رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الرابع والخمسون 54 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
تم تحديث الفصل بتاريخ 4 مارس 2026
♕الرابع والخمسون ♕
عاد الحجرة ليجدها صامتة في سكون غريب، جلس جوارها يملّس فوق خصلاتها برفق فسألته بهدوء يناقض الدموع المسترسلة والنار المشتعلة في صدرها «في إيه يا حمزة ومال حسن؟»
التقط أنفاسه وهمس بإستسلام وحاجة للفضفضة معها فما عاد يتحمل ألا يشاركها وجعه «طالب يطلع من الشراكة وينفصل عننا» همسها بوجع لا يخفيه وحزن لا يفارقه بخيبة أمل وانهيار حُلم، همست بشفاه مرتجفة متوجسة من معرفته الأسباب«ليه؟
»
أغمض عينيه وأخبرها وهو يرطب حلقه الجاف المنكوي بنيران الخديعة «معرفش يا سكن هو مبجاش كويس معايا»
تعلقت برقبته تضمه ببكاء حزين معتذرة له عن بشاعة الناس وغدر الأصدقاء،وتلك المعاناة تحتويه كما تفعل دائمًا «حجك عليا أنا يا حبيبي»
ربت على ظهرها هامسًا متلهفًا لعناقها وكلماتها البريئة التي تُعيد بناء روحه بعفويتها وصدقها «أنتِ ذنبك إيه يا حبيبي»
قالت من بين شهقاتها المنفلتة وبغصة تخنقها «ولو مش ذنبي بعتذرلك عن أي حاجة تزعلك يا حبيبي»
ابتسم ممتنًا لها ولقلبها ووجودها جواره يرتشف من ينبوعها العذب كلما ظمأ في صحراء الحياة، حمدالله ودعاه أن يُبقيها ثم ابتعد يضم وجهها براحتيه يطمئنها بكلمات لم تُلقي لها بالًا،هي تريد الصدق والصدق كله في عينيه نظراتها عرجت لعينيه حبيبتاها ومنبع الاطمئنان والسعادة خاصتها، انفردت بهما في حديث صامت تتقن لغته قبل أن تقترب منه فيغمض هو وتقبلهما هي بقدسية، تمنحهما إعتذارًا عاطفيًا ملتهب المشاعر وهي تهمس «حبايبي يا حمزة»
لم يعد يصبر، منح كامل وجهها قبلاته، لم يترك إنشًا إلا وغطاه بأنفاسه المتسارعة، حتى التقى بشفتيها وقف قليلًا يمد كف الترحيب بلمسات دافئة مقننة ومحسوبة، تنهد مشتاقًا في لوعة قبل أن يعانقهما بدفء برقة تميزه وحنو رفيقًا للمساته.
من بين أنفاسه اللاهثة همس لنفسه ولها ولشيطانه «كله يهون بوجودك»
ثم نهض من مكانه واقفًا يخبرها بحنان «هرجع المطعم مش هطوّل يا سكن لو احتجتي حاجة رنيلي دقايق أكون عندك»
أومأت بصمت، فانحني يقبّل رأسها قائلًا «تروحي الحمام؟ عايزة حاجة قبل ما أطلع يا حبيبي؟»
هزت رأسها بالرفض قبل أن يخرج ويغادر، أقسى اللحظات تلك التي تنفرد فيها مع أفكارها وهواجسها يركلانها كالكرة، يدهسونها كحشرة، يتهدم العالم في نظراتها وتضحى الحياة مأساة تعيشها بكامل وعيها وتنغمس فيها، تبكي وتصرخ، تنادي وتستنجد حتى تنام من شدة التعب والألم الذي يلاحق جسدها ويفتت عظامها
******
بالخارج كانت مودة تهاتف ورد تستفهم عن الحالة التي أصابت سكن وتطمئن «الدكاترة جالوا إيه؟»
أجابتها ورد بيأس عرف الطريق إليها «ولا حاجة يا بتي»
نفخت مودة قائلة بسأم «برن تليفونها مغلق»
قالت ورد بحزن عتقته الأيام داخل صدرها «مبتعملش حاجة غير تبكي، جافلة على نفسها يا حبة عيني ولا وكل ولا شرب»
ذابت المرارة في فم مودة كالحبوب الفوارة فقالت متحسرة «طيب يا عمتي ورجة عمي معملاش حاجة برضو؟»
انتبهت ورد متحفزة تسألها بإهتمام «أي ورجة»
قطبت مودة في حيرة من كلمات ورد وجهلها بالأمر، فقالت مُفسرة ببعض التردد «عمي أدى سكن ورجة جالها لو تعبتي أديها لعمتك وهتتصرف»
نهضت ورد تهرول خلف الأمل «فين الورجة يا بتي؟»
أجابت مودة بقلق، مرتبكة لا تعرف السبب في عدم مصارحة سكن لهم بالأمر كما أنها تخشى عواقب البوح ومردوده على نفسية سكن، تسلحت بالقوة وقالت «مع سكن»
صوت راضية الباكي اقتحم الاتصال وشتتهم «كيفها سكن يا مرت أخوي؟ هاتوها طيب هنا»
تأففت ورد من قولها وأجابت بحدة «زي الفل تشرح الجلب شوية تعب وهيروحوا لحالهم، اجبهالك فين؟
ليه أنتِ ليكِ فيها كدنا يا حزينة؟
دي بتي ، بت جلبي ونور عين ولدي، أشيلها فوج راسي وأخدمها لأخر نفس، اسكتي ومتتكلميش كده وتطلعيها فدماغها ولا تجبيلها سيرة»
بكت راضية متحسرة تنعيها «واه يا ضنايا ملحجتش تفرح وتتهنى»
تنفست ورد تحاول السيطرة على ضيقها ثم هدأتها برفق ملتمسة لها العذر «الهنا والفرح جاعدلها جولي لا إله إلا الله»
كررت راضية خلفها وهي تمسح دموعها بطرف طرحتها السوداء تسألها باهتمام «وحمزة كيفه»
طردت ورد عن صدر راضية الهم بقولها « كويس يا راضية مفيش حاجة متشليش هم»
دعت لهم راضية بتضرع فابتسمت ورد تردد خلفها بهمس «يارب»
رحلت بالهاتف لحجرة سكن وجدتها نائمة فربتت على خدها توقظها برفق «جومي يا ماما كلمي أمك وأختك طمنيهم»
فرّقت بين جفنيها واعتدلت تُجيب بفتور وقلة حماس «أيوة يا مودة»
بعد مرور وقت قضته سكن في الإجابة المختصرة دون مشاركتهم الحديث
أنهت الاتصال وأراحت ظهرها للوسادة بشرود، دثرتها ورد جيدًا و سألتها باهتمام «فين الورجة الي أدهالك عمك يا سكن»
كأنها فاقت للتو قطبت مُفكرة بنفضة إدراك ثم همست ونظراتها تدور في الحجرة تتذكر أين وضعتها «مش فاكرة هي كانت معايا جبل الفرح»
ضربت وجهها وقالت بيأس جلب انهيارها «مش فاكرة» ثم سألت ورد وهي تراقب ملامحها المنقبضة «هو ممكن الي أنا فيه ده يكون...
قاطعتها ورد متفهمة، تربت على كتفها بمواساة وطمأنة «ممكن يا بتي وبعدين طالما معانا العلاج نجرب مش هنخسر»
قبضت سكن على طرف الغطاء بأناملها متحسرة، توزع نظراتها في الأرجاء في محاولة عقيمة للتذكر «فين حطيتها»
لم تضغط ورد عليها، شعرت بمعاناتها فتراجعت في حذر، واصلت الربت على كتفها بحنو وهي تمنحها الأمل «هدور وهلاجيها متخافيش»
لكن اليأس تمكن منها، فقدت الأمل في زحام الألم، شمسه غربت عن نفسها فأظلمت واستسلمت هي«مش هتلاجيها أنا عارفة، مش مكتوبلي أفرح ولا أتهنى»
حوقلت ورد منزعجة من القول، لكن سكن فاجأتها بالتالي وانهيارها وصراخها«أنا عايزة أموت تعبت والله تعبت»
انفجرت في البكاء والعويل ورثاء الذات المر، تضرب ساقيها بقوة ساخطة ناقمة على وضعها وعجزها ومعاناتها التي لا تنتهي.
تحاول ورد ضم بعثرتها بالحنان، لممت شتاتها بالكلمات، طرد الزعر الذي يسكنها ويجعلها تستبيح قتل نفسها، تتأوه بعجز وعذاب وأسنانها تمسك بطرف الغطاء وتشده ثم ترفع رأسها مستنجدة السماء ووسط كل ذلك طلبت المعونة بإنهيار ودون حساب أو وعي «فينك يا عمي»
قرأت ورد على رأسها القرآن، تلته بقلب خاشع وأعين دامعة حتى استكانت وهدأت بين ذراعيها مستسلمة للضعف الإجباري.
.
