📁 آحدث المقالات

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الخمسون 50 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الخمسون 50 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

تم تحديث الفصل بتاريخ 4 مارس 2026

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الخمسون 50 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
الخمسون♡
رنين هاتفها الصارخ في إلحاح ملعون جعلها تُجيبه رغم انشغالها بالخروج وترتب نفسها، بالكاد وقتها يكفي للتنقل بين صالونات التجميل مع هند وشراء ما تحتاج إليه وترتيب أمورها، ولملمة خوفها وشتاتها بالجلوس وسط الثرثرات وانغماسها معهم لتتناسى خوفها الذي يطاردها وينهش فرحتها، فتحت فمها لتنطق فصرخ بقوة وغضب افترس ابتسامتها الرقيقة من على ملامحها وثبتها لثواني في اندهاش لاتعرف سببًا لهجومه عليها «بترجصي لمين يا حيوانة؟
»
اتضحت الرؤية أمامها لكن عن أي رقص يتحدث؟
فغرت فمها مندهشة من صراخه وعصبيته وسبابه الذي لا يتوقف وما ظنت يومًا أنه يعرفه هذا المحترم ، حاولت تهدأته «حمزة أرجص إيه؟ في إيه؟»
هدر بغضب وهو يدور في الشقة الي يقيم فيها بأسيوط مختنقًا بغيرته الشديدة عليها «اعملي عبيطة؟ أنا مش منبّه عليكي؟ مبتسمعيش ليه؟ ورحمة أبويا يا سكينة لأجي وأدبك على العَملة السودة دي»
سألته ببلاهة مستمرة معها، وعاليا ومودة تتسللان للداخل بحذر تكتمان الضحكات وتترقبان الانفجار الوشيك بعد إرسالهم له مقطع لها وهي تتمايل من هاتفها «مش فاهمة والله»
أنهى الاتصال وأرسل لها الفيديو الذي وصله من حسابها، فغرت فمها مندهشة قبل أن ترفع نظراتها من على الهاتف وتشاهد ضحكات مودة وقهقهات عاليا وتشفيهما فيها، صرخت فيهما بغضب (مين فيكم الي صورني؟
)
أشارت كل واحدة للأخرى فركضت سكن خلفهما لتخرجان وتغلقان الباب عليها وتتركانها وحدها مع أسدها الذي لو طالها اللحظة لمزقها أشلاء ، رفعت الهاتف لأُذنها موضحةً بعدما وصلتها رنته «هفهمك والله دي مودة»
لكن صراخه لم يتوقف قط ولم يصمت ليستمع بل واصل تهديده وتوعده لها بكل حرقة وجنون «وأنتِ ترجصي جدام مودة ليه؟ يا حيوانة؟»
هتفت بغيظ وهي تتحاشى إثارته أكثر وإغضابه،بصوت خفيض متوازن عاتبته «دي أختي وعادي كنا سهرانين»
زمجر بغضب قبل أن يلتقط أنفاسه ويهدر من جديد «ماشي كِده جبتي أخري هاجي وهشوف جلة الأدب دي وعدم سمعان الكلام»
أنهى الاتصال قبل أن تتفوه، رمت الهاتف وخرجت متوعدة للغبيتين، ما إن خرجت حتى قفزت عاليا راكضة وتبعتها مودة وهما توضحان «كنا بنوريه المواهب»
أمسكت سكن بالمنفضة التي تستخدمها ورد وطاردتهما بغيظ كما تطاردها تهديداته ولعناته «بتوروه؟ على أساس هو مش عارف؟»
سخرت عاليا وهي تكتم ضحكتها «أنتِ رجصتي وأنتِ ملبوسة ودِه كان إزاي؟ العفريت كان بيطبلك؟»
كزت سكن على أسنانها بغضب شديد تتذكر كلماته فتلعنه وتلعنهما قبل أن تقول «بتستهبلي يابت نفسية أنا عارفة الشورة دي شورتك»
اختبأت خلف مودة موضحة في مزاح امتزج بمرحها المعتاد «يابت افهمي ده لمصلحتك نبذة مختصرة عن الي مستنيه»
صرخت سكن في اعتراض «لاه مجصودة منكم جيلالكم مش راضي يا جزم»
رمت المنفضة وجلست في إحباط مغمغمة بإنزعاج شديد «سمعني الي مسمعتوش منه وبيجولي هاجي أربيكي» استبقت عاليا مودة وجلست جوارها مهونةً عليها بربتة حانية فوق كتفها «مش هيلحج يابت اطمني،بيهوش ولا هيجدر يعمل حاجة»
مطت شفتيها بعدما صرّحت بخوفها منه «لو بوّظ الليلة؟»
جلست مودة معاتبةً لها «حمزة ميعملش كِده بطلي ظلم»
تأففت قائلة وهي تلوّح بذراعها في سأم «متعرفيهوش لما يجفش»
لكزتها عاليا قائلة «متخافيش مش هتبوظ آه منك أنتِ كنتي عاملة بجرة» زفرت سكن باستياء وهي تدفعها في غضب «غوري من وشي دلوك يا عاليا»
توقفت سكن كأنها تذكرت شيئًا للتو، جذبت هاتف عاليا من بين أناملها وفتشته تحت نظراتهما المندهشة ثم رفعت نظراتها وواجهت عاليا بخبث «ومفهمانا بتسمعي قرآن والإيمان هبط عليكي وجولنا البت تابت وعمتي ورد فالرايحة والجاية تدعيلك وأنتِ بتشغلي مجاطع للشيخ سليم وبتشتغلينا يا عاليا»
لملم الإرتباك ابتسامتها وهي تتهرب في إنكار «أنا محصلش»
اقتربت مودة تسأل بإهتمام وتفتش كيدًا في عاليا وغيظ «وريني»
قفزت عاليا وجذبت هاتفها وركضت للداخل تطاردها كلمات سكن «ماشي يا عاليا مسيري أردهالك»
ثم اتجهت لمودة وقالت متوعدة «وهردهالك»
انكمشت مودة قائلة بإرتباك وتوتر «أنا وأنا مالي»
توعدتها سكن بضحكة خبيثة ملتوية «أنتِ هخلي المجلب يطلع من نفوخك يا مودة اصبري»
اهتزت نظرات مودة في خوف من عبث سكن وأفكارها قبل أن تنسحب وترحل خلف عاليا تتبعها ضحكات سكن المتوعدة ستحلو اللعبة مع الضابط المنتظر بفراغ صبر.
********
أخذتها هند لتشتري ما ينقصها، بعدما رحلت مودة وعاليا للشقة مع إبراهيم لوضع اللمسات الأخيرة.
سقطت في الحيرة، هي مازالت لا تعرف عنه الكثير، ولا ماذا يحب ويكره، تغاضت عما حدث وتجاهلته،تركت كلماتها تخطو ناحيته بحذر كلما لو كانت تخطو في حقل ألغام وأرض مفخخة «إزيك يا حموزتي» لا ضرر من بعض الدلال تجلبه به والمبادرة اللطيفة، أجابها بجفاء متعمد رغم شوقه لها وحاجته للحديث معها «عايزة إيه؟
»
تأففت بضجر شديد لاعنة أفكار عاليا قبل أن تتدلل «حموزتي ممكن أسألك عن حاجة»
كتب بإختصار شديد لا يمنحها العفو الكامل «خير»
كتبت بسرعة متجاهلة جفائه الذي تعرف أنه غير مقصود ويعاقبها به «بتحب ألوان إيه؟»
سألها بلا مبالاة «ليه السؤال؟»
كتبت له وهي تلتقط بعض الصور « عادي حابه أعرف بتحب في الهدوم ألوان إيه؟»
بفظاظة وغلظة أجابها «الألوان الي بحبها بشتريها وألبسها أنتِ مالك»
سئمت منه ومن مكره فصارحته «ليا أنا عشان بختار شوية حاجات وعايزة أعرف»
أجاب دون مراوغة «على حسب خروج ولا للبيت، نوم ولا عادي»
ابتسمت وهي تكتب متعجبة «كل حاجه عندك ليها ألوان مفضلة؟»
اشتاقها الماكرة المتهربة، واشتاق حديثها ونقاشها ومشاكستها وشقاوتها التي يعشق لما لا تفهم أنه لا يتحمل ابتعادها؟ أجابها بابتسامة «طبعا»
كتبت بصراحة ومرة واحدة لتخرج سريعًا من الموقف وضيق الوقت «لو نوم يا حمزة؟»
بجرأة كتب لها وخياله يصور له الكثير المُربك «أحب أشوفك فكل الألوان وأقرر بعدها هختار على أي أساس؟»
كتبت والابتسامة تحتل وجهها «اختار على أساس بتحب إيه؟»
كتب بمكر وشوقه إليها يتضاعف ولا يرحمه «لاه ممكن أشوفك بلون مبحبوش ويعجبني، أو أنت لون محبوش وتحببيني فيه أنتِ»
تنهدت بإستسلام وهي تكتب «غلبتي يا حمزاوي ووفرت عليا الحيرة هجيب كل الألوان سلام»
نالت غرضها منه ومن المحادثة وأنهت المحادثة فورًا واختفت ، فسبها ولعنها متوعدًا.
********************
♕ يوم الزفاف ♕
هاتفت ورد جلال وبعدما سألته عن أحواله وطفلته، طلبت منه أن يُسدي إليها خدمة ومعرفًا لن تنساه ولمعرفتها بشهامته وحبه الصادق لحمزة قررت أنه هو من يمكنها الاعتماد عليه خاصة وأن حمزة يحبه ويوده ولا يرفض له طلبًا، تربطهما علاقة جيدة ربما هما ليسوا على تواصل دائم لكن بينهما ودًا موصول في الله لا ينقطع وتخضرّ دروبه دائمًا، ما أحتاجت للنقاش ولا التوضيح الكثير المُربك لها، لم يسأل أو يناقش من الأساس استقبل كلماتها وطلبها بإنصات وطاعة وحماس أفرغه في لهفته موافقته، وفرحته المتمثلة في ضحكته التي طمأنتها، كان ودودًا كريمًا لأبعد حد، عرض عليها المساعدة بكرم واستسمحها أن يساعد بأكثر من ذلك إن احتاجته ولا تستحي من الطلب أو إخباره هو رن إشارتها، حمزة أخيه ويمكنها الاستعانة به في أكثر من ذلك، شكرته بحرارة ودعت له من كل قلبها قبل أن تنهي الاتصال راضية ومرتاحة البال، كان اختيارها لجلال موفق للغاية فهي تملك فراسة لا تخونها ومعرفة بالأشخاص لا تخذلها ، وجلال رجل بقلبٍ عطوف يحب الخير ويسعى فيه ، يتيم مثل ابنها ولن يشعر بولدها ومعاناته غيره.
