رواية مملكة سفيد الفصل الخامس والعشرون 25 كامل | بقلم رحمة نبيل
تم تحديث الفصل بتاريخ 13 أبريل 2026
مقدمة رواية مملكة سفيد
هذه فرصة رائعة لـ رواية مملكة سفيد
من أقوى
أفضل الروايات الحديثة،
لتأخذنا القصة
وسط أجواء من الغموض والإثارة
وتدخله في عالم الرواية فورًا
تترك أثرًا خالدًا.
تفاصيل رواية مملكة سفيد
تأخذنا رواية مملكة سفيد في أحداث مشوقة
حول
تحديات الحياة
تتعرض لمفاجآت غير متوقعة،
تتصاعد الأحداث بشكل مثير
تتضح الأسرار تدريجيًا
ويجعل القارئ يعيش كل لحظة
ويعيش كل لحظة من أحداثها كما لو كان جزءًا منها.
مميزات رواية مملكة سفيد
تجذب رواية مملكة سفيد اهتمام القراء
بحبكة قوية ومترابطة
تحافظ على عنصر التشويق،
وتمتاز أيضًا
تعرض مشاعر إنسانية عميقة
وتجعل القارئ يتفاعل مع الأحداث
وتضيف طابعًا مميزًا على الرواية.
ابدأ قراءة مملكة سفيد الآن
لا تفوت الفرصة وابدأ قراءة رواية مملكة سفيد
للكاتب رحمة نبيل
بجودة عالية
واكتشاف أحداثها الكاملة
لتعيش مغامرة القصة بكل تفاصيلها.
كيف تصل الينا
ابحث الآن في جوجل للحصول على الرواية:
"رواية مملكة سفيد حكايتنا حكاية"
توقفت جميع الأصوات حولها وتوقفت الضوضاء ولم يعلو سوى صوتٌ واحد هو ما هيمن على المكان بأكمله.
طلته وصوته وخطواته وهيئته لا يمكن أن تخطأهم أبداً، لا يمكن أن ينتمي كل ذلك لشخص آخر عداه.
رفعت عيونها ببطء تجد ذلك الرجل الذي كان يرتدي ثياباً عادية رغم فخامتها الواضحة، يتوقف في منتصف الدائرة يحرك نظراته بين الجميع وهو يردد بصوته الهادئ الذي يستفزها في أسوأ المواقف.
ألا يوجد ما يخرج صرخات وغضب هذا الرجل؟
زفرت بغيظ شديد وهي تسمع صوته يردد بقوة: "ما الذي يحدث هنا؟
" نظرت له المرأة تقول وهي تحرك كهرمان بين يديها بقوة، وقد أخذ جسد كهرمان الصغيرة مقارنة بتلك السيدة يختض بعنف مما جعله يشعر في هذه اللحظة أنها تشبه الدمية بين أنامل السيدة، وهذه الفكرة دفعت رغبة بالضحك في وقت لا يمكنه فعل ذلك في الحقيقة.
ورغم الغضب المخيف الذي اعتراه حين شهد ما حدث، لكن نظرات التذمر والحنق على وجهها تقتله.
وضع كفه المضمومة أمام فمه يحاول أن يتماسك وهو يتحدث بصوت خرج غير طبيعي بسبب رغبته العميقة في الضحك: "في البداية دعي ذراع الآنسة رجاءً سيدتي ودعينا نتحدث بهدوء.
" نظرت له السيدة برفض ظهر في ملامحها بكل وضوح، ثم جذبت لها كهرمان بقوة وكأنها تخشى أن ينتزعها أحدهم منها قبل أن تأخذ ثأرها منها.
وكهرمان نظرت لها بشر تقول من أسفل أسنانها: "خففي ضغطك سيدتي فعظام ذراعي تكاد تُطحن أسفل أناملك.
" رمقتها السيدة بغضب شديد، ثم نظرت للجميع تقول وكأنها توصل لهم ما سيحدث في هذا المكان: "لن يحدث، أنا لن أترك هذه الفتاة ولن أدعها تفلت من بين أناملي، إلا أمام الملك نفسه ليحضر لي حقي منها.
" فرك إيفان ذقنه، ثم رفع يده يبعد القلنسوة عن وجهه يقول بهدوء شديد وهو يشير لنفسه ببسمة صغيرة: "وها هو الملك جاءك بنفسه يا عمة، دعي ذراع الفتاة رجاءً.
" انطلقت شهقات من المحيطين وهم يحدقون في وجه إيفان بصدمة كبيرة، البعض يتعجب خروج الملك بينهم هكذا دون جنوده، والبعض الآخر يحدق فيه بفضول، فهذه واحدة من المرات النادرة التي كانوا فيها على هذا القرب من الملك.
بينما الحراس التفوا حول الملك في ثوانٍ وهم يبعدون عامة الشعب عنه، بينما إيفان لم يهتم بكل ذلك وهو ينظر صوب عيونها ببسمة جانبية.
وهي ترميه بنظرات قوية لم تستطع التحكم فيها تود لو تصرخ في وجهه:
(لمَ الابتسامات يا هذا؟
)
لكن هي في هذه اللحظة لم تكن تعلم أي الأشخاص يراها، هل يعلم أنها الخادمة كهرمان؟
أم يراها الملثمة بسبب اللثام؟
وما لم تدركه هي، أنه يعلمها الشخصيتين بالإضافة لأميرة مشكى الهاربة.
