📁 آحدث المقالات

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل السادس والخمسون 56 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل السادس والخمسون 56 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

تم تحديث الفصل بتاريخ 4 مارس 2026

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل السادس والخمسون 56 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
السادس والخمسون
تتبعته حتى وصلت إليه وسألته بإهتمام وهي تراقبه «زين دخلت ليه؟»
وضع الهاتف في جيبه مكتفيًا بإدعائه الإنشغال واقترب منها يهمس في نصر «كنت عايزك ومش عارف أكلمك بره»
اشتعلت وجنتيها بحرارة الخجل ولونه الوردي المحبب وهي تحمحم متسائلة «خير في حاجة»شملها بنظرة قصيرة وداخله يتمنى لو يفلح تلك المرة معها وتعري له مشاعرها دون قيود،لو تهدم الحاجز الذي تقيمه بينهما، احتجزها بين جسده العريض والحائط ومال يهمس محتويًا اضطرابها«أولا ليا مكافأة وثانيًا الهدية» ارتجفت من قربه المهلك لأعصابها، من رائحة عطره التي تخترق أنفها، من قلبها الذي يدق الآن بعنف ويشتت أفكارها، التقطت أنفاسها وهمست وهي تنظر لذراعه المحيط خصرها في وجل وارتباك «الهدية وفهمتها والمكافأة؟
»
نظر لعينيها بعمق، سبر أغوارها بلذة وهو يخبرها بإنجازه الصغير «عرفتي إن سليم مكتبش الكتاب وفركش الجوازة؟»
فتحت فمها بذهول لفظته في حروف مرتبكه وأنفاسه القريبة تصل لعمق روحها «بجد.. صمتت تتأمله مستكشفة قبل أن تهمس بغير تصديق «أنت عملت كده؟»
حرك رأسه مؤكدًا ومازالت نظراته الشقية عندها، تترقب حلواه الخاصة والتي يمني نفسه بها، سألته متحيرة في أمره «عملت كدِه عشان عاليا الي أبوها...
قاطعها بعدما فهم مقصدها، ابتسم وقال بجدية ورقّة غريبة عليه «وإيه ذنب عاليا فأبوها يا مودة؟ بسمع منك إنها كويسة ومستحقش تعيش فبيئة زي بيت خالك»
توسعت نظراتها على ملامحه تتأمله كأنها تراه للمرة الأولى، منبهرة كأنه همس لها بالعشق، انتظر بصبر حتى قاومت خجلها وهمست «بجد!
» بصيص من أمل تسلل لصدره وبدد وحشة الظن، ربما يحظى بهمس يتمناه أو اعتراف يمرّ على قلبه فيهوّن عليه مصاعب الحياة، تمنى داخله وابتهل أن تنطقها، وتطفئ لهيبه، ضيق عينيه وهمس مُحرجًا مما سيعترف به لكن لا بأس من تقديم العطايا ليحصل على ما يريد «لا وعشان سليم كويس وعايزها، وعشان عارفك هتكوني مبسوطة»
توردت بخجل شهي، عانقت الابتسامة ثغرها في شكر لإحساسه قبل أن يبتعد ويخرج من جيب سترته علبة مخمل حمراء، فتحها وأخرج منها سلسال ذهبي..
تأملته بإعجاب وجد صدى داخله وأشبع روحه العطشى لأي شيء يقربهما ويلتهم المسافات،تمنى الكثير منها اللحظة بشغف يتملكه تجاهها لكنها حريصة تعطي بقدر «شكرًا» تزعجه طريقتها معه، طال الانتظار وهي لا تشعر به ولا بحجم حبه ورغبته في الوصل.
عبست قائلة بإحباط«لو مكنتش جبت حرفك كنت هشك فيك وأشوفلك دكتور»
قهقه رغم الإنزعاج وهو يدخل السلسال العلبة ويمنحها لها قائلًا بصدق مس شغاف القلب والروح«عايز أكون قريب من قلبك»
همست بعتب رقيق «ولما تزهج تخنجني بيها صح؟»
ابتسم ساخرًا في هدوء لا يفضح ستر حسرته وإحباطه «إيه دماغ العصابات دي»
خبأت ضحكتها بأناملها فأبعدها يطلب «فين مكافأتي؟»
شحذت همتها وقالت بتجاهل قاتل بعدما لملمت لهفته كورقة وألقتها بعيدًا «أنا مطلبتش تعمل حاجة عشاني والموضوع عادي بالنسبالي»
سقط من علو، لوى فمه متهكمًا وهو يتوعدها بنظراته لكنها لا تبالي «بقا كده؟ ماشي»
تخطته وخرجت وهو خلفها، جلست أرضًا فجاورها بصمت وغيظ، مازالت متحفظة معه، تمنحه مشاعرها بحساب وجرعات مقننة، حتى ابتسامتها قدر الحاجة.
.
يريدها أن تحبه بإندفاع، أن تنسى كل شيء وتبادله الحب والقرب، أن تترك له نفسها وقلبها دون تفكير.
.
يريد عشقًا ناعمًا يشبهها يتوق إليه وإلى الإحساس به بعدما ملك حبها قلبه.
.
زفر بيأس تسلل إليه خلسة من نفسه فانتبهت وهمست «في حاجة مضيجاك؟
»
مازال الإحباط رفيقًا لأفكاره يأخذه لمتاهة من وجع،لا يريد البعد لكنه لم يعد يصبرهمس قبل أن ينهض «تعبان عايز أنام »
استأذنهم الرحيل متعللًا بالوقت، ألقى سلامًا ملبدًا بالضيق وغادر لسيارته، تبعته بصمت وهي تهمس له بحزن متعجبة من تقلّب مِزاجه «الوجت لسه بدري»
دخل سيارته متجاهلًا لا يرغب في النظر لعينيها الآن لا يحب أن يرى الاستهانة بمشاعره أكثر «عادي هنام»
تركت السلسال ورفعت الهاتف تراسله
-وصلت..؟
فرد ظهره فوق الفِراش مغمغض العينين سابحًا في أفكاره حتى وصله سؤالها
•آه بنام.
-زعلت من إيه؟
•مفيش عادي.
-نتكلم بصراحة شوية ممكن؟
•يكون أفضل.
-متضايج ليه؟
•حاسس إني مش عارف أوصل لقلبك بانيه حواليه ألف سور، كل مشاعرك معايا بحساب يا مودة.
-مش فاهمة إنت عايز إيه
كتب بغيظ شديد منها «أقسم بالله أنا نفسي أرنك حتة علقة يا مودة بس صبرك عليا»
شهقت متفاجئة من قسمه الغليظ ورغبته الجنونية فكتبت مستنكرة «تضربني»
كتب بتوعد خطير مفسرًا طلاسم ما يشعر به «قولي يارب، عشان مش هرتاح غير لما أعمل كدِه»
كتبت وهي تمزق الأنفاس المتسارعة بتنهيداتها«أنا غلطانة والله كنت سيبتك»
سخر بغيظ منها «طيب سيبيني يلا»
أنهى الإتصال ورمى الهاتف جواره ونام بينما عضت هي أناملها في غيظ وحنق من أفعاله.
♡*************"♡
بعد مرور ثلاثة أيام
انتفض زين واقفًا من مقعده حينما رأها تدخل عليه، لا يدري أنها هي التي تريد مقابلته لم تخبره بذلك ولا استأذنته قبل المجيء، تحرك تاركًا مقعده يستقبل مجيئها بترحاب امتزج بقلقه «مودة»
ابتسمت وهي تتقدم هامسة بخجل «ازيك يا حضرة الضابط؟»
سألها بعبوس يُشعرها بالحرج والإرتباك «في حاجة؟»
خبأت حرجها ووقفت مكانها تخبره، لا تتقدم خطوة في كبرياء «لازم يكون في حاجة علشان أجي أشوفك؟»
هتف بضيق وهو يخطو للأمام مُرحبًا بزيف «لا تيجي فأي وقت بس مستغرب»
سألته وهي تقف مكانها لاتنزع قدميها منتظرة قراره «يعني أمشي؟»
مسح وجهه بضيق وأجابها بجمود وهو يشير للمقعد «لا أكيد اتفضلي»
جلست أمامه فسألها بعملية وضيق احتل كيانه وعبث بمشاعره اللحظة «تشربي إيه؟»
حمحمت أمام قبضتها المضمومة وهي تخبره بما تفضله في خجل «برتقال بالجزر أكيد متوفر عندكم؟»
همس بجفاء وهو يعود لمقعده بصمت يقلّب في الأوراق أمامه ربما ترحل وتتركه لأفكاره المتشابكة«شكرًا»
قطبت في ضيق شديد من معاملته، وطريقته، شعرت بالندم من مجيئها فأغمضت عينيها تلوم ذاتها مما أثار سخريته وابتسم مدركًا أنها تلوم نفسها دون مبادرة للحديث وفهم ما يعانيه أو الاهتمام بسؤاله، رفع لها نظرات ثاقبة وسألها بنبرة انطلقت كالسهم لقلبها «عايزة تطلقي يا مودة؟
»
فتحت فمها في ذهول، رمشت عينيها على وجهه الذي لا يحمل أي تعبير اللحظة، شعرت بإهانة شديدة من سؤاله الذي يضعه حيذ التنفيذ فانتفضت واقفة تستأذن «عن إذنك شكلك تعبان»
تحرك بخفه، أصبح أمامها يكرر سؤاله فهتفت بغضب «أنت جاصد بجا؟ تختفي وبعدها تجول خلاص عشان هو بمزاجك»
هتف بهدوء «مش قاصد بس شايفك بتحاولي تتقبليني وتفشلي وأنا مش هغصب عليكي أكتر من كده»
استنكرت ما يقوله بملامح وجهها، هو يريد التخلي بعد تعلقها به؟
يتلاعب بها بسهولة يحاصرها وقت ما يحب، ويبعد إذا أراد، يطاردها ليحصل على موافقتها وبعدها يزهدها ويرميها.