دثرتها ورد وخرجت لتؤدي الصلاة وتختلي بنفسها قليلًا هاتفت حمزة وسألته لو كان يعرف شيئًا عن الورقة أو عثر عليها لكنه أخبرها أن سكن لم تخبره بشيء يخص تلك المقابلة ولا ما دار فيها، أنهى الاتصال منشغل البال في عجز
وعاد ليجلس جوار جلال قائلًا بحزن «كل حاجة جدامك يا جلال، الورج فيه أي معلومة عايز تعرفها»
ابتسم جلال بطمأنينة خالصة وهو يمسك برزمة الأوراق مُفسرًا له «الموضوع مكانش فبالي والله»
انتبه حمزة لكلماته باهتمام فاستطرد جلال بتفكير يتخلله الإندهاش «براءة صحيت مرة واحدة طالع فدماغها نفتح مطعم وأصرّت أجيلك أفهم منك، وأنت فاجئتني بالشراكة»
ارتبك حمزة قليلًا لكنه قال بتفهم «براحتك يا جلال شوف الي يريحك وأنا معاك»
طالعه جلال بنظرة ثاقبة قبل أن يسأله «وحسن عايز يطلع ليه..؟»
ساء الظن في كلمات جلال وتفسيره لها وسؤاله فقال «جلال الورج جدامك المكان مش خسران»
توقف حمزة قليلًا يلتقط أنفاسه ويسيطر على حدته التي خالفته ودثرت كلماته الموجهة لجلال، على أية حال جلال ليس له ذنب في معاناته، اعتذر برفق وأدب «معلش يا جلال بجد والله دماغي هتنفجر أنا لو معايا فلوس كنت هشيل » ثم توقف حمزة عن الحديث بينما جلال يستمع بصبر
استطرد حمزة وهو يمسح وجهه بكفه مرة ويضغط رأسه مرة بتشتت واضح «أنا مش هلاجي أحسن منك ولا كنت هجبل بأي حد، وأنا معرفش حسن ماله ولا إيه غيّره ولا بكلمه أصلًا»
ضيق جلال عينيه مُفكرًا قبل أن يهتف بتفهم واضح ومثابرة «حمزة اهدأ كدا وفهمني مالك»
سحب حمزة لفافة تبغ، فسحبها منه جلال قائلًا في استياء وإنزعاج مما يفعله حمزة «في إيه؟ ليا ساعة معاك خلصت فيهم علبة اهدأ كدا وركز»
أسقط حمزة نظراته المنطفئة فوق الأوراق بعجز وحزن قبل أن تصله رسالتها وتقلب أفكاره،فضها بسرعة ولهفة «أحلى أيام هي الي عشتها معاك وفحضنك، أنت أكتر حد فرحني وأهتم بيا وكان جانبي، مبسوطة إننا اتجابلنا وكنت من نصيبي الفترة الجليلة دي، بس أنا خلاص عايزة أمشي مش عايزة أكمل يا حمزة عايزة أرجع قنا وأنت شوف حياتك»
شخصت نظراته على الهاتف بلهاث كأنه يركض خلف الكلمات يُفسر معناها، كلماتها التي كانت رصاصات أطلقتها دون رحمة به وبمعاناته، انتفض بعدها تحت نظرات جلال المُراقبة بفطنة سحب معطفه ورحل مستئذنًا جلال «معلش يا جلال مضطر أرجع ضروري»
قبض جلال على مرفقه وأوقفه أمامه يسأل «فهمني في إيه؟ ليه حالتك دي؟»
ارتعش جسد حمزة بخوف بدأ يستنشقه مع الهواء، يشعر بالخيانة تحيطه، تدخل له من الثقوب وتتسرب إليه من مساماته
«حسن الذي رحل دون كلمة وتركه وحيدًا يسأل ويتخبط في الإفتراضات والتأويل، يدور حول نفسه ويراجع المواقف والذكريات ربما يجد خطأ قام به وغفل عنه فيلتمس به العذر لصديق عمره، أو يعرف السبب لأفعاله فيعذره على تخليه عنه.
وهي التي تستأذنه الرحيل وتركه بعد كل ما كان، كيف نطقتها وهان قلبه عليها.
وأيامه الغاضبة عليه وتمتحنه في أعز ما يملك ويحب.
وفرحته التي تتراجع وتنبذه في بخل منها وكراهية ونفور له.
جسده الذي يرتجف الآن ولا يستطيع التحكم به.
وصبره الذي تبتلعه الآلآم فأصبح انفجاره وشيكًا
ثباته الذي يتهدم ويطالبه بإنهيار يليق بالهزيمة، الكل خائن
نفض يد جلال وركض دون كلمة أو تفسير لتلك الحالة التي يراه بها لأول مرة.
وقف جلال ينظر في أعقابه بقلق قبل أن يلملم الأوراق ويغادر مقررًا الإتصال بوالدته والاستفسار ربما يستطيع مساعدته.
********
وصل المنزل قاطعًا الصالة حتى حجرتها ركضًا، والدته لم تكن موجودة في محيطه ولا تحت نظراته مما سهل عليه الأمر فاحتفظ بالألم على ملامحه والكآبة والرثاء في نظراته وجدها جالسة أرضًا مستندة بظهرها لنهاية الفِراش، بائسة حزينة وذابلة بعينين محمرتين كأنها سارت ألف عام دون أن تستريح وبكت ليالٍ طوال دون توقف،زهرة جميلة بين أشواك حاقدة تجاهلتها قطرات الندى فلم تسقط على أوراقها تنعشها وجفت تربتها من مياه الحياة بأمر الشوك الكاره، مال عودها ووهن، فأغمضت منطوية على ذاتها تنظر لأوراقها المتساقطة بحسرة منتظرة موتها الذي أصبح وشيك
إلتقت نظراتهما في ثرثرة عنيفة لم ترحمه فيها ولم يخضع هو لإرادتها بل ظل ثابتًا راسيًا كالجبل.
توسلته بنبرة متحشرجة قبل أن يتقدم ويجلس وتبدأ سلسلة طويلة من النقاشات «جبلي ميه يا حمزة»
ترك كل شيء وغادر للمطبخ، كفه معصوبة جاهلة تتخبط في الأواني، يفتش عن كوب أمامه ويبحث عن قارورة مياه بين أنام كفه الأخرى، زحفت حتى وصلت للباب دفعته بقوة واستندت عليه حتى وصلت للمزلاج وحركته؛ لتحصل على السجن الذي تريده والقضبان الذي تجلده به، انتفض مصعوقًا وقد فهم خديعتها، راوغت واحتالت عليه، أخرجته ثم أغلقت الحجرة خلفه أسقط الكوب ورمى الزجاجة وخرج من المطبخ، جلست منهارة خلف الباب تبكي بحسرة، تتنفس الوجع وتزفر الطمأنينة، جيوش الهم احتلت صدرها تحارب في عزم لتسقط رايات فرحتها وتدهس أرض سكينتها،تضم جسدها بذراعيها تود الهرب من كل شيء أو الموت كل شيء دونه موت ولا فارق.
كلما سمعت صوته المعذب ضربت الأرض بكفها تستسمحها أن تنشق اللحظة وتبتلعها ربما تنال الراحة المنشودة،لكن أي راحة؟
هو بكيانه راحتها
السر فيه هو وفي عينيه نوافذ الأماني والحُلم
من خلف الباب المغلق نفذ صبره، هاج وهدر وهو يضرب الباب الذي يمنعه عنها وتختبئ هي خلفه هاربة منه
ثورته تجلت في غضب مفرط نال من ثباته وسحقه،أخرجه من طور هدوئه لأول مرة،وكيف لا يفعل وهي تريد هجره تعيده لقارعة طريق البؤس والحزن يتسول الفرحة ، هو دونها بلا حياة،كيف تطلب منه أن يتخلى بتلك البساطة وهذه السهولة ، صرخ
«كده هتمنعيني عنك؟ هتجبريني أرجعك قنا؟»
غطت وجهها براحتيها منتحبة بيأس وهي تستمع له في وجع، تلوم نفسها فتصفعها النفس العاشقة وتنعتها بالخيانة. تسقط بين شقي رحى
التقط أنفاسه ثم عاد ضرب الباب بقبضته مناديًا والجنون يتلبسه،يخشى عليها كما نفسه «افتحي يا سكن بلاش جنان»
صرخت بصوت مرتجف تخالطه شهقات البكاء وغصة الألم،غرست الخنجر الصديء في قلبها قبل أن توجهه له «لاه مش هفتح غير لما توعدني ترجعني لراضية يا حمزة»
قال في تهديد غليظ وغضبه منها يتضاعف،يصل لحافة الجنون وقمة الهذيان «مفيش قنا مفيش راضية محدش هيلمسك غيري ولا يراعيكي غيري»
صرخت بإنهيار وجسدها يرتجف بإرهاق وتعب فتحاول السيطرة عليه بضمه بذراعيها والتمسك بآخرة ذرة من القوة تتشبث بها «لاه أنا عايزه أمشي معدتش هتحمل تعبك تاني»
دار حول نفسه بهياج وهو يصرخ فيها بينما يركل الباب بقدمه لا يهتم بالألم ولا بقدمه «مش تعبان، مشتكتلكيش؟ بعدك هو الي هيتعبني أكتر»
قالت بإصرار وعزم لا يلين فيصبح حطبًا تلقمه لنيران غضبه،أسندت رأسها على الباب بتعب «مش لازم تشتكي ولا تجول أنا بحس»
هدر وقلبه يتمزق فتلملمه أيادي بغيضه وتكرمشه فتضيق أنفاسه ويشهق طلبًا للهواء وهو يجاهد لإثنائها «أنتِ لو بتحسي كنتِ حسيتي بيا دلوك»
هزت رأسها وقالت والإنهاك يزحف لصوتها فيضعف ولجسدها فُيسقط دعائم القوة فيه «عايزة أروح لأمي وأختي»
جلس على ركبتيه منهارًا أمام الباب ملتقطًا أنفاسه من زحام الألم وحشد الوجع صوته يتحشرج «أنا أمك وأبوكي وأخوكي وأختك وحمزة يا سكن، حمزاوي صاحبك »
همس يستميلها له، يذكرها بما نسيته، بالعهد والحب
تأوهت قائلة وهي تتمدد على الأرض متقوقعة يعتصر خافها الضياع بقبضته الباردة، تصرّ بعناد ودموعها لا تتوقف «عشان حمزة»
عاد لجحيم غضبه ولوعته ضرب الباب بقبضته مُهددًا في عزم «هكسر الباب، ولو ألف باب هتجفليهم هكسرهم كلهم، وأدخلك برضو،لو عايزة تتحبسي يبجى فحضني »
دخلت ورد الشقة بعدما غادرت تزور جارة لهم مريضة بعدما اطمأنت لنوم سكن، هرولت على صوته، جلست على ركبتيها أمامه تسأله بفزع ونظراتها تطوف على ملامحه المتعبة «مالك يا ضنايا حصل إيه؟»
نظر حمزة للباب المغلق بضياع ثم أخبرها «عايزة تمشي ترجع لأمها»
ضمت ورد رأسه لصدرها بحنو مشفقة عليه تخبره بحكمة «أهدأ يا ضنايا مش هتمشي هي بس تعبانة وصعبان عليها نفسها»
صرخ حتى أوشكت أحباله الصوتية على التمزق، وهو ينظر للباب يقحم كلماته في عقلها «أنا عايزها لو هتبجى عضم فجفة وأشيلها على كتفي عايزها»
هتف بإسمها حين انقبض قلبه ولم يعد يسمع شهقاتها «سكن»
انتفض واقفًا يضرب الباب بكتفه يحاول كسره وهو يهتف بقراره الحاسم في هستيريا «الورجة ضاعت بس حسان جاعد، هنزل جنا وأجيبه يداويها مش هسيبها»
بينما صمتت ورد ذاهلة مما يحدث حولها وغضب وحيدها واكتئاب سكن وكل هذا الجنون المحيط وانقلاب عالمهم.