قالت السيدة بسرعة وهي تخفف قبضتها عن كهرمان التي انتزعت ذراعها من بين أناملها حين شعرت بها تخفف الضغط، تفرك ذراعها بقوة وعيونها تشيع السيدة بنظرات مدمرة.
والسيدة أسرعت تقترب من الملك بشكل جعل الحارس يرفعون أيديهم مانعين إياها الاقتراب أكثر، فأن يقف الملك بين العامة بهذا الشكل فرصة ذهبية لمن يود التخلص منه.
يكفيه فقط خنجر ويندس بين العامة ثم يغرزه داخل جسد إيفان ويفر بين الجموع المفزوعة، أمور حدثت وتحدث طوال الوقت، لكن إيفان لم يكن من ذلك النوع الذي يخشى غدرًا وقد كرس حياته لنصرة شعبه، فما الذي يخيفه؟
ولولا وجود منبوذين بين شعبه لكان أبعد الحراس عنه.
توقفت السيدة تقول بجدية: "مولاي، هذه الفتاة بالاشتراك مع أخرى صغيرة سرقوا مني ذهبي الثمين، لقد انتزعوه دون أن أشعر وركضت الصغيرة وألقت به لهذه كي تهرب به دون أن نشعر بها، لكنني أبصرتها قبل أن تفعل.
" نظر لها إيفان ثم قال بهدوء شديد: "ومن أخبرك أنها شريكة للصغيرة؟
" توترت السيدة وهي تقول بصوت متوتر من التحدث مع الملك بهذا الشكل والقرب وهذه الأعين تحدق بها وكأنه سيخترق روحها ليحصل على الحقيقة: "أنا.
أنا وجدت معها الذهب سيدي، حينما كنا نركض خلف الصغيرة وجدناها تلقي لها بالذهب، إذن هي لصة أيضاً.
" هز إيفان رأسه مقتنعًا بما سمع، بينما كهرمان صُدمت بما سمعت.
وقبل أن يتحدث أحدهم كلمة واحدة، أخرج إيفان خنجره الذي يحمله في ثيابه ثم وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث ألقاه على السيدة التي تلقفته بصدمة وأعين متسعة، وإيفان يقول بهدوء: "أمسكوا بهذه السيدة فهي سرقت خنجري الخاص.
" شهقت السيدة وهي تلقي الخنجر أرضًا وكأنها تحمل جمرًا، نظرت حولها تقول بصدمة تنتظر أن يتحدث أحدهم بما حدث: "ماذا؟
لم يحدث مولاي، أنا لم أسرق شيئًا أنت ألقيته لي، الجميع رأى ذلك، صحيح؟
" نظر إيفان حوله للناس ليصمت الجميع والصدمة لم تزل تدور فوق رؤوسهم مما حدث منذ ثوانٍ.
وكهرمان من صدمتها ابتسمت بسمة واسعة تحاول كبت ضحكة مصدومة وهي تتذكر كلمات أرسلان لتهمس: "ماكر؟
بالله هو المكر ذاته، هذا الـ
يا ويلي من عقله، لا جعلني الله من أعدائه.
" صمتت ثوانٍ قبل أن تضيق عيونها تقول لنفسها: "أولم أجعل أنا نفسي هكذا بالفعل؟
" في ذلك الوقت ابتسم إيفان يقول بتقرير وجدية كبيرة: "ألم يكن هذا هو ما حدث مع الفتاة؟
لقد رأيت الصغيرة تلقي لها ذهبك ولم تبصري حديثهم واتفاقهم؟
لم تري منها أي شيء يثبت أنها شريكة لها، إذن أعطني سببًا واحدًا يجعلك تمسكين بها متهمة إياها بهذا الشكل.
" توترت السيدة ولم تحسن اختيار حجتها قبل أن تبتلع ريقها تقول بجدية: "مولاي أنا.
أنا لا.
" قاطعها إيفان بصرامة وملامح هادئة لا تشي بالغضب الذي يعتريه بالفعل: "اعتذري من الآنسة رجاءً سيدتي، فأنتِ للتو اتهمتيها ظلمًا، وإن كنتِ غير راضية على حكمي فرجاءً احضري ثلاث شهداء يقسمون أمامي بالله أنهم أبصروا اتفاق الفتاة مع الصغيرة على السرقة.
" نظرت السيدة أرضًا ولم تتحدث بكلمة واحدة ليبتسم لها إيفان بغضب: "اعتذري من الآنسة سيدتي.
" رفعت السيدة رأسها لكهرمان تحدق بها ثوانٍ قبل أن تتنهد قائلة بتوتر: "أنا.
أنا آسفة آنستي، لقد ظننتك لصة فقط.
" رمتها كهرمان بنظرات حادة ولم تجبها بكلمة، هي فقط هزت رأسها بهدوء.
وقبل أن تقل كلمة أو يتحرك أحد قال إيفان بهدوء أوقف الجميع بأرضهم: "ليس بعد، لم ننتهي.
