على هنا يا ولدي»
التفت زين زاعقًا فيمن خلفه «حمزة سلاحك، عمار سلاحك»
نظرا عمار وحمزة لبعضهما، حمزة الذي شك في هوية الرجل لكنه لم يتأكد بعد،لكن حين ازاح الشال عن وجهه، قطب في غضب واستنكر مجيئه و قبل أن يتقدم ويشتبك معه كان تحذير زين بالمرصاد..
اندفع حمزة للمنزل يفتش عن سلاحه ورحل عمار لمنزله القريب، سألته ورد بقلق «في إيه يا ولدي»
أمرها حمزة وهو يضع الرصاصات «اجفلي الباب عليكم يا أمي»
حين سمعت سكن كلماته خرجت راكضة في رعب وزعر، سألته فلم يُجيبها.
.
اندفع وأغلق الباب منبهًا والدته «اجفلي زين يا أما» صرخت سكن بإسمه رافضة تركه فحذرها من الخروج بنظراته فارتدت للخلف مرتعبة.
.
حضر رفعت برجلين، اقتحم المكان قائلًا «متجمعين عند النبي خير وبركة عشان مدورش كتير »
وقف حمزة جوار زين يتوسطهم حسان الذي عرض عليه وهو يتقدم «أنت عايزني أنا هملهم هما»
قال رفعت ساخرًا «اجتلهم هما وأخدك أنت بينا حساب طويل»
سخر حسان منه في برود واستهانة «أي حساب دِه يا أبو سعد»
أجابه رفعت بحنق وهو ينقل نظراته بينهم في حذر «الجديم والجديد»
هدده زين وهو يشهر سلاحه في وجهه «يا تسلم نفسك يا تموت»
نظر رفعت للرجلين خلفه وقال محتميًا بهما «اضرب هيضربوا»
تقدم حمزة هاتفًا بنفاذ صبر «عايز إيه يا أبو سعد»
مال فمه باستهزاء وهو يخبره بأمنيته «عايز روحك زي أبوك أنا جاي يا جاتل يا مجتول النهاردة»
تهكم حمزة وهو يشمله بنظرة محتقرة «يبجى مجتول يا أبو سعد»
أطلق حمزة عيارًا ناريًا للأعلى يثبت به ما يقول، فضرب رفعت تحت قدم حمزة رصاصتين أثارت الفزع في القلوب.
تسلل عمار بسلاحة مستغلًا انشغالهم بالحديث، وقف خلف أحد الرجلين ولف ذراعه حول عنقه وجره للخلف وهو يصوّب فوهة سلاحه لصدغ الرجل مُهددًا «ارمي سلاحك»
فعل الرجل في استسلام فتشتت رفعت وزاغ بصره، من المباغتة، ثبت رجله الآخر بنظراته، فتقدم حسان منه قائلا «سيبهم وتعالى نصفي الحساب بعيد»
سحبه رفعت من الشال المحيط رقبته ثم أحاط عنقه قائلًا «هنصفيه هنا وبعيد»
اقترب زين لائمًا حسان على اندفاعه وتقديمه نفسه لرفعت ببساطة «يا عم»
ضحك رفعت بسماجة ساخرًا من موقف زين «خايف عليه..»
شتت رفعت زين بسخريته وحديثه بينما عقله يعمل بسرعة البرق ويحدد هدفه جيدًا، سينال من حمزة ويحتمي بحسان من رصاصات زين.
قبل أن يصوّب تجاه صدر حمزة، جاءت مودة راكضة فشتت انتباههم جميعًا، ضرب رفعت رصاصة فخابت وفي الثانية دفعه حسان وقد فهم ما يدور بعقله ووقف أمام حمزة يستقبلها هي وباقي الرصاصات...
ابتلع حمزة ريقه وتوقف مصدومًا يلتقط جسد حسان بين ذراعيه، انشغل زين مما جعل رفعت يصوّب إليه رصاصة أصابت ذراعه اليسرى نبهته له فهاجمه بقسوة، ركض رفعت بصحبة رجله بين الزروع وزين خلف بإستماته، لما ازداد الألم وقف ينازع وبعدها أطلق على ساق الرجل فسقط أرضًا يتألم وهرب رفعت.