كسر حمزة الباب أخيرًا ليجدها على وضعها لكنها فاقدة للوعي من شدة التعب.
************
قبل الفجر تسلل لحجرة والدته ليطمئن عليها ثم توضأ وانعزل في الصالة للصلاة، يقيم الليل داعيًا الله بتضرع، استيقظت ورد على نغزة بقلبها وهمس بإسمه فنهضت مستغفرة تتفقده لكنها لم تجده بفراشه ، فتشت حتى وجدته يجلس بالخارج في ظلام قاتم.
.
اندفعت تحتضنه مهونةً عليه «بس يا حمزة بس»
بكى كما شاء وإحتاج في صمت ودون كلمات فتركته ورد يفرغ شحنة حزنه وتعبه، يجدد طاقته ويتزود من القوة، ثم هدأته «إيه يا حمزة؟»
همس متخليًا عن قوته بعدما اجتمع عليه الألم بضربته القاضية «تعبان يا أمي»
ربتت ورد على ظهره «هون عليك يا حبيبي»
أوضح حمزة وهو يتجرد من كتمانه «زعلان عشانها مش عشاني، التعب الأولاني كنت متحمله المهم تكون كويسة وبخير إنما ده واجع جلبي عليها يا ورد وأنا شايفها بتدبل جدام عنيا »
همست ورد تنتقي كلماتها وتصطفيها من بين مياه الجزع العكرة الراكدة «بعيد الشر عنك وعنها»
أفصح وهو يبتعد قليلًا يلملم وجعه بيديه «أعمل إيه؟ متجفلة من كل ناحية»
ابتسمت ورد وأضاء وجهها باليقين وهي تهمس له «اتجفلت عشان يتولاك ربنا يا حمزة»
همس بخشوع وهو يمسح لحيته الي نمت «ونعم بالله»
تربع يزرف الدموع، يطردها بغلقه لعينيه دقائق في ألم ثم يفتحها ويحكي «فكراني شفجان عليها يا ورد؟ وتعبان معاها؟»
همس بصوت متوجع كل خلية فيه تصرخ «جوليلها حمزة شفجان على نفسه الي كانت من غيرها زمان، شفجان على حمزة الي عيزاه يكمل من غيرها، ومش تعبان معاها دي حتة مني» أردف وهو يمسح دموعه «كل لحظة بعيشها معاها بسأل نفسي كيف عشت من غيرها كل دِه؟
وكل يوم بندم على الي جبله ومكانتش هي فيه ولا رجعت جنا وشوفتها»
أراحت ورد جبهتها على كتفه ، لا تستطيع مواساته لأول مرة وهي تراه بتلك الحالة، أين سكن لتسمع؟ لترى العشق بنظرات ولدها؟ لتفهم أنها ما عادت لنفسها بل له بكل كيانها؟
مرر كفه على وجهه متنفسًا بقوة قبل أن يهمس مستعيذًا من همزات الشياطين وأن يحضرون
ومن غضب الله وعقابه إن جزع وسخط، قال يجدد الثقة وحسن ظن «كله خير ربنا مش هيسيبني، ليها حل»
مال حمزة ولثم رأس والدته هامسًا بإعتذار «عارف زعلتك حجك عليّ»
ضم رأسها لصدره فبكت ورد لأول مرة تشاركه الحزن، تُفضي بوجعها عليه، ثم هدأت واستكانت وصرفته وهي تعود لمسبحتها «شوف مرتك يا حبيبي ميعاد صحيانها»
أعتذر كثيرًا وتأسف قبل أن يغادر لحبيبته يتفقدها، وجدها نائمة كما تركها أو هكذا تدّعي فاستغل الفرصة وجلس أسفل الفراش يتأملها ويحدثها بما في قلبه، يحكي لها عن يومه، إحساسه بالوحشه دونها، يسترسل في أمانيه ورغباته، يشاكسها أحيانًا ويلوم قلبها على قسوته «وحشتيني يا سكن، امبارح جه جلال هيبجى شريك مكان حسن، كان نفسي يبجى معايا فلوس وأخده أنا بس الحمدلله ربنا برضو كرمني بشريك محترم واهو يشيل معايا عشان أفضالك ونجعد مع بعض كتير»
مرر سبابته على شفتيها وهمس بابتسامة«عارفه حلمت بيكي كلمتيني وجولتيلي مش هنتخاصم تاني وفطرتي معايا» خرج من بين شفتيه نفسًا مرتجفا ثم قال «حاسس إني من غيرك لوحدي يا سكن وكأنك أنتِ كل الناس»
همسها ووضع خده الأيمن فوق راحة كفها مغمضًا عينيه يهمس ودموعه تسقط فوق كفها «عايزة تفارجي مش كفاية حسن، زعلتكم فأيه؟ ولا أنا مستهلكمش»
فتحت سكن عينيها متنهدة بعدما اطمأنت لنومه تتأمله بحرية، محررة قيد عنادها
تتخلل خصلاته وتمرر أناملها على ذقنه النامية وجفونه المسترخية بتعب واضح
حتى نامت بوضعها.
تفقدتهم ورد لتجده نائمًا، دخلت الحجرة وأيقظته برفق «حمزة اتعدل يا ضنايا جسمك يوجعك»
نفض النعاس مُقبلًا كف والدته وبعدها تمدد فوق الفِراش الآخر واضعًا ذراعه فوق عينيه، دثرته ورد ورحلت لحجرتها تذكر الله حتى الشروق.
*********"
عادوا لشقتهم بصحبة ورد وأنتقل إبراهيم وإخوته الصغار في الشقة المقابلة لهم، انقضت ثلاثة أيام وهما على حالهما،تعانده على تمسكه بها بالخصام والصمت،تتمسك وتصرّ على رأيها، فيبتسم بحنو ويصمت خوفًا من نوبة انهيار تؤذيها وتحرمه منها بأي شكل،ما حاجته للكلام وعينيه تقوم بالمهمة يثرثر لها كما يحب بالطريقة التي تفهمها، يشاكسها ويعاندها، يمزح ويعنفها دون كلمات فقط بنظراته وهي ماهرة في قراءتها تجيد لغتها وتتقن قواعدها، تزمجر برفض أحيانًا وتخجل أحيانًا، غير الكلام كانت عينيه تلتقط الإشارات معها حارس أمين وخادم مطيع مترقب ومنتظر ، لا تتحرك دون أن يكون جوارها يساعدها، لا يدخل فمها الطعام إلا من بين أنامله، يحين موعد الصلاة فيحملها لتتوضأ يساعدها بصمت يغسل لها قدميها فتنتفض رافضة، تتراجع للخلف فيحيط خصرها ويُعيدها مصممًا على فعلها.
.
يفرغ فيحملها بعدها للصلاة يساعدها في إرتداء الإسدال ويعدّل لها جلستها ثم يصلي إمامًا بها، يؤدي فرضه ويجلس قُربها يذكر الله على أناملها وحين ينتهي يقبّل أناملها بقدسية داعيًا الله لها وله.
تلك الفعلة البسيطة التي تخطف قلبها وترجفه، لكنها تصمت في تصميم و عزم لا يلين ولا ينحني.
يحملها ويضعها فوق الأريكة أمام التلفاز يدثرها جيدًا ثم يجلس منتظرًا جوارها.
جاءت نوره أخت إبراهيم البالغة من العمر ست سنوات راكضة، وقفت أمامه تطلب بإبتسامة خلابة لا تقبل الرفض «حمزاوي»
نبض قلبه بعنف متذكرًا حبيبته، فابتسم وأجابها برضا «نعم يا نورة»
اقترحت بحماس طفولي وهي تمد أناملها لكفه في رجاء «العب معايا»
أمسك بكفيها وأجابها يشاركها الحماس «ألعب إيه؟»
قالت نورة وهي تفكر ببراءة طفولية «تلعب لعبة ألغاز؟»
صمت وأول ما جاء في خاطرة معذبته، فابتسم مُفكرًا قبل أن يطلب وهو يقرص خديها «شوفي لعبة تانية»
انتبهت سكن لحديثهما اقتسما الذكرى فابتسمت خافقة الفؤاد بشوق، تدّعي الإنشغال لكنها منتبهة لكل حرف وكلمة وهو يعرف.
