قصة تحويشة عمرى كاملة من الفصل الأول للاخير | بقلم امانى السيد

 الكلمة دي كانت بتلف في دماغي وأنا شايفة نظرة “محمود” اللي اتحولت لشرار في ثانية. سنة 2003، فاكرينها؟ لما كان جرام الذهب بـ 63 جنيه بس. وقتها بدأت الحكاية، بدأت أجمع القرش على القرش، وأشيل القرش الأبيض لليوم الأسود اللي الكل بيخاف منه.


كنت بداري “السبيكه” دي زي ما بداري سري، بجيب الجرام ورا الجرام من ورا جوزي، مش عشان أخونه ولا أس,,رقه، لا والله، بس عشان أشيلهم للزمن. كنت بشتري الذهب المستعمل المكسور، وأجمعه حتة حتة، وأروح أبدله بحتة أكبر وأتقل. وفضل الحال كدة سنين طويلة، والذهب بيغلى وأنا حلمي بيكبر معاه، لحد ما كسر الـ ٥٠٠٠ الاف جنيه، وبقت التحويشة اللي بدأت بمليم,,ات ثروة تعدي العشرة مليون جنيه النهاردة.


أنا كنت مقررة ومبيته النية إني أديهم لجوزي.. قلت الغلاء أكل الأخضر واليابس وهو شايل الهم لوحده، والفلوس دي هي اللي هتسنِدنا وتخلينا نعيش مستورين.


بس الصدمة كانت قلم على وشي مكنتش متوقعاه.


لما جيت أصارحه عشان أمد إيدي وأساعده، اتهمني بالخيانة! قالي “إنتي قليلة الأصل.. والفلوس دي حقي أنا مش حقك، وإنتي خنتي الأمانة طول السنين دي”.


وقفت قدامه مذهولة، والدموع بتحرــ,,ـق عيني قبل قلبي. يا محمود، ده أنا كنت بوفر من مصروف البيت، وبدخل جمعيات، وعمري ما مدت إيدي على مليم زيادة عن حقي ولا قصرت في بيتي ولا في عيالي في يوم. ده مجهودي وتدبيري وصبري السنين دي كلها.


بصقت الكلم,,ات من بقه زي السم، وعينه اللي كانت دايماً حنينة اتحولت لعين حد غريب، حد طماع ميعرفش يعني إيه عشرة.


قرب مني وخطواته كانت بترج الأرض تحتيا، مد إيده بحدة وكأنه عايز ينتش الروح من جوايا وقال بصوت واطي ومرعب:


— “هاتي الدهب ده يا هناء.. هاتي الذهب ده كله وإلا هعتبرك سارقة وماشية في بيتي بالحرام. الذهب ده جه من خيري، من شقايا اللي كنت بطفح فيه الكوت برا وإنتي قاعدة هنا “بتوفري”! التوفير ده مالي أنا، مش شطارة منك، ولو كنت أعرف إنك بتعملي كدة كنت قللت المصروف للنص، كنت أحق بيهم أصلح حالي بيهم من زمان.”


وقفت مكاني مش قادرة أتحرك، الكيس اللي فيه “السبيكة” كان تقيل في إيدي، بس وزنه في قلبي كان أتقل بكتير. حاولت أنطق، حاولت أقوله يا محمود ده شقا سنين، ده لعيالك، ده لبيتنا.. بس هو مقطعش كلامه:


— “ومسمعش صوتك خالص! الذهب ده أنا اللي هصرفه، وأنا اللي هقرر أعمل بيه إيه. وبعدين تعالي هنا.. اللي تخبي عن جوزها ثروة زي دي سنين، مأمنلهاش تعيش معايا يوم واحد. الفلوس دي هي اللي هتعوضني عن سنين الخديعة اللي عشتها معاكي، وممكن أوي أبدأ بيها حياة جديدة.. حياة مع واحدة تانية تصوني وتعرف يعني إيه أمانة، مش واحدة عمالة تكنز من ورايا وتعمل نفسها الست المدبرة!”


الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. “يتجوز عليا؟” بفلوسي؟ بشقا عمري؟ بوجع ضهري وأنا بلف على محلات الصاغة وبفاصل في كل ملي عشان أكبر الحتة اللي معايا؟


ضحك ضحكة صفرا وهو بيشد الكيس من إيدي بعن,,ف وقال:


— “متستغربيش.. الراجل اللي معاه عشرة مليون جنيه في الزمن ده، يقدر يفتح عشر بيوت مش بيت واحد. إنتي دلوقتي ملكيش حق في مليم واحد، الذهب ده كله هيدخل خزنته، والقرار قراري أنا.”


في اللحظة دي، حسيت إن الحيطان بتضيق عليا. السبيكة اللي كنت شايلاها عشان “تسندنا”، بقت هي السكــ,,ـينة اللي ذبحتني من الوريد للوريد. بصيت له ولقيت قدامي وحش معرفوش، وحش الفلوس غيرت ملامحه في ثانية،


إيده كانت بتترعش وهو بيشد الكيس من إيدي، مش من الخوف، لا.. ده كان رعشة الطمع اللي سكنت عينيه فجأة. بصيت له وأنا مش مصدقة، محمود اللي كان بيشيل هم “كيلو اللحمة” ويفكر مية مرة قبل ما يجدد جزمته، بقى دلوقتي بيتكلم بلغة الملايين وكأنها كانت ملكه من يوم ما اتولد.


— “سيبي يا هناء.. سيبي شقايا اللي كنزيته من ورايا! ده أنا كنت ببات مانمتش من الهم وانتي معاكي الكنز ده ومخبياه؟”


زقني لورا وخبطت في ركن الحيطه ، الوجع في ضهري مكنش ييجي حاجة جنب الوجع اللي في قلبي وأنا شايفاه بيفتح الكيس بلهفة، ويطلع الغوايش والسلالسل والحتت المستعملة اللي جمعتها جرام فوق جرام. كان بيمسح عليها بصباعه كأنه بيمسح على وش عيل من عياله.. لا، ده كان بيبصلها بحب أكتر ما بيبص لي.


رفع عينه في عيني وقالي ببرود .ني:


— “الذهب ده هيتجمع كله ويتحط في خزنة باسمي أنا.. ومصروف البيت اللي كنتي “بتحوشي” منه، هينزل للنص، عشان أشوفك هتشيلي إيه تاني للزمن. والفلوس دي؟ الفلوس دي كفيلة تخليني أبدأ من جديد، أصلح اللي فاتني من عمري مع ست تانية.. ست تعرف يعني إيه “طاعة” وتعرف إن مال جوزها هو اللي يمشي كلمته، مش هي اللي تمشي بكنز في بيتي وأنا مديون لفلان وعلان.”


حاولت أصرخ، حاولت أقوله “يا راجل اتقي الله، دي جمعياتي وتدبيري، دي سهر الليالي وأنا بصلح هدوم عيالنا عشان مروحش أشتري جديد وأوفر تمن الجرام”، بس صوتي مطلعش.. كان محبوس في حلقي مع مرار السنين.


بص لي باحتقار وكمل وهو بيحط الذهب في جيبه:


— “وقانوناً يا ست “الناصحة”، الست اللي تاخد من ورا جوزها مليم، تبقى خاينة أمانة.. والشرع بيقول مالك من مالي، وتوفيرك ده حق بيتي اللي إنتي حرمتينا منه عشان تشيلي دهب. اطلعي بره الأوضة دي دلوقتي.. ومش عايز أسمع نفس، لحد ما أقرر هعمل فيكي إيه.”