" صمت الجميع متعجبين ونظروا صوب الملك لينظر هو لاعين كهرمان التي لم تستطع نزع خاصتها عنه، وهو تحدث بنبرة قوية: "اذهبي وردي صفعتك لمن صفعك.
" شهق الجميع بصوت مرتفع وهو لم يتزحزح أو تهتز أعينه، بل فقط نظر لها يشجعها بنظراته على أخذ قصاصها.
وهي أدارت رأسها صوب ذلك الشاب الذي كان يصاحب السيدة والذي شحب وجه بقوة يقول: "لكن مولاي هي
ظننا أنها.
" قاطعه إيفان ببرود شديد: "هذا حقها، أن تقتص منك الآن أمامي وتسامحك، خيرًا أن تقتص منك أمام الله يوم تجتمع الخصوم يا فتى.
" صمت الشاب وهو يتنفس بعنف، وإيفان استدار صوب كهرمان يقول بقوة آمرًا: "اصفعيه.
" تنهدت بصوت مرتفع تطيل النظر في الشاب ولو أنها كانت تود أن تسامحه ذرة، فكرامتها تصرخ بها أن تثأر لصفعته التي كانت أول صفعة تنالها ومن هذا الخسيس.
تحركت كهرمان صوبه، توقفت أمامه ثوانٍ قبل أن ترفع كفها وتهبط بصفعة قوية عنيفة أعلى وجهه جعلت رأس الشاب تلتف بقوة متسعة الأعين من هكذا صفعة، كيف يمكن لامرأة أن تمتلك كف قوي كهذا.
وكهرمان ابتسمت براحة شديد وقد شعرت نفسها أنها نالت حكمًا عادلًا.
رفع رأسها للأعلى بكل كبرياء ترمي الشاب بنظرة هادئة وبسمة صغيرة.
نظر إيفان للجميع يقول بهدوء: "الصامت عن الحق شيطان، وحين سألتكم السيدة أن تدافعوا عما رأيتم أبيتم الشهادة معها، حتى وإن كانت الشهادة ضدي فلا تصمتوا على الحق، لا تكونوا عونًا للشيطان على الباطل، لا بارك الله في أمة تصمت عن الحق خوفًا من مخلوق، ونست الخالق.
" صمت ينظر للجميع بجدية، ثم أشار لهم يقول بهدوء: "انصرفوا لأعمالكم يا سادة.
" انفض الجميع عن إيفان الذي عاد بنظراته لكهرمان التي كانت تحدق به بنظرات شاردة لا يدرك ما تفكر فيه في هذه اللحظة، لكن وحين رأته يرفع حاجبه أبعدت عيونها عنه بسرعة تميل أرضًا لحمل الحقائب الخاصة بها، بينما هو ينظر لها بهدوء وحين استقامت قال.
"لا أعتقد أن هذا هو الوقت المسموح فيه للعاملات في قصري بالتبضع آنستي؟
" "وما أدراك أنني عاملة في قصرك سيدي؟
" ابتسم لها إيفان يقول بصوت خافت: "ربما لأنكِ ترتدين ثيابهم؟
" اتسعت أعين كهرمان بقوة وهي تنظر لثيابها وودت في هذه اللحظة أن تضرب نفسها، لكنها رغم ذلك أغمضت عيونها تتمالك نفسها، رفعت رأسها ببطء صوبه ليبتسم لها إيفان يحرك رأسه ببساطة، ثم تحرك بعيدًا عنه.
وخلف بعض الحرس وهي تراقب رحيله بقلب نابض يكاد يخرج من صدرها.
وحينما ابتعد قال دون أن يبعد عيونه عن طريقه: "راقبوا تلك الفتاة حتى تصل القصر بأمان، لا أريد أن تُمس بسوء وإلا لن أجد غيركم أمامي لعقابه.
" ختم حديثه يكمل طريقه وقبل أن يختفي استدار مرة أخيرة يراها ما تزال تقف في أرضها بصدمة، ابتسم لها ينحني برأسه، ثم رحل.
هكذا ببساطة دون أن يهتم لتلك الفتاة أو لقلبها المسكين.
*** توقفت أمام المرآة تراقب نفسها بانبهار شديد، ابتسمت تستدير صوب تبارك التي كانت تنتظر كلمة منها تطمئنها أنها أحسنت ما فعلت.
"أنتِ
أنتِ رائعة يا مولاتي، يبدو حجابي جميلًا ويليق كذلك على ثوبي.
" صمتت برلنت قبل أن تقول بتساؤل: "هل أنا جميلة؟
" ابتسمت لها تبارك تقترب منها تنظر لها من أعلى لأسفل، كيف لا ترى هذه الفتاة كل هذا الجمال الذي يشع منها؟
ربما هو التوتر الذي يعلو وجهها الآن، أم حاجتها كأي فتاة لسماع كلمة مدح.
"بل مبهرة عزيزتي، تبدين جميلة للغاية.
" ابتسمت برلنت لا تصدق أنها نالت ثناءً من الملكة الآن، لتنقض عليها تعانقها دون شعور.
وتبارك اتسعت عيونها تتراجع للخلف بسبب ذلك العناق غير المتوقع، ولكن رغم ذلك ابتسمت وهي تربت على ظهرها.