دبدبت الصغيرة وزمت شفتيها معترضة «ليه دي سكن قالتلي إنك بتحبها»
فغرت سكن فمها قبل أن تغمض عينيها وتنزوي غارقة في الخجل لاعنة الصغيرة ولسانها ، طالعها حمزة بنظرة طويلة قبل أن يعود للصغيرة بكامل وعيه يسألها «سكن جالتلك إني بحب اللعبة دي؟»
أكدت الصغيرة بهزة رأس، فقال وهو ينظر لزوجته بشغف «كدبت سكن وفشرت عليكي»
ضمت سكن شفتيها بحرج وارتعاش، تشعر بنظراته وتحسها تلامس كل ما فيها
سألته الصغيرة منزعجة «كدبت عليا ليه؟»
نطق حروفه على مهل، وهو ينظر إليها بعشق وقلب خافق «لإني بحبها هي مش الألغاز، وبحب أجولهالها هي بس، مهما طال البعد»
دبدبت الصغيرة بضيق وهي تقترح «طيب ألعب معايا كورة، أو نلون مع بعض»
اقترح وهو يمسك بجديلتها الطويلة يعقد جزءها السفلي مما أثار غيرة سكن وضيقها فتنفست بقوة تسيطر على غضبها بصوت لفت انتباهه«روحي هاتي الكراسة هرسملك بجرة»
صفّقت الصغير متحمسة للغاية، قبل أن تركض للشقة المقابلة.
♕بعد قليل ♕
جلس مرتبعًا على الأرض جوار الصغيرة المنبطحة تفترش ألوانها وتفتح كراستها تتأمل ما يرسمه بإهتمام ضاحكة، تثرثر وتوجّهه وهو منشغل معها..
أنهى رسمته فصرخت الصغيرة قاطبة في غضب «دي مش بجرة»
سألها حمزة «أمال إيه؟»
دون أن يرفع نظراته يعرف أنها منتبهة، تركز معهما، لو رفع نظراته وقبض عليها ستتهرب فتركها وكل نظرة منها كانت نسمة باردة وقبلة حارة على قلبه المتيم المشتاق.
صرّحت الصغيرة وهي تنقّل نظراتها بين حمزة وسكن «دي سكن مش بجرة»
قهقه حمزة قائلًا وهو يثني عليها «برافو بس سكن أصلًا بجرة»
قبل أن يرفع رأسه كانت الوسادة تصفع وجهه، التقطها ووضعها جانبًا مبتهجًا بتلك المبادرة منها، فرك فروة الصغيرة مغمغمًا لها بشكر خافت فلولاها ما استجابت سكن، تناولت الصغيرة القلم ورسمت عروسًا وجوارها عريس ثم قالت «دا أنت وسكن»
ابتسم حمزة ووضع سبابته على الورق يطلب بابتسامة «ارسمي جنبنا نونو صغير شبه سكن» دغدغتها أمنيته، ذابت حلاوتها في فمها فضحكت دامعة تدعو الله أن يذلل لها العقبات ويمنحها قطعة سكر تشبهه.
قالت الصغيرة بإنبهار طفولي بريء أثار غيرة سكن «حمزة هو ينفع لما أكبر تتجوزني زي سكن»
شدها حمزة من جديلتها وقهقه قائلًا «وأودي سكن فين طيب؟»
قالت الصغيرة ببراءة «سيبها عادي»
قرص حمزة وجنتها شاكرًا «فيكي الخير أنا موافج »
خرجت سكن عن صمتها وهدوئها منزعجة تصرخ بالصغيرة وهي تلقي عليها وسادة أخرى «بت جومي عند أمك»
انتفضت الصغيرة معترضة بضيق من فظاظة سكن، توجّه حديثها لحمزة «شايف سكنك؟»
ابتسم قائلًا دون أن ينظر لزوجته مكتفيًا بكلماته «مش شايف أصلًا غير سكني»
أمسكت الصغيرة كفه وسحبته للمطبخ قائلة «تعالى نعمل أكل»
زمجرت سكن بغيظ وهي تعض الوسادة في قهر وغيرة لو تركت لها العنان لقتلت بها الصغيرة المتبجحة وهذا الذي يتبعها غير مهتم ولا يبالي بقلبها.
بعد ربع ساعة نادت سكن على الصغيرة بمودة زائفة «نورة»
جاءتها الصغيرة ملبية، فأمسكت بها سكن «روحي عند أمك وسيبي حمزة»
رفضت الصغيرة فأمسكتها فعضت سكن ذراعها، تألمت الصغيرة وصرخت مستنجدة بحمزة الذي جاء ليعرف سبب صراخها واستغاثتها، تركتها سكن مبتسمة تقرصها بلطف وهي تقول من بين أسنانها «يلا»
خبأ حمزة ابتسامته وأشار للصغيرة «تعالي يا نورة نكمل»
لوّحت الصغيرة وهي تركض لشقتهم باكية «لا سكنك عضتني وقالتلي أروح وأسيبك بدل ما تقتلني»
كتم حمزة ضحكاته وقال مستنكرًا بثبات زائف «دي سكني بريئة وطيبة»
توعدتها سكن بنظراتها على هذا التصريح ثم أمسكت بهاتفها تدعي الإنشغال عنه والهروب منه فعاد هو للمطبخ يكمل ما بدأه.
دخل هيما مُلقيًا سلامه على حمزة، قبّل رأس خالته وجلس جوار سكن قائلًا «ازيك يا بت يا سكن»
رمقته بنظرة مستهينة منزعجة قبل أن ترد بضيق «بت أما تبتك»
ضحك هيما وسألها عن حالها «أخبارك إيه؟ »
أجابته وهي تقلب في هاتفها «تمام»
سألها وهو يُخرج هاتفه من جيب بنطاله وينقر فوقه «عايزة حاجة أنا طالع»
انتبهت له قائلة «محتاجة كام حاجة»
هز حمزة ساقة بعصبية مما يحدث وتجاهلها وجوده وطلبها من هيما، رحب هيما قائلًا «عايزة إيه؟»
توسلته لمعرفتها رفضه «عايزة فاكهة التنين يا هيما»
جعّد هيما أنفه بإشمئزاز واستياء وهو يسبها «تنين ياكلك ودي هجيبها منين»
توسلته ببراءة وطفولية «عشان خاطري نفسي أدوجها»
مصمص هيما مستمرًا في استفزاز حمزة، متعمدًا إغاظته«اديني واحدة وحشتني من بتاعة زمان كمان بالنبرة دي وهقوم أجبهالك»
فغرت سكن فمها مندهشة، متراجعة تريد النظر لحمزة الآن لكنها تهاب الموقف وتخشى العواقب فتراجعت في جلستها للخلف قليلًا بحذر، راقبت ورد الموقف مبتسمة بينما هتف حمزة بصوت غليظ محذر «ابراهيم»
انتفض هيما مفزوعًا يتحرر من قوله «متقوليش» نظراته مثبته على حمزة المتحفز للإمساك به «تنين ياكلك يا بعيدة» قبل أن يركض تجاه الباب كان حمزة يمسك برأسه قائلًا «هتهرب مني»
تهرب هيما قائلًا «هي الي طلبت»
سخر حمزة وهو يصفعه على عنقه «وبالنسبة لوحشتيني؟»
أفلت هيما نفسه وركض للباب وهو يخبره «ما هي الي بتقولها حلوة»
ركض حمزة خلفه على الدرج فنادته ورد «يا حمزة هتعمل عجلك بعجله الجيران يجولوا إيه»
عاد حمزة وهو يتوعده «مش هسيبك»
انكمشت سكن في جلستها تخبىء وجهها بالدثار فجلس جوارها يحذرها «هتسكتي وتتلمي ولا أخدك أحبسك عند التلفزيون الي جوا؟»
انكمشت هامسة مذعورة من غضبه « هسكت وهتلم»
ملّس حمزة فوق رأسها مثنيًا على فعلتها وطاعتها «شطورة سكني»
في المساء
في إصرار ومكابرة، تنهد بقلة حيلة واستسلام قبل أن يسقط في النوم بعد تعب وإنهاك لمشاعره وجسده الأيام الفائته.
.
أحست بانتظام أنفاسه فتألمت بشفقة على حاله ومكابدته العناء، مالت تتأمله بحرية قبل أن تقترب وتمرر أناملها على وجهه برقة، تململ مغمغمًا باسمها في لهفة جعلتها تسحب كفها وتعيدها مكانها في قلق وخوف من أن يستيقظ.
.
لو شعر أنه سقط في النوم سيستيقظ ويظل جوارها حتى تنام وهي ربما لن تنام فهي تظل طوال اليوم نائمة وتستيقظ عند عودته من العمل.
.
ظلت صامتة بعدما أغلقت التلفاز لمنحه بعض الهدوء والنوم براحة مكتفية بتأمله ومراقبته.
.
رأت رعشة تسري في جسده فأدمعت بحسرة ليتها تستطيع الوقوف لأحضرت له الغطاء لكنها لا تستطيع.
.
بسرعة أسقطت على جسده ما كانت تتدثر به لتقيه برد النوم ومغبة المرض، اقتربت قليلًا وأحكمت الغطاء حول جسده في رضا وراحة، قبل أن تنكمش فوق الأريكة متخذة وضع الجنين تبكي بصمت وسكون.
قبل الفجر استيقظت ورد كعادتها وخرجت للصالة وجدتهما على حالهما، اندفعت تجاه سكن بلهفة وخوف وهي تراها متقوقعة ترتجف «مالك يا بتي»
رفعت سكن رأسها بعينين متورمتين من شدة البكاء، وضعت سبابتها على شفتيها في تحذير وهي تنظر بعينيها لحمزة النائم في تعب.
.
فهمت ورد مقصدها وخطت ببطء وحذر حتى جاورتها وهمست متسائلة «جاعدة كده ليه؟
»
ساعدتها ورد في الإعتدال والجلوس، فهمست سكن بإرتباك «عادي مجانيش نوم»
سألتها ورد وهي تضمها مستشعرة برودة جسدها«سايبة نفسك ليه من غير غطا؟»
همست سكن مستشعرة الدفء بأحضان ورد «غطيت بيه حمزة؟»
سألتها ورد باهتمام وهي تربت على رأسها بحنو «كان هو هيجيب يا ضنايا»
فسّرت سكن بحشرجة «نام من غير ما يحس والدنيا برد» ثم استطرت ببكاء حار «مجدرتش أجوم أجبله غطا»
أدمعت عينا ورد متأثرة في مرارة وهي تلومها على فعلتها برفق «كنتِ صحيه»
«خوفت أصحيه يلاجيني صاحية مينمش وهو تعبان »
أدعىّ النوم وهو ينصت لكلامهما متألمًا متوجعًا لأجلها الآف المرات، انتظر حتى همست والدته توقظه «جوم يا حمزة صلي»
فرّق بين جفنيه ونهض في صمت دون أن يمنحها نظراته التي تتبين منها شعوره.