.
.
رمشت تسيطر على دموعها لكنها عجزت عن التماسك فانفلت زمام الأمور وهي تنظر إليه بعتب رقيق فتت قلبه، حاول مسح دموعها فدفعت كفه بعيدًا بغضب «إبعد إيدك ورجة طلاجي توصلني»
تحركت فوقف خلف الباب مانعًا يهتف «ممكن تهدي ونتكلم»
قالت في عناد ودموعها تسترسل على خدها «مفيش كلام»
صارحها بما في نفسه «يا مودة أنا حاسس إني مش فارق معاكي، دايما حاطة حواجز بينا، وبتتعاملي بحساب دا أنتِ بتعاملي حمزة أحسن مني بتتكلمي معاه وتهذري وأنا لا»
قالت بتلعثم ومازلت تشعر بالبلاهة والتوهة من اعترافاته «بس جيت عشان أطمن عليك وأشوفك»
صارحها بحزن عميق وسخرية «قاعدة تأنبي نفسك أنك جيتي يا مودة»
رمشت تستوعب قراءته لها وفهمه لأفكارها، أخبرته بتلعثم «حسيتك مش عايزني»
جلس جوارها وأخبرها «أنا الي عايزك وأنتِ لا» ثارت في غضب من ظلمه لها «أنا مجولتش كده ولو عايز تطلج متتحججش»
سحبها من ذراعها بعنف وهو يهمس أمام وجهها المتغضن بألم من قبضته المعتصرة ذراعها «أنا مبتحججش ولا عايز أطلقك بس مش حاسس إنك عيزاني ولا بتحبيني وتعبت من إجبارك واللف حواليكي »
أزاحت قبضته عنها ونهضت فسحبها من جديد قائلًا «يا تطلعي متطلقة يا مودة يا تطلعي على البيت تجهزي نفسك ويكون فرحنا بعد بكره اختاري»
وضعها بين شقي رحى، جلست منهارة بهزيمة وأفكار متشعبة، صمتت تبتلع ريقها وهو صامت يمنحها كل المساحة لتتحدث وتنهي الأمر الآن.
اتكأ عاقد الساعدين يمنحها حرية التفكير بصمته وعزوفه عن الحديث .. حركت كفها داخل الحقيبة وأمسكت بهاتفها وراسلته بتخبط «مش عايزة اتطلق»
نهض على صوت هاتفه،عاد لمكتبه يفتش
فض رسالتها وهو يضغط الهاتف يكاد يحطمه من هذا الجنون، ابتلعت ريقها وكتبت «موافقة»
رمى الهاتف على المكتب وهتف بها وزعق فيها بغضب «ما تقولي الكلمتين دول، ولا في البيت هتراسليني يا مودة؟ المفروض لما أحب أقضي معاكي وقت حلو ولا أبوسك اكتبلك بقا؟»
نهضت قافزة في عجز وضيق من سخريته وجرأته التي جلبت المرارة لنفسها، اتجهت للباب راكضة، هاربة منه فتركها ترحل وجلس هو يحيط عجزه بقوته ربما يستسلم.
*****************
دخلت لأختها بصمت، ركنت جوارها بإنشغال فضحت أمره التنهيدة المضرمة بالحيرة، رغم الألم الساكن جسد سكن والذي عشق أرضها فضرب أطناب خيامه فيها اقتربت منها وربتت على كتفها في حنو متسائلة «مالك يا مودة زعلانة ليه؟
» نظرت إليها مودة بصمت الحائر ورهبة العاجز، فمررت إليها سكن السكينة في قطرات من عسل فوق ابتسامة صبوح تطرد الشياطين وتهمس للملائكة بالحضور، فهمست مودة بقلق «اتخانجت أنا وزين؟
»
شجعتها سكن بحنوها ورقتها على المواصلة بتفهم واحتواء «ليه خير أنتوا لحجتوا»
أفضت مودة بما حدث لأختها ببكاء سرقه لوم النفس وغاص به في قاع روحها، فهدأتها سكن بخبرة الأيام ومكنونات النفس من حكمة غائبة عن الأبصار، ثم همست لها برقتها المعهودة التي لم يغيرها الوجع «طيب يا مودة سيبك من الي حصل كلميني أنتِ عن جلبك»
زاغت نظرات مودة قبل أن تستقر فوق عين سكن التي تلمع بفطنة، ثم همست بحيرة «مش عارفه يا سكن»
ومن واقع خبرتها بأختها وطبيعتها همست ناصحةً لها بقلب روؤم «خدي وإدي الحب يا مودة، متجفليش على نفسك وجلبك مفيهاش حاجة لما تجوليله دِه جوزك، وزين بيعمل كل حاجة عشان ترضي متحسسهوش إنه ميستاهلش أنتِ كمان تغيري طبع فيكِ عشانه»
قالت مودة بحدة «بنحب الطرف التاني زي ما هو مبنغيروش»
أوضحت سكن بتنهيدة «لاه يا مودة لو الحبيب يستحج يبجا نتغير، وزين زي ما بتحبي بيعمل أعملي عشانه أنتِ كمان وحسسيه إنك عيزاه»
صمتت بابتسامة حنون مراعية وسألتها «من ساعة ما بعتله الرسالة جولتيله حاجه يا مودة؟»
قطبت مودة بتفكير قبل أن تستفسر «حاجة إيه؟»
همست سكن بخجل «رسايل بينكم، كلمة حلوة، مشاعرك ناحيته »
همست بحرج وخجل شديد «لاه بس مرة جولتله وحشتني»
فتحت سكن فمها ثم ضربتها موبخة بغيظ «مرة وجاية على نفسك ليه، أنا على كده فنظرك منحلة ومنحرفة بجا؟ ليل نهار ماشية ورا حمزة أجوله بحبك ووحشتني»
ابتسمت مودة بخجل وهي تخبرها بإحباط مكمنه النفس «أنتِ وحمزة غيرنا»
ذكرتها سكن بإبتسامة، بعدما ارتقت أفكارها لأعلي مراتب الرضا وسبرت أغوار العقول حتى ارتوت معرفتها وأزهرت فقطفت منها الثمار الناضج وقدمته لمودة «فاكرة كنا نجول نفسنا نعيش قصة زي ورد وخالي، بس عارفه لما جعدت مع عمي فهمت إن كل الحب حلو يا مودة وإننا نجدر نعملها عادي»
همست مودة بيأس «أنا وزين مختلفين»
قالت سكن بمعرفة تلقتها على يد الزمن «الحب هيجرب بينكم كتير، بس أنت اتكلمي معاه خليه محور الكون عندك ويحس بده،ميحسش أنه حد عادي عندك لو وحشك جوليله لو جه على بالك جوليله، لو بتحبيه جوليله متخبيش»
سألتها مودة بضياع «أعمل إيه دلوك»
تأففت سكن بإنزعاج قبل أن تدفعها بعيدًا في حنق «مع زين جلبك الي يتكلم مش عجلك يا مودة افهمي، اكتبيله الي حاسه بيه من غير خوف ولا حساب»
ضمت مودة أختها بقوة شاكرة لها نصائحها ثم اعتذرت بأسف مرغّ وجهها في تراب الندم «معلش اتلهيت ومسألتش عن عمي»
أدمعت عينا سكن متذكرة علتها وابتعادها عن زوجها، ونومها مبكرًا من شدة الألم، ثم طمأنتها «اتصالحوا وهنلاجي عمي»
تركتها مودة لزوجها الذي جاء ممسكًا بطبق فاكهة بعدما ترك جلسة راضية ووالدته ، جلس جوارها يسألها والنظرة تلتقي بالنظرة «حبيبي عامل إيه؟»
تنهدت وهي تمرر نظراتها عليه ببطء وهمست «وحشتني»
ابتسم ونظراته مثبتةً عليها بإشتياق ضاري يتملكه، لهيب روحه يزاد كلما ابتعدت، يحتاجها بين ذراعيها كما قلبه، ذاق القرب فكيف له بالابتعاد ومحاربة هوى النفس، الروح تتعطش للإلتحام والأنفاس تريد قُبلات أنفاسها لتهدأ، عادت نظراتها لثمرة البرتقال التي التقطها، وقشرها جيدًا وقسمها لشرائح، رفع شريحة وامتص منها البذور التي تزعجها وبعدها وضعها على شفتيها لتأكلها، وراضية تراقبهما فيزاد عجبها من هذا العشق الفريد، يذكرها بأخيها وحبه الشديد لورد، كان يراها قطعة من الجنة وهبتها له الحياة ليذوقها على الأرض وتغويه فيظل يسعى للجنة العليا ومذاقها الأكبر.