بعد قليل جلال لم يخيب ظنها ترك كل شيء وجاء ليعلن المساعدة بحضوره حتى لا تخجل من طلبه مرة أخرى.
**************
وقفت سكن شاردة الذهن تضم مسحبة عمها بكفها في قدسية، تحتويها بين أناملها ملتمسة منها الدفء والراحة بعدما بدأ القلق يتسرب إليها ويعيث في نفسها الفساد ويُلهيها عن فرحتها ويشغلها عن الإستمتاع بتلك اللحظات التي لن تعوّض، عمها حسان هو دفء الأب وسحره طمأنينته ومرتكز أفكارها
قطعت ورد بدخولها شرودها فاستدارت مخبئة المسبحة بجيب بجامتها، تستقبل مجيئها ببشاشة وهي تمسح دموعها
لم تحتاج ورد للسؤال عما بها كانت تعرف وتشعر وتحس ولا تلومها ومن يلوم القلوب؟ القلوب لا تُلام بل تُتبع بلا إرادة أو وعي .
جلست متربعة فوق الفِراش منتظرة أن تدلو ورد بدلو محبتها، أصبحت الآن تعرفها تريد قول شيء وعينيها تنضح بالكثير الدافيء، عمتها تغزل من الحروف ألوانًا شتى من الحب، لها أنامل سحرية وقلبًا من ماس، تخيلته يومًا كمصباح علاء الدين من يعثر عليه ويأخذه ينال حظ الدنيا والآخرة، فقط تربت عليه لا تفركه وبعدها ستخرج المشاعر على هيئة دخان ملوّن لها رائحة نفاذة رائعة تستنشقها فتقع تحت تأثيرها وبعدها يمكنك أن تختار بنفسك ماذا تريد الحب لك المزيد منه.
الحنان؟ ليس بأقدر عليه منها.
الاحتواء؟ هي سيدته الأولى بلا منازع.
الإخلاص؟ يا ويلك منه لن تفك تعويذته بعدها.
كل المشاعر الإنسانية الرائعة تجمعت في قلبها فصنعت هذا الكيان الساحر الذي يجلس أمامها بكل طهر وبراءة وحكمة ووقار.
مسكين عمها قدره أن يعشق ويتفتت بعشقها ويهيم على وجهه معذبًا مطرودًا، يومًا ما استنشق ووقع أسير لكنه طغى وتجبر،ففارقه ما استنشقه وهام في صحراء الحياة مجنونًا يلهث خلف سراب يتمنى لو نال المصباح.
مُعذب بتأثير ما استنشقه وما فقده، لا يعرف أيعالج التأثيرالذي مازال يعذبه بروعته أم يحارب ليحصل عليه مرةً أخرى.
سألتها ورد سؤالًا بسيطًا جدًا «خايفة»
وإجابتها هي كانت الأبسط، تلقائية لطيفة «إزاي مخافش؟»
سألتها ورد بنظرة ثاقبة «وليه تخافي؟ دِه حمزة؟»
تنفست سكن بعمق قبل أن توضح لها بجرأة وعفوية «عشان حمزة خايفة؟
عيزاله الرضا ولو بأيدي كنت بجيت أنا الرضا الي يدخل صدره مع الأنفاس ، عيزاله الفرحة والسعادة الي جمعهم فيا أنا يا عمتي فخايفة مكونش كد المسئولية»
ضمتها ورد بين ذراعيها في حنان هامسةً «ريحتي بالي وطمنتي جلبي يا سكن على حمزة روحي ربنا يراضيكي»
أدمعت عينا سكن وهي تتلقف أحضان ورد كدرع حماية من الأخطار وهجمات المشاعر الخبيثة الضارة،ابتعدت ورد عنها توضح لها وتوصيها في تضرع بعدما سهلت عليها المهمة والقول «الليلة بالأخص حمزة محتاجك يا سكن، أنتِ عارفه الي مرّ بيه، استحمليه لو شوفتي منه وش غير الوش، اصبري على خوفه وحيرته والي هتشوفيه منه فجلبه كتير يا حبة عيني وأنتِ بس دواه، روجتك هتروّجه وضحكتك هتنور له طريقه،حضنك هيهديه والخوف يُهرب»
لثمت سكن ظاهر كفها بعاطفة وهي تهز رأسها في طاعة «فاهمة متخافيش بإذن الله خير»
أحاطت ورد رأس سكن وقبلت جبينها بقبلة ممتنة رائعة تركت أثرًا ناعمًا رقيقًا في قلبها وروحها ومنحتها الراحة وهدوء النفس والسكينة التي أصبح لها نصيب فيها ليس اسمًا فقط بفضلهما.
تركتها ورد خرجت لتباشر العمل،مودة تجهز عشاء العروسين وعاليا تجهز لكل واحد ملابسه وتطارد الصغار أخوة إبراهيم لتجهيزهم.
وراضية تُعدّ أكلات حمزة المفضلة؛ لتفريزها،ابتهج قلبها لما تراه وهذا الدفء، تمنت لو شاركهم حمزة ما يحدث لفرح بشدة وحيدها، فهو رغم انطوائه يحب الناس ويتدفأ بأحبته ويعشق اللمة،تذكرت اللحظة زوجها فابتسمت، كل الذكريات تُقابل وتُصافح بالدموع إلا حبيبها تُصافح ذكرياته وتعانقها بإبتسامتها وتنهيدات عشقها
مات جسدًا وبقيَّ روحًا داخلها تراه وتسمعه وتحاوره، تعانده وتشاكسه وبعدها تضمه بين ضلوعها وتغفو جواره.
***********
بعد أذان العصر وفي طريقه للمنزل.
رن هاتفه فأجاب ببشاشته المعهودة حينما عانقت نظراته اسم المتصل «ازيك يا جلال أخبارك إيه؟»
أجابه جلال بإبتسامة واسعة ومودة خالصة لا تشوبها شائبة منفعة
«تمام يا باشا أنت تمام، هتيجي الفرح؟» عتابًا ماكرًا ومتخفي جذب به انتباه الآخر وبنى عليه خطته
سأله حمزة بإقتضاب «أي فرح؟»
أجاب جلال بهدوء وهو يلاعب طفلته النائمة فوق ذراعه
«فرح عاصم مش عزمتك؟»
ضرب حمزة جبهته في لوم ضيق وإنزعاج من نسيانه المتكرر
«معلش والله نسيت الف مبروك»
شجعه جلال بحماس وابتسامة ماكرة تقفز فوق ملامحه «يلا بقا تعالى مستنيك»
ارتبك حمزة وحار في أمره، لكنه اعتذر بأدب
«ايه؟ لا والله سامحني لسه جاي من سفر حتى مشوفتش أمي»
تحجج جلال بعتاب ونبرة جافة عنيدة
«لا مفيش أعذار أنا مستنيك، هزعل جدًا»
صمت حمزة مُفكرًا قبل أن ينطق باستسلام وشوقه لوالدته وزوجته يطفو على سطح ملامحه
«ربنا يسهل بس أروّح»
هتف جلال لا يترك له فرصة للهرب منه «كلمت إبراهيم لما مكنتش بترد وهيجي معاك»
سأله حمزة وهو يمط شفتيه دهشةً
«إبراهيم أخويا»
كتم جلال إبتسامته وقال مُحمسًا
«أيوة ياعم يلا متتأخرش»
أنهى الإتصال فزفر حمزة بحزن من تلك المحاصرة، يريد رؤية أمه وزوجته بعد أسبوع غياب، لا ينقصه بكاء سكن ومزاجها السيء ولا عتاب والدته، لكن ماذا يفعل هو يكنّ لجلال مودة خاصة ً لا يريد أن يضايقه بعدم حضوره ولا أن يخسره ، يكفي اهتمامه، على الفور هاتف والدته ليجد حلًا ويطرح الأمر على مائدة المفاوضات فأجابت «وصلت يا حمزة؟
»
فصارحها بتنهيدة حزن وبؤس
«خلاص جربت أوصل بس جلال كلمني عايزني أروحله»
أجابت بإبتسامة حنون لا يحتاج أن يراها هو يستشفها من صوتها ومعرفته بها «وماله روح وريه وشك وأعمل الواجب وتعالى إحنا هنطلع شوية نشتري حاجات لمودة على ما ترجع»
رضخ بإستسلام والهم يغشاه «ماشي أنتم في البيت؟»
أجابته بهدوء لا يكشف دواخلها «أيوة»
قال بمراعاة «هاجي أسلّم وأغير»
صرفته عن الفكرة بقولها
«هيما جه خد هدومك يا ولدي روحله والبس هناك، مش ناجصة سكن تشوفك تشبط فيك ومتروحش ولا تجول أروح معاك وأنا مش عيزاها تروح»
قال بحزن أوجع قلبها عليه
«طيب، اتجفلت فوشي يعني»
أحاطته بدعواتها الصادقة وسبقت بكلماتها مشاعرها
«بعيد الشر، ربنا يفتحلك أبواب السعادة كلها يا ولدي»
أنهى الاتصال بإحباط وهو يسب سكن لا يعرف لماذا لكنه مستاء بشدة يريد رؤيتها ضمها أو ضربها، إشباعها تقبيلًا أو توبيخها لا يعرف هو فقط يريدها ولا يهم ماذا سيفعل، حينما يراها وقتها يحدد «سلام ياحبيبتي»
حاول الاتصال بزوجته لكنها كالعادة إما مشغولة أو تتجاهله، لعنها في توعد وحنق عظيم «ماشي يا سكن بس أشوفك» داعيًا الله ألا ينهزم أمامها وينفذ وعده لها بالضرب
**********
دخل شقة هيما ليجده بانتظاره، يسبق دخوله هتاف إبراهيم البشوش ولمعة عينيه الواضحة وسعادته التي تجلب الحيرة «عمهم نورت»
احتضنه حمزة حضن عابر بإرهاق وتعب، مما جلب سخط هيما فقال بمصمصة وهو يكرمش ملامحه بإستياء «لو كنت سكن كنت حضنتني بضمير»
سخر بفظاظة وضيق وهو يتوغل في الشقة «أبوسك يعني؟ بعدين لا طولت حضن سكن ولا أمي»
جلس حمزة على أقرب كرسي بينما ابتسم هيما قائلًا بغمزة «لا يا سيدي وفرهم الليلة طويلة»
أخرج هاتفه ونقر فوقه مجددًا يحاول الاتصال بها لكن هاتفها أُغلق، لعنها ألف مرة قبل أن يعيد الهاتف لجيبه في سخط ٍواضح، أشار له هيما وهو ينظر لساعة الحائط «قوم يلا خد حمام دافي عشان أشطبك»
استنكر حمزة بتأفف وهو يمسح وجهه «تشطبني؟ وبعدين أنت جبتلي إيه هدوم؟»