*في اليوم التالي مساءً بقنا *
استقبل عمار زين في شقته بالأعلى، استضافه مُرحبًا بوجوده، جاءت مودة فغادر عمار ليساعد زوجته في إعداد العشاء، تأملها زين بإعجاب واضح وهي تخطو تجاهه بحياء «ازيك يا ميمو»
ابتسمت ترد له تحيته بخجل أضاء وجهها وجعلها شهية «ازيك يا زين عامل إيه؟»
جلست بالقرب منه تضع وسادة صغيرة على فخذيها متسائلة «جيت من بدري؟»
أجابها زين «لا..»
سألته بإهتمام مندهشة من صعوده للأعلى «مجولتليش يعني وكمان طالع هنا»
حك زين ذقنه قائلًا بإبتسامة شبه ساخرة «أنا معزوم عند عمار»
زوت مودة ما بين حاجبيها بإندهاش متفاجئة من قوله، لكنها سرعان ما تجاهلت قائلة «كويس عجبال الباجيين»
استفسر زين وهو يلتقط حزنها «حمزة وسكن؟»
أراح زين ظهره للأريكة يبشرها بإبتسامة وثقة مفرطة «قريب متقلقيش»
رمقته بنظرة متشككة قبل أن تُلقي بأمنيتها في بئره «اتمنى»
تناول جهاز التحكم فنهضت تستأذنه؛ لتساعد مريم «هروح أشوف مريم يمكن محتاجة مساعدة»
أمسك بكفها وأجلسها قائلًا «اقعدي بقالي كتير مشوفتكيش ووحشتيني»
تورت وجنتيها في حياء قبل أن تخبره «ميصحش»
قال وهو يفرد ظهره بأريحية «أقعدي هما الي عازمين يتحملوا»
بعد مرور وقت تجمعوا حول السفرة فأبى زين تناول طعامه وتراجع مستفسرًا «فين أمكم؟»
أخبره عمار بقلق«تحت»
امتنع زين عن تناول طعامه قائلًا «انزل جيبها يا عمار تيجي تتعشى معاكم يا كدا يا مش هاكل»
نظرا كلًا من مودة وعمار لبعضهما فقالت مودة متعجبة من فعلته «مش هترضى تطلع مستنيه جدي»
همّ زين بالنهوض قائلًا «خلاص ننزل بالأكل لغاية عندها»
اندهشت مودة من موقفة تجاه والدتها وما أذهلها موافقة عمار ونهوضه قائلًا «هنزل أجيبها»
هتف زين في أعقابه «متجيش من غيرها»
نهضت مريم حتى يأتي زوجها، أمسك زين بهاتفه يقلب فيه فهمست مودة بما سرق انتباهه «على فكرة وأنت وحشتني»
رفع زين نظراته ودار بها في الصالة الواسعة متسائلًا «مين بيتكلم؟»
تلاعبت بطبقها في صمت وخجل أذابها اللحظة مع رد فعله، وضع سبابته بأذنه يسأل«مين اتكلم؟»
زفرت تسيطر على خجلها قبل أن تخبره بهمس خافت «أنا»
سألها وهو يميل ناحيتها «معلش قولتي إيه؟ ممكن تكرريها عشان شكلي سمعت غلط»
تنفست بعمق قبل أن تجلي حنجرتها وتهمس بشجاعة «بجولك وأنت كمان وحشتني»
حملق زين فيها قائلًا «وحياة أمك»
زجرته بنظرة حادة وهي تهمس بإسمه محذرة في خفوت ليتراجع «زين»
نظر للسفرة منبهرًا بتلك الأمسية والمفاجآة الغير متوقعة «عزومة ووحشتني هو في إيه؟ دا كمين؟»
هزت رأسها ضاحكة تضع له الحمام بطبقه قائلة «تفكيرك كله كده يا زين»
نظر لما وضعته مستطردًا « وحمام»
«اطمن عندنا برج حمام هتاكل لغاية ما تزهج وأمي هتخليك تكرهه»
قالتها بإبتسامة مُمنية، قبل أن تخبره بأفكارها «غريبة عمار متغير»
غمغم زين بشهية متجاهلًا قولهو وهو يُطالع الأصناف المرصوصة بشهية «سبع أصناف»
فهمت مودة فصححت له «سته يا خضرة الضابط»
تأملها هامسًا بهيام «أنتِ الصنف السابع يا مودتي محتاجة تتاكلي زيهم»
ارتبكت من كلماته أسقطت نظراتها على الطبق في توتر فغيّر الحديث ضاحكًا حتى لا تختفي من أمامه «عمار لسه هيتغير أكتر»
ثم غمغم بضحكة ساخرة «الشيكولاته كانت غالية»
سألته مودة عن غمغماته الخافتة «بتجول إيه؟»
مال يهمس لها بصدق وعاطفة حارة «بقول بحبك يا نفرتيتي قلبي»
ضحكت بنعومة ورقة فهمس «حلاوتك والله امتى هنتجوز بقا»
تذكرت السكن والضرّ الذي أصابها فقالت بحزن «سكن تعبانة وحمزة زعلان عشانها يازين ومش هيجدروا ييجوا»
سألها بإهتمام مشاركًا لها اتراحها «ليه خير دي لسه عروسة»
أخبرته مودة والدموع تترقرق فيها عينيها «مبتجدرش تمشي وتعبانة، حمزة لف بيها على الدكاترة كتير بس للأسف مفيش تحسن وخسارة إنها مش هتحضر»
ابتسم مقترحًا بإشفاق «لو لقيتلك الحل الي يخلينا منأجلش وهما يحضروا معانا تنفذيلي الي عايزه»
عرجت نظراتها لوجهه و توقفت عنده متأملة قبل أن تخفضها بخجل هامسةً« إيه الي عايزة»
«لا أوعديني الأول» قالها بمكر وابتسامة متلاعبة، فصمتت مفكرة قبل أن تعلن موافقتها «موافجة ايه الحل»
أخبرها بإهتمام «كدا كدا أهلي في القاهرة فأيه رأيك نسافر نعمله هناك ونقضي أسبوع ونرجع وبكدا اتحلت المشكلة»
أضاء وجهها بالسعادة مثنية على فكرته «حلوة الفكرة يا زين،ايه بجى الي هنفذه؟»
قطع كلماته وصول راضية بصحبة عمار، ليجتمعوا كلهم حول السفرة يتجاذبون أطراف الحديث..
بعد العشاء هبطت راضية تنتظر والدها بالأسفل ككل ليلة وبقيّ زين ومودة، نهض زين بعدما نظر لساعة معصمة قائلا «شكرًا يا عمار ربنا يجعله عامر»
«لسه بدري يا حضرة الضابط» قالها عمار وهو ينهض من مكانة، لكن زين سحب مودة من كفها قائلًا «الوقت اتأخر يادوب أرجع، خليك هنزل أنا ومودة»
خطا للخارج يسحب مودة خلفه، هبط درجات السلم وهي خلفه، أغلق عمار شقته فتنفس زين براحة وقال وهو يقف في الطابق التالي «بيتكم حلو يا مودة»
التفت يسألها بنظرات تلمع مكرًا «دي أوضتك؟»
ازدردت ريقها وتراجعت خطوة بعيدًا عنه تقول «آه أوضتي»
ابتسم لتلعثمها وارتباكها، اقترب منها وحجزها بين الحائط وجسده فشهقت مرتعبة، مرتجفة الفؤاد والجسد فمال يهمس بإستمتاع وشغف «كده أقدر أقولك عايز إيه؟»
لهثت بإنفعال متخبطة كعصفور صغير، ابتلعت ريقها عدة مرات حتى تستطيع سؤاله بشجاعة «إيه؟»
مرّر نظراته عليها كلها قاصدًا ليرعبها قبل أن تستقر فوق فوق شفتيها هامسًا بتلاعب «هفاجئك»
كانت تذوب خجلًا، ترتعش من قربه المهلك وسيطرته عليها، تتهاوى ساقيها فيشدها ويسندها بذراعه «عمار وأمي»
قال يطمئنها «مركز متقلقيش»
مالت تريد الهرب متخلصة من حصاره، فاصطادها وأعادها بعزم قبل أن يضمها لصدره وبين ذراعيه في حنان هدّأ من توترها قليلًا لكنها مازالت لا تقدر على طرد الخوف والاستمتاع بتلك اللحظة معه، القلق والترقب يمنعها من فعلها، اكتفى وابتعد يطبع قبلة رقيقة على جبهتها ثم فك الحصار وتركها هامسًا «بس كدا»
رمشت عدة مرات قبل أن يستغل توهتها ويقبّل راحة كفها هامسًا «خليكي هنزل لوحدي تصبحي على خير»
اختفى من أمامها بسرعة كأنه لم يكن موجودًا وتوهمت كل ذلك، أو كأنه نبت في خيالها ليمنحها تلك اللحظات الفريدة ويغادر، أو ربما هو حلم صنعه خيالها الذي يتوّق للحظة رومانسية معه، لكنها مازالت مستيقظة واقفة مكانها أمام حجرتها،انتزعت أقدامها ودخلت حجرتها مُفكرة، ألقت بجسدها فوق الفِراش ومازالت على بلاهتها.
.
وصلتها رسالته ففضتها بلهفة «حلو إحساس إنك تكوني بين إيديا يا مودة متوقعتش يكون بالروعة دي ربنا يصبرني»
ابتسمت بخجل، قبل أن تنقلب تلك الابتسامات لضحكات رقيقة وهي تدفن وجهها المتورد المشتعل بالوسادة، حتى وصلتها رسالته التالية فقرأتها «يارب تكوني حسيتي بيا يا مودة»
عادت لتدفن وجهها في الوسادة كأنه يراها فتخشى أن يرى استجابتها لقربه وسعادتها بما حدث وموافقتها على أنه أروع أحساس وشعور.