أنهى حمزة ثمرتين بهذا الحال، يمتص البذور بفمه ثم يضعها لها بحنان فتأكلها، هي لا تحب البذور، ولشدة كرهها لها تزهد نفسها عن تناول أي فاكهة بها بذور تزعجها، يشتري لها كل فاكهة ليس لها بذور وحينما لا يجد، يعمل هو على تنقيتها من البذور ووضعها بفهمه دون مجهود مبذول منها راغبًا في رضاها مهتمًا بها.
مصمصت راضية وهي تلتفت لورد التي تتحدث، دعت لهما كثيرًا حتى جف ريقها.
تثاءبت بتعب قبل أن تهمس بنظرة مشاغبة مستغلة الراحة التي تسربت لجسدها مع ذوبان حبات المسكن بمعدتها «خلينا نطلع عايزة أنام يا حمزة»
حملها بين ذراعيه وصعد بها للأعلى حيث حجرته وهو يوقن ما بعد النظرة، عطاء غير محدود وشغف لا ينتهي.
******
تمددت فوق فراشها لدقائق تفكر في كلمات سكن لها وتديرها بمعلقة المعرفة في طناجر العقل الممتلىء بالكثير، أمسكت بهاتفها واعتدلت طرقت باب النفس واستدعتها لمناقشة يستقر بها الرأي وتهدأ بها روحها الهائمة في فضاء الحيرة الواسع، وما أقسى مواجهة النفس برغبتها، هل تريده؟
هل تحبه؟
.
.
واجهتها بكل الأسئلة المحتملة والتي تفتش عن إجابتها حتى استقرت واهتدت للرشد.
.
.
رفعت هاتفها وكتبت متجردة من قوتها وأفكارها، تركع في محراب هواه تغمغم بتمائم العشق، لن تراسله تريد سماعه صوته، ثانية اثنان وثلاث تنتظره لكنه لا يجيبها، هدم الإحباط حصون الأمل وقلاعه لكنها واصلت بإصرار المحارب، حتى أجابها بنفس النبرة الحزينة المملوءة باللوم التي زينها ببعض السخرية المعتادة «اهلا بالهاربة؟
» تركت أنفاسها تتردد ثم همست «منك وإليك يا حضرة الضابط»
اعتدل مرتبكًا حين دغدغت نبرتها قلبه، وداعبت الأمل في صدره
سألته «لسه في الشغل؟»
أخبرها بلا مبالاة «أيوة مروحتش ومش ناوي؟»
اقترحت عليه برقة أذابت غضبه في بحور الهوى « تعالى اتعشى معانا ونسهر»
قال بجدية يكره الترقب ويمقت الانتظار،لا يحب المراوغة «أنتِ لغاية دلوقت مردتيش عليّ ومشيتي وسبتيني»
همست بخفوت «أنا آسفة كنت مرتبكة معرفتش أعمل إيه؟ لو كان الطلاج خياري يا زين مكنتش مشيت»
يفهمها ويعي ما تقوله لكن راوغ «يعني إيه؟»
التقطت أنفاسها وقالت بشجاعة«تعالى كلم عمار واتفج، مناسب ليا بعد بكره يا زين»
لماذا لا يشعر بالحماس والفرحة؟ هل كان يتوقع شيئًا آخر ولم يحصل عليه منها؟
أم أنه زهد الأمر كله؟ لم يتفاجيء برأيها بل يعرفه.
نطق بكسل «تمام»
سألتها برجاء خافت «مش هتيجي؟»
قال بصدق وتنهيدة ملبدة بالهم « هحاول»
أنهت الاتصال ولم تبح بما في خاطرها وما كانت تريد إسماعه له، أنّبت نفسها بضيق قبل أن تزفر وتغوص بين الأغطية.
**********
بمنزل رفعت
أضحى صدرها كهفًا مهجورًا مُظلمًا بالحسرة ، سكنته هوام الغدر وعقارب الخذلان التي تلدغ فينفذ سُمها للأعماق نسج عنكبوت الألم خيوطه حوله فبات مجهولًا لا ينبئ بساكنيه، متكورة فوق فراشها لا تكاد تفيق حتى تنام من جديد، أمس سرقت حبوب المهديء من حجرة مودة،تتناول كلما تألمت كلما خنقها التفكير، ولعبت برأسها الهواجس.
.
آثار اللمسات موجود لا تمحيها مياه ولا خربشات.
.
تغرس أظافرها في جسدها ربما يطهره الدم لكنها تشعر بها كدبيب،كسرب نمل يتحرك بلا هدى، تستيقظ عليها كأنها جني يتربص بها، نيران مستعرة لا تطفئها مياه، تتعذب بقدر الفجيعة وتتألم بقدر الخذلان ما ظنته حائط أمان تهدم فوق رأسها، ما كان حصنًا أصبح سجنًا عفنًا كُتب عليها العيش فيه حتى تهلك.
.
نسيت سليم وصديقتها والعالم انعزلت بمصابها بعدما لوّث الدنس طهر روحها وأعتم شفافيتها.
البكاء لا يكفي والصراخ لا يطّيب جروح.
تناولت حبة واثنان وانتظرت النوم، جدها يتعذب برؤيتها هكذا، يسأل فلا تُجيب ينصت فلا تبوح، يبكي فتشاركه البكاء والعويل، تردد أحيانا عدودات حسرة حفظتها من جدتها، تبكي شبابها كأنه دُفن وترثي عمرها كأنها وارته خلف الثرى.
.
يجلس الرجل دون حيلة ولا شفاعة حتي ييأس ويخرج للصلاة، يأتي لها بالحلوى ويضعها أمامها فتغمض عينيها عن الدنيا ومتاعها وملذاتها زاهدة، تغوص في عالمها لا تسمع ولا ترى.
.
.
روحها أنقى من أن تُختبر في هذا، لم يكن ابتلاءً بل بلاء حلّ فوق رأسها وعكّر صفاء روحها وأيامها، دخلت مودة الحجرة ثرثرت، عنفت، أخبرتها بزفافها لكنها جثة هامدة.
.
تبكي بغير دموع وتنوح بغير صوت فزعت مودة وخرجت راكضة تفتش عن جدها، دخلت به الحجرة ليرى ليسمع وتركتهما.
.
جلس الرجل جوارها يتوسلها بشيبته وقلبه المشتعل، بحرائق الروح وانهزام الجسد وخبيئة الأقدار التي فتت باقيه، بقوته التي خانته وغدر الزمان.
نظرت بلا روح واستمعت بلا عقل، بمن تستنجد جدها، عمتها، والدتها، حمزة، ورد
وحدها ورد عانت مثلها ومن المؤكد ستشعر بما هي فيه، لكن كيف تفضحه؟ مازال والدها لم تتبرأ منه وإن جردته من الأبوة أفعاله.
بكى جدها وخر مهزومًا وأناب، لكنها لم تُفصح، قبضت وحدها على الجمر في رأفة له ورحمة بشيبته وقواه الباقية.
فلترتاح الآن وبعدها تفيق وتذهب لمودة حتى لا تثير الشكوك أكثر وتكثر المطاردات ويعُم الحصار و رحمة بهذا الرجل الذي حطمه والدها والآن يقضي على باقيه، ألا لعنة الله على القسوة وخانعيها ومن هي له ولي.