عاجله هيما بالقول «جوم يا عم يلا دوش بقا وخلينا نمشي جلال بيرن»
نهض حمزة وهو يتثاءب بتعب وإرهاق، فضحك هيما قائلًا «أجمد كدا هعملك كوباية قهوة وسندوتشين»
أمسك حمزة ظهرة ومال للوراء متمطئًا وهو يقول بشك «أنا مش مرتاح مش عارف ليه؟»
سخر منه هيما وهو يدفعه للمرحاض في عجالة «دا بس عشان عايز تلحق بلوتك»
ضحك حمزة وهو يستند على كتف إبراهيم شاكيًا له تصرفاتها في حرقة وغيظ «بنت ال... بقالها أسبوع مطنشاني وكل الي عليها بذاكر»
ثبّت هيما عويناته قائلًا بإبتسامة«يكش تفلح بعد كل دا ومتبهرناش»
قال حمزة متأوهًا من ألم جسده «لما نشوف أخرتها، أنا عايز أنام أصلًا»
ابتسم هيما قائلًا وهو يتركه ليستعد «هتنام متقلقش بس لما نرجع»
خرج حمزة ليجد ثلاثة من الشباب في انتظاره بإبتسامة واسعة،ألقى التحية «ازيكم يا شباب؟»
أجاب ثلاثتهم ببشاشة «ازيك يا باشا»
مال وسأل هيما الواقف «مين دول»
أجابه هيما بصوت عالي ليحرجة ويكف عن السؤال والتأخير لهم ويرغمه على ما يريد دون أن يحتج أو يرفض «أصحابي هيساعدونا بقا عايز أبقا نجم الفرح»
لوى حمزة فمه بإستياء بعدما جلس يرتشف فنجان قوته، سرعان ما انغمس معهم حمزة متناسيًا، يشغلونه بالحديث والأسئلة ويساعدونه دون طلب ودون أن يشعر، يعرضون خدماتهم بدافع المحبة والود حتى انتهوا من عملهم رحلوا وهيما خلفهم شاكرًا، نقدهم الأموال وعاد لحمزة الواقف أمام المرآة
يقيّم نفسه في باستحسان (حلوة البدلة بس أنا مش فاكر إني معايا؟ اشتريتها متى؟»
ارتبك هيما وقال وهو يقيّم نفسه أيضًا «بتجيب وتركن يمكن نسيتها»
نظر هيما لنفسه هاتفًا بإعجاب وانبهار «والله أنفع عريس»
ضربه حمزة على عنقه ممازحًا له «طيب يلا يا عريس عشان جلال رن تلت مرات»
أمسك هيما زجاجة العطر ونثر رزازها بكثافة على جسد حمزة مما أثار استيائه «ما تشربهوني أحسن»
وضع العطر وأقترب يضمه بصمت متأثرًا للغاية، الدموع تتجمد في عينيه والدعاء له يصطف في حنجرته لا يجرؤ على إخراجه ، مما جعل حمزة يبعده ساخرًا في سخط «ياابني مالك بتتلزق فيا ليه الله يخرب بيتك، عايز أحضن مرتي مش أنت»
ابتعد هيما يمسح دموعه في غفلة من نظرات حمزة الذي استدار يلقي على هيئته نظرة أخيرة تقييمية، وبعدها خرج الاثنان، في الطريق كان حمزة يحاول مهاتفة سكن لكنها لم تجيبه كالعادة واكتفت بمشاهدة الرسائل التي أرسلها لها اللحظة
«وحياة أمي يا سكن لأوريكي»
(شوفي مين يعملك فرح)
قهقهت وهي تقرأ على مسامع ورد ، ثم كتبت رسالة وحيدة ساخرة أشعلت حرائق غضبه «أمك هي الي هتعملهولي»
اختصرت كل ما يحدث حوله في جملتها لكنه لم يفهم أنها تعنيها بحق وتقصدها «هرجعك لأمك»
قرأتها وابتسمت مغمغمةً«عند أمك أما نشوف»
وضعت لها الميكب ارتست اللمسات الأخيرة، فانطلقت زغاريد راضية تشق الصمت وتمزقه ناشرة الفرحة في الجو، انتهت الفتاة أخيرًا من عملها وودعتهم داعية لها بالسعادة، وبقيت راضية والفتاتين وورد الصامتة تذكر الله بخشوع، كلما نظرت لسكن أدمعت عيناها، خرجت راضية لتجلس بالخارج والدها المُنتظر
خرجت عاليا وتبعتها مودة، لتتجه سكن صوب ورد وتجلس على ركبتيها أسفل قدميها قائلة بإمتنان ودموع وهي تقبّل كفها «لو كان أبويا حبك مرة أنا حبيتك ألف مرة، ولو في حد لازم أشكره يبجا أنتِ، ولو في حد له فضل عليا فأنتِ برضو»
لا تعرف لما رأت فيها اللحظة أخيها وصديق العمر، كأنه هو بكفه التي تشد على كفها، انهمرت دموع ورد متحررة من قيودها وهي تخبرها بتأثر «من كتر حبي فيكِ أديتك الغالي، من الليلة مديهولك أمانة تحفظيه وتصونيه وتكوني سكنه وسنده وعوضه الحلو من الدنيا، أمانة يا بتي مش عايزة أشوف ولدي غير مبسوط ومتهني.
.
وتفرحي جلبي بخلفه، لما وصاني أخوي عليكِ بعتهولك جنا ودعيت ربنا يولف الجلوب»
ضمتها سكن بعدما استمعت لها بإصغاء وانتباه كامل تهز رأسها بالموافقة والتأكيد على كل وصية ونصيحة، سألتها بدهشة «بعتهولي؟»
أوضحت ورد «أخويا جلي الوجت جه شيعي حمزة»
أسبلت سكن أهدابها متأثرة، متذكرة والدها في شجن، إذًا حمزة كان اختيار أبيها لها، وياله من اختيار!
لتردف ورد بدموع سخية «كل ما زاد حب حمزة ليكِ زاد حبي ليكِ، فرّحي اليتيم ده يا بتي من زمان مفرحش»
دخل الجد الحجرة فتمسكت سكن بكف عاليا التي جاءت معه ونهضت، ضمها جدها مباركًا قبل أن يلتفت لورد قائلًا بتقدير «عملتي الي محدش عمله يا مرت ولدي»
ابتسمت بشجن وهي تخبره «أمانه الميت للحي، عملت الي لو حبيبي عايش كان عمله»
*******
دخل القاعة يزفر باختناق وملل، وقف أولها يفتش بنظراته عن جلال المختفي، نقر فوق هاتفه محاولًا الاتصال به، يشعر بكسل رهيب ورغبة في الفرار والنوم ، لكنه مُجبر مقيد بوعده لجلال، الجميع يطالعه بنظرة غريبة وابتسامات سخية، الرؤوس تهتز في تحية وترحاب غريب.
دارت نظراته في الوجوه التي يعرفها حق المعرفة، تعجّب داخله، من جمع كل هؤلاء في مكان واحد؟ وما علاقة جلال بهم؟
بحث عن هيما خلفه ليسأل ويستفسر فلم يجده،تسرّب بسرعة اللعين واختفى بين المدعويين، وبقيّ هو بين المدعوين ببلاهة لا يعرف لماذا يباركونه وعلى ماذا؟
هرش مؤخرة رأسه في حيرة قبل أن يهز رأسه بلا مبالاة ويخطو للداخل، التقطت نظراته إبراهيم فاقترب منه وضربه على مؤخرة رأسه موبخًا«هربت روحت فين يا حيوان ومالك عامل فيها أبو العروسة»
سحبه هيما للطاولة المتفق عليها
بصمت تعلقت نظرات الجميع بحمزة مما أثار دهشته وتساؤلاته، تطلّع حوله قبل أن يسأل «هيما هو في إيه وفين جلال هو أنا فيا حاجة ولا إيه؟
» صمت هيما متجاهلًا يدّعي الإنشغال فجلس حمزة متأففًا يغمغم بضيق شديد «كان لازم نيجي ما كنا باركناله عادي»
أعطاهم حمزة ظهره في عدم اهتمام يلوّح بلا مبالاة وهو ينقر فوق هاتفه
لا يريد أن يرى العروس مبارك لزوجها يريد فقط عروسه هو المتهربة الغامضة
رفع رأسه من على الهاتف حينما صدح صوت الأغنية (مكتوبة ليك)
تذكر أن سكن تحبها فابتسم بصمت يستمع لكلماتها التي أخبرته يومًا أنها كلما سمعتها تذكرته ورددت خلفها كأنها تقولها له،أفاق من حلمه و تعجب من العيون التي تحيطه وتحاصره بالنظرات ووقوفهم في حالة تأهب،الجميع ينتظر منه شيئًا لا يعرفه مما سبب له الإحراج،وقعت نظراته على جلال أمامه أخيرًا، الذي ابتسم وأطلق تصفيرًا طويلًا وأتبعه بصقفة مُشجعة ونداء (حمزة) قبل أن يستدير ويعرف مقصده أو يسأل هيما الغارق في ملكوته شعر بكف ناعمة تتسلل لكتفه وتربت فوقه برفق وهي تهمس بنعومة كارثية «ممكن عهد بأنك تكون ليا العمر كله يا دكتور ؟
»
أفلت الهاتف من يده على الطاولة، وهو يستدير مُرتبكًا، نظراته المهتزة دارت في المكان كله حتى وصلت إليها ووقفت في تأمُل، صدرها يعلو ويهبط بانفعال واضح وخجل يتزايد ويحطم كل مقاييس الجمال، نظراتها مثبتةً عليه برجاء، تغوص في نظراته تتدثر بمعطف روحه في ارتجاف وخجل من تلك العيون التي تطالعها الآن بترقب قاتل، تسأله الحماية وأمان ذراعيه وأن يخبئها كما يفعل دائمًا، تلبيته كانت سريعة ضمها أولًا بنظراته الحنون ومنحها القوة قبل أن يسأل (سكن)
ضحك جلال وهو يهز رأسه من سؤال حمزة، ليصفر مرة أخرى ويشجعه بلطافة ومؤازرة (ما تقبل بقا يا عم واديها الوعد)
ضحك حمزة بتوتر قبل أن يمسك كفها البارد ويحتويه قائلًا بإرتباك (فوق جبيني عهد ليكِ حياتي وعمري الي جايين ميكونوش لغيرك)
ضمت كفه دامعة تحتمي به وبلمساته، لمسة واحدة كفيلة أن تمنحها الدعم الكافي لتقف أمام هذا الجمع بقوة وتصرخ بعشقها له.