وبرلنت قالت بسعادة: "شكرًا لكِ مولاتي، أشكرك حقًا، أنتِ طيبة القلب لا تبدين لي فاسدة أبدًا.
" اتسعت أعين تبارك بعدم فهم: "فاسدة؟
حمضانة يعني ولا إيه؟
" ابتعدت عنها برلنت بسرعة بأعين متسعة تتدارك ما قالت: "لا لا لم أقصد أي إهانة أقسم لكِ، لكن مولاتي لقد
الجميع هنا يدرك أي نوع من الأشخاص يقطنون الجانب الثاني من العالم.
" "أي نوع من الأشخاص؟
ربما يسود الجانب السيء في عالمي، لكن هذا لا ينفي وجود الكثير من الأشخاص الجيدين.
" نظرت برلنت أرضًا بخجل تقول بصوت منخفض: "لم أكن أقصد أي إساءة أقسم لكِ، أنا فقط من ذلك النوع الذي لا يتحكم بكلماته، سامحيني رجاءً مولاتي.
" نفخت تبارك تحاول أن تهدأ، ثم ربتت أعلى كتفها تقول: "حسنًا لا بأس، سوف أخرج أنا لأرسل أحدهم يعلم تميم بوجودك لدي.
" هزت برلنت رأسها تقول: "لا حاجة لذلك، أنا سأذهب لغرفتي و.
" "برلنت ابقي هنا؟
أريد أن يزفك من غرفتي.
" ختمت حديثها تتحرك للخارج وهي تتذكر حين ذهبت لغرفة الفتيات بعد انتهاء التدريبات ولم تجد أحدًا سوى برلنت التي كانت تنظر لثوبها بصدمة تحاول معرفة ما يجب فعله، فاقترحت هي أن تساعد، ربما تكون محاولة بائسة منها لكسب ودهم.
لم تشعر تبارك بنفسها إلا وكانت وصلت لممر المعمل الخاص بتميم.
تنهدت تتحرك صوب ذلك المكان وهي تنظر حولها للحراس الذين كانوا يحركون رؤوسهم في تحية صامتة للملكة، وهي فقط ابتسمت، تشعر أنها أخيرًا بدأت تتأقلم عما يحدث حولها في هذا المكان.
في المعمل نفسه كانت أعينه تراقب ما يفعل تميم بانتباه شديد قبل أن يترك تميم السلاح على الطاولة يقول بجدية: "هكذا فقط، لا أظن أن تدريب كتيبة من الجنود عليه سيكون بالأمر الجلل.
" هز سالار رأسه بخفة يقول: "لا بأس إذن سأتأكد أنني تعلمته بشكل صحيح، ثم سأتولى أنا أمر تدريبهم.
" رمقه تميم ثوانٍ قبل أن يقول: "ليكن الله في عونهم إذن.
" ابتسم له سالار دون أن يجيب بكلمة، ثم نظر لثيابه يقول بجدية: "ستعلن زواجك اليوم صحيح؟
" ابتسم تميم بسمة واسعة سعيدة، وقد أشرق وجهه فجأة على ذكر ذلك الشيء، ليهز رأسه بسرعة: "نعم يا قائد، ما رأيك؟
هل تبدو ثيابي مناسبة للمناسبة؟
" نظر له سالار ثوانٍ قبل أن يربت على كتف تميم بلطف: "مبارك يا صديقي، ليجعلها الله زيجة العمر.
" ابتسم له تميم وقبل أن يجيب مباركته سمع الاثنان صوتًا، أدركه أحدهم بسرعة متسعة الأعين، وتعجبه الثاني يحاول معرفة صاحبه.
ثوانٍ هي حتى ظهرت تبارك على بداية الدرج الخاص بالمعمل، ليحدق بها سالار باستنكار شديد لوجودها في مكان كهذا تدرك أنه لا يضم سوى تميم فقط.
وقبل أن تتحدث تبارك بما جاءت لأجله بحسن نية، قاطعها كلمة حادة خرجت من فم من لم تبصره حتى الآن: "ما الذي تفعلينه هنا؟
" استدارت تبارك صوب الصوت بصدمة تضع يدها أعلى صدرها تحاول أن تهدأ ضربات قلبها تقول بهدوء وبسمة صغيرة: "مرحبًا يا قائد، لم أرَك حين دخلت المكان، لقد أفزعتني.
" ابتسم بعدم تصديق، هل تظنه يرحب بها، اقترب خطوات صغيرة من الدرج حيث تقف هي، تحت أعين تميم المترقبة لما سيحدث.
"مرحبًا ماذا؟
أنا لا أرحب بكِ، بل سألتك ما الذي تفعلينه هنا؟
ما الذي أتى بكِ لهذا المكان يا امرأة؟
" اتسعت أعين تميم بصدمة من الطريقة التي يحدث بها سالار الملكة، وهو الذي لم يتجاوز حدوده مع الملك والملكة وغيرهم من أصحاب المقامات الرفيعة في البلاد، لكن يبدو أنه بالنسبة لسالار هي لم تكن الملكة الآن، بل كانت تبارك التي تخرجه عن طور هدوئه بتصرفاتها التي تدفعه للجنون.