***********
أتى زين دون أن تراه، اتفق مع حمزة وعمار ورحل، تقابلا على باب المنزل فهتف برسمية وابتسامة لطيفة «ازيك يا مودة»
قالت بخيبة وهي تنظر لمفاتيح السيارة بيده واتجاه خطواته «كنت ماشي يا زين؟»
أخبرها ونظراته تدور في الأرجاء لا تستقر فوقها «أيوة بس اتفقت على كل حاجة استعدي، وريناد نزلت وحجزتلك الكوافير»
ابتسمت بضيق تبخر من كلماته فاستنشقته، وقالت بخيبة «تمام»
قال بتعجُل وهو يطالع شاشة هاتفه «همشي عايزه حاجة؟»
قالت بلهفة لم تخبأها عن نظراته «أجعد معايا شوية يا زين»
تحرك تجاه السيارة قائلا وهو يرسم ابتسامة دبلوماسية على شفتيه «مشغول شوية وأنتِ أكيد مشغولة»
قالت بلهفة وتوق مزجته بإندفاعها وهي تمسك بباب السيارة «أنا مش مشغولة، وأنت افضالي شوية»
تعجب منها بشدة لكنه حك مؤخرة رأسه وقال ببرود «معلش المرة دي»
وقفت مفكرة تائهة قبل أن تعود للمنزل هازة كتفها بعدم اهتمام وزهد «خلاص براحتك» تنهد بحسرة قبل أن يصعد سيارته وينطلق حيث يمكث حسان
*******
جاءه زين بقلب متهدم، وروح تحارب اليأس، أفكاره ممزوجة لكنها لا تختلط،جلس أمام النار بصمت حزين وروح خاوية، ابتسم حسان وناوله كوب الشاي الساخن قائلًا بحشرجة مُفسرًا لما في نفسه «المرة دي مش رفعت بت أخوي»
تناول زين كوب الشاي وقد إعتاد فراسة حسان ومهارته في قراءة النفوس المُتعبة، صمته كان تأكيدًا على تنبؤه بسبب وجومه وحزنه،قال حسان وهو يرتشف من كوبه «مودة جلبها كيف اسمها، بس مش كلنا نعرف معنى اسمنا ولا ليه اتسمينا بيه، هي متعرفش جلبها ولا الي فيه»
تنهد زين بتعب وهو يستمع بإنصات لكلمات حسان التي جاء من أجلها الليلة، أردف حسان بحكمة ونظراته تبرق بمعرفة «الكنز مش في المجابر الي فباطن الأرض بس يا ولدي، الكنوز مالية الجلوب العاشقة بس محتاجة صبر وبذل، فتش هتلاجي الي يغنيك ويرضيك»
تأثر زين بكلماته وفتح لها قلبه وعقله، همس بإحباط شديد «ولو معرفناش يا عم؟»
ابتسم حسان بطمأنينه وهو يمنحه الحل السحري « اعملوا مع بعض لغة خاصة بيكم أنتوا تجربكم وتوحد جلوبكم هي مش غلط وأنت مش غلط بس أنتوا بس مش فاهمين»
همس زين وهو ينظر للسماء الزاخرة بالنجوم «خايف منعرفش»
أخبره حسان بفطنة «مكنتش خوفت يا ولدي لو مش هتعرف، كان جلبك فهم وبعد، لسه الأمل موجود فيه وعارف إنك هتنول الي فبالك، لإنك اتعلمت متدخلش معارك خسرانة، اطفي نار عشجك بالجرب واصبر هُتجبر»
عاد له زين بنظراته بعدما ارتاحت نفسه وهدأ حزنه وكفت روحه عن العويل «وأنت حبيت قبل كده يا عم حسان.؟.»
صمت حسان مُفكرًا ثم أخبره بلوعة «العشج بيحيي الجلوب يا ولدي، لو معشجتش مكنتش جدامك دلوك بصبر فيك»
كبح زين فضوله واكتفى بتلك القطرات التي تهدىء الظمأ ولا تطفئه.. غيّر مسار الحديث «عملت إيه في المقبرة مع رفعت؟»
قال بحماس البلوغ ورضا الوصول «هانت، جربت جوي يا ولدي»
ابتسم زين بصمت وهو يعود بنظراته للفضاء الواسع والنجوم اللامعة يبحث فيها عن نفسه ويربط بالأمل على قلبه العاشق.
♡**********♡
جاءتهما عاليا تتصنع الابتسام تتمسك بأذيال الفرحة، احتضنت صديقتها وجلست جوارها في صمت وهدوء غريب عليها، عزيز على نفسها لكنه أصبح غاليًا تشتريه بغاليها ونفيسها من راحة البال.
كلهم في دائرة ورد ترسم لمودة الحناء في رسومات متقنة وجميلة ومبهجة للقلب، تضع حرف زين في كل دائرة فتبتسم مودة، تقترب منها وتسألها إن كانت تعجبها فتهز رأسها وتمدح بتكلف، التقت عينيها بعيني ورد الفطنة فارتجفت شعرت أن أفكارها تعرت في لحظة وحزنها انكشف في دقيقة، أشاحت تهمس لسكن.
.
فعادت ورد للعمل بفكر منشغل هالها ما قرأته بنظرات عاليا، تلك النظرة الضائعة تذكرها بنفسها يوم مات زوجها وتكالب عليها الهم وحاصرها رفعت بخسته ودناءته.
ارتجفت عاليا كلما نظرت إليها ورد، نهضت تعرض عليهن «هعملكم حاجة تشربوها»
لكنها وقفت مدركة أنها بمنزل عمها، فعادت تستأذن متفادية الإلتقاء بنظرات ورد «بعد إذنك يا مرت عمي؟»
ابتسامة ودودة منحتها لها ورد وهي تخبرها ضاغطة حروفها «البيت بيت عمك يا عاليا، ليكي فيه زينا ومفتوحلك»
ابتسمت عاليا شاكرة وبعدها هرولت للداخل، أنهت مودة الرسم والتصقت بسكن تثرثر معها، لتتقدم مريم من ورد تطلب رسمًا رقيقًا يشبه روحها.
سألت مريم سكن «هترسمي يا سكن؟»
تذكرت تحذير حمزة لها ورغبته في أن يفعلها هو لها، أخبرها أنه سيكون سعيدًا بذلك، ابتسمت رافضة «لاه بعدين»
ابتسمت ورد لمعرفتها بما خبأته سكن
سكن التي رغم معاناتها وألمها عقلها رحل مع صديقتها التي تثير فزعها بأفعالها وهدوئها، لأول مرة تراها هكذا، في نظراتها جرح غائر وعذاب لا ينتهي بل يمتد، عاليا تشهق ببكاء محبوس داخل صدرها من وقت لأخر وإن كانت مبتسمة جامدة مما يثير قلقها، تئن من وقت لآخر كأنها تتلظى في جحيم لا ينكشف حجابه.
.
.
أي لعنة أصابتهن؟
عادت عاليا بصينية فوقها أكواب ماء ساخنة تدّعي أنها شايًا سيدفء صدورهن.
حملقت سكن بوجه صديقتها المبتسم التائه وكتمت مودة شهقتها، وثبتت مريم نظراتها على الأكواب بذهول غير منطوق..
وحدها ورد شعرت بمعاناتها وما هي فيه، أدمعت وهي تحيطها بالشفقة.
سألتهم عاليا إن كان هناك شيء فأخبرتها مودة بحذر «عاليا إنتِ لجمتي الشاي؟»
قالت «أيو...
قطعت كلماتها وهي تنظر للأكواب الممتلئة بالمياة الساخنة.... وضعت الصينية وضحكت بهستيريا مما زاد من خوفهن وقلقهن عليها، حالتها تثير الريبة في قلوبهن المحظية بحبها.
تعكزت سكن رغم عجزها على الأريكة ونهضت لتضمها، لن يمنعها اليوم مرض عن مواساة صديقتها ولن تتركها خيالًا في مهب ريح عاتية، إن لم تفعلها لأجل عاليا لمن تفعلها، ساعدتها عاليا حينما رأتها تفعل وتقبلت رحمتها وحبها بإمتنان، شكرت قلبها وشعورها بتفاني، بكت عاليا بأحضان صديقتها وهي تخبرهما بكذب «هتسيبوني كلكم يا جزم»
أحسنت الإدعاء فنهضت مودة وضمتهما، تأثرت مريم فهتفت «أنا موجودة يا عاليا»
أجلست عاليا سكن من جديد وجلست جوارها تمسح دموعها شاكرةً مريم«شكرًا يا مريم»
عرضت ورد بمحبة «بيتي مع البنته هنا يا عاليا»
شردت عاليا مترددة فشجعتها مودة «هبيت معاهم هِنا خليكي يا عاليا ولا مش هتروحي معايا الكوافير يابت»
هزت عاليا رأسها بالموافقة، تحسرت سكن قائلة «آه لو بصحتي يا مودة كنت رجصتلك للصبح»
أدمعت عينا مودة مما جعل ورد تنهاهن قائلة «واه عكننوا على البت فليلة فرحها»
سحبت ورد دلوًا وطرقت فوقه قائلة بإبتسامة حنون مراعية ومحتوية «والله ما حد يغنيلك غيري يا بت الغالي»
غنت لها ورد بعض الأغاني الفلكولورية ورددن خلفها الفتيات، تعالت ضحكاتهن
فابتسم حمزة وكله شوق للدخول ورؤية زوجته، لابد أنها تتحسر الآن لعدم استطاعتها الرقص، خفتت أصواتهن فترك زين وجده وعمار مستأذنًا، طرق الباب وحمحم يعلن قدومه..