همس يسأل ونظراته تفتش بين المحيطين والحضور(فين أمي؟)
جاءت من خلفه مُلبية، تمسح دموعها المنسابة على وجهها.
.
ضمها لصدره متفاخرًا بها أمام الجمع يُقبل رأسها وكفها بتقدير وحنو، يشكرها بدموع الفرح وهو يهمس لحبيبته بتوضيح يرجوها التفهم ويستسمحها بنظراته ،يناشد فيها طيبة قلبها (أمي جبل كل حاجة يا سكن، حضنها جبل أي حضن) اقتربت سكن من ورد تضمها هي الأخرى مُعلنة تفهمها ومتقبلة
أشاح جلال دامع العينين يضم زوجته كنزه الثمين لصدره في تأثر واضح،براءة الرائعة التي تتفانى في إسعاده لا تبخل بأي دور،زوجة وحبيبة وصديقة وكثيرًا أم دافئة حنون له،تفهمت براءة شعوره وأحست به فهمست مواسية ومحتوية بحنان (إيه يا جلجل؟
)
قبّل رأسها في صمت وابتسامة مطمئنة تشع رضا قبل أن يعود بنظراته للعروسين المتألقين.
ترك حمزة والدته التي ربتت على كتفه مُشيرة له «فرِّح مرتك يا حمزة يلا »
هز رأسه قبل أن يستدير للواقفة في ارتجاف،تنتظر الإذن بإقتحام أحضانه سحبها للمنتصف قليلًا بعيدًا عن الزحام وضمها بعاطفة شديدة رافعًا جسدها قليلًا يدور بها، فتعالت التصفيقات وتصفيرات جلال وهيما المشجعة، أبعدها بهدوء ممسكًا بها حتى تستعيد توازنها.
.
اقترب جده وعانقه بحرارة مُهنئًا، وكذلك فعلت راضية التي تشبثت به باكية كعادتها، قبّل حمزة رأسها بتقدير وهو يلومها «يا عمتي لازم البُكا؟
»
ربتت على صدره قائلة «فرحانة بيك يا ولدي» اقتربت وضمت سكن بقوة لأحضانها،وجاءت منى وصغارها وعاليا وحدها مودة بقيت مكانها تحت تهديد السلاح، عادوا للطاولة جوار ورد
أمسك حمزة كف سكن وسحبها حيث مكان جلوسهما، مال وهمس بأذنها في مشاكسة «دا مش هيمنع إنك هتتعاقبي»
حركت حاجبيها في استهانة وهي تهمس بسؤالها «وإيه العقاب؟»
غمزها وهو يهمس لها بشقاوة «لما نروّح خليها مفاجأة» ثم أردف بحاجب مرفوع في غيظ «كنت ناوي أمدك على رجليكي أصلًا»
كتمت شهقة اندهاشها الممزوجة باعتراضها «نعم! ليه كل الي أنت شايفه ده ميلتمسليش العذر»
قال وهو يشيح عنها بغرور «هشوف»
مالت وهمس بشوق فضحته نظراتها قبل لسانها في تعجّل «أنا الحضن ده مشبعنيش بجالك أسبوع غايب ومحرومة منك جوم احضني تاني حضن جامد يا حمزة»
رمقها بنظرة مستاءة وهو يردعها «اتأدبي طيب ولا مشيفاش الناس»
ابتسمت هامسة في غرام «لاه مش شايفة غيرك»
صدح صوت أغنية محببة لنفسها فانتفضت تردد معها وهي تتمايل، ليزجرها بنظرة منه وهمس «اجعدي حلو)
مالت مقترحة بحماس «سيبني أجوم أرجص»
نظر لها شذرًا مستنكرًا طلبها «نعم يا روح أمك ترجصي دا أجطم رجبتك لو اتحركتي»
تأففت بغيظ مبتعدة عنه تعاتبه «مش فرحي لازم أرجص وأنبسط»
قال في عناد ورفض قاطع «لاه متتحركيش أبجى أرجصي في البيت»
قالت متحدية في عناد وصلابة رأس «لو مرجصتش هنا مش هرجص في البيت»
رمى لها كلمته دون أن ينظر إليها وهو يكتم عنها ضحكته «مبجاش بمزاجك»
قالت متحدية متهكمة «لاه بمزاجي»
نظر إليها مبتسمًا يهمس متحديًا هو الآخر «هنشوف»
صمت قليلًا قبل أن تهمس مجددًا «حمزة مجولتليش رأيك لا في الفستان ولا فيا معجبتكش ولا إيه»
همستها بلوم ونظرات حزينة عاتبة، لينظر إليها بحنان ويهمس برقة «والله يا سكن وجت الكلام خلص ومعدش ينفع وأي كلام مش هيكفي ولا يرضيني ، بس أجولك أنتِ أحلى عروسة شافتها عيني خطفتي جلبي بطلتك الجميلة وعايز أخبيكي من العيون الي بتبصلك دي، بجيت مستكترك عليا بكل الي بتعمليه عشاني دِه والله»
أدمعت متأثرة بهمسه؛ ليمسك بكفها الأيمن ويجذبه لفمه مقبلًا بحرارة، مستطردًا بغرام «كنت واجف عايز أسألهم دي بتاعتي أنا ليا أنا؟ دي سكن حبيبتي وروح جلبي»
همست بإرتعاش ترجوه «عايزه أحضنك»
مازحها وهو يميل عليها «أبكي بوظي الميك اب وضيعي فلوسي»
همست بابتسامة «دي فلوس عمتي»
همس وهو يشيح باحثًا عنها بين الموجودين ليطمئن «آه من عمتك والي بتعمله»
غمغم وهو يضحك ضحكة مكتومة «حاسس لو جولت أروح أنام تعبان حتديني طلجتين مفيهاش المرة دي شبشب»
جاءه هيما معاتبًا بضحكة واسعة «قوم يا عم أبق الزقلها في البيت وتعالى نهيص مع أصحابنا، الشباب كلهم هنا وعايزين يوجبوا»
نهض في قبول مُلبيًا بسعادة، فهتفت سكن معترضة بغيظ «لاه لو رجصت تخليني أرجص»
زجرها هيما بنظرة حانقه، ينهاها عن قولها«اسكتي طيب»
تأففت في استياء، بينما تركها حمزة وانسحب مع هيما بعد تدخل جلال واقترابه مشجعًا له على المجيء، أدار هيما رأسه يُخرج لها لسانه ليغيظها فزفرت في غضب متوعدة له، بقيت وحدها
تشاهد انسجامه مع أصدقائه، تسللت الابتسامة لثغرها مُعجبة، سعيدة لأجل ضحكته وفرحته وانغماسه معهم سريعًا، ترى منه جانبًا آخر كان يخفيه، جانب كان يحتاج مصابيح سعادة تُلقي عليه بضوئها فيتضح ويظهر، انقشع الظلام عنه فوضحت الرؤية، حبيبها مَرِح مقبل على الحياة تاه ذلك في زحمة الأيام وتوارى خلف الحزن ، وأظلم مع مصاعب الحياة ونوائب الدهر.