**********
يشتاق حد الهلاك، حد نفاذ الصبر والوجع، أصبح يتجنب القرب منها والنظر إليها حتى لا تنهار مقاومته وتسقط، لا يريد إنهيارًا منها ولا رفض يحطم الباقي منه، لا يريد تعبًا لها ينتظر الفرصة .
نظرت إليه فوجدته على حالة ، لامت نفسها على عنادها وإصرارها لأنه يعاني من قراراتها التعسفية ، فهو يتبعها بصمت، ينفذ دون نقاش ويفعل ما تريده دون مراجعة، صامت حزين يساعدها كآلي ويبقى جوارها ينتظر أمرًا منها.
.
عينيها كلما نظرت إليه بكت لا تعرف تشتكي إليهما أم يحزنها ما تراه فيهما، تظل تتقلب على فراشها كل ليلة دون أن تنام، لا تصلي الفجر ولا القيام حتى لا توقظة ليساعدها، حتى إن استيقظ تشعر بالحرج والعبء عليه فلا تطلب، تظل مكانها تدعو الله بخشوع حتى تنام.
وهذا النوم زائرها العنيد، الذي يتركها عبدة أسيرة للظنون والهواجس، طريدة أشباحهم
تستجديه، تستحلفه، تركع متوسلة دون فائدة يعجبه الهجر والتلاعب بها.
أما في النهار فهي لا تستيقظ تظل نائمة تركض في أحلامها خوفًا وفزعًا وهو يستغل نومها ويذهب للعمل .
نظرت إليه مرة أخرى بأمل، ليتها تطلب منه أن يشاركها الأريكة أو يأخذها جواره.
انتفض جسدها بشهقات مزقت السكون وضربت فوق عقله بمطرقة، ألمه قلبه المشتاق فرمى الوسادة التي بين يديه واعتدل، فرد الأريكة بصمت وحرّك جسدها فرفعت له عينين مغرورقتين بالدموع تستفهم، لكنه صمت يعلم حاجتها كما نفسه، يشعر بها كما لو أن الأفكار تسري بينهما وتتنقل، يقرأ صمتها كلغة وحيدة لا يعرفها غيره ويقرأ بكائها كما لو أنه لا يجيد غير قراءتها.
تمدد وجذبها لأحضانها رغم أنفها وأنف كبريائها اللعين وضعت رأسها على صدره ممتنة له ولتفهمه وصمته..
قبضت على ملابسه تريد البوح لكن الصمت سلطان متجبر.
تنهدت مستسلمة مكتفية بتلك الحالة ووجودها بين ذراعيه، لثّم رأسها بحنو قبل أن يسحب الدثار على جسديهما وينال أخيرًا الراحة التي أفتقدها وهناء النوم والبال، خرجت ورد ووجدتهما هكذا فعادت لجناحها بعدما اطمأنت
*استيقظ في منتصف الليل *
نهضت والدته تسبقهما لحجرة الصلاة ، بينما حمل هو زوجته بعدما تأكد من استيقاظها بين ذراعيه في آلية، منحها بعض الخصوصية في المرحاض وبعدها ساعدها في الوضوء وغسل قدميها رغم حرجها ودموعها حين يفعلها.
بعدها حملها لحجرة الصلاة، سحب إسدالها وساعدها في ارتدائه ثم أجلسها فوق سجادتها واتجه ليقيم الصلاة، صح خشوعه فبكى، لكنه تماسك وأكمل حتى انتهى ف
انسحبت ورد وبقيّ هو الذي تحرك بسرعة يعدّل وضع جسدها لتكون أكثر راحة في جلستها.
عضت شفتيها متأوهة وهي تراقب هروب نظراته منها، همست « لسه زعلان »
أجاب كأنما يجيب هاتفًا داخله ليس هي وهو يمرر أنامله على المسبحة «راضي بس تكون جنبي»
تساقطت دموعها بغزارة وهي تعاود السؤال « مخاصمني»
دون أن يرفع نظراته أجاب بحشرجة « أنتِ الي مخصماني وحرماني منك »
ابتسمت من بين دموعها تسأله وهي تزحف لتقترب، فاقترب هو في لهفة يرحمها من ذل الزحف ومرارة الحسرة والاكتواء بالعجز، جاورها يحيط وجهها بكفيه هامسًا«مين هيحبني كدك يا سكن؟»
زرع نظراته بعينيها هامسًا «دوجتيني طعم جديد للحب يا سكن مكنتش أعرفه، كيف عيزاني أفارجك؟»
همست متأثرة تبوح بما تكتمه «من يوم ما جابلتني وأنت من هم لهم»
قبّل جبينها يهمس بتأكيد «من يوم ما جابلتك عرفت كيف أعيش يا سكن؟»
صرّحت بخزي ودموع «مش هعرف أبعد أصلًا يا حمزة، كلهم بعدك غرباء معرفهمش مجدرش أسلمهم روحي وأمنهم على نفسي»
ضمها بقوة بين ذراعيه فهمست معتذرة ببكاء «سامحني يا حمزة غصب عني»
ابتسم يطمئنها وهو يمرر كفه على ظهرها بحنو «عارف يا حبيبي وعاذرك»
سألته بتوهة وهي تريح رأسها على صدره وتلف ذراعها حول رقبته «هخف؟»
ابتسم بأمل تسلل شعاعه لقلبه فهمس بسكينة ورضا «عدينا كتير مع بعض يا سكني وهنعدي دي كمان»
سألته وهي ترفع رأسه متطلعة لعينيه «هتروح جنا تدور على عمي صُح؟»
داعب خدها هامسًا برجاء «سكني تعالي نتكلم في أوضتنا»
ابتسمت بحياء بهي قبل أن تهز رأسها بالموافقة، ابتهج ونهض يحملها بين ذراعيه متجهًا لحجرتهما،ما إن دخلتها وزعت نظراتها فيها هامسةً «وحشتني»
همس وهو يضعها فوق الفِراش ويهم بنزع إسدالها «وأنتِ وحشتيها»
طلبت منه ونظراتها تتجه للخزانة «حمزة عايزة أغير هدومي»
ابتلع غصته وهمس يخيرها بنبرة ثابتة المشاعر «اخترلك أنا؟ إيه رأيك؟ أنا بحب كده»
حولت نظراتها إليه تستشف صدقه، زلزلته دموعها فتململ كانه يسير بقدميه فوق جمرٍ يحرقه، ابتسم أمام عينيها يشجعها فهمست بهزيمة نالت قلبه وروحه «رجعني واختارلي»
أعادها للفِراش برفق وتأني كشيء ثمين، قبّل رأسها وغادر للخزانه يثرثر ليشغلها «حاسس اللون الأخضر هيكون حلو عليكي» جذب قميصًا وعاد به إليها، لا يحب شعورها بالنقص الذي يزاحم نظراتها، لا يحب إحساسها بأنها أقل مما يستحقه وأنها لا تستطيع مراضاته، الجميلة الحنون تشفق عليه هو من حظه فيها، ولاتدري أنه يشفق هو على نفسه قبل وجودها وظهورها، يرثي حمزة القديم حين يختلي بنفسه ينعيه في ملامة.
.
لا يدري كيف مرت سنين العمر دونها؟
وكيف عاش كل ذلك وحده من غيرها؟
ولو ظل العمر يحملها لن يمل.
وضع كل ما تحتاجه جوارها بتدليل قبل أن ينسحب «هروح أجيب حاجة ناكلها ونشربها وأرجعلك» خطف شيئًا من الخزانة وغادر
بعد قليل عاد ليجدها في انتظاره، دخل الحجرة بهيبة خطفتها، اتسعت عيناها عليه بإعجاب واندهاش فابتسم، يعشق منها تلك النظرة الحنون التي تعيد تكوينه، كأنه مصدر الحياة ومحور كونها.
رمشت فوق جسده تتأمله بملابسه وعمّة رأسه، يستند بمرفقه الأيمن على عصا
أبوي جالي «أنت واد بندر ياحمزة»
أمي جالتله «دِه واد عبد الحكيم»
رفع العصا لنظراته وقال يتأملها ويقرأ التاريخ المحفور فوقها وفي خربشاتها «جالي هديك العصا ياحمزة لو اتعلمت»
ورد جالتله «يبجى هيتعلم حمزة راجل من ضهر راجل»
استطرد بدموع ترقد مستأنسة بين جفنيه «اتعلمت لوحدي لغاية ما اتجمعنا ففرح وكنا خصمين، غلبته بس كنت عارف إنه جصدها عشاني وعشان أخد العصا ورجصنا بيها فكل فرح رحناه »
استمعت بإنصات واهتمام ودموع مسترسلة، حتى توقف عن السرد والتفت يهمس أمام عينيها «إيه رأيك من زمان معملتهاش ورجصت بالعصا ولا راجعت الي علمهوني خليني أرجع الذكريات معاكي»
ضمته بعاطفة وهي تشهق ببكاء حار تهمس له من بينه «بحبك يا حمزة»
تعلم إنه يبذل ما في وسعه لإرضائها، نظراته وقت توقفت أناملها على بدلة الرقص همست لها أنه لن يمرر الأمر وسيدفع ثمن حسرتها وعجزها من نفسه لترضى، سيشتري لها السعادة بنقود ذكرياته،وسيجلد الوجع الذي يبكيها، ضمها يهدأها ، فهدأت واستكانت، ابتعد عنها وبدأ على نغمات أغنية شعبية تراثية اختارها وأخبرها أن والده كان يحبها
يتذكر، ينظر حوله أحيانا كأنما يرى والده وهو يدربه ويعلمه فيتوه منها بين الذكريات بملامح تملأها الشجن، حين تقع نظراته عليها يبتسم ويعود من جديد
ابتسامتها كانت بوابته ليعبر من الماضي للحاضر بسلاسة.