أدّعى وهو يقف غاضًا بصره في تأدب «هاتي سكن يا أمي عشان في علاج هتاخده وإبر»
نهضت والدته ملبية رغم معرفتها بكذبه، ساعدت سكن حتى وصلت إليه فأخذها منها ودخل الحجرة، سألته وهو يضعها فوق الفراش «علاج إيه؟»
أغلق الباب بهدوء وجلس جوارها يتأملها باشتياق وهو يضع كفه على خدها «علاج ليا أنا»
انتفضت تسأل بقلق وهي تعانق نظراته «بعد الشر عليك يا حمزة علاج إيه؟»
همس وهو يمرر كفه بنعومة فوق خدها، يداعب شفتيها بإبهامه في رقة كأنهما ورقتي ورد «شوفتك دوا للشوج الي مبيرحمش يا سكن، وياريت كل الشر سكن وجلب سكن»
ضحكت برضا، وهي تنظر لعينيه الهائمة بسؤال «وليه الشوج وأنا جنبك؟»
صارحها بضيقه «واخدينك مني وحرميني منك وأنا شوجي ليكِ مرض علاجه الجُرب تلت مرات ومابينهم»
ضمها بين ذراعيه برقة، أغمض عينيه مستشعرًا قربها،متلذذًا بوجودها جوار قلبه
يعانق الشفاة ويرتشف من عسلها بنهم شديد، حتى ابتعدت تلومه «هتاخر عليهم»
ابتسم وهمس أمام شفتيها بشغف «للمريض شُرب العسل حتى يشفى يا سكن» تذوق رحيقها مرة أخرى وذابت بين ذراعيه قبل أن تفيق وتدفعه معاتبةً «هتفضحنا وياخدوني سلوتهم الليل كله»
عاتبها بحنو أصابه بعض الإعتراض والضيق «مش كفاية هتبيتي معاهم وتسبيني»
زمت شفتيها بضيق مماثل قبل أن تخبره «متفكرنيش يا حمزة أهي ليلة وتعدي»
أمسكت بكفه طالبة بحسم «يلا ومشوفش وشك عشان أجدر أكمل الليلة بعيد»
ابتسم ونهض ليساعدها في الوقوف، أراحت قدميها فوق قدميه وهمست بدلال «يلا علمني المشي يا بابا»
تحرك متراجعًا بخطواته للخلف حتى فتح الباب وحملها بين ذراعيه فرفضت في خجل «نزلني البنات»
وقف بها قائلًا في عناد «ولا يهمني، هيجولوا إيه؟»
همس وهي تتعلق برقبته «هيجولوا كتير يا حمزة» أحمرت وجنتيها بخجل لذيذ
فقال بلا مبالاة «خليهم يجولوا وأنتِ جوليلهم حمزة علاجه سكن وراحته سكن وفرحته سكن »
تأففت هامسةً «لاه دا أنت حالتك صعبة طلعني دلوك»
خرج بها في صمت لا ينظر لسواها، وضعها فوق الأريكة ورحل محمحًا في صلابة.
جاورتها مريم والناحية الأخرى مودة التي قرصتها هامسةً «علاج إيه الي بيطلع منه الواحد محلو كده يا سكن»
زفرت سكن مخبئة خجلها منهما «هتستلموني شكلكم»
ضحكت الفتاتين قبل أن تشاكسها مودة «متأكدة إنه علاج يا سكن؟»
هددتها بغيظ «بس بدل ما اتجنن عليكي لما نشوفك بكرة»
تنهدت مودة منتظرة الغد بفارغ صبر وخوف، مزيج عجيب اختلط داخلها حتى انقضت الليلة بسلام.
*******************
يوم الزفاف ليلًا
زفاف عائلي بسيط بمنزل زين، حضره حمزة مُرغمًا وعاد بعد مرور نصف ساعة.
دخل الحجرة حيث تجلس وحدها تخفي تأثرها باللحظات وتغوص بوعيها داخل سطور رواية مكتظة بحكايا العاشقين، تتدفق المشاعر من نظراتها وترقص الابتسامة فوق ثغرها الوردي موضع فتنتها وغوايتها، وهو لم يكن راهبًا زاهدًا بل عاشقًا طامعًا، تعيش مع أبطالها وتتوحد معهم لتنسى.
.
همس وهو يقف أمامها بوسامته التي تخطف قلبها وعقلها فتتوه معه في درب يسيران فيه وحدهما «حلوة الرواية؟
»
همست بخجل وهي تقلّب الصفحات بعناية «بتخيلك مع كل بطل وبكون أنا مكان البطلة يا حمزة»
ذاب من رقة كلماتها وتخيُلها، جلس أمامها يهمس مُفسرًا وهو يضع وردة حمراء في خصلاتها «نادتني وكأنها أنتِ، همستلي إن جمالها مش هيكتمل غير بيكِ»
عضت شفتيها متأثرة بكلماته الساحرة التي أشعلت القلب والحواس، انتبهت له بكيانها متناسية الرواية وشغفها بمعرفة الأحداث، تتألق نظراته الليلة وتمتزج مع نظراتها، تعزف أنفاسهما سيمفونية خاصة
تمدد فوق الفِراش يضع رأسه على ساقيها وينظر لوجهها هامسًا «حورية من الجنة أنتِ يا سكن نالها حمزة»
لثم باطن كفها بحرارة، فهمست بإرتباك لا تعرف بما تُجيبه وأي كلمات توفيه حقه «حمزة»
عاد بنظراته وهتف يمازحها بحب «احكيلي أنا أحلى ولا البطل؟»
همست بعشق ملك قلبها وروحها «أنت كل بطل وبطلي أنا يا حمزة بس متلفش عليا وتشغلني جولي جيت بدري ليه دِه اتفاجنا يا دكتور البهايم»
همس وهو يضم أنفاسها بين جنبات صدره «متفجتش رضيتك ووصلتها لبيتها وبس» سقطت الوردة الحمراء فوق وجهه وداعبت بنعومة أوراقها وجهه فابتسمت وأخذتها بأناملها تمررها هي برقة على كل وجهه وهي تعاتبه عتاب المحبين «أنت بدالي يا حمزة معاها، ومكاني هناك» ضم خصرها بذراعيه يهمس «مكاني جنبك روحت غصب عني»
رجفة نبرته جعلتها تنتبه وتمرر الوردة على صدغه متسائلة «حبيبي ماله زعلان ليه»
أغمض عينيه وهمس مراوغًا «احكيلي عن الرواية عايز أعرف الحكاية منك ولو نمت متوجفيش عايز صوتك يوصل لأحلامي وأنفاسك تحاوطني هناك»
اقترحت برقة وهي تملّس فوق خصلاته بحنو «إيه رأيك أغنيلك أغنية حلوة شبهك»
ابتسم مشجعًا لها والنوم يسلبه الوعي تاركًا أنفاسه تسلب من رائحتها ما تشاء «غني يا سكن هحب دِه منك»
بدأت تغني بهمس لا يصل لسواه وهي تمرر كفها على خصلاته وتداعب بالوردة خده وذقنه حتى انتظمت أنفاسه ونام.
♡ ********♡
لم ينس أنه انتزع منها الكلمات، لم يشعر بالفرحة التي أرادها ولم تعترف له بحبها الذي ينتظره ويعمل لأجله، يريدها منها خالصة له دون ضغط أو شعور بالندم.
.
أن تُلقيها في لحظة صمت وتجلي، أن تضعها بفمه كقطع الحلوى فتذوب داخل روحه ويستشعرها.
.
هو يريد بيت دافيء ترعاه زوجة حنون متفهمه تمنح بسخاء وتعطي برضا، لم يكن قبلها يلتفت للأمر ولا يؤمن به حتى وجدها أحب الأمر منها وعشقه، تمناه وأراده، مودة الرقيقة إن أعطت أغوت وإن منحت غمستك في الجنة.
.
.
تُرى هل يحصل على ما يريد يومًا أم أنه يلهث في سراب ويطلب مستحيلًا، هل أحبته أم هو الفرض والإجبار وهي تعرف التكيف وتتقن إخضاع النفس وتطويعها ليمر الأمر بسلام ودون ضجيج يزعج.
.
عرف من حمزة عنها الكثير وخشي من المعرفة.
.
وقف أمامها الآن صامتًا يتأملها بنظرة غامضة،وروح فقدت بريق الفرح، الليلة التي تمناها جاءت لكنه ليس هو، شيء ما يمنعه من الاستمتاع بالنصر يضيق صدره ويتفتت القلب بحزن ثقيل، الجسد يرغب والنفس تزهد والأحلام هشة كحلوى غزل البنات رائعة حلوة المذاق لكنها تذوب ولا تترك أثر.
مرر أنامله بحرية على وجهها الناعم بصمت، هبط لشامتها وتحسسها، ثم همس «مبروك»
اللحظة يريد الكثير، بقلب عاشق وجسد راغب وروح تتمنى الإلتقاء بروحها والإمتزاج، يتمنى إذابتها في كيانه لكن نفسه اليوم هائمة في بحر مظلم.
.
سمعها منذ يومان تخبر أختها أنه زوج كغيره، إن كانت في النهاية ستتزوج فلما لا يكون هو؟
يحبها لكنه ليس عاشقًا ولن تكون هي عاشقة، هو يحبها حبًا عاديًا وهي تبادله مثله لا شغف يجمعهما.
.
.
تذكر قول المتنبي الذي سمعه يومًا من والده
لا السيف يفعل بي ما أنت فاعله
ولا لقاء عدوي مثل لقياك
اخترقت الكلمات روحه، صوبتها لكبد نفسه كسهم مسموم، تألم، نزف لكنه صمت في بسالة، تريد حياة عادية لها ذلك
إن كان كل ما فعله لأجلها عاديًا لا يرقى به لرتبة عاشق ولا يؤهلها لتكون محبوبته فهنيًا لها ما أوصلته له.