هاهو جدها يشاركه الفرحة والرقص في سعادة غامرة ، جاءت عاليا وجاورتها ساخرة «دكتور البهايم كان مخبي المواهب دي فين طلع عادي زينا اهو؟»
زين الذي ما إن لمح نهوض حمزة وتركه زوجته وحيدة، حتى اقترب من مودة ووقف جوار كرسيها قبل أن تنهض لتلحق بعاليا كان يقف جوارها، ينحني ويهمس أمام أذنها وهو يغرس الشوكة أمامها فوق الطاولة بعنف مهددًا من بين أسنانه «لو قومتي واتحركتي من مكانك هعمل منك شاورما أوزعها على المعازيم يا مودة»
انكمشت برهبة طردتها وقالت متحدية «لو عايزة هجوم بس ماليش مزاج»
نظر لعينيها يرهبها وهو يهمس بقوة «وريني لو جدعة»
أشاحت في خجل امتزج برعبها من نظراته وسيطرته، سألته في سخرية «أنت حارسني بجى»
سحب الكرسي المجاور لها وجلس قائلًا بتأكيد وابتسامة مستفزة «آه حارسك وماليش شغلة غيرك، لا فرح يهمني ولا غيره، كفاية خليتك تيجي والناس دي كلها تشوفك»
توردت بخجل شهي وهي تشيح عنه بوجهها متهربة من نظراته، تفرك كفيها ببعضهما متوترة بشدة خاصة وهو بهذا القرب المهلك لحواسها ، يفرد ذراعه واضعًا له فوق حافة كرسيها خلف ظهرها كأنه يضمها، رائحة عطره امتزجت بأنفاسها محاصرةً لها في مؤامرة خطيرة النتائج ، أنفاسها ممزوجة ومختلطة برائحته، تكاد تذوب من فرط خجلها، همس لها بنبرة دافئة مليئة بلطف غير معتاد «مش هتردي يا مودة؟
مفيش أي حاجة تخليكي تديني فرصة تانية وتدي نفسك فرصة تحبيني»
مسحت جبينها من عرق وهمي شعرت به، أو ربما أرادت أن تستعيد ثباتها بهذه الحركة وترتب فوضى أفكارها، همست متلعثمة، حروفها مُطاردة بالارتعاش «مش وجته الكلام دِه؟»
ضم شفتيه بخيبة وتنهيدة بائسة خرجت لتلطم مشاعرها المتحركة تجاهه وتُفيقها من ثُباتها، الندم لطّخ شعورها بالعناد والتحدي فتراجعت قليلًا «هرد بكره»
أحس بلين ملامحها ورقة نظراتها، فابتهج وهمس برضا وأمل أطفأ نيران حزنه ببرودة قطراته «خير بإذن الله»
أمسك بكفها البارد المرتعش وسحبه، فواجهته بنظراتها محتجة في حياء «زين»
حقق مبتغاه وأسر نظراتها ثم همس «وحشتيني والله» نظرت حولها بإرتباك واضح واضطراب، فهمس في سخط وإنزعاج «الناس كلها مشغولة محدش لا سامع ولا شايف ركزي معايا أنا مش بشقطك أنا جوزك»
نهرته بنظراتها وقولها في ردع وتحذير «زين»
استغل الفرصة وسألها بهدوء «هسألك سؤال لو جاوبتيني بصراحة هقوم وأسيبك»
سألته باهتمام وهي تمنحه النظرات في عفو «إيه؟»
أخفض رأسه متنهدًا وهو يفرد كفها فوق كفه ثم يغطيه بكفه هامسًا «مش حاسة بأي حاجة خالص ناحيتي؟ مفيش حاجة اتحركت؟»
نظرت إليه طويلًا بتدقيق فأردف «مش معقول ولا حاجة»
هتفت في غيظ «ده غرور ولا ثقة»
ضم شفتيه بصمت متغاضيًا عن كلماتها الثقيلة الفظة وقال بهدوء «بيقولوا القلوب بتحس بالي بيحبها وتحبه وأنا بحبك»
قالها بقوة وهو يرفع نظراته كما لو كان يتحداها ويثبت القول بفعل، يقحمها في عقلها وينحتها بإصرار فوق صخور عنادها ورفضها الصلبة غير متنازل .
ووصلها ما أراده أن يصل، ارتجف كفها وتهربت نظراتها تخفي شيئًا لا تسمح له بالتسلل أكثر من ذلك عبر نوافذ عينيها، تغلقها على روحها في خوف، منتظرة حتى يحين الوقت.
سحبت كفها وقالت «متضغطش عليا لسه بفكر»
كزعلى أسنانه بغضب، حبسه عنها وقيده بالتعقل والصبر، زفر قائلًا وهو يضع ساقًا فوق الأخرى «تمام برضو مش هتحرك من جنبك واخبطي دماغك فأقرب حيط»
ضربت جبهتها في يأس منه وإحباط فاقدة الأمل فيه
حول الطاولة المجاورة كانت راضية تميل على ورد هامسةً«مودة ربنا يهديها وتدي لجوزها ريج حلو»
نظرت ورد لمودة بابتسامة حنون قبل أن تربت على ركبة راضية مطمئنة مهدئة «سبيها مودة عاجلة وفاهمة، ربنا هيختارلها الخير»
دعت راضية بتضرع وهي تحيطها بنظراتها «يارب وأفرح بيها زي سكينة»
*************
انتهى الزفاف وصعد حمزة السيارة وسكن جواره، هاتف والدته التي أجابت فورًا «فينك يا أمي؟»
أجابته بابتسامة وقور (فبيتي يا ولدي)
سألها باستنكار لا يستسيغ رغبتها (مش هتروّحي معانا؟)
ضحكت مندهشة تستهجن قوله ورغبته (أروح معاك فين يا حمزة)
قال بجدية وسكن تضع رأسها على كتفه متثائبة (بيتنا)
أوضحت ورد بحكمة (لاه وأسيب ضيوفي مينفعش)
ثم أخبرته بقرارها (هجعد مع منى الشهر دِه)
هتف في اعتراض (مفيش شهر)
هتفت في حزم مشددة عليه (وأسبوعين منهم مشوفش وشك هنا يا حمزة أحسنلك)
هتف بإبتسامة (ده تهديد ولا تحذير؟)
قالت ورد بجدية تحسم الأمر بحزمها (زي ما تعتبره، أنا زهجانة منكم ريحوني شوية)
هتفت معاتبة سكن وهي ترفع رأسها من على كتف زوجها (زهجانة مني ليه؟ مجدرش مشوفكش أسبوعين)
زعقت ورد متخذة العصبية سبيلًا لتردعهما وتؤكد على جدية ما قالته (لاه يا بت أخوي خليكي مع جوزك والي بجوله يتسمع)
سألها حمزة بضحكة قصيرة مستفزًا لها (ولو مسمعناش)
هتفت بنفس نبرة السخرية (هاخدها أسبوع متشوفش ضفرها وأخليك تلف حوالين نفسك)
زفر باستسلام قائلًا (ربنا يسهل يا أم حمزة أبجي تعالي أنتِ)
(بإذن الله مع السلامة يا ولدي هنام راسي وجعتني)
(مع السلام يا حبيبتي)
وضع الهاتف وسأل التي تميل على كتفه متثائبة بإرهاق وكسل (بتنامي؟)
أجابته وهي تفتح عين وتغلق الأخرى (أيوه)
ضحك قائلًا في سخرية منها (ده عند أمك مش عندي) ابتسمت بصمت فقال في مرح ينظر للطريق في استعجال (مجولتليش إيه تخيلك ياحلوة عشان ننفذه بالضبط)
ابتسم قائلة وهي تغمض عينيها في استرخاء (أولهم تشيلني زي الأفلام)
ضحك على قولها، ليقول بعدها وهو يركن سيارته بعدما وصل أخيرًا(الأهم من كل دِه أنك وحشتيني وعذبتيني أسبوع مش عارف أوصلك ولا أكلمك ولا أشوفك، أسبوع بألف أسبوع يا سكني والله)
زفرت قائلة في ملل(مش كنت بجهز وبفرح أنا والبنات)
سألها بحاجب مرفوع معترضًا (والعريس فين من فرحتك)
رفرفت بأهدابها هامسةً بدلال وهي تضع كفاها على قلبها (في جلبي والله)
هز رأسه مبتسمًا قبل أن يترجل من السيارة قائلًا (أما نشوف فستانك دِه هيطلع ازاي؟)
بعد دقائق كان يقف بها أمام الشقة، تنهد تنهيدة الوصول قبل أن يحمسها بقوله وابتسامته التي فرشت لها بساطًا من سعادة تخطو فوقه (استعدي ياحلوة، ده أنا من يوم ما شوفتك وأنا نفسي في اللحظة دي)
ردها كان نظرة مستنكرة، قبل أن يفتح باب الشقة ويحملها بين ذراعيه للداخل، أغلق باب الشقة بقدمه، فقالت (خلاص نزلني هنا؟)
طرقع بفمه معترضًا (مش دي المحطة)
دخل بها حجرتهما وانزلها وهو يتأمل تزيين الحجرة بإعجاب هامسًا (كان نفسي أنا الي أعملها)
عاد بنظراته إليها فوجدها منكمشة، ترتعش قليلًا في رهبة ظهرت واضحة في نظراتها، سألها ليلهيها ويشغلها (مين الي عملها؟)
همست وهي تتراجع خطوة في اضطراب واضح لنظراته المحتوية (مودة، وعمتي منى وعاليا)
أثنى على مجهودهم الواضح بتقدير (كتر خيرهم الأوضة حلوة)
سألته ونظراتها تدور في الحجرة بعدم تركيز وتوهةً (عجبتك)
اقترب ضاحكًا يمسك بكفيها المرتجفين الباردين ويحتويهما قائلًا (الي دخلتها أحلى) سحبها وجلس بها فوق التخت المزين بنعومة، سألها بجدية (في إيه؟
أنتِ خايفة؟
أمال فين تخيلاتك وترتيباتك رجعتي فكلامك؟
) خلع سترته ووضعها جانبًا في استعداد
فهزت رأسها وهي تتحاشى النظر إليه، اقترب منهًا مقترحًا بحنو (تعالي اقلعك الحجاب والطرحة، عارف مبتحبيهوش يمكن لما دماغك تتكشف تشتغل)
حذرته وهي تميل بعيدًا عنه حتى تأخذ وعده منه (الطرحة والحجاب بس يا حمزة؟)
لمعت عيناه بشقاوة وهو يجذبها برفق ناحيته هامسًا بوعده المرح (ماشي يا بتاعة التخيلات)
نهض وسحبها تجاه طاولة الزينة، أجلسها أمامه فوق الكرسي وبدأ في تخليصها من الطرحة والحجاب، لينكشف له شعرها أخيرًا، سحب فرشاة شعر من أمامها ومشطه وهو يسألها (جصيتيه؟)
بأنفاس متسارعة همست (أيوة وعملت الي أنت شايفة؟ حلو؟)
انحنى قليلًا وهمس جوار أذنها وهو يطالعها عبر المرآة (حلو جدًا)
همست بتوتر فاق الحد (اتضايجت؟ )
أجابها وهو يسحبها لتقف أمامه ويحتضن خصرها بكفيه (لاه عايزك دايما كِده تفاجئيني)
تململت تحاول تخليص خصرها من كفيه في هروب قائلة (ممكن ادخل الحمام أغير؟)
ابتعد عنها تاركًا لها المساحة، متراجعًا خطوة في تفهّم (هطلع متخافيش) اتجه صوب الخزانة فتحها مفتشًا وهو يسألها (جبتولي هدوم ولا إيه؟)
هزت رأسها ومازالت واقفة في توهة وتخبُط، جعلته يسحب ملابسه ويعود إليها يسألها (بت مالك أنتِ كويسة)
اندفعت لأحضانه بصمت، مختبئة بين ذراعيه في أمان فضمها مبتسمًا وهو يهمس مشاكسًا (طلعتي جبانة)
همست شاعرة بالأمان والراحة في وجوده بين ذراعيه (شوية)
تلمّس خصلاتها موضحًا بإحتواء ودعم يزيدها فيه غرقًا وعشقًا (متخافيش كل حاجة برضاكي وموافجتك وسيبك من كل حاجة، احنا دلوجت فبيتنا ولوحدنا وبراحتنا وكل حاجة سر بينا احنا وبس مهما يحصل)
همست وهي تضمه أكثر (بحبك خالص يا حمزة)
أبعدها عنه مؤكدًا (وأنا يا حلوتي، يلا هروح أغير هدومي وأجبلك كوباية عصير)
هزت رأسها بالموافقة فلثّم ثغرها سريعًا ورحل، ارتدت قميص نوم ومئزره حاكته لها ورد خصيصًا لتلك الليلة بتصميم ناعم اختارته هي من على أحد المواقع مبهرًا بتفاصيله وتفاصيل جسدها .