طلعت وأنا بجر رجلي، البيت اللي بنيته طوبة طوبة وصنته بدمي، بقى غريب عليا. السبيكة اللي كانت أملي، بقت هي الحبل اللي هيتلف حوالين رقبتي. دخلت أوضة العيال، بصيت لوشوشهم وهما نايمين، وسألت نفسي بكسرة: “أنا فعلاً غلطت؟ هل كان لازم أخليه غرقان في همه وأفضل أنا في الأمان؟”


مرت ساعة وهو حابس نفسه في الأوضة، ساعة وأنا قاعدة برا بفرك في إيدي، قلبي كان بيوجعني أيوة، بس كان فيه هدوء غريب سكن جوايا أول ما سمعت صوت “رزعة” الباب وهو خارج.


خرج “محمود” ووشه مقلوب ألوان، ملامحه اللي كانت من شوية مليانة طمع وزهو، بقت دلوقتي مليانة غيظ وانكسار. رمى الكيس على الترابيزة قدامي بغل، والسبايك والحتت خبطت في الخشب بصوت “رنّة” غريبة.. رنّة رخيصة.


— “إيه القرف ده يا هناء؟ إيه الزبالة اللي إنتي جايباها دي؟”


صوته كان مخنوق، وكأنه شارق بكلم,,اته.


بصيت للكيس ببرود مصطنع وقمت وقفت براحة:


— “ماله يا محمود؟ مش ده الذهب اللي كنت عايز تاخده وتتجوز بيه وتفتح بيه بيوت؟”


هجم عليا ومسك إيدي بعن,,ف وهو بيشاور على السبايك:


— “ده صيني! ده نحاس مطلي! أنا رحت لواحد صاحبي بتاع صاغة تحت البيت عشان يثمنهم، قالي ده فالصو، ده يترمي في الزبالة! إنتي كنتي بتضحكي عليا؟ إنتي كنتي بتلعبي بيا السنين دي كلها عشان توهميني إنك معاكي ثروة؟”


في اللحظة دي، سحبت إيدي منه بمنتهى القوة والشموخ. النظرة اللي في عيني اتغيرت من الكسرة للتحدي. ضحكت ضحكة قصيرة ومرة:


— “أضحك عليك؟ لا يا محمود، أنا كنت بختبرك. كنت عايزة أشوف “محمود” اللي شيلته في عيني وشلت همه 23 سنة، هيعمل إيه لما يشم ريحة الملايين. وطلعت النتيجة أصعب مما كنت أتخيل.”


قربت منه خطوة وهو واقف مذهول مبيطقش بكلمة:


— “الفلوس دي؟ ده ذهب قشرة، كنت بجيبه من المنشية بالجرام عشان أضحك على نفسي وأقول إني بحوش. كنت فاكرة إنك هتقولي خليهم ليكي يا هناء، خليهم لعيالك، ده تعبك.. لكن إنت أول ما شفت اللون الأصفر، بعتني في ثانية! بعت عشرتي، وقلت هتجوز عليا بفلوسي، وهتاخد حقي وتعيش بيه حياتك.”


مسحت دمعة كانت هتنزل، بس حبستها بجدعنة:


— “أنا ممعيش ملايين يا محمود.. أنا معايا “صفر” كبير في رصيد حبي ليك. الفلوس طلعت صيني، وإنت كمان طلعت معدنك مش دهب.”


لفيت وشي ودخلت الأوضة وقفلت على نفسي بالمفتاح. كنت عارفة إن “الكنز الحقيقي”، الذهب اللي من 2003، الذهب اللي فعلاً بـ 10 مليون، متداري في مكان ميعرفهوش غيري.. مكان أبعد بكتير من إيديه ومن طمعه.


قعدت ورا الباب أسمع صوته وهو بيخبط وبيرغي وبيهدد، وأنا ببتسم بوجع.. بكرة الصبح هبدأ حياة جديدة، بس المرة دي لنفسي ولعيالي وبس.