ضمته مودة التي جاءت خلفه لاهثة،طمأنها«في الدراع متخافيش» قالها بمرارة وحسرة وخيبة احتلته من الشريان للشريان، سقط على ركبتيه يخشى أن يعود فيُصدم برحيل حسان.
تحررت سكن من سجنها الإجباري خرجت صارخة في فزع «عمي»
جلست أمام وجهه تبكي بغزارة وهي تتوسله «متمشيش يا حسان متموتش أبويا تاني»
أغمض حمزة عينيه والألم يتفجر داخله، بين ذراعيه وعلى فخذيه رأس الرجل الذي تمنى أن يمزقه يومًا ما.
ربت حسان بكفه على خدها مطمئنًا، بصمت وحنو،ثم طلب بألم «عايز أشوف بت عمي»
انطلق من خلفهم صوت ورد قويًا حادًا يُعلن الصفح والغفران «شيل خالك وهاته جوا يا حمزة لغاية ما تيجي الإسعاف»
جاءت الشرطة وسحبت الرجل من بين ذراعي عمار، الذي اندفع يساعد حمزة في حمل حسان، وعلى عتبة المنزل استوقفها حسان بصوت ممزق «خليني هنا»
رفع رأسه لحمزة قائلًا «سددت ديني يا ولدي سكن أمانة فرجبتك»
اقتربت ورد وانحنت عند وجهه مبتسمة فتأملها هامسًا «خالصين يا بت عمي زرعة العمر سليمة » ابتسمت وقالت «ارتاح يا أخوي»
أجابها وهو ينظر أمامه «خلاص هرتاح»
ثم نصحها ووصاها «لمي الي اتبعتر وجمعي الحبايب يا بت عمي»
أضاء وجهه فهمست ترجوه بدموع «سلملي عالحبايب يا واد عمي»
ابتسم قائلًا وهو يتأوه لا يعلم من الألم أم من شغفه بها وشوقه حين رأها أمامه مبتسمة «يوصل»
شد على كف حمزة ووصاه «خلي سكن تزورني يا حمزة متبعدهاش واغفرلي يا ولدي جهلي»
توجهت نظراته للأعلى وهمس بابتسامة «جاي مجدرش اتأخر أشهد أن لا إله إلا الله وأنا محمدًا رسول الله»
أغمض حمزة له عينيه، بينما صرخت سكن في عذاب وهي تضرب على صدره «جوم يا حسان جوم»
عادت ورد للداخل واجمة، وانهار زين على الأريكة.
.
حملوا حسان حين جاءت الإسعاف أخذوه وسكن تركض خلفهم تحاول منعهم «سيبوه محدش ياخده مني» سحبها حمزة وضمها بين ذراعيه بصمت بينما هي تفرد ذراعها تريد لها أن تطير وتمنعهم أن يأخذوه «أبوي يا حمزة مات يا حمزة هياخدوه مني تاني»
سحبها للداخل هدأها بينما جلس عمار على عتبة المنزل في حزن عميق ورثاء.
داخل عربة الإسعاف جلس زين وجاورته مودة، رفع زين الغطاء عن وجهه ونظر إليه نظرة أخيرة مودعة يلومه «ليه يا عم ليه؟»
ثم انحنى وقبّل جبهته مودعًا «مع السلامة يا عم»
بعدها بكى بكاءً عنيفًا اندهشت له مودة حتى وصلوا المشفى، مسح دموعه وصلب عوده وهو يترك السيارة في قوة كأنه ما انهار من دقيقة ولا بكى نصف ساعة محترقًا بالحزن.
******
التاسع والخمسون من هنا
قراءة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل التاسع والخمسون 59 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
تابع اللحظات الحاسمة في رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثامن والخمسون 58 كاملة بدون حذف بالفصل التالي.
استمتع بقراءة رواية ملاذ قلبي سكن كاملة
يمكنك قراءة رواية ملاذ قلبي سكن كاملة بدون حذف أو اختصار، جميع الفصول مرتبة وسهلة التصفح في صفحة واحدة.