نثرت عطرها بسخاء رتبت خصلاتها وبعدما ألقت على انعكاسها في المرآة نظرة رضا خرجت تبحث عنه حتى وجدته واقفًا في المطبخ، يعطي ظهره للباب قائلًا
(حاضر، هعمل كل الي جولتيه، مش جولتي زهجانة مننا رنيتي ليه؟ خايفة عليها هاكلها مثلا، بقولك أنا أصلا عايز أنام وأنتم خدتوني على خوانة ومكنتش عامل حسابي)
(خلاص اهدي والله بهزر محمد رسول الله )
استدار على همسها الخجول بإسمه على غير العادة والمجرد من ياء الملكية، همسًا ناعمًا رقيقًا تغوي به وترتجي رأيًا وتترقب فعلًا، اختلج قلبه بمشاعر دافئة وهو يراها بهذا السحر وتلك الروعة، مغوية ببراءتها وسجيتها، عيناها تعزف لحن شوق خاص يعرفه لكنها تهاب الموقف، تخشاه رغم جرأتها معه، تخاف مش شيء لا يصل إليه بفهمه الآن وإدراكه المقتصرعلى حاجته للقرب ، عاجز عن التفكير في غيرها وهي أمامه بكل فتنتها الشهية التي تدعو للإلتهام والشبع منها بعد ماكان، يريد حقه فيها والتمتع بها بين ذراعيه بعد أيام حبس فيها رغبته والتزم الصبر والثبات،
هي له الآن دون قيود تكبله أو محاذير تمنعه، لكنه يريدها برغبتها هي، بموافقة منها لا إندفاع وتهور منه لتكتمل فرحته وسعادته.
اقترب يمسح بنظراته جسدها، تلهث بإنفعال غريب تتعلق نظراتها به كطوق نجاه، لا تريد سوى عيناه هما شاطيء الأمان وزورق النجاة فيهما تُبرم العقود وتُعقد الاتفاقيات، تنال ما تريده وتسلّم بما يريده بقوة خفية ، هنا عرشها وسكنها، فيهما تطمئن ويسكن قلقها.
عضت شفتيها بخجل وقد قرأت ما في نفسه الآن بوضوح، والذي أنكره لسانه وأخفاه رفقًا بها وتفهمًا لخوفها الطبيعي
(مبهرة يا سكن) تدفقت كلماته بدفء سرى في جسدها وهو يُقربها لصدره تلقائيًا منجذبًا وربما هي اقتربت دون حاجه فعيناه حبيبتاها تدعوانها وكيف لا تلبي؟
شرحت وهي تخفض بصرها، منتزعةً عينيها منه (عمتي عملتهولي زي ما طلبته منها) كانت تقصد قميصها الناعم ومئزره، فهم دون سؤال لكنه أثنى عليها هي (أنتِ بتحلي أي حاجة يا سكن)
أزاحت غرتها جانبًا خلف أذنها وهي تسأله بتوتر (عمتي كلمتك؟)
همس وعيناه تجوبان وجهها بشوق (أيوة خايفة عليكي مني)
نظراتها ارتفعت باستنكار ورفض غير منطوق، فسألها بإبتسامة رقيقة احتضنت ملامحه الساحرة (عندها حج بنت أخوها خايفة مني برضو)
زاد استنكارها وطغى رفضها، حينما علمت أنه يريد جوابًا ويستدرجها لمعرفة ما بها، همست بابتسامة زادتها حُسن تبوح له بخجل (مش خايفة منك أنا خايفة مني، من إني معرفش أرضيك وأسعدك ...)
شعرت بالحرج مما تقول فتوقفت عن التوضيح متمنية أن يفهمها ويعذرها كعادته، أن يصل بوعيه لما تريد قوله، عضت طرف شفتيها وهي تتراجع خطوة مقررة الهرب، لكنها أمسك بها وأعادها لذراعيه هامسًا وأنفاسه تثور وترتفع، تعلو بترنيمات شوق خاصة به وتبوح بما يكبحه عنها من لهفة وتوق (وأنتِ فحضني كل الرضا فجلبي)
ابتسمت بعذوبة وهي ترفع ذراعيها وتحيط عنقه هامسةً بتساؤلها (أنت بتحبني ليه يا حمزة؟ أكيد مش الشكل لإنك شوفت أحلى مني)
قاطعها وهو يضع سبابته فوق شفتيها ويحركه بنعومة مؤكدًا(مشوفتش غيرك)
أردف وكفه يتحرك فوق خدها برقة أذابتها (جبلك مكنتش شايف، كل حاجه كانت ضلمة يا سكني ولما جيتي أنتِ جبتي النور لعنيا ولجلبي)
أغمضت عينيها مستعذبة حركات أنامله على خدها متنهدة، لتهمس مجددًا (برضو بتحبني ليه؟)
أجابها وهو يميل ملثمًا خدها وثغرها، وجيدها الناعم، يهادن ارتعاشته تحت أنامله ويتوحد مع أنفاسها المتسارعة (عشان أنتِ سكن وبس)
سألته وهي تذوب كليًا مع رقته ونعومة لمساته ولطافتها (هتفضل تحبني)
همس في غرق وقد بدأت التحرر بين ذراعيه ومبادلته الحب (لآخر العمر)
ابتعد لاهثًا يهمس وعيناه ترجوها الموافقة (مشتقلك يا سكن؟
عايزك ومتمنتش فحياتي حد غيرك ولو جولتي لاه مش هزعل ) ابتعدت متخبطة مازال خوفها يسيطر تتمنى التأجيل حتى تهدأ قليلًا وتطمئن، مازالت خائفة من النوبة وتخشى العواقب وتأثير قربه عليه لا عليها خاصة وأنه يمتلك قدرًا لا بأس به من القلق والهواجس فيما يخص تلك الليلة، تريدها أن تمر بسلام.
فسرّ صمتها سريعًا وابتسم محتويًا شتاتها، قبّل جبينها وابتعد في تفهم ، يثرثر في تشتت واضح (احكيلي بجا عملتي إيه الأسبوع الي مكنتش معاكي فيه يا حلوة؟)
ابتسمت وقبل أن تفتح فمها سألها (تاكلي، تشربي عصير) متوتر منهزم برغبته، يهرب بنظراته منها وكأنها السبيل الوحيد إليها وابتعاده عنها سيطفىء لهيب شوقه للإقتراب، تذكرت كلمات عمها فهمست تقطع ثرثرته (تعالى نصلي يا حمزة)
ابتسم بعدما منحها كوب العصير فوضعته وسحبته من كفه قائلة (هنصلي)
بعد قليل كانت تجاوره، وقد ارتاحت نفسها وهدأت في اطمئنان، مسحت الصلاة قلقها وأعادت لنفسها الراحة، سلّمت أمرها لله في سجدتها ودعته بحرارة أن يهديها سُبل السلام.
صفت نظراتها وراقت ملامحها، ابتسمت في وجهه كأنها عادت للتو من طريق طويل موحش، همست بصفاء غريب ونظراتها تلمع (إزيك يا حموزتي وحشتني طول الأسبوع)
اندهش مما يراه، لكنه ابتسم بحنو، رمت نفسها عليه تطلب حضنًا وحصنًا آمنًا بذراعيه فأحاطها متقبلًا، لا يطلب فهمًا يستمتع معها باللحظات وإن كانت جنونية
هكذا يحبها هو دائما مجنونة، مشتعلة بعاطفتها، موفورة العطاء تغمره بعشقها دون حاجة أو طلب، تمنح بسخاء لا تلتفت للمقابل، كل يوم لديها جديد يبهره، متقلبة المزاج لكنها رائعة وشهية ولا ضررطالما ستحبه في كل مزاج لها هذا ما يهمه.
سحبت كفه ووضعتها على رأسها ثم نظرت لعينيه بتألق وهي تطلب بشقاوة طفلة ( ادعي يا حموزتي)
منحها ابتسامة واسعة قبل أن يضع كفه على رأسها ويدعو ألا يكون بحبها شقيًا وأن يهبه منها غلامًا ذكيًا يرث روحها وقلبها.