محمود كان واقف بيبص للدهب اللي على الترابيزة بنظرة احتقار، وكأنه بيشتم نفسه إنه صدق اللحظة اللي كان فيها غني. مسك حتة منها وحدفها في الحيطة بقوة وهو بيصرخ:


— “بقى بتشتغلي جوزك يا هناء؟ بتعشميني بملايين وتطلعي في الآخر بتجمعي “صينى ” ونحاس؟ إنتي عارفة شكلي كان إيه قدام الراجل الصايغ وهو بيضحك عليا ويقولي ده دهب صيني يا أستاذ؟”


بصيت له ببرود وقلت له:


— “وشك كان إيه؟ طب وشي أنا كان إيه وإنت بتقولي خاينة وقليلة أصل؟ وشي كان إيه وإنت بتقولي هتجوز عليكي بفلوس شقايا؟ إنت من ثانية واحدة كنت بتخطط لحياة تانية بسببي، وأول ما طلعت “فالصو” افتكرت إني مراتك وإن دي إهانة ليك؟”


خبط بإيده على الترابيزة وزعق:


— “أيوة إهانة! لما توهميني إنك ست مدبرة ومعاكي ثروة وتطلع “فنكوش”، يبقى بتصغريني! روحي يا شيخة.. الله يسامحك على حرــ,,ـقة الدم دي. أنا اللي كنت فاكر إن الدنيا ضحكتلي، طلعتي إنتي اللي بتضحكي عليا.”


سابني ودخل الأوضة ورزع الباب وراه، والبيت كله اتهز من الرزعة. قعدت على الكرسي، ونفست الصعداء.. كنت خايفة يكتشف اللعبة، بس طمعه خلاه يصدق “الصيني” بسرعة عشان يروح يثمنه، وده اللي أنقذني.


بعد يومين من السكوت المريب، والجو المشحون في البيت، دخل عليا المطبخ وأنا بعمل الغدا. كان وشه هادي، وعليه ابتسامة صفرا من اللي بيحاول يداري بيها غلطه. قرب مني وحاول يحط إيده على كتفي، بس أنا كشيت منه.


— “خلاص بقى يا هناء.. قلبك أبيض. إحنا هنقضيها خصام؟ أنا كنت متنرفز بس من ضغوط الشغل والغلاء، والكلمتين اللي قلتهم وقت الذهب الصيني ده كانوا “فشة غل” مش أكتر.”


بصيت له بطرف عيني وقلت:


— “بتهزر إنك تقول هتجوز عليكي؟ وبتهزر وانت بتتهمني بالخيانة وتطمع في قرش مش بتاعك؟”


ضحك ببرود وقال:


— “يا ستي كنت بهزر معاكي، عايز أشوف غلاوتي عندك! وبعدين ما إنتي كمان طلعتي “كدابه” ومخبية عني إنك بتشتري ذهب صيني وعاملة لي فيها “ريا وسكــ,,ـينة”. إحنا خالصين يا ستي. بس قوليلي بجد.. يعني إنتي طول الـ 23 سنة دي مجمعتيش ولا جرام ذهب حقيقي؟ ولا حتة عيار 18 حتى؟”


هنا بدأت نبرة الطمع ترجع تاني بس بشكل “حنون” ومستتر. كمل كلامه وهو بيقرب أكتر:


— “أنا قلت لروحي معقول هناء المدبرة الشاطرة، اللي بتوفر من المليم، تروح تشتري صيني بس؟ أكيد شالت حتة كدة ولا كدة تنفعنا في جوازة البنت ولا في زنقة. قوليلي يا هناء.. أنا جوزك برضه وسرك في بير.”