حتى انتهى وصفقت له بإعجاب وحرارة، صفرت تثني عليه «حمزاوي شطور»
اقترب وضمها بين ذراعيه هامسًا بصدق وعاطفة حارة ولهاثة لا يتوقف«منستش لما جولتيلي خوفت أطلب أبويا يرجع فترجع مرام واتحرم منك» ارتعشت بين ذراعيه فهمس وهو يشدد من احتضانها «معرفتش أنساها ولا أعديها، فبالي وجدام عيني، هروح لحسان يا سكن وهجيبه ليكِ يداويكي أنتِ مبتحبنيش أكتر ما بحبك»
شهقت بقوة تستسمحه على عصيانه وابتعادها عنادها وخصامها له «حجك عليا يا حمزة وجعتك ولسه مكملة»
أبعدها يحيط وجهها، يمسح لها دموعها هامسًا بحنان «لاه يا سكني مفيش وجع، المهم تجومي وتتنططي ولو دواكي تمشي على جلبي أنزعهولك من صدري تمشي عليه ولو فروحي فهي ليكِ»
قبضت أناملها على جلبابه واضعة جبهتها على صدره تبكي بلا توقف ولا وعي، مرر كفه على رأسها معاتبًا «كفاية يا سكن خليكي معايا وانسي كل حاجة لغاية ما ربنا يأذن بالشفاء وكله هيعدي وهنفتكره ونضحك عليه»
ابعدت وجهها تنظر إليه، فابتسم بحنو قبل أن يشاكسها «متمسحيش فجلابية أبوي»
ابتسمت فابتعد يخلعها هي وعمامته، ثم طواهما جيدًا وبقدسية وهي تراقبه متأملة، يرفع نظراته ويبتسم لها فتتسع ابتسامتها ويذوب حزنها في حنانه، عاد إليها بعدما سحب ألبوم صور، جلس جوارها قائلًا وهو يتأمل ما ترتدي «محدش يلبس أخضر بعدك يا سكني»
ابتسمت لملاحظته وإعجابه الذي يوصله لها بكل الطرق وكل لغات التواصل بينهما
ثم ضمها بذراعه يخبرها «دي حاجة تانية محتفظ بيها متأكد هتعجبك »
فتح ألبوم الصور فشهقت متفاجئة بالكثير من الصور القديمة لوالدها ووالده وعمتها
همس بشجن وهو يداعب أرنبة أنفها «من وجت ما مات أبوي مفتحتوش، هفتحه عشانك وعشان عايز أحكيلك حاجات كتير يا سكني محدش يعرفها عن حمزة»
أراحت رأسها على كتفه مستمتعة بحكاياته عن أحداث الصور وكيف جمعها واهتمامه بها وحفاظه عليها، والذكريات الكثيرة التي يحملها للصور.
ركنت نظراتها عند صورة والدها زحفت أناملها لوجهه دون وعي، مررتها بشجن وحنين قبل أن تهمس باشتياق «دي أحلى صورة شوفتها لأبوي يا حمزة»
التفت يهمس وهو يتأملها عن قرب «مبسوطة؟»
هزت رأسها مؤكدة بدموع «جوي»
ترك ألبوم الصور جانبًا هامسًا «وحشتيني»
أخفضت بصرها لساقيها ثم همست مشككة ًفي قوله «بجد»
سألها وهو يقترب ملثمًا خديها بعاطفة «عندك شك؟»
صمتت لا تجيب عليه فهمس قبل أن يضم شفتيها في عناق طويل يثبت به صحة قوله «أنا هثبت كلامي»
*في الصباح *
جاورها تحت الغطاء فوق الأريكة أمام التلفاز بالقسم الثاني للحجرة يفرد ذراعه حول كتفها متسائلا «سكني بتعملي إيه»
لثمت خده القريب منها وقالت بانبهار وهي تطالع شاشة الهاتف وتقربها من نظراته «حموزتي بص عايزه أعمل غمازات زي دي»
طالع معها الشاشة باهتمام وهو يسألها بهدوء «ليه»
أجابت منبهرة «عجباني وهتبجى حلوة»
نظر لها بعينين براقتين لا ينطفىء نورهما بل يتوهج «أنتِ عجباني كده وبموت فيكِ كده»
طالعته بامتنان وشغف وهي تلثم خده شاكرة «وأنا كمان»
أغرته بالصور هامسة «فكر بس يا حموزتي»
صارحها حمزة وهو يدلك لها خدها بأنامله«متحملش فيكِ تعملي حاجة زي دي يا سكني»
تحايلت وألحت تحاول إقناعه فاقترح بمشاكسة «سكني طب وليه ما أعضك وأخد حته وهتبجى غمازة»
أنهى كلماته بالتنفيذ قضم خدها برفق فصرخت معترضة «حمزة»
ترك خدها فدلكته معاتبة «بتهزر»
أعاد خصلاتها خلف ظهرها وهو يتأملها بعين العاشق قائلًا «بحبك زي ما أنتِ»
نظرت لعينيه مبتسمة وهي تحيط وجهه براحتيها هامسةً «وأنا كمان» اقتربت تلثم شفتيه برقة منتظرة رد فعله ما بين كل قبلة وأخرى فهمس متأثرًا بقربها منه «وحشاني دايما يا سكن»
ابتعدت قليلًا، سحبت رواية من جوارها ولوحت بها هامسةً «اقرأ لي الرواية دي يا حمزة»
سألها بمكر وهو يسحبها من بين أناملها «عملي ولا نظري»
ضحكت هامسةً«الاتنين يا حموزتي»
رن هاتفه باسم مودة فسحبه وأجاب فورًا بعدما حمحم يجلي صوته «السلام عليكم ازيك يا مودة»
«ازيك أنت يا دكتور طمني على سكن وعليك وعلى مرت خالي»
نظر لسكن برضا قبل أن يُجيبها «تمام كويسة أنتِ أخبارك إيه؟ حددتي ميعاد الفرح ولا زين هيوجع دماغي»
حمحمت تطرد خجلها وقالت «لسه بنرتب بس مستنينكم الأول»
اعتذر منها بحرج «كان نفسي يا مودة بس أنتِ عارفة الظروف ولا حتى هجدر أسيب سكن وأحضر أنا»
عذرته بتفهم «فاهمة والله ومجدرة حتى زين بيفكر يعمله في القاهرة عشانكم»
تهللت سكن بفرحة غامرة فدلك حمزة فروة رأسها مبتسمًا قبل أن يشكر مودة «شكرًا يا مودة بس لو فيها تعب بلاش وإن شاء الله تخف سكن ونيجي»
همست مودة بتأكيد «هشوف متشلش هم» ثم مازحته بمرح «بس اتأكد الأول أختي يمكن بتدلع عليك عشان هي بتموت في الدلع وخاصة لو منك»
هتفت سكن مستنكرة «بت هدي النفوس»
ابتسم حمزة يشاكسها هو الآخر «هعمل إيه يا مودة هتحمل بلوتي»
ضمت سكن شفتيها بتوعد لحمزة فقالت مودة «كان الله فعونك»
وجهت كلماتها لسكن تطلب منها «فوجي وكلميني عيزاكي»
ثم أشعرتها بإحتياجها لها لتفيق مما هي فيه وتعود من الطريق المظلم الذي تسلكه «محتاجة اتكلم معاكي يا سكن وترتبي وتختاري معايا متغلسيش وتتهربي»
ابتسم حمزة ممتنًا لمودة التي جلبت السعادة لزوجته فابتسمت وقالت بحماس «ماشي هيطلع حمزة الشغل ونرغي» ضربها حمزة بخفه على مؤخرة رأسها، فأنهت الاتصال والتفتت إليه زاعقة بغضب «عايز إيه يا واد عبد الحكيم»
مال وعض خدها هامسًا «مش طالع طالما اتصالحنا»
ابتعدت تدلك خدها بكفها غير مصدقة «هتجعد معايا اليوم كله؟»
أجابها بتأكيد وهو يزيح خصلاتها المفرودة خلف ظهرها «أيوة وعايز أسمعك يا سكني، اتكلمي وجولي كل الي مضايجك ومزعلك وكل الي غاب عن حمزة الأيام الي فاتت»
همست وهي تنكمش بأحضانه متنهدة «مفيش حاجة»
دلل خصلاتها بلمساته مشجعًا لها على البوح «لاه في، وهتحكيلي وتجوليلي كل الي كان فدماغك وتشركيني فيه»
ابتسمت تُعلن موافقتها «ماشي»
♕*********♕
بالخارج كان جلال يهاتف ورد ليطمئن على حمزة
(السلام عليكم ازي حضرتك)
بشت ورد من مهاتفته وقالت «ازيك يا ولدي عامل إيه؟ ومرتك وبتك»
(الحمدلله بخير بعتذر عن اتصالي بس كنت عايز اطمن على حمزة حاله مش عاجبني)
أجابته في امتنان
«فيك الخير يا ولدي، حمزة كويس هو بس فمحنة وربنا ينجده ادعيله»
هتف جلال بمروءة (خير لو محتاج أي مساعدة تحت أمركم)
أجابته ورد بأختصار «مرته تعبانة شوية وأنت عارف حسن كان صاحبه ومشاكل المطعم»
تنهد جلال بتفهم قبل أن يدعو له(ربنا يشفيها ولو على حسن فكدا أحسن لحمزة)
تنهدت ورد بإرتياح قبل أن تُصارحه «عارفة أنك عارف يا أبو مسك وفاهم سبب عمايل حسن بس ولدي ميعرفش»
أجابها مطمئنًا لها مبتهجًا لمناداتها باللقب الجديد «فهمت اطمني حضرتك وأنا مبسوط أن حسن بعد، هو مش شبه حمزة ولا زيه»
باركته ورد ببشاشة وهي توصيه بإبنها خيرًا «مبروك الشراكة يا ولدي خير بإذن الله حمزة مش هيلاجي أحسن منك وأمانة يا ولدي اعتبره زي أخوك حمزة مجطوع مالوش غيري أنا ومرته وإبراهيم» تحشرج صوتها وأدمعت ليرتجف قلب جلال رقةً وإشفاقًا عليها فيسارع بطمأنتها والربت فوق خافق أمومتها بحنو «وليه زي.