وتبارك تلك المسكينة كانت تحدق فيه بهدوء شديد لا تفقه سبب تلك الكلمات أو غضبه حتى، بل قالت بكل هدوء تشير صوب تميم: "جئت لأخبر تميم.
" "القائد.
" "ماذا؟
" "لا يمكنكِ مناداته باسمه هكذا وكأن شيئًا لم يكن، ناديه القائد أو السيد أو أيًا كان، لكن توقفي عن مناداته باسمه فقط.
" رمقه تبارك ببلاهة تجيبه بجدية: "يعني هو ده اللي مزعلك؟
طيب جيت عشان أقول للقائد السيد أو أيًا كان تميم إن برلنت في جناحي الخاص ويبقى يجي ياخدها من هناك.
" رفع سالار حاجبه يقول بصوت هامس ضاغطًا على أسنانه بغيظ وغضب لا يجد لهما تفسيرًا ولن يتعب نفسه بالبحث عنهما: "العاملين.
" "عفوًا؟
" "هناك فئة في هذا القصر نسميهم نحن العاملين، وظيفتهم تيسير ما تريدنه، والقيام بتلك المهام التي تتفضلين سيادتك وتقومين بها، بغض النظر عن إذا كانت تلك المهام صحيحة أو لا.
" "وأيه اللي مش هيخليها صحيحة معلش!
" قال سالار وهو يشير حوله بغضب شديد: "هذا المكان هو أشبه بغرفة رجل غريب عنك، هذه خلوة يا امرأة، وجودك هنا خطأ وحديثي معكِ أيضًا خطأ، ألا تدركين ذلك؟
" بُهتت تبارك حين سمعت كلماته لتقول بجدية: "أنا.
لم أقصد، كما أن الباب مفتوح وأمامه العديد من الحراس و.
" قاطعها صراخ سالار وهو يمسح وجهه بعنف: "يا الله يا مغيث.
" تراجعت خطوات للخلف تقول بريبة فهي تدري أن تلك الكلمة لا تخرج منه إلا في حالة الغضب وقلة الحيلة، وكذلك
(لعنة الله على الكافرين)
تخرج في حالات الغضب القصوى والتي تجعلها تعلم أنه قاب قوسين من الانفجار.
مهلًا هل هي الآن تدرس كلماته وجمله وردات فعله؟
ينقصها أن تقوم بدراسات عليا في "سالار".
"اسمعي مولاتي" نظرت له بريبة، قال لها مولاتي، إذن هو الآن على وشك إلقاء خطبة في وجهها ونصائح تنتهي بنفس الكلمة.
وقد صدق حدسها لتبارك وها هو يقول بجدية كبيرة: "لا يمكنكِ أن تتحركي دون حراس، بهذا الشكل وهذه البساطة فأنتِ ملكة، ملكة وتبقّى على تتويجك أيام قليلة، وبالطبع لا يمكنكِ الاحتكاك بأي رجل بشكل قريب، أو دخول مكان تدركين أن هناك رجل به وحده دون وجود آخرين، كلامي مفهوم.
مولاتي؟
" نظرت له تبارك بأعين لامعة لا يدري غضبًا كانت أم حزنًا تهمس بصوت محتد: "وأنا ما جئت هنا لأجل اللعب، بل جئت لأمرٍ هام، وإن لم تكن تثق بنواياي فهذه مشكلتك
"إذن القائد والسيد وايًا كان تميم، يمكنك استلام برلنت من حجرتي قبل ذهابكم للمسجد، والآن اعذروني.
" ختمت حديثها تنظر لسالار ببسمة وكأنها تخبره
(جيد؟
)
، رفعت طرف فستانها وهذه المرة تعمدت أن تضربه فيه بحنق وغضب تنحني بعض الشيء: "اعذروني، عليّ الرحيل.
" ختمت حديثها تتحرك بغضب وملامح مشتعلة خارج المكان، ملامح أشبه بملامح سالار الغاضبة، وهذا ما لاحظه تميم الذي قال بصوت منخفض مرتاب: "هل نظرت لك الأن نفس نظراتك للآخرين، أم أنني أتوهم؟
" ابتسم سالار يمسح وجهه يفكر بقلة حيلة أنه أورثها غضبه أيضًا.
مرحى حصلنا على سالار صغير.
*** زفر بصوت مرتفع وهو يبعد الكتاب عن وجهه حانقًا من كل تلك الأجساد التي تحيط به، ألقى الكتاب بقوة يصرخ في وجوههم.
"ماذا؟
أليس اليوم مناسبة ذلك الصغير المزعج المختل؟
مالكم أنرتم مكتبتي بطلتكم البهية؟
" ابتسم إيفان بسمة صغيرة يقول بتنهيدة خرجت منه بعد صمت دام طويلًا منذ وطأ للمكتبة.
تحرك يستند بمرفقيه على الطاولة يقول بصوت خافت: "سيدي العريف" تشنج وجه العريف بقوة يشعر بوجود خطب هنا وهذه الوجوه حوله لا تريحه البتة.
