“اسمع يا ولدي، أنا كنت فاكر إن البنت دي هي السبب، أو إن أهلها ليهم يد في اللي حصل لأسعد.
” قال الحاج منصور بصوت هادي، وعينيه مثبتة على سليم.
“بس بعد ما شفتها، البنت دي مكسـ,ـورة وضعيفة، وباين عليها الضياع.
شكلها لا ليها في الحقد ولا ليها في الغدر.
وبعدين… ابن أخوك لسه رضيع ومحتاج أمه.
”
سليم كان بيسمع لجده وهو بيحس إن الحبل بيضيق حواليه. هو الوحيد اللي عارف إن دي مش الأم الحقيقية.
“فكرت كتير يا سليم، وقررت.” الجد كمل كلامه، وعينيه بتلمع بقرار حاسم. “أنا عايزك تتجوزها.”
الكلمة نزلت على سليم كالصاعقة. “إيه؟!” قالها بصوت مش مصدق.
“زي ما سمعت يا سليم.
تتجوز كريمة.
“هي هتفضل في القصر، والطفل هيتربى هنا وسط عيلته.
ده واجبنا تجاه ابن أسعد.
وإنتَ هتكون الراعي والمسؤول عنهم.
ده أمان لعيلتنا، وأمان للولد الصغير ده.
مش عايز أي حد من بره يقرب منهم.
وإنتَ الراجل الوحيد في العيلة اللي يقدر يحميهم ويحافظ عليهم.
”
الحاج منصور كان بيتكلم بحزم، وكأن الموضوع مفروغ منه.
سليم كان في حيرة من أمره، دماغه كانت بتلف.
يتجوز بنت هو عارف إنها مش كريمة، وفي نفس الوقت متأكد إن وراها سر كبير.
إزاي هيقدر يتجوزها وهو عارف كل ده؟
وإزاي هيوافق على كدبة بالضخامة دي؟
الأسئلة كانت بتصـ,ـارعه، لكن كان عارف إن كلمة جده أمر، وما ينفعش يرفضها.
الخبر وصل لأحلام زي الصاعقة.
سمعت كلام الحريم في القصر، ونظراتهم ليها بعد ما الجد منصور أعلن قراره.
تتجوز سليم؟
ده كان آخر حاجة ممكن تتوقعها أو تقبلها.
إزاي؟
وهي مش كريمة، وكل اللي بتعمله ده كدبة كبيرة عشان تحمي ابن أختها.
الخوف اتملكها، وحست إن الأرض بتتشق وتبلعها. مفيش حل غير إنها تهرب. فضلت تفكر طول الليل، وتاني يوم الصبح بدأت تجهز شنطة صغيرة، وتحاول تسلل بالطفل عشان تخرج من القصر.
بس قبل ما توصل لباب القصر، سليم كان واقف قدامها، كأنه كان مستنيها. عينيه كانت حادة وبتخترقها، مفيش فيها أي أثر للتعاطف.
“رايحة فين يا أحلام؟” سليم سألها ببرود، وهو بيقول اسمها الحقيقي.
الكلمة نزلت على أحلام زي الرصاصة. جسمها اتجمد، والشنطة وقعت من إيديها. بصتله بصدمة وذعر، إزاي عرف؟
“أنا… أنا مش…” حاولت تتكلم لكن الكلمات خانتها.
سليم قرب منها خطوتين، صوته كان هامس بس فيه تهديد صريح: “أنا عارف كل حاجة يا أحلام.
عارف إنك مش كريمة، وعارف إنك أختها.
ودلوقتي… عارف إنك بتحاولي تهربي بالطفل.
بس صدقيني لو هربتي، عمري ما هسيبك، وهجيبك أنتِ والطفل.
ولو رفضتي الجواز، أنا اللي هاخد الطفل ده منك، ومش هتشوفيه تاني.
”
التهديد الأخير ده كان أقوى من أي حاجة.
أحلام اتصنعت في مكانها، الدموع بدأت تتجمع في عينيها.