سألته في راحة غريبة تتسلل لنفسها وتمنحها السكينة المثالية لبدأ ليلة رائعة معه، تكون ذكرى تمحي أخرى بشعة (دعيت بأيه؟)
تأثيرها يطغي، لا يمكنه المقاومة ولا صبره القليل يسد رمق شوقه لها فيصمت، لذلك تهرّب منها ونهض يلملم سجادته، قال بابتسامة حنون (هتاكلي)
قالت بمرح وهي تلف ذراعها حول ذراعه(هشرب عصير)
أمسكا بكوبيهما ودخلا الحجرة في استعداد، خلعت اسدالها وأعادته للخزانه، عادت لتجاوره فوق الفِراش بعدما تخلّت عن مئزرها، ابتلع ريقه بتوتر وهو يرتب الدثار والوسائد استعدادًا للنوم، عيناه وقعت على ما طبعته أسفل عظام الترقوة فوق موضع قلبها، توقف عن الحركة يقرأه بهمس خافت (أي جمال بعد عينيك يذكر)
ابتسمت وقد سلبت منه تركيزه وأعادته إليها مجددًا، سألها بتقطيبة خبأ خلفها تأثره (إيه الجملة دي يا سكن؟)
استند ت بمرفقها على ركبتها المرفوعة واضعةً كفها خلف رقبتها تتأمله هامسةً (نسيت إني بحب عينيك؟ أول ما قرأتها عجبتني وخليت عمتي كتبتهالي بالحناء)
حمحم يهز رأسه محاولًا الثبات وهو يستعد للتسطح فوف الفراش، فهمست بنعومة قاتلة وإغواء أصاب هدفه (حموزتي؟)
أجابها دون أن يمنحها نظراته (نعم)
اعتدلت ومالت هامسة وهي تقرب وجهها من وجهه (عايزه بوسة زي بتاعة الحلم، وعايزة أعيش ليلة منسهاش)
افرجت ملامحه عن ضحكة مبعثرة لا تقف على شعور معين فتعتنقه ويتضح سبب الضحكة، أدرك ما تعنيه، ولمس رغبتها في إرضائه، لكنه ظل على نبله معها (أنا راضي يا سكن بالي يرضيكي اطمني) ابتعدت ممتنة لروعة قلبه، قالت تشاكسه في دلال (العفريت كان أجدع منك بجا، وعايزني أكتر منك )
مال في تحدي سحبها بذراعيه لتلتصق به ثم همس وأنفاسه تضرب وجهها (محدش عايزك أكتر مني)
مطت شفتيها هامسةً في استخفاف(مش باين) سألها مبتسمًا مستمتعًا بمشاكستها وأنامله تتلاعب بطرف (ويبان إزاي؟)
همست وهي تزفر أنفاسها على وجهه بنعومة كأنما تمنحه الإذن (مش عايزة أنسى الليلة دي أبدًا يا حمزة، ولا أنت تنساها، عيزاك كل ما تفتكر سكينة بت عمتك تفتكرها)
نظراته منحتها الوعد الحار، قبل أن يهمس وشفتيه تحطان فوق ثغرها وتمتلكه مسقطة أول حصونها ومقتحمة سور حمايتها (أحكيلك حكاية حلوة؟)
تنهدت متأثرة بلمساته طاغية الحنان ملتهبة المشاعر (احكيلي بحب صوتك وحكاياتك يا حمزة)
تجولت شفتيه فوق وجهها، ملكته تسلّم حصونها دون جهد منه ولا طلب، تمنحه مفاتيحها بسعادة ورضا وقبول مرحبة بالأسر بين ذراعيه (في لغز فنهاية الحكاية لازم تحليه)
همست وهي تغمض عينيها سابحة في ملكوته الخاص تذوب بين ذراعيه في رضا وتمنح بمحبة (موافجة)
بعد مرور وقت
انتهى بها المطاف منكمشة بين ذراعيه تتوارى في خجل وتدفن وجهها في صدره بحياء ابتعد بعدما نال مبتغاه وتوجها ملكةً،ضمها بين ذراعيه ودثرها بعدما لاحظ ارتعاشتها الطفيفة مغمضة العينين في صمت خجول تدفن وجهها بصدره متهربة من نظراته الآن، سألها بخبث وابتسامة ظفر تظلل شفتيه وهو يرى انعكاس ما حدث على وجهها المتورد(عرفتي حل اللغز ياحلوة)
ضحكت بخفوت وهي تمرغ وجهها بصدره مجيبة سؤاله الماكر(عرفته)
رفع وجهها إليه بأنامله وسألها بإشراق،يمنحها عيناه حبيبتاها في نظرة بألف معنى (إيه حل اللغز ؟)
أخفضت رأسها عنوة منفلتة من قبضة أنامله على ذقنها متهربة من نظراته، تهمس برقة شديدة، تطبع الحروف على صدره بشفتيها (حمزة هو حل اللغز)
ضحك بسعاد وهو يثني على ذكائها ويضمها إليه (شاطر حبيبي، تحبي نجول لغز تاني ولا نأجله لبكره؟)
همست بخجل وهي تنكمش بأحضانه تاركةً له الخيار (أنت تحب إيه؟)
سحب دثار عليهما في استعداد متخذًا قراره هامسًا (أنا أحب سكن)
في الصباح
همست وشفتيها تحطان فوق ذقنه برقة تتجول متدللة بنعومة (حمزاوي)
تململ مغمغمًا قبل أن يفرّق بين جفنيه مستقرًا بنظراته فوق وجهها الباسم، متذكرًا ما حدث أمس ليبتسم ويضمها (صباح الورد ياسكن حمزاوي)
عاتبته وأناملها تتحرك فوق وجهه بنعومة (ينفع العروسة تصحي العريس، مش المفروض أصحى الاجيك محضرلي الفطار وبتصحيني وتجولي صباحية مباركة)
لثم باطن كفها هامسًا وهو يزيح بكفه الأخرة خصلاتها المنسدلة(أنا اتاخدت امبارح غدر أصلًا ومعملتش حسابي إني هبجى عريس وكدا)
ارتفع حاجبها ونظراتها تطلق إنذارًا بالخطر،ما داس فيه كان حقل ألغام سينفجر فيه (اتاخدت، ومعملتش حسابي.. إنت عايز خبطة على دماغك دي صباحية عروسة دي ولا يعني علشان اتجوزتني غصب عنك)
قبل أن تبتعد أمسك بخصرها وضمها مستنكرًا (غصب عني؟ من يوم ما رجعت جنا وأنا هموت عليكي)
استرخت مبتسمة، لثمت شفتيه هامسة(ثبتني يا حموزتي، جوم يلا)
سألها وهو يحتجزها (أجوم فين؟ )
قالت بحماس شديد ونشاط (هنفطر جهزتلك) همس بمكر وهو يلثم شفتيها بقبلات رقيقة (افتكرت لغز عايزك تحليه) ضحكت بدلال وهي تحاول الإبتعاد من أسر ذراعيه، والهرب من احتجازه (نفطر الأول أنا جوعت يا حمزة)
أصدر بفمه صوتًا معترضًا وهو يدفن وجهه بتجويف عنقها (أنا جعان سكن)
رن جرس الباب فأشاح متأففًا في انزعاج خالطه ضجر، ابتعدت ضاحكة تخبره بمرح (حد أنقذني)
ارتدى تيشرته القطني وخرج متوعدًا للمتطفل الذي لم يكن إلا هيما (إيه جايبك يا زفت؟)
ابتسم إبراهيم قائلًا وهو يُدخل الحقائب (جيت فوقت مش مناسب صح؟)
هتف حمزة بإستياء (مشوفش وشك فوقت مناسب أو غير)
اشرأب هيما بعنقه يستفسر في فضول (فين البت سكن عايز أشوفها)
دفعه حمزة بكفه للخارج معترضًا(لا تشوفها ليه)
أوضح هيما بضحكة مرحة (مشوفتش عرايس قبل كدا يوم الصباحية بيقولوا بيتغيروا)
صرفه حمزة بضيق (أمشي يلا، أنت جايب إيه؟)
وضح هيما (فطار سخن، خالتي بتقولك اتغذى) قالها بغمزة خبيثة جعلت حمزة يهتف (قولها متبعتيش تاني حاجة هو هيتصرف)
تأفف في ضيق وهو يحاول النظر داخل الشقة (فين سكن؟)
أغلق حمزة الباب فهتف هيما بغيظ (مسير العسل يخلص وتجيني)
حمل حمزة الحقائب للمطبخ وضعها، فجاءت سكن (مين؟)
أجابها وهو يمشطها بنظرة طويلة متأنية (هيما جايب أكل)
ترك ما بيده فورًا واستدار يحقق غايته في القرب، حاصرها بين جسده والحائط هامسًا (وحشتيني)
رفعت ذراعيها وحاوطت عنقه هامسةً بنبرة مغوية (وأنت كمان يا حموزتي)
أدار رأسه يجوب المطبخ بنظراته قبل أن يعود إليها هامسًا (تعالي نفطر يا روح حموزتك)
سألته بإهتمام ونظراتها تنتقل من عليه لحقائب الطعام (بعتوا إيه؟)
هز رأسه بجهل (مش عارف خلينا نشوف يلا)
بعد تناول الفطور جلس يفض الرسائل ويرد على المباركات الكثيرة والاتصالات التي لا تتوقف، جاءت متهادية كلما رأها تجددت الرغبة، سحرها لا يقاوم، في همسها تعويذة كلما همست تجددت على قلبه فاقترب (حموزتي)
ضمها بذراعه حتى ينهي محادثته السريعة، عيناه تهرب إليها في لهفة، يستعجل بكلماته المتصل، دقائق وربما ثواني وسيتشتت كليًا ويذهب وعيه وإدراكه أدراج الرياح، تنهد براحة ونجاة حين أنهى الطرف الآخر الإتصال مكتفيًا من المباركات والدعوات، أغلق الهاتف ورماه جانبًا وضمها،عاد بوعيها لها فوقفت أمامه تستعرض ما ترتديه (إيه رأيك؟
)
شورت قصير من الجينز يعلوه تيشرت أبيض بربع كم تتوسطه رسمة غير واضحة، سحبها من ذراعها ناحيته فامتنعت وقالت بدلال (فكر وركز في الرسمة يا حمزة وحلّ اللغز)
سحبها لتقترب أكثر، ويتأملها بدقة ليصل إلى ما تقصده (مش فاهم)
أشارت بسبابتها للرسمة على صدرها وهي تضحك متلهفة لرد فعله إن فهم (بص كويس)
قال كأنما يشرح وهو يلصق حاجبيه ببعضهما في تركيز(صورة عينين عادي يع....)