طال شروده وصمته، بعينيه نظرة حزن لأول مرة تراها نظراته الحادة يغطيها غبار معركة خرج منها مهزومًا مأسورًا مفتت الفؤاد، يطالعها كأنها حُلم ويعبث بملامحها كأنها أُمنية يدونها فوق دفاتر عشق، ما باله اليوم كئيبًا صامتًا، فاقد لحيويته، وافقت ورضخت لطلبه لترضيه ألا يكفيه؟
أفاقت على سؤاله الخافت «أقلعك الطرحة؟»
ابتسمت تهز رأسها بخجل، فبدأ في عمله ومازال الصمت سيدًا، حرر أخيرًا خصلاتها البنية الناعمة، غاص فيهم بأنامله وهي لا تعرف سبب تيهه ولا بأي أرض تلتقيه
رمى الحجاب والطرحة وانسحب قائلًا «غيري براحتك، هغير واتوضأ علشان نصلي» تقبلت بصمت فهذا ما تحتاجه الخلوة والحرية وإن كانت تشعر ببعض الخيبة من رد فعله والفتور في معاملته
بدلت ملابسها بقميص أبيض طويل وفوقه مئزره، اختارته لها سكن توضأت وارتدت إسدال الصلاة فوقه وانتظرت حتى ناداها بنبرة فاقدة للحماس «مودة يلا»
خرجت بحياءها المعهود جاورته فصلى وجلس يدعو الله بقلب وجل، لا يدري أيقترب وهو بحالته تلك ويفتت حلمه وحلمها وتبقى الذكرى عالقه أم يتركها حتى تهدأ نفسه ويمنح روحه لقاء يليق بانتظاره وحبه.
وضعت كفها المرتجف على كتفه وهمست بتردد «زين أنت كويس؟»
تجاهل سؤالها وقال «هتاكلي ولا ننام؟»
سألته من جديد وهي تقترب أكثر «مش هتجولي مالك؟»
رفع نظراته يتبين صدق اهتمامها، يغوص داخل نفسها ليفهم، فابتسمت بحنو تشجيعًا له، أعاد نظراته لموضعها فوق سجادة الصلاة وقال بحشرجة «لا بس اتمنيت أبويا يكون موجود»
جفف الألم ابتسامتها فأتت رياح الهم وجرفتها، زاغت نظراتها تظنه اتهامًا وتذكيرًا بفعلة خالها، رفعت كفها عن كتفه في تراجع فقال بحدة «مقصدش حاجة يا مودة»
ستنهض منزعجة لن تمكث وتفهم، تمنى منهًا دعمًا ومؤازرة، رقة ترفعه لأقصى درجات الراحة، أن تربت وتضم لا تهرب وتتركه حتى يذهب إليها ويراضيها، لما تشعره بتفضلها عليه دائمًا وأنه وحده من عليه البذل والعطاء وهي طامعة جشعة تتقبل ولا تشكر بل تشعر بالشراهة للمزيد والرغبة في الكثير.
رحلت لكنها توقفت في المنتصف متذكرة كلمات سكن التي اختصرت كل الحديث في جملة واحدة
«الليلة دي مش بتتنسي فخليها زي ما تحبي، وريه إنك بتحبيه متتكسفيش دا جوزك» هي لا تمتلك الجرأة مثلها ولا تعرف الإندفاع خاصة في ليلة كهذه والخوف يسيطر عليها ويحجب رجاحة عقلها ويضللها،لكن الصمت حرمها الكثير من الفرص سعادتها بيدها الآن لن تفقدها وتبحث عنها.
نزعت الإسدال وخرجت للمطبخ صبّت كوبين من العصير الذي يفضله وخرجت بهما، وضعتهما على الطاولة الصغيرة ، جلست جواره ووضعت كفها على كتفه هامسةً بحنو «متزعلش هو أكيد مبسوط عشانك»
التفت إليها مندهشًا لا يصدق أنها عادت فاستطردت بخجل «وأنا كان نفسي أبويا يكون موجود بس هما أكيد حاسين بينا وفمكان أحسن»
تعلق اسمها بشفتيه لا ينطقه، ابتهج لعودتها واهتمامها به، لحديثها، همست وهي تتناول كوب وتقدمه له «اشرب عصير برتقال بجزر»
ابتسم اخيرًا، رفرف قلبه بين جنباته فرحة ً فهمست معتذرة «عارفه إنك زعلان مني وعايز تديني علجة بس سماح المرة دي يا حضرة الضابط»
فرك منابت شعره بأنامله قبل أن يرفع كفه لجبهته متحسيًا وهو يهمس «حرارتي عالية وبتخيل »
ضربته بخفة على كتفه وهي تعاتبه بدلال «زين» تهربت من نظراته في خجل واخبرته بمرح «أنا وصيت مرت عمار على العصير بتاعك ومجصرتش دي الحاجة الوحيدة الي اعرف إنك بتحبها»
نهض واقفًا يخبرها بإبتسامة وهويحاوط كتفيها بذراعه «في حاجة تانية»
سألته بإهتمام «إيه هي؟»
قال بصدق مس شغاف قلبها وهو يضمها لصدره بحنان «أنتِ يا مودة» داخل الحجرة ابتعد يتخلل خصلاتها بأنامله هامسًا «لون شعرك زي ما تخيلته»
أخفضت نظراتها بخجل، فترك خصلاتها واتجه للشامة التي يعشق مرر إبهامه عليها قبل أن يميل ويلثمها بعاطفة،همس لها بمزيد من العاطفة والقبلات، أن الشامة شغفته حبًا منذ رأها تمنى الشعور بمذاقها على شفتيه، هي تعجبه كثيرًا ويهيم بها.
.
تحركت شفتيه لثغرها الناعم الرقيق، وهو يهمس بمزاح «مش هتصوتي صح؟
ولا هتهربي؟
»
وقفت متصلبة لاترد ولا تتحرك، مرر شفتيه على كل وجهها وهو يحتويها بين ذراعيه يضمها ويذيبها باشتعاله ورغبته، يفتت مقاومتها الضعيفة بحنان وروعة لمساته، عانق الثغر ولثم رقبتها، شعر بنعومتها، فهمس بالكثير الذي لا تعرف صدقًا نبع من قلبه أم هو تأثير اللحظة واندفاع الرغبة.
.
ابتعد يلهث بعاطفة، يتأملها قبل يغيب معها في عناق طويل امتزج باعترافه الحار «أنا بحبك بجد يا مودة ياريت تفهمي»
اعترافه زادها ثقة، شجعها لترفع ذراعيها وتحاوط عنقه في مبادرة واستسلام، أغمض عينيه فابتعدت تتأمله معترفة له دون قيود «وأنا بحبك»
هل يصدقها؟
هو يريد ذلك فليفعل، فتلك اللحظات أكثر صدقًا، اعترفت ولم يمنعها خوفها وتوترها، همست وهي تدرك عاقبة همسها وتأثيره.
.
مالت ولثمت خده برقة معتذرة شاكرة «دي عشان عاليا والي عملته عشانها» لثمته مرةً أخرى هامسةً«دي عشان الهدية»
ولثمته الثالثة وهي تخبره بعاطفة «دي عشان بحبك ومكنتش عارفه أجولها»
ابتسم وهمس بمرح وهو يضمها بين ذراعيه «قولي الدعاء أنا مش حافظة»
ارتجفت بين ذراعيه بخجل امتزج بخوفها، فطمأنها بحنو واحتواها بتفهم، كان حنونًا لأبعد حد ولم تتوقع منه ذلك.. يخشى عليها وإن كان لا يستطيع السيطرة على جموح مشاعره..
بعد مرور وقت
استكانت بين ذراعيه هادئة فهمس وهو يقبل رأسها «هقوم أجبلك عصير»
أمسكت بكفه تمنعه من المغادرة وهي تغمض عينيها بخجل «مش عايزه خليك جنبي»
عاد يغوص بين الأغطية بابتسامة حنون، ضمها لصدره وهو يربت على رأسها متسائلًا «أنتِ كويسة؟»
هزت رأسها وهي تلف ذراعها حول خصره، فلثم مقدمة شعرها قائلًا «ارتاحي شوية وبعدين نقوم ناكل»
أغمضت عينيها مستسلمة للنوم على صدره محاطةً بذراعيه تدفئها همساته وترنيمات عشقه.
********
توجست نفيسة خيفة من هيئة فتاتها ونظراتها، منطفئة بائسة المنظر، كئيبة المحيا، نظراتها كبئر عميق مظلم مليء بالأسرار والمخاوف، منحنية بإنهزام وبحمل يثقل كاهلها، مرتعشة بجسد عليل..
في زفاف مودة لم تتزين كعادتها ولم تضع على جسدها أفخم الثياب، زاهدة تائهة لا تعرف إلا موضع قدميها، ترفض الخروج من الحجرة
أخبرتها نفيسة بقلب أم منفطر «مش هتروحي صبحية مودة؟»
أجابت باختصار «لاه»
جلست نفيسها على طرف الفِراش تسأل «مالك يا عاليا»
«مفيش» قالتها وهي تغمض عينيها في هروب وخناجر القهر تقطّع أحشائها.