بصيت له بكل ثبات، المرة دي مكنش فيه خوف، كان فيه “قوة” الست اللي عارفة إن كنزها في أمان:


— “لا يا محمود، مفيش. مفيش غير الصيني اللي إنت شفته ده. أصل اللي بيوفر من مصروف بيتك يا محمود، يدوبك يجيب صيني ويجيب سترك بالعافية. إنت كنت فاكر الملايين بتيجي من “توفير البصل واللحمة”؟ لا يا حبيبي، الملايين دي للي معاهم ملايين، مش للي بيشيلوا القرش على القرش عشان يكملوا الشهر.”


اتغير وشه تاني، والابتسامة بدأت تختفي:


— “يعني مفيش خالص؟ يعني أنا عشت اليومين اللي فاتوا دول على أمل إنك بتداري عليا الحقيقي، وتطلعي في الآخر بجد “فقيرة” ومعاكيش حاجة؟”


رديت عليه بكلمة واحدة قطمت الحوار:


— “أيوة، فقيرة يا محمود. بس الفقيرة دي هي اللي شايلة بيتك، والفقيرة دي هي اللي عرفت قيمتها عندك بكام.. طلعت قيمتي “جرام صيني” بـ 50 جنيه.”


سابني وخرج وهو بيبرطم بكلام مش مفهوم، وأنا وقفت مكاني أبتسم.. “السبايك” الحقيقية كانت في علبة السمنة الفاضية فوق الدولاب، والعلبة دي أغلى من حياته كلها، ومش هيشوف منها مليم لو السما انطبقت على الأرض.


بدأت أحس بإن عيون محمود بقت “رادارات” بتلف ورايا في كل شبر في الشقة. مابقاش هو محمود اللي بيرجع يرمي جــ,,ـثته على الكنبة وينام، بقى بيرجع وعينه بتلمع بلمعة غريبة، بيبص ورا البراويز، بيفتح الدوالييب ببطء وكأنه بيدور على شرابة ضايعة، بس أنا فاهمة.. هو بيدور على “الكنز” اللي عقله مش قادر يصدق إنه صيني.


وفي ليلة، صحيت على صوت خروشة خفيفة في المطبخ. قمت من غير صوت، مشيت على طراطيف صوابعي، ووقفت عند الباب. شفته! كان واقف فوق كرسي، وماسك علب الخزين بيفتح واحدة واحدة، وبينخل الدقيق بصباعه، وبيفتح بطرمانات المخلل وكأنه بيدور على فص ملصوم.


قطعت السكوت بصوت هادي وبارد زي التلج:


— “بتدور على إيه يا محمود؟ السكر خلص ولا السمنة نقصت؟”


نط من فوق الكرسي وكأنه ممسوس، وشه جاب ألوان وهو بيحاول يداري ارتباكه:


— “ها؟ لا.. أبداً يا هناء، كنت.. كنت بدور على علبة الدوا بتاعتي، قلت يمكن نسييتها هنا.”


بصيت لعينيه مباشرة وقلت له:


— “علبة الدوا في الدقيق يا محمود؟ ولا في بطرمان المش؟”


قرب مني وشده الغيظ تاني، وكأن القناع اللي لبسه يومين وقع خلاص:


— “بقولك إيه يا هناء.. بطلي تمثيل. أنا قلبي مش مرتاح. الست اللي تحوش صيني وتوهم جوزها إنه دهب، تبقى بتخطط لحاجة تانية. إنتي شيلتي الدهب الحقيقي فين؟ انطقي! إنتي خايفة مني؟ ده أنا جوزك وأبو عيالك، يعني لو فيه قرشين ينفعونا في الأيام السودة دي، يبقى عيب تداريهم عليا.”


ضحكت بمرارة وقربت منه لحد ما انفاسي بقت في وشها:


— “الخوف؟ الخوف ده كان زمان يا محمود. أنا دلوقتي مش خايفة، أنا “قرفانة”. قرفانة من الراجل اللي ساب عشرة 23 سنة عشان يلهب قرشين، وقرفانة من الراجل اللي بيفتش في علب السمنة عشان يس,,رق تعب مراته. الذهب الصيني اللي شفته، ده كان كفني وكفن حبي ليك.. ادفــ,,ـنه بقى وانسى، ومتحاولش تدور، لأنك لو قلبت الشقة دي طوبة طوبة، مش هتلاقي غير الفراغ اللي إنت زرعته في قلبي.”


سيبته واقف في المطبخ وسط الدقيق اللي نثره على الرخام، ودخلت أوضتي. قلبي كان بيدق بعن,,ف، مش خوف منه، لكن خوف على “شقا العمر”. علبة السمنة الفاضية اللي فوق الدولاب، اللي فيها الـ 10 مليون جنيه، مابقتش أمان. محمود بقى “ديب” جعان، والبيت مابقاش حصن، بقى مصيدة.


فتحت الموبايل وعملت اتصال لواحد بس كنت عارفة إنه الوحيد اللي هيقدر يساعدني أهرب “مستقبلي” بره البيت ده قبل ما محمود يتجنن بزيادة..


فتحت الموبايل وأنا إيدي بتترعش، بس مش من الخوف، دي رعشة الست اللي قررت تاخد حقها تالت ومتلت. اتصلت بـ “عم صبحي”؛ الجواهرجي القديم اللي بدأت معاه أول جرام في 2003، الراجل اللي شافني وأنا بكبر حتة حتة وكان بيشجعني ويقولي “شيلي يا بنتي الذهب زينة وخزينة”.


— “أيوة يا عم صبحي.. أنا هناء. محتاجة أجيب لك الأمانة النهاردة، الوقت مابقاش في صالحي.”


صوته الهادي طمني وهو بيقولي: “تعالي يا بنتي، المحل محلك والخزنة تشيل شقاكي وعيني ليكي.”


قفلت معاه وبدأت “عملية النقل”. محمود كان نام من التعب والغل، وصوت شخيره كان مالي البيت. سحبت الكرسي براحة، طلعت فوق الدولاب، ونزلت علبة السمنة “الكنز”. فتحتها.. لمعة السبايك والجنيهات الذهب الحقيقية كانت بتخطف العين، ريحتها ريحة تعب، ريحة حرمان من لبس جديد، ومن خروجة حلوة، ومن فسحة مع العيال.


لفيتهم في قماش قطن تقيل عشان ميعملوش صوت “رنة”، وحطيتهم في قعر شنطة السوق، وغطيتهم بخضار وفجلة وكام ربطة جرجير.. مفيش أأمن من شنطة سوق ست مصرية عشان تداري ملايين.


تاني يوم الصبح، نزلت وكأني رايحة أجيب فطار. محمود بص لي بشك وهو قايم من النوم:


— “على فين بدري كدة؟”


رديت ببرود “رايحة أجيب فطار للعيال، ولا عايزهم يصوموا عشان مفيش دهب؟”