.
؟
حمزة أخويا فعلًا اطمني حضرتك ومتشليش هم»
مسحت عينيها وأجابته بقوة وثقة عالية «مطمنة ياولدي ربنا رتبها واختار الأصلح كيف مطمنش»
ابتسم جلال ليقينها وحسن ظنها، منحته جرعة عالية من التفاؤل والأمل فداعب صغيرته النائمة وهتف «لو احتاجتوا أي حاجة أنا موجود وتحت أمركم مسافة السكة، ولو في أي حاجة أقدر أخدم بيها حمزة بلغيني»
شكرته ورد داعية له «كتر خيرك يا ولدي فيك الخير»
أنهى جلال الاتصال «فرعاية الله مع ألف سلامة»
وضعت ورد الهاتف جوارها وتمددت لتغفو قليلًا حامدةً الله شاكرة بقلب امتلأ بالإيمان واليقين.
استمرت غفوتها ربع ساعة نهضت بعدها جالسة متهللة، وجهها مضيء وابتسامتها واسعة جذابة، طرق حمزة بابها فأذنت له بالدخول جاورها يسألها عن حالها فقالت دفعة واحدة «عايزين نرجع جنا يا حمزة والوجت جه يا حمزة خلاص»
انتظر داخل المقهى الصغير المنزوي بعيدًا، يترقب ويتأمل القادمين أخبره سعد بما سمعه واقتراحه وبأن يطلبوا المساعدة من حسان، حسان الذي دخل المقهى الآن مُتخفيًا وجلس بركن بعيد مُظلم لا تطاله النظرات ولا تستمع الأذان للجالسين فيه.
وقف رفعت بعدما ألقى على الجالسين نظرة متفقدة، رمى سيجاره أرضًا وتحرك؛ ليجلس أمام حسان الذي تصنّع الدهشة ورسم خطوط الإرتباك على محياه نافخًا في نار غرور رفعت لتزداد اشتعالًا وتتهيأ لالتهامه.
.
«ازيك يا حسان»
قالها رفعت بنظرة لامعة خبيثة فأجابه حسان يراوغ في انفعالاته اللحظة ليحير رفعت «خير» ثم قال وهو يبعد الشال عن وجهه «أنا مش فبلدكم»
ابتسم رفعت قبل أن يطلب كوبين من الشاي الثقيل مما جلب سخرية حسان واستهزائه «كمان شاي خير جوي»
ضحك رفعت فظهرت أسنانه الفضية ولمعت أمام نظرات حسان المتصيدة «ميجيش من ورايا غير الخير»
قهقه حسان بخشونة قبل أن يؤكد بإستهزاء «عارف»
احتدت ملامحه وواجهه بعنف وتهديد «عايز إيه يا رفعت أنا معدش عندي الي أخسره فاجصر شرك عني»
رماه رفعت بنظرة مستهينة قبل أن يهتف ببرود «مش هتخسر هتكسب وكتير»
مال فم حسان بابتسامة هازئة وهو يرفض «مش عايز»
سأله رفعت بمكر «جال رجعت للكار الجديم ولشغلك»
حدّق فيه حسان بنظرة غامضة جعلت رفعت يسترسل «مين فات جديمة تاه»
قال حسان بغموض امتلأ بشجنه «التوهة الحج لو الجديم مخلصش»
قطب رفعت بغير فهم لكنه تجاهل وقال يستميله «عايزك فشغل»
قهقه حسان ساخرًا بغلظة «تاني»
وعده ومناه بنظرة متحمسة«المرة دي غير»
فاجئه حسان بمعرفته ليثبت له عودته للشغل وهو يلتقط كوب الشاي من فوق الطاولة والذي وضعه العامل «مجبرة الديرالغربي»
ارتعش جفني عين رفعت اليسرى وهو يعود بظهره ورأسه مُحدجًا له بنظرة ثاقبة مُزجت بقلقه «مين جالك عليها»
ضحك حسان باستمتاع وهو يرتشف من كوب شايه «مش جولت إني رجعت ومين فات جديمه تاه»
حك رفعت ذقنه بتفكير قبل أن يسأله «وإيه جولك»
هتف حسان بإستهانة وملل «مش عايز أنت متضمنش»
هتف رفعت بجدية قاتمة التفسير «خد الضمانات الي عايزها»
ضرب حسان بكفيه وهو يرمي كلماته بلا مبالاة وترفّع «هفكر»
جاء العامل فنقده حسان قائلًا بمغزى وكلمات لم يفهم رفعت بواطنها ولا خفاياها الكامنة بعقل حسان«دفعت تمن الي شربته، جه دورك أشرب وأدفع يا أبو سعد»
قطب رفعت بتفكير متوجسًا فابتسم حسان قائلًا يصرف تفكيره عن تفسير الكلمات وهو يشير للشاي «شايك يا أبو سعد برد»
انتبه له رفعت فابتسم ورفعه لفمه يرتشف منه، نهض حسان وهو يغمغم «أشرب وكلهم آتيه يوم القيامة فردا»
غادر حسان وتركه مكانه،لفّ رأسه وتلثم بشاله الثقيل وهو يعرج تجاه الحجرة البسيطة التي يسكنها على أطراف البلد جوار المقابر، وفي طريقه اصطدم بجسد ليّن غض، لمّا وقف وتبينه على إضاءة هاتفه البسيطة وجدها فتاة، نظر حوله للظلام الدامس قبل أن يسألها وهي تسقط أرضًا جالسه بزعر وخوف «أنتِ مين يا بتي وجايه هنا ليه؟
»
زحفت خطوة للخلف متسائلة بتلعثم وهي تنظر حولها للمقابر «أنت الي مين؟»
حاول تهدأتها قائلًا وهو يقترب محدثًا لها بلطف لتطمئن «اهدي يا بتي»
ارتجف جسدها رهبةً مما تتخيله وبشاعة ظنونها اللحظة، أسقطت ما بيدها أرضًا وصرخت بكل قوتها قبل أن تنهض وتركض هاربة تتبعها ضحكات حسان المتحشرجة..
عاد حسان بنظراته لما أسقطته في غفلتها، بحث عنه حتى وجده ورفعه لعينيه مغمغمًا بقهر «عمل حسبي الله ونعم الوكيل»
عادت سما للمنزل لاعنة خالتها وأفكارها، أخبرتها أن عليها دفن عمل سكن بأحد المقابر المفتوحة حتى لا يُفك وتظل تتعذب، أشارت عليها أن تُلقيه في أحد القبور مع أسرار أصحابها لتضمن أن صديقتها ستظل على حالها ومرضها حتى تذبل وتموت، رغم خوفها إلا أن حقدها زودها بقوة خفية وطاقة هائلة جعلتها تنفذ بحماس متمنية ألا تُشفى سكن ولا ترتاح.
.
لكن ما إن وطأت أقدامها أرض المقابر أصابها الخوف الشديد والزعر وما زاد زعرها أكثر ظهور الرجل الذي لا تعرف هل هو أنسيًا أم جنيًا.
انكمشت مرتجفة الجسد تحت الدثار بمنزلها تردد ما تحفظه من الآيات.
أما حسان فأخذه مقررًا إبطاله وإنقاذ ضحيته.
خطا رفعت تجاه منزله مترنحًا آثر ما تناوله،قطعت طريقه قائلة بنظرة جريئة وقحة ودلال خبيث «ازيك يا أبو رفعت؟»
تأملها بنظرة أكثر وقاحة وجرأة وهو يُجيبها بابتسامة خبيثة «يا مرحب مين؟»
اقتربت منه في غنج هامسةً «فاعلة خير»
رفع رفعت حاجبه وهو يمرر سبابته على شاربه قائلًا بابتسامة وقحة «بحب أنا الخير»
دارت حوله فدرات معها نظراته التي تُعري لا تتأمل، ثم وقفت مستندة على كتفه هامسةً «جاية أنبهك للعجربة الي نايمة على فرشتك وبتكيدلك»
قطب بغير فهم ونظراته تنهشها بقلة حياء
فمالت وأخرجت من صدرها ما منحته لها نفيسة لتثبت قولها وولاؤها له، ازدرد ريقه حين كشفت جزء من صدرها عن قصد، فردتها أمامه ومازالت نظراته عند صدرها مما جلب الرضا لنفسها «مش دي برضو تبعك»
عاد رفعت بنظراته لقطعة ملابسه وجذبها بعنف صارخًا بحدة «جبتيها منين دي يا مرة»
ابتعدت عنه وأخبرته بابتسامة قبيحة ونوايا خبيثة «مرتك نفيسة جبتهالي عشان أعملك عمل يرجدك»
اقتربت ومالت عليه هامسة في أذنه وهي تضع ورقة بجيبه «ده رقمي»
اشتعلت نظراته وهو يكرمش قطعة الملابس بين أنامله بزمجرة وتوعد غليظ.
ارتاحت نفسها وتشبعت بالرضا وخُطتها تؤدي ثمارها وانتقامها من المتعجرفة البغيضة يخطو أو خطواته تجاه الهدف الصحيح القاتل.
.
.
راقبته بضحكة مستمتعة قبل أن يبتلعها الظلام في جوفه ويعود هو لمنزله متوعدًا بشر عظيم.
الخامس والخمسون من هنا
قراءة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الخامس والخمسون 55 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
استمر في متابعة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الرابع والخمسون 54 كاملة بدون حذف ولا تفوت الفصل التالي.
اقرأ ملاذ قلبي سكن كاملة جميع الأجزاء
رواية ملاذ قلبي سكن كاملة بدون نقص أو حذف لأي فصل.