"سيدي العريف؟
حقًا؟
" ابتسم له إيفان يكمل: "لطالما كنت في عمر جدي، لذا تنال مني ومن جميع الموجودين احترامًا خاصًا.
" ختم حديثه يشير صوب الجميع جواره، سالار وتميم ودانيار وأخيرًا مهيار.
"كم من مرة منعتُ سالار عن تحطيم مكتبتك أو منعت تميم ودانيار عن إزعاجك؟
" نظر له العريف وقد مل من كل تلك المقدمات، يدرك أنه يود شيئًا منه، وشيء ليس بالعادي: "حسنًا هات ما عندك فلا صبر عندي لسماعك تعدد عليّ أفضالك الوهمية تلك، فرغم كل ما قلته، حطم سالار مكتبتي عشرات المرات، وأزعجني هذان الاثنان مئات المرات.
" ابتسم إيفان ينظر لسالار بنظرة أخبرت الآخر أن يتقدم هو ليكمل عنه الحديث وقد كانت لحظته، ليقول سالار بصوت هادئ رخيم: "أيها العريف، نحتاجك لمساعدتنا في أمرٍ في غاية الأهمية، شيء متعلق عليه أمان وسلامة المملكة، بغض النظر عن كرهك لجميع البشر بها.
" "وما هذا الشيء الذي تريدني أن أفعله؟
هل أحمل سيفًا وأذهب للحرب؟
" ابتسم له سالار بخبث يردد: "دع حمل السيوف لنا، وأحمل أنت ما تفقه فيحمله.
" نظر له العريف بفضول ليدفع سالار الكتاب صوب العريف يقول بصوت خافت لطيف بعض الشيء: "كتبك الجميلة هذه.
" نظر العريف للكتاب بريبة، ثم رفع عيونه لهم يقول بتساؤل: "ما الذي تريدونه مني يا قوم؟
" نظر الجميع لبعضهم البعض قبل أن يقاطع تميم كل ذلك يقول ببسمة صغيرة وكأنه يحاول صرف انتباه العريف التفكير فيما سيحدث له: "إذن أيها العريف، ألن تشرفني بحضور إجهار زواجي؟
" *** تدور في الجناح بغضب شديد وأمامها تجلس برلنت وهي تضم يديها باحترام شديد، كتلميذة تخشى تقريع المعلم الخاص بها.
وأمامها تجلس كهرمان التي أخبرها أحد الحراس بأن الملكة تطلبها في جناحها، وها هي تجلس وهي تنظر لبرلنت بعدم فهم لما يحدث، وبرلنت المسكينة لا تدري سبب عودة الملكة بمزاج مشتعل بعدما ذهبت لتنبأ تميم بمكانها.
وتبارك ها هي تدور في المكان وغضبها مشتعل مشتعل وبقوة، تود قتل أحدهم، تشعر بدمائها تغلي داخل أوردتها.
هذا الرجل ستـ
ستـ، سـ ماذا؟
هي حتى حين تتوقف أمامها تشعر بكامل جسدها وقد شُل، له هيبة تخضعها لكل ما يقول، لكن الآن هي لن تصمت، أرادها أن تكون غاضبة قوية؟
حسنًا سيكون هو أول من ينال منها نتائج دروسه.
في هذا الوقت فُتح الباب لتندفع زمرد الداخل بملامح شاحبة غاضبة من نفسها، يالله رفضته، الشخص الوحيد الذي تحبه رفضته.
نظرت لها تبارك بلهفة تقول ببسمة حين أبصرتها: "مرحبًا زمرد.
" رفعت زمرد رأسها صوب تبارك بشر، لكن الأخيرة لم تهتم وهي تقترب منها ترى زمرد تنزع اللثام الخاص بها وهي قالت لها: "إذن تريدين قتالًا كالصباح؟
" ودون وعي اتسعت بسمة زمرد بشدة وقد وجدت أخيرًا متنفسًا لغضبها، رغم أنها في الحقيقة ليست متنفسًا كما توقعت، بل هي كانت منافسة، حتى أنها الآن ما تزال تشعر بلسعات في ذراعها بسبب ضرباتها التي تلقتها منها صبيحة اليوم.
ابتسمت زمرد باتساع تشير صوب تبارك: "أنا أحب هذه الفتاة.
" قالت تبارك بسرعة: "تبارك.
" "نعم، أحب هذه الفتاة تبارك، يبدو أننا سنصبح أصدقاء مقربين.
" رمقتهم كهرمان بغيظ شديد من تصرفاتهما تلك: "بل ستصبحان جثتين إن لم تتوقفا عن هذه القتالات.
" نفخت زمرد دون اهتمام تجذب تبارك من كتفها تضمها لها: "دعكِ منها تبارك، ما رأيك أن نتقاتل الآن؟
" اعترضت برلنت تنتفض عن الفراش بغضب: "أي قتال هذا زمرد بالله عليكِ؟
أنا الآن سأتزوج.
" "يا فتاة أنت بالفعل متزوجة.
" "نعم والآن سأعلن الأمر، لا يمكنكِ أن تتركيني في هذا الوقت وتتقاتلين.