الفكرة إنها ممكن تتجرد من الطفل اللي اعتبرته ابنها، كانت مرعبة.
هي اللي ربته، وهي اللي سهرت على تعبه، وهي اللي بتحبه من كل قلبها.
إزاي تقدر تسيبه؟
كل حاجة انهارت قدامها. خططها، كدبتها، محاولاتها للهـ,ـروب. كلها فشلت.
“موافقة.
” قالتها أحلام بصوت مبحوح، وهي بتبص لسليم بعيون مليانة خوف وقهر، مفيش قدامها أي اختيار تاني.
كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان ما تتحرمش من ابن أختها.
القرار اتنفذ بسرعة، خصوصًا بعد إصرار الحاج منصور.
سليم، بذكائه المعتاد، قدر يفسر لأهل القصر إن “كريمة” ده مجرد اسم دلع أو اسم أسعد كان بيحب يناديها بيه، لكن اسمها الحقيقي هو “أحلام”.
الكل اقتنع، أو على الأقل تظاهر بالاقتناع، ولم يعلق أحد.
وفي ليلة كتب الكتاب، اللي مرت بأجواء هادية ومختلفة عن أي عرس في العائلة، كان سليم وأحلام واقفين جنب بعض، وكل واحد في عالم تاني خالص.
أحلام كانت مكسورة وخايفة، بينما سليم كانت عيونه بتراقب كل تفصيلة فيها، عيونه اللي كانت بتحمل ألف سؤال.
بعد ما خلصت المراسم، والضيوف انسحبوا، اتقفل باب أوضة النوم عليهم للمرة الأولى. سليم بص لأحلام بجدية، مفيش فيها أي أثر لحفل الزفاف أو أي مشاعر ممكن تكون بين زوجين.
“اعترفي.” سليم قالها بهدوء، وصوته كان حاد زي نصل السـ,ـكينة.
أحلام رفعت رأسها بصدمة، عينيها كانت بتلمع بالخوف. “أعترف بإيه؟” حاولت تمثل عدم الفهم، لكنها كانت عارفة كويس اللي جاي.
“اعترفي بكل حاجة يا أحلام.
” سليم كرر، صوته كان بيرتفع تدريجيًا.
“اعترفي ليه خدتي مكان أختك؟
فين كريمة؟
وإيه الحقيقة الكاملة ورا مـ,ـوت أسعد؟
أنا عارف إنك مش كريمة، ودي بداية الكدب.
وعايز أعرف كل التفاصيل، من الألف للياء، ومن غير أي كذب.
أنا مستعد أسمع… وإنتي لازم تتكلمي.
”
أحلام كانت بتترعش، حست إنها محاصرة.
الكدبة اللي بنت عليها حياتها كلها في الفترة اللي فاتت، واللي عملت المستحيل عشان تحافظ عليها، اتهدت في لحظة.
أحلام حست إن السد اللي كانت بنياه حوالين نفسها انهار في لحظة.
دموعها نزلت بصمت، كأنها بتغسل كل الخوف والكدب اللي عاشت فيهم الفترة اللي فاتت.
بصت لسليم بعيون مكسورة، وبصوت مبحوح بدأت تحكي:
“كريمة… كريمة مشيت.
سابت ابنها عندي.
” كل كلمة كانت بتخرج بصعوبة، كأنها بتعيد عليها ألم الموقف.
“أسعد لما مات، هي اتصرفت بغرابة.
كانت بتقول إنها خايفة، وخايفة على ابنها، بس معرفتش ألحقها.
يوم وفـ,ـاته، اختفت.
وبعد كام يوم، لقيت رسالة منها.
بتقول إنها هتسافر بره البلد ، وبتطلب مني أخد بالي من ابنها.
قالتلي إني الوحيدة اللي تثق فيها، وإن الطفل ده ملوش ذنب في أي حاجة.
”
سليم كان بيسمعها بانتباه، ملامح وشه بتتغير بين الصدمة والغضب والشفقة. “سافرت مع مين ؟” سأل بصوت خافت.