بص لي بغيظ ورجع نام. مشيت في الشارع وقلبي في رجلي، كل خطوة بحس إن الشنطة تقيلة.. تقيلة بجد مش بس بوزن الذهب، تقيلة بـ 23 سنة من عمري شايلاهم على كتفي.
وصلت عند عم صبحي، دخلت الغرفة اللي ورا المحل، وفتحت الشنطة قدامه. الراجل شهق وهو بيبص للمنظر:
— “يا مشاء الله يا هناء! إنتي عملتي اللي رجالة بشنبات معرفوش يعملوه. الذهب ده النهاردة يا بنتي يفتح أبواب مقفولة.”
قلت له ونبرة صوتي فيها وجع:
— “الذهب ده يا عم صبحي مش عايزاه يفتح أبواب، أنا عايزاه “يقفل” باب الوجع اللي عشته. شيلهم عندك، وأمانة عليك.. لو جرالي حاجة، الذهب ده يروح لعيالي، ومحمود ميعرفش عنه مليم.”
رجعت البيت بشنطة فيها عيش وفول وطعمية، ولقيت محمود قاعد مستنيني وعلى وشه ابتسامة نصر غريبة. قالي وهو بيشرب الشاي:
— “فتشت الشقة كلها يا هناء وإنتي بره.. حتة حتة، ملقيتش حاجة. تأكدت فعلاً إنك “فقيرة” زي ما قلتي، وإنك كنتي بتشتغلينا بالصيني.”
ضحكت من قلبي، ضحكة حقيقية لأول مرة من سنين، وقلت له وأنا بحط الفطار قدامه:
— “بالهنا والشفا يا محمود.. المهم إنك ارتحت، وعرفت إن مفيش غير الصيني. كل بقى.. عشان “الصيني” بيجوع!”
كنت باكل معاه وأنا حاسة بانتصار ملوش مثيل. هو فاكر إنه كسب “الحقيقة”، وأنا عارفة إني كسبت “حياتي”.
قعد محمود قدامي وراسه بين إيديه، الدموع اللي نازلة منه كانت حقيقية، بس مكنتش كفيلة تمسح الكسرة اللي كسرها في قلبي. بصيت لولادي وهما نايمين، وفكرت.. هما ذنبهم إيه يشوفوا أبوهم مكسور ولا مسجون؟ والست اللي بدأت بـ 63 جنيه في 2003، مكنتش بتجمع دهب بس، دي كانت بتجمع “أصل” وطيبة مش عند حد.
وقفت قدامه بجمود وقلت له بصوت حاسم:
— “قوم يا محمود.. امسح دموعك. أنا هسدد لك كل ديونك، مليم ينطح مليم.”
رفع راسه بذهول، عينه وسعت وماكنش مصدق:
— “بجد يا هناء؟ يعني.. يعني كان معاكي بجد؟ هتسامحيني؟”
قاطعت فرحته اللي ملهاش مكان بصوت زي السيف:
— “هسدد ديونك عشان خاطر ولادي، مش عشان خاطرك. عشان ميمشوش وسط الناس وراسهم في الأرض ويقولوا أبوهم اتسجــ,,ـن. بس الثمن يا محمود هو “حريتي”. الديون هتتسدد، وفي نفس اللحظة.. ورقتي توصلني.”
الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. حاول يتكلم، يحلف، يعتذر، بس أنا كنت خلاص، “السبيكة” اللي في قلبي جمدت.
وبالفعل.. بدأت “هناء الجديدة”.
تسوية الحسابات: رحت مع عم صبحي، سيلنا جزء من الذهب، وسددت ديونه كلها للمقاولين وللورشة، وخدت منه المخالصات والوصلات.. وخدت معاها ورقة طلاقي.
بيت الأمان: اشتريت شقة واسعة ومنورة باسمي، شقة فيها بلكونة كبيرة بتدخلها الشمس، عشان ولادي يكبروا في مكان فيه “كرامة” وراحة بال.
مستقبل العيال: الجزء التاني من الثروة حطيته وديعة في البنك، مرتبها الشهري يضمن مصاريف ولادي ومدارسهم، عشان مفيش يوم يمدوا إيديهم لحد، ولا حتى لابوهم.
الحلم الخاص: أما الجزء التالت، ففتحت بيه “مشروع صغير”.. جاليري هدايا واكسسوارات هاند ميد، سميته “سبيكة”. مكان بيطلع فن وجمال، زي ما طلعت من تعبي ملايين.
في يوم افتتاح المحل، وقفت أبص لليافطة اللي منورة في الشارع. محمود كان واقف بعيد، باين عليه الكبر والهم، بيبص لي بحسرة الست اللي خسرها وهو معاه كنوز الدنيا.
بصيت للسما وقلت: “الحمد لله.. الـ 63 جنيه بتوع زمان، مكنوش تمن جرام دهب، دول كانوا تمن كرامتي اللي استردتها النهاردة.”
تمت بقلم امانى سيد

إرسال تعليق