" نظرت لها زمرد وكأنها تفكر في الأمر قبل أن تهز كتفها تقول بكل بساطة: "لا بأس، بعد الزواج نتقاتل ما رأيك؟
" هزت تبارك رأسها تستحسن هذه الفكرة، وكهرمان قلبت عيونها بحنق شديد وغيظ، وما هي إلا دقائق قليلة قامت فيها الفتيات بالتجهز حتى ارتفع صوت أمام المسجد وهو يقيم الصلاة.
مرت دقائق وانتهت الصلاة وسمع الجميع صوت الحارس يطلب الأذن لدخول القائد تميم.
شعرت برلنت في هذه اللحظة بنفس الرهبة، نفس الخوف، نفس المشاعر التي عاشتها في المرة الأولى حين انطلقت الزغاريد معلنة زواجها رسميًا من تميم.
لكن هذه المرة كان هناك مشاعر إضافية تحاول الظهور على استحياء، حبها لتميم في هذه اللحظة يغطي على رهبتها.
تنفست حين سمعت صوت تبارك تقول ببهجة وسعادة كبيرة بعدما أخفى الجميع وجوههم حتى برلنت: "دعه يدخل.
" وبالفعل انفتحت بوابة جناحها على مصرعيها ليطل عليهم تميم ببسمته المعهودة التي سلبت لب برلنت للمرة المائة بعد المليون.
نظر لها يقف أمام الجناح يمد يده لها قائلًا بلطف: "اقتربي بيرلي.
" شعرت برلنت بقلبها يكاد يسقط أرضًا في قدمها، لكن بسبب جذب كهرمان لها، نهضت عن الفراش تتحرك صوب البوابة حيث يقف تميم، وحين وصلت له، احتوى تميم كفها بحنان شديد مبتسمًا: "مرحبًا بساكنة القلب.
" رفعت تميم رأسها له، ورغم أن الغطاء يخفي وجهها بالكامل، إلا أن تميم شعر بها تبتسم ولا يدري كيف.
ابتسم وهو يستدير بها يخرج بها من الجناح لتتفاجئ برلنت بصفين من الجنود يصنعون لهما ممرًا طويلًا فابتسم تميم يقول: "لقد أصر القائد أن أزفك بصفتي قائدًا في الجيش.
" تحركت الفتيات خلف برلنت بهدوء بعد تغطية وجوههم ليصطدموا بوجود هذا العدد من الجنود يتقدمهم إيفان وسالار وتميم وكذلك مهيار والعريف الذي كان مبتسمًا للمرة الأولى في حياته ومرجان.
تحركت برلنت بين الجنود ترتجف من رهبة الموقف قبل أن تنتفض هي وجميع النساء على صوت سالار الذي قال بنبرة عالية: "انتبــاه.
" اعتدل جميع الجنود بشكل منظم يرفعون السيوف الخاصة بهم ليرتجف قلب برلنت مما ترى، وتميم ضغط على كفها وهو يسير بها بعيدًا عن الجناح.
بينما تبارك ابتسمت بسمة جانبية ساخرة وقد كانت تدرك في قرارة نفسها أن هذا ما سيحدث، وجود جنود مصطفين يصاحبه صرخة من سالار بهم لفعل شيء ما، ولهذا كانت الوحيدة التي لم تهتز وهي تنظر بفخر وبسمة واسعة صوب سالار الذي رفع حاجبه بتعجب.
وحين عبر الجميع الممر الذي صنعه له الجنود تحركوا صوب المسجد، الرجال يسبقون الجميع، وخلفهم تميم بزوجته، ومن ثم النساء في الخلفية.
خطى الجميع للمسجد لتشعر تبارك في هذه اللحظة برهبة شديد وهي تحرك عيونها في أرجاء المسجد، يا الله ما هذا المسجد وما هذه الراحة التي ملئت صدرها، تشعر بقلبها يرتجف.
ورغم أن المسجد لم يكن مزينًا بشكل مبالغ به كما ترى في العادة، وقد كان بناءه في غاية البساطة، لكن جماله يكمن في بساطته.
فجأة ارتفع صوت الإمام ينطق بكلمات هزت قلب تبارك، في لحظة أغمضت عيونها تسمع خطبته عن الزواج والمودة والرحمة، لحظات طافت بهم تبارك بعيدًا عن الجميع، لكن فجأة انتفضت للخلف بشكل ملحوظ تفتح عيونها بفزع شديد، تحاول أن تتنفس، يا الله ما الذي يحصل لها.
ابتلعت ريقها تحرك عيونها في المكان تتأكد أن لا أحد أبصر ما حدث للتو، لكنها وحين وقعت عيونها ما رأت إياه، هو فقط الذي أبصرته من بين الجميع، يخفض رأسه للأسفل يستمع لكل ما يقال بتركيز شديد.
لكن ثوانٍ حتى ارتفع رأسه فجأة بشكل جعلها تبعد عيونها بسرعة، متحركة صوب الستار الذي يخفي النساء خلفه عن أعين الباقية، تركز نظراتها على برلنت.