توقفت الكلمات في زنزانة المفاجآة، فغر فمه ونظراته تعرج لوجهها بتساؤل غير منطوق، هزت رأسها بموافقة مزجتها بضحكتها الرائعة، فقال مبهورًا (سكن دي عنيا أنا)
مالت بجسدها تخبره بفخر وتؤكد ما وصل إليه تفكيره (شوفت بحبها كد إيه؟)
قفزت بشقاوة ومرح وضحكاتها تتردد في قلبه بنغمة خاصة (كده ده لغزي وحليته أنت وخلاص) ركضت أمامه فخوره بنصرها عليه، ليتبعها هازئًا (وحياة أمك بتستهبلي، أنتِ عبيطة يابت) قفزت فوق الأريكة هاربة من مطارداته لها حتى تعبت فسقطت فوق الأريكة بتعب فاستغل الفرصة و انحنى يحملها بين ذراعيه وهو يخبرها بمكر (كِده جه دور اللغز بتاعي أنا يا حلوة هتهربي تروحي فين)
حاوطت عنقه بذراعيها مؤكدة (حتى لو هربت ههرب لحضنك بسيطة)
أثنى على ذكائها بضحكة رائقة (شطور حبيبي وبيفهم)
************
بعد مرور ثلاثة أيام جاء الجميع أخيرًا لمباركتهما وزيارتهما بعد إلحاح حمزة المتواصل على والدته وتهديده المستمر لها، هو اشتاقها ولا يكفيه منها صوتها
أثناء جلوسهم جميعًا
شاكسته وهي تحدجه بنظرة لائمة (هصدجك)
ضحك بمرح وهو يخبرها مقبلًا رأسها (مفيش في الجلب غيرك)
سألته ورد (مبسوط يا حمزة؟)
رمقها بنظرة مندهشة (من متى بتسألي طول عمرك بتقري حمزة)
لكزته بكتفه ضاحكة (هتجننك بت راضية)
تنهد مؤكدًا وهو يتذكر الأحداث الماضية وشقاوتها(حصل)
ابتسمت ورد بسعادة لأجله، ولأجل ما تراه بعينيه اللحظة خرجت وجاءتهما مهرولة فسألها موبخًا (سايبة ناسك ليه يا بجرة)
جلست على حافة الكرسي جوار ورد تشتكيه لها(سامعة يا عمتي)
لتقول ورد بمرح «دلوجت الداخل بينكم طالع يا روح عمتك»
قبّلت سكن رأس ورد هامسة بشوق (وحشتيني جوي يا أمي كده برضك تتأخري في الجيه)
دفعها بكفه مشاكسًا (روحي لأمك وسبيلي أمي )
لثمت أطراف أنامل كفها الأيسر قبل أن تمد ذراعها من خلف ظهر ورد وتُلصق أنامل كفها الملثم فوق شفتيه مُصرحة (وحشتني)
لاحظت ورد ما حدث فقالت مازحة (يعني أنتِ جياله)
همست بغرام (مستغناش، وهو مش جنبي أنا بتحرك من غير جلبي فلازم كل شوية أطلّ فوشه )
سحبت ورد شالها ونهضت قائلة (كده نجوم نمشي)
قفزت واقفة تخبرها بتراجع (خلاص هروح لأمي وللبنته)
ركضت للداخل وعادت ورد لجلوسها من جديد فسألها حمزة (متى هتيجي تجعدي معانا)
حدجته بنظرة ومصمصة شفاه وهي تقول مستنكرة القول بعد كل ما تراه وتسمعه (اسكت يا حمزة)
كتم ضحكاته وقال (سكت)
سألته بجدية (الدنيا تمام يا حمزة)
قبل أن يفتح فمه كان الجميع يصرخ بإسمها في قلق، انتفض واقفًا في فزع ليجد مودة أمامه تنادية بفزع (الحق يا حمزة سكن وجعت من طولها مرة واحدة) تبعته ورد بقلق عظيم وهي تغمغم (سترك يارب)
ركض إليها حملها ووضعها فوق الفِراش بعدما اختلطت الصور وتعكر وعيه بشوائب وصور الماضي المؤلمة، بكاء مودة وجزع عاليا وولولت راضية، لم يعد يفرق بين الماضي والحاضر جسدها وجسد مرام فانسحب للخارج وجلس، أمه من تصرفت وتحركت في كل اتجاه بمساعدة عاليا التي كانت أكثرهم قوة وثباتًا وتحملًا للموقف رغم بكائها
لم تكتفي ورد بعودة وعيها أرسلت فورًا في طلب طبيب ليفحصها جيدًا وتُطمئن ولدها، الجميع ينظرون إليه بشفقة وخوف وهو ضائع خائف أفلت يد ورد وهربت هي لعالم آخر، كل شيء تبخر أفكاره معلوماته وحسن تصرفه، فقد أخر ذرة من ضبط النفس، انصهرت حكمته مع خوفه فخانه الجسد وأغلق العقل أبوابه.
نظرت إليه راضية بشفقة وورد بحزن وحسرة، لكنها كانت أكثر حكمة وقوة، مازال عقلها يعمل بسرعة قامت باللازم وهو غائب يتحرك بآلية مرتجفًا تحت مطر الخوف، فقد مظلة الأمان وسار في وحل الظنون، يتلفت حوله ولا يرى إلا هواجسه أشباحًا تطارده، الريح تشتد، يرتعش جسده فيضمه بذراعيه، يبحث عن ورد وعنها وعن نفسه التي تتلاشى، تتحول لذرات صغيرة كثيرة وتنهمر أرضًا في كومة، تدوس عليها أقدام المارة المتعجلين وتصفعها قطرات المطر، وتنال منها الرياح فتبعثرها ولا يقدر على لملمة نفسه رغم استنجاده، صوته يتمزق ويرحل مع كل جزء حتى يختفي.
صرفت ورد عاليا ومودة لخصوصية ما يحدث، لا تحب أن يرى أحد انهياره هذا وضياعه الواضح وتوهته يكفي ما يعيشه قلبها اللحظة معه، لم يفق إلا على ربتة والدته الحنون وضمها لرأسه في مواساة، يرى الدموع متجمدة في عينيها ولا يقدر على السؤال يرتجف بين ذراعيها كطفل (هي بخير يا حمزة شوية إجهاد يا ضنايا)
رفع رأسه تائهًا يتخبط، يسألها بصوت يتمزق بين أجزائه المبعثرة (سكن بخير؟)
مسحت ورد على رأسه تطمئنه (أيوة فاجت وبتسأل عليك) ساكشته بمرح انتزعته نزعًا من براثن الكدر (غلبتنا هاتولي حمزة وأنت فملكوتك بينادوا عليك لا سامع ولا حاسس يا ضنايا)
أدمعت عيناه بضعف تملّك منه وهو يسألها (بالله هي كويسة يا أمي؟)
شعرت ورد بقلبها ينفطر في وجع ساحق وهي تراه هكذا، فربتت على كتفه في جدية وحزم (واه ياحمزة هكدب عليك)
نظر حوله في توجس وترقب وحذر قبل أن يهمس لها مصارحًا (رجلي مش شيلاني يا أمي أجوم أشوفها، مش حاسس بيها ولا لاجيها أصلًا من لما وجعت سكن ومفاجتش)
هي بالداخل رغم تعبها الشديد ووهنها، تجادل والدتها لتخرج إليه، ترجوها أن تعينها على الوقوف وترك الفراش، لا تحتاج سوى ترك الفراش وبعدها سينبت لها جناحين وإرادة منفصلة تغلب المرض والعجز، إرادة نابعة من عشقها له، تشعر بألمه داخلها هي، حزنه وخوفه ينبض داخلها فتريد طمأنته لن يأتي لن يتحمل رؤيتها،و لن يرتاح إلا برؤيتها تقف أمامه، لم تتفهم والدتها كلماتها وإصرارها (حمزة مش هييجي خليني أطلعله أنا يا راضية) كلماتها مليئة باللهفة والإصرار تريد انتزاعه من عجزه الآن.
.
امتثلت راضية لرغبتها ساعدتها لتقف فوق الأرض وتثبت أقدامها وبعدها تخلت هي عن ذراع والدتها تحركها مشاعرها تجاهه، تخطت الممر بلهفة حتى وصلت إليه حيث يجلس ووالدته جواره، عيناه فقدتا بريقهما نظراته مثبتة على لا شيء كنوافذ زجاجية لا تشف ما داخلها، همست بإسمه فتحطم الزجاج وتناثر ليكشف لها عن روحه وتعود نظراته لتنبض بالحياة من جديد (حمزاوي)
التقت نظراتهما في دفء غريب، منحته ترياق الشفاء بوقوفها اللحظة أمامه ومنحها طمأنينة النفس بعودته، ذرات روحه المتناثرة تجمعت من جديد وتكونت بأيادي قلبها، فنهض منتفضًا مندفعًا تجاهها يحتويها بين ذراعيه مخبئًا لها فهمست (أنا بخير)
فأجابها وقد عادت له روحه(وأنا بخير)
عاتبتها ورد من خلف ظهره (طلعتي ليه يا بتي؟) ابتعدت تخبرها بنظرات تركتها عنده (مجدرتش استنى، حمزة مش هيصدجك غير لما يشوفني جدامه)
سحبها لتجلس بينه وبين والدته وجلست راضية قربهم دامعة العينين متأثرة بما تراه، كأنهما قطعة واحدة انقسمت لنصفين..
ضمها بصمت، فوضعت رأسها على صدره في ارتياح، نهضت ورد وسحبت راضية ليتركوهما، تركت ورد حديثها مُعلقًا كجرس إنذار يمكنهما الضغط عليه (لو حصل حاجه كلمني أجيلك يا ولدي)
الحادي والخمسون من هنا
قراءة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الحادي والخمسون 51 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

انتقل إلى الفصل التالي من رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الخمسون 50 كاملة بدون حذف فورًا.

رواية ملاذ قلبي سكن من الفصل الأول حتى الأخير

استمتع بقراءة جميع فصول رواية ملاذ قلبي سكن كاملة من البداية للنهاية بروابط مباشرة وسريعة.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
⚖️ بلاغ حقوق النشر للرواية
🏁
🏆