ربتت نفيسة فوق رأسها بحنو هامسةً «مالك يا بتي حصل حاجة؟ حد زعلك؟»
احتشدت الدموع في مقلتيها وهي ترفع نظراتها تهمس بصوت مبحوح «لاه محدش»
انسكب البكاء من مقلتيها ماء ساخن يكوي الوجه ويخترق الروح وعجزها، فزعت نفيسه مما ترى فشدتها من كتفها وصاحت بحدة «جومي وفهميني»
ارتجف جسدها فضمتها نفيسة لصدرها تهدئها «يابت مالك؟»
طال بكائها وافترست المأساة الملامح، تحتاج البوح، أن تعلّق فوق شماعة قلب قسوة الأيام وبخل الأمل وفجيعة الليل
، كلما زاد عطف نفيسة ورقّت لحالها وجدت عاليا متنفسًا وراحة، هدأت وأخبرتها بما حدث، أنبأتها بلعنة تطرق الأبواب ولا ترحم شيخًا ولا نساء.
ضربت نفيسة على صدرها، حملقت بذهول في فتاتها لا تصدق ما تسمع.
.
لو الكلمات تقتل لماتت نفيسة، لكنها اخترقت مكان النحر دون أن تفصل عرقًا، ذبحتها دون نقطة دماء وكان المنحور قلبها.
.
ضمت فتاتها مرة ومرات لاتعرف من تواسي نفسها أم فتاتها التي انتهكت براءتها ومزقت، عاليا لن تعود لعفويتها ولا براءة روحها لوُثت والجاني فاسد برتبة أب.
هدأتها ونهضت، دثرتها وخرجت تجر ساقيها جرًا.
*********
♡بمنزل مودة ♡
هتف ظنًا منه أنها بالخارج بعيدة عن محيطه ولن تسمعه «لو هتيجي وتزعليها متجيش؟ »
شهقت ابنة عمه مندهشة توبخه بلوم «زين أنت مش عايزني أجي»
قال بحنق وبصراحته المعتادة «أيوة لو هتضايقي مراتي؟ يكفي إنك ولا مرة كلمتيها وفهمتيها بعد الي حصل»
تعجبت قائلة «أنت زعلان ولا إيه؟»
قال من بين أسنانه بغيظ «ويهمك زعلي؟ قولتلك مودة لا، تخصني عايزها، كرامتها من كرامتي ولو بتعزيني راضيها طنشتي »
سألته بنبرة تخلصت من دهشتها «بتحبها؟»
أجابها بزفرة يغمرها اليأس «بحبها وزعلها لسه فارق معايا، هتيجي تراضيها أهلًا وسهلا، هتيجي تعملي مشاكل وتزعليها خليكي»
ضحكت قائلة باستفزاز «الله عشت وشوفتك واقع على بوزك يا بتاع التاريخ،وكمان تقولي مجيش بيتك»
قال بضيق يسكن حنايا الصدر «دا بيت مودة قبل ما يكون بيتي وأنا ضيف زيي زيك فيه، لكن طالما الضيف هيسخف على صاحب البيت خلاص»
تحملته بصبر، وابتلعت كلماته وجفائه بفهم، ثم لانت قائلة «طيب هاجي وأراضيها وأبوس على رأسها بس متزعلش وتتحمق، مكنتش أعرف إنك زعلان مني قوي كدا»
استنكر بغلظة «لا والله»
سألته بضحكة خافتة «مودة شبه ملكات الفراعنة الي بتموت فيهم بلون بشرتها وعنيها»
ارتبك قليلًا في حرج وقد أصابت، هي أقرب إليه من أخته تعرف ذوقه تأملتها بعينيه وفهمت، بدلت الحديث معتذرةً له على سخافتها «متزعلش وتعكنن نفسك مكنتش أعرف إنك بتحبها كدا ومتعلق بيها، ومبروك الجواز ربنا يجعلها خير مما تتمنى يا زينو»
تمتم خلفها بتضرع ، فأنهت اتصالها على وعد بمجيئها وتصحيح الأوضاع.
مسحت مودة دموعها التي تساقطت فرحةً بما سمعته منه، قلبها يخفق بجنون لا تصدق ما قاله لأجلها ورغبته في إرضائها على حساب ابنة عمه وصديقة طفولته، واعتبار ما حدث وحزنها ثأرًا يستحق أخذه، وتمسكه بغضبه لأجل خاطرها، لم ينس ولم يتجاهل بل مازال ينتظر أن ترد ابنة عمه وتعتذر لها وتوضح ولن يلين حتى تفعلها.
انسحبت للصالة مفكرة بعمق، راسلت سكن واطمأنت عليها وتحدثت معها عن مشاعرها تجاهه وسألتها المشورة، سكن أصغر منها لم تقرأ لكنها تملك الكثير من الحب الذي يؤهلها لتُجيب على اسئلتها، وحدها قد تفهم ما تعانيه وتشتتها، الحب لا يحتاج لقراءة وثقافة بل يحتاج شعور وشفافية، عاطفة وشغف وكل هذا تمتلكه الصغيرة المحبة بتفاني والعاشقة حد النخاع.
***"**
اختفت كريمة بعدما سمعت، أغلقت على نفسها وهي تضرب على خدها بزعر كبّل الجسد، العاصفة قادمة ولن ترحم أحد، أخرجت هاتفها وأبلغته بما سمعت وتوسلته أن يعتقها تهرب، تشعر أنها على أبواب مأساة وكارثة
صرخ بها أن تبقى وهددها بخالتها التي في قبضته الآن.. استسلمت بطاعةً وهي تعلم سواد قسوته لو فعلت...
بينما دار هو في الحجرة كأسد مطعون.
لا يصدق ما سمعه ليته ما عرف، الحقير حتى ابنته..
ضرب الخزانة بقبضته وهو يسبه ألف مرة ويلعنه ملايين، أقسم أن ينال منه ويدق رقبته بقدمه،سيدهسه كحشرة دون ذرة رحمة.
.
تجمعت الخيوط واصطفت الكلمات، أخبرته مودة بحالة عاليا وحيرتها فيما أصابها، الفتاة تعاني ولا أحد يدري والجاني حائطها وأمانها، مسكينة.
.
فليخرق السفينة ويغرق أهلها، قبل أن يأتي الوقت الذي لا يستطيع أحد الصبر عليه.
.
.
ارتدى ملابسه وخرج من الحجرة دون كلمة أو تفسير.
.
لم تكن مودة سببًا لإنقاذ عاليا بل الرحمة الباقية بقلبه والشفقة على مصير فتاة لا ذنب لها، لن يتحمل عذاب ضميره إن تجاهل وصمّ أذنيه.
.
تعجبت مودة من خروجه دون كلمة، جلست فوق المقعد متنهدة بحزن.
في القرية خلع حذائه ودخل المسجد يفتش عن سليم، يبحث عنه فلم يجده، رحل لمنزله فأخبرته أخته أنه بالخارج، فعاد بخيبة تُثقل الكاهل..
صرخت نفيسة داخل حجرتها بصوت مكتوم، بكت بهوان وذل، توسلتها عاليا بقرار الخلاص موافقتها على الزواج من ابن خالها، المسكينة نست أنه تزوج من شدة علتها.
.
هل ترسلها لخالها؟
أم منزل راضية.
.
؟
وسعد أين سعد.
.
؟
سقطت تمسك برأسها في ألم، تذكرت سليم فانتفضت تشبثت به كأنه الخلاص فتاتها تحبه فلتفعلها لأجلها وحده من يقدر على احتوائها، من يترك طلبه مُعلقًا يحب ويخلص، هرولت لحجرة عمها دخلتها والتقت النظرات ترددت في إخباره لكنها عزمت ، جلست أسفل قدميه فاندهش الرجل مر على ملامحها فازداد ذهوله، بكت وأفضت ثم توسلت أن ينقذ ما يمكن إنقاذه.
.
تصلّب جسده، أضحى صنمًا نحتته المحن وشكلت خطوطه المصائب، أو مسخًا لرجل معذب
خشيت أن يموت بحسرته وحسرتها بين يديه..«جوزها لسليم وولدك أنا هجتله»
قالتها بقوة دون أن يرجف لها جفن، اجتثت كبده ولاكته بما قالت، ترقرقت الدموع بعيني الرجل الذي هرِم اللحظة وسألها بخوف «جرّب للبت»
قالت بقوة وحمدًا خرج من عمق قلبها «لا الحمدلله، بس الي حصل مش هين والبت بتموت هنسيبها تموت؟»
انتفض واقفًا ببقايا من قوة فتش عنها في صميمه لا وقت للموت، سحب عصاه وتوكأ عليها وغادر، دخل المسجد فوجد بغيته، جلس جواره بصمت مهيب وانكسار يلهب حنايا القلب وثنايا الضلوع، سأله الرجل بعدما ترك سليم مصحفه وانتبه له في تقدير وإجلال «لسه رايد عاليا»
توسعت نظرات سليم بدهشة وهل أراد غيرها يومًا، تدفقت الكلمات بلهفة «ومش رايد غيرها»
مدّ الرجل كفه المرتجف قائلًا «نجرأ فاتحتها» دون تفكير مدّ سايم كفه فالشجاعة لحظة قد تنال أو لا تنال، قرأ الفاتحة دون أن يسأل أو يستفسر
خلفهما وقف زين الذي ظل يحوم حتى عاد سليم، وجدهما يجلسان فاخترق الجلسة، جلس يهتف هازئًا «بتقرأوا فاتحة على مين؟»
نطق سليم وهو ينظر لكفه بعدما سحبها «جرينا فاتحة عاليا»
تنفس زين براحة ورضا، قبل أن يبارك «مبروووك»
هيئة الرجل توحي بمعرفته، الذل والهوان بجلسته يخبرانه بأنه عرف... صمت الرجل المسن ولا يعرف ماذا فعل ولا كيف سيمهد لسليم.. فنطق زين «بقول خير البر عاجله ونكتب الكتاب»
هز سليم رأسه ومازالت المفاجأة تسيطر عليه وتسرق عقله وتطوي حكمته وتعصب بصيرته فرحًا بالفوز، لكنه سأله «أبوها وأخوها موافقين؟»
أجابه زين وهو يربت على كتف الجد بتقدير «كبيرهم قال، وأنت إيه يهمك غير عاليا؟»
طأطأ الجد رأسه وانسحب لعالم غير العالم، متخبطًا تائهًا، سأل سليم «كيف يعني؟ »
قاطعه زين بحدة «أنت مش عايزها خلاص»
قال سليم بتأكيد «لو... طيب هي
قاطعه زين بابتسامة حنون يذكره بكلمات حسان «النجمة سقطت شوفتها، فاضل تمسكها بين إيديك يا شيخ»
امتن الجد لزين في هذه اللحظة، وهو لا يعرف أي صدفة ألقت بزين، ربما هي رحمة الله التي لا تترك المؤمنين به المتوكلين عليه.
♡بمنزل زين بقنا ♡
عاد للمنزل يفتش عنها حتى وجدها أمام التلفاز ممسكة بكتاب تاريخ من كتبه تقرأ بحماس ألهب حواسه، جلس على حافة الكرسي جوارها هامسًا ولم تشعر بدخوله لإنشغالها بما تقرأ وتلتهم بنهم، تركت الكتاب وعلى وجهها ابتسامة حلوة، غمرتها مياه الضيق حين تذكرت خروجه اليوم
أسبلت أهدابها بصمت وعبوس، سحب الكتاب ووضعه فوق الأريكة بقدسية ثم سحبها لتقف وأحاط خصرها متسائلًا «متضايقة ليه؟»
عاتبته برقة «محدش جالك إنه مينفعش تنزل بعد يوم من جوازنا»
قطب قليلًا ثم ابتسم وقال بإنشراح «بس أنا جايبلك خبر حلو»
عرجت نظراتها لابتسامته وهمست وهي ترفع ذراعيها لرقبته «خبر إيه؟»
قال برضا غريب وراحة توسدت نظراته «سليم هيكتب على عاليا»
دُهشت مما تسمع والقرار المفاجيء «ازاي وخالي..؟»
قال زين بتحدي وهي يلثم خدها برقة «من غير خالك»
ابتعدت منتفضة تسأله بقلق سرق أمانها «ليه؟ »
أخبرها قائلا بنظرة انتصار «عادي جدها موافق»
سألته وعينيها ترمش بخوف «وخالي هيسكت وسعد»
قال بتحدي امتزج بغضبه وتوعده «خليه يقربلهم؟»
تركت ذراعيه وابتعدت معترضة، تطالعه بوجل وضيق ثم همست محذرة «زين متدخلش»
سألها بهدوء وهو يتحرك تجاه الحجرة ليبدل ملابسه «ليه..؟ سليم فحمايتي؟»
وقفت خلفه وهمست بنبرة مرتجفة بالخوف والقلق «وأنت مين يحميك من خالي»
قالتها بتلقائية وعفوية هزمته، فاستدار يتأملها فهمست مجددًا والدموع تتعلق بأهدابها «ابعد عنه أنا مش عايزة أخسرك ولا عايزة أكرهه أكتر من كده»
لكنها لم تستسلم، ظلت مكانها تبكي بوخز في القلب والروح، عمّر الخوف في أعماقها دون اهتمام وببساطة شديدة. هو من ألفته الروح ووجدت في رحابه متسعًا من الأماني.
مسحت دموعها ونهضت، تركت الحجرة وبحثت عنه، حتى وجدته في المطبخ، أطلّت عليه كضوء القمر وعبق المسك ابتسم فابتسمت بتردد، قال بمزاح «مقدرتيش على بعدي صح»
قالها باستهانة كما تعودت منه،لا تعرف هل يسخر أم يتمنى؟
خطت حتى وصلت إليه، استدار يلتقط الطعام فألصقت صدرها بظهره وهمست «مجدرتش، لإني عايزه أجرب منك أكتر مش أبعد»
تنفس بعمق وهو يستدير ويضمها قائلًا «مقولتش حاجة تزعل، دي حقيقية شغلي»
توسلته ورأسها يستقر على صدره «متجيبش سيرة الموضوع ده تاني يا زين مش هتحمل»
ربت على ظهرها بحنو قبل أن يبعدها عنه قائلًا «سخني عايز أكل»
ارتعش جسده وهو يستمع لكلماتها العذبة الرقيقة، التي أحلى من أي غزل سمعه.
هدّأت النار وهي تخبره بينما تتذوق الطعام «مش مصدج إني بحبه بس مش مشكلة هحاول مرة واتنين وتلاته هو يستاهل» استدارت منتظرة قوله، عقدت ذراعيها وسألته بابتسامة « تفتكر أقولهاله إزاي عشان يصدج؟
وأعمل إيه؟
بما إنك طلعت بتحب التاريخ زيي وأنا معرفش؟
»
طال صمته ووقوفه، فاستدارت تحرك الطعام متسائلة «مجولتليش محتفظ بال200جنيه ليه؟»
وقف خلفها يلهث من تزاحم مشاعره، أغلق الموقد وأبعدها يحيط خصرها مقبلًا خصلاتها برقة تناقض ما عرفته عنه طوال خطبتهما، أدار جسدها بين ذراعيه ونظر لبريق عينيها هامسًا وهو يقترب من شفتيها «تقوليها دايمًا و بكل اللغات، بلغة حبك ولغة حبه، لغاية ما يبقى بينكم لغة خاصة للحب ليكم أنتوا بس»
همست بإنبهار وهي تتعلق برقبته مباركة الحب بانصهارها بين ذراعيه «حلو الكلام يا حضرة الضابط »
سألته وهي تضع كفها على شفتيه تمنعه من الاقتراب حتى يجيبها «محتفظ بال200جنيه ليه؟»
نظر لعينيها بقوة ثم أخبرها بصدق نبع من داخله «تميمة حظ»
ابتسمت وسألته وهو يحملها بين ذراعيه «بتحب التاريخ؟»
ابتسم يؤكد بملامح جديدة عليها كأنها تعرفه للمرة الأولى «والدي كان بيحبه وحببني فيه»
سألته برقة حين وضعها فوق الفِراش «ولا مرة جولتلي؟»
جلس جوارها وهمس «سبتك تكتشفي بنفسك لما تيجي»
مررت نظراتها على ملامحه كما أناملها وهي تسأله بشغف «هكتشف حاجه تاني؟»
سحب كفها وقبله قائلًا «شوفي أنتِ بقى يا مودة» همست بقوة دون خجل أو تفكير «أنا بحبك يا حضرة الضابط»
ابتسم يسألها وهو يضع كفه على خدها برقة «عشان طلعت بحب التاريخ؟»
تنفست برضا وتغمض عينيها مستشعرة لمساته فوق خدها «لاه عشان طلعت الفارس الي كنت مستنياه»
تأوه بشغف وهو يخبرها سبب حزنه «كنت خايف متوصليش يا مودة بعد ما سمعتك»
فتحت عينيها وسألت بقلق وصدمة «سمعت إيه؟»
قال بحزن نخر كبده «إنك مش هتحبيني وإنها مجرد جوازه ولا عندك أمل تكون حكايتنا غير»
ترقرت الدموع في عينيها حزنًا على ما رأته بنظراته من وجع وهي تهمس «كملت ليه؟»
اقترب ملثمًا جبهتها وهو يهمس «مبفقدش الأمل طول ما أنا صادق فمشاعري ونيتي»
ضمته بكل قوتها وشغفها تجاهه ثم همست برقة «الصادق بيوصل دايما يا حبيبي»
أغمض عينيه هامسًا بتعجل كعادته بعدما أسكرته كلماتها «يخربيت خالك قولي الدعاء»
*****"
السابع والخمسون من هنا
قراءة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل السابع والخمسون 57 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

انتقل لمتابعة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل السادس والخمسون 56 كاملة بدون حذف في الفصل التالي الآن.

رواية ملاذ قلبي سكن كاملة بروابط مباشرة

نوفر لك رواية ملاذ قلبي سكن كاملة بجميع أجزائها، قراءة متواصلة بدون نقص أو تقطيع.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
⚖️ بلاغ حقوق النشر للرواية
🏁
🏆