وفي المقابل كان إيفان يسمع تلك الخطبة التي استفاض الشيخ في قولها، الزواج أمان ومحبة وإخلاص ودفء وود، كل هذه الكلمات يدركها هو منذ بدأ يبحث عن زوجته، داعيًا الله أن تمثل هي له كل هذا ويفعل هو الأمر نفسه بالمقابل، لكن الآن، في هذه اللحظة، ما بال قلبه ينتفض مخبرًا إياه أنه يسير في الطريق الخاطئ، لم يعتد أن يتردد في فعل شيء، فما باله الآن؟
أغمض عيونه يتضرع لله.
يا الله لا تجعله سببًا لوجع غيره، فاللهم أرشدني للخير وقربه مني، وأصلح لي شتى أموري.
وكهرمان بعيدًا في ركن السيدات ومن وراء الستار كان تسمع كل ذلك ولا يخطر في ذهنها سوى الملك، شعور قوي بالخسة والكره لذاتها اكتنفها، يا الله هي منافقة حقيرة، تحب الملك وتهواه في نفسها، وفي الوقت ذاته تصادق التي من المفترض أن تكون زوجته.
هي لم تصبح بعد، لكنها المقدرة له، وهذه المشاعر تجعلها تكره ذاتها، هي تريد الابتعاد، الرحيل من هنا وبأسرع وقت.
يا الله فلتعني على جهاد نفسي، ولا تعلق قلبي بما ليس له.
قلوب مشتتة وأطراف متشابكة ولا أحد يدرك المقدر، لا أحد يعلم المكتوب له، وحتى تلك الأطراف التي نجت من التشابك، كانت رافضة للاتحاد في ربطة واحدة.
زمرد ودانيار كلاهما لا يدركان ما يجب فعله، فقط حالة من الحيرة والرفض والإصرار.
وأخيرًا أصحاب هذا اليوم
تميم وبرلنت، يجلسان أرضًا، تميم يجلس على ركبته وهي جواره بفستان أخذ مكانًا لا بأس به حولها.
تشعر بقبضة تميم تشتد على يدها، وصدر الأخير يشتعل بحب خالص لها هي.
كل هذه المشاعر كانت تطوف في أركان المسجد حتى قطع كل ذلك صوت حاد يوقف كل تلك كلمات حانقًا غاضبًا: "أنا اعترض على هذا الزواج
كيف تزوّج امرأة متزوجة من الأساس يا شيخ؟
" *** أن تبني أحلامًا وآمالًا وتعلقها على شيء بعينه، ثم يتهدم كل ذلك أمام عيونك لهو الجحيم، فما بالكم لو كان ذلك الجحيم مقرونًا بجحيم آخر يتمثل في رجال سفيد؟
منذ أدرك خسارته وهو لا يتحدث ولا يتحرك، فقط صامت هادئ بشكل مثير للدهشة، وكأنه فقط يشحن طاقته كي يخرج عليهم بكارثة أخرى أشد وطأة مما سبقتها.
بافل، ذلك الطاغية الذي تشرب من والده القسوة والتجبر والشر، ارتشف منه حد الثمالة وما اكتفى، باع روحه للشيطان وبلا مقابل، ها هو يجلس أعلى عرشٍ سلبه بالغدر والخداع.
ما تزال أصوات صرخات أرسلان يتردد صداها داخل عقله، وكأنه أبى إلا أن يذكره بما فعل، لكن هل كان ذلك خطأه وحده؟
وبالحديث عن
(وحده)
ها هو عزيزه يتقدم للقاعة وهو ينظر له يقول بصوت قوي وكأنه لا يهابه: "ألم أخبرك أن مهمتي انتهت مع دخولك مشكى بافل؟
أخبرتك أنني سأساعدك فقط مقابل ما تفعله لي وحينها لا أريد معرفتك من قريب أو بعيد.
" أطلق بافل ضحكات مرتفعة يقول بصوت ساخر: "أوه وهل تخشى تلويث يدك القذرة بالتعاون معي؟
لا تخف فقد تلوثت يدك سابقًا، ولن يضرها بعض الوحل الإضافي، أليس كذلك؟
" اشتعلت أعين محدثه يقول بصوت مخيف: "بل كذلك أيها القذر، مالي والقذرين أمثالك؟
أنا ساعدتك لدخول مشكى بصعوبة، وهذا فقط كي تتوقف عن السطو على قوافلنا وتدمير تجارتنا.
" أطلق بافل ضحكات صاخبة رنّ صداها في المكان، دقيقة كاملة لم يتوقف فيها عن الضحك بشكل استفز من أمامه حتى كاد أن يقترب منه وينقض عليه.
وحين انتهت ضحكات بافل نزل عن العرش يتحرك صوب ذلك الرجل يقول بنبرة خبيثة: "حقًا؟
يا لك من قذر مسالم، أرجوك لا تعاملني كأنني مجرد غبي لا أفقه ما تفكر به، أنت ساعدتني بالأسلحة والرجال من مملكتك فقط كي تضع لك يدًا داخل مشكى وتوسع مملكتك، ظننت أنني سأترك لك مشكى بهذه السهولة؟
" اتسعت أعين الرجل بشدة وقد اشتدت ملامحه بشكل غريب وهو يحاول تجنب الحديث مع بافل في هذه اللحظة، لكن ذلك لم يصمت الأخير وهو يقول: "والآن كما فعلت وأدخلتني مشكى، حان دورك لتساