"أنا جبت آخري منك.. زهقت من اهتمامك، ومن ملاحقتك ليا، ومن وشك اللي مبيفارقوش الابتسامة الباردة دي! 'يا محمود الشوربة سخنة'، 'يا محمود الشبشب'، 'يا محمود شكلك تعبان يا حبيبي'.." قالها **محمود** بتريقة ومرارة وهو بيلم هدومه في الشنط بعصبية. بقلم منــال عـلـي
"حاجة تقرف! أنا حاسس إني متكتف باهتمامك ده زي ما أكون واقع في شبكة عنكبوت بتلزق.. العيال كبروا خلاص، ومحدش بقى مديون للتاني بحاجة."
"في واحدة تانية يا محمود؟" صوت **هناء** كان بيترعش وهي مش قادرة تصدق.
"ولو فيه؟ هيجرى إيه يعني؟ أنا بقالي سنة متبهدل وحاسس إني تايه.. كنت فاكرها نزوة وهتعدي، بس طلعت لأ. آه فيه واحدة، ومعاها أنا مبسوط! مش خنقاني زيك.. دي ست نار، مش زي الستات العادية! وبلاش نغمة العياط دي بقى، ماشي؟ أنا مش عايز الشقة، خليها لك."
"يا محمود.. إزاي جالك قلب تعمل كدة؟"
هناء كانت مرعوبة بجد. بتحاول تسند نفسها، بس قلبها كان بيتعصر من الوجع لدرجة إن دموعها نزلت غصب عنها. هو ده نفس الراجل اللي أفنت عمرها عشانه؟
"يا ساتر يا رب!" صرخ محمود وهو بيخبط كف على كف، "أنا إيه اللي رماني الرمية دي؟ خلاص.. إنتي طالق!"
رزع الباب وراه بكل قوته، وهناء فضلت واقفة مكانها
مذهولة كأن صاعقة ضربتها. بشكل آلي، بدأت تلم الهدوم المرمية، وتمسح التراب، وترتب المطبخ. مسكت الموبايل.. وبعدين رمته تاني.
شربت شوية مهدئ وحاولت تنام، بس قلبها كان بيدق كأنه طبلة. غرقت في كوابيس لحد الفجر، وقامت الصبح بالعافية عشان تروح شغلها. كانت حاسة إن ده حلم بايخ.. وأكيد محمود هيرجع ويكون كان بيمزح.
كانوا مع بعض أكتر من 30 سنة. هناء كانت فاكرة إن جوازهم مختلف وأحسن من غيرهم. ضحت بكل حاجة.. نفسها ورغباتها دابت في محمود والعيال. كانت مؤمنة إن تعبها ده هيتقدر في يوم من الأيام متوفره على روايات واقتباسات
زمان، في أول الجواز، حاولت تعترض على كسل محمود أو قلة حيلته، بس أمها كانت دايمًا بتسكتها:
"إنتي بتنكدي على جوزك ليه؟ ده راجل، وسيد البيت! عايزاه يطفش ويسيبك؟"
"يا ماما أنا تعبانة وهو مبيعملش حاجة."
"حببيه في البيت! اضحكي في وشه، واسكتي، وما تطلبيش كتير.. والعيال ذنبهم إيه يعيشوا من غير أب؟"
وهناء صدقت.. واستحملت لحد ما محمود بقى زي العيل التالت في البيت، مدلل ومطلباته مابتخلصش، وهي مابتاخدش منه غير البرود. حتى حماتها كانت بتقولها: "إنتي دلعتيه زيادة.. الرجالة ما تتعاملش كدة! إنتي غرقانة في الشغل والبيت وهو قاعد قدام
التليفزيون وإنتي بتخدميه!"
وكان رد هناء: "أنا عايزة أدلعه.. أنا راحته.". بقلم منــال عـلـي
العيال كبروا وكل واحد شق طريقه. **أحمد** سافر الغردقة يشتغل واستقر هناك مع مراته وعياله، ومراته رفضت تسكن جنب هناء. أما **مي**، فرفضت الجواز وسافرت ألمانيا تدور على مستقبلها.
بقى عندها عيلة.. بس مفيش حد جنبها غير محمود، اللي فجأة سابها لوحدها.
بقت تقعد قدام الشباك بالساعات، مفيش حد تطبخ له ولا تهتم بيه. كانت بتبعت له رسايل توسل:
"هي أحسن مني؟ رد عليا.. يا محمود عندك معاد دكتور الأربع الساعة 7.. وصلت؟ رد عليا بالله عليك."
حكت لأحمد في الغردقة، رد ببرود: "يا ماما إنتوا كبار.. حلوا مشاكلكم سوا."
أما مي فغضبت جداً: "يا ماما ده جحد! إنتي ضيعتي عمرك عليه وده جزاتك؟ كان لازم تفوقيه من زمان.. سيبيه، بكرة يرجع يزحف، بس أوعي تسامحيه!"
الوقت عدى ومفيش حاجة اتغيرت. هناء مكنش ليها صحاب ولا هوايات، كانت عايشة عشانهم بس. ليلها دموع ووحدة.. لحد ما مي بعتت لها "ڤاوتشر سبا" هدية.
"إيه ده يا بنتي؟"
"روحي يا ماما دلعي نفسك علشاني."
راحت هناء، ولأول مرة تحس إنها ملكة. اهتمام، مساج، دلع.. في الأول كانت مكسوفة، وبعدين استمتعت بجد. رجعت البيت بصت
في المراية وقالت: "أنا ست.. وحلوة كمان. وست زي دي مينفعش تلبس الهدوم القديمة دي!"
لمت كل لبسها القديم ورمته، وقررت تنزل تشتري لبس جديد مهما كلفها. وفجأة استوعبت حاجة.. بقالها شهرين من غيره، ومع ذلك الفلوس في المحفظة أكتر!
فتحت كشكول المصاريف لقت: "قسط عربية محمود، عدة صيد، بنزين، كروت شحن.." كله كان رايح عليه!
وهي لما كانت تطلب فستان يقولها "عندك لبس كتير"، جزمة؟ "في أرخص"، كريم؟ "هو ده دهب؟".
بدأت تهتم بنفسها، والكل لاحظ التغيير وبقت تجيلها مجاملات من كل حتة. وفي يوم، رجعت البيت لقت النور قايد.. فكرت إنه محمود وحست بضيق، بس لقت المفاجأة: *أحمدوعياله ومراته في البيت! بقلم منــال عـلـي
بكت من الفرحة وهي بتحضن أحفادها. وبالليل أحمد قعد معاها: "أنا كلمت بابا.. هو مش هيرجع."
هناء ردت بكل هدوء وثبات: "أنا كنت ناوية أطلب الطلاق ونقسم الشقة والممتلكات.. مش هستناه. أنا هبدأ حياتي من جديد."
وفعلاً، باعت نصيبها وسافرت لمي في ألمانيا، وهناك فتحت صفحة جديدة، واشتغلت في رعاية الناس في فندق صغير، واتجوزت راجل قدر قيمتها. أما محمود.. فرجع بعد فوات الأوان، يدور على "هناء القديمة" اللي كانت بتعمل كل حاجة، بس مالقاش غير ذكريات ست
قوية عرفت قيمة نفسها.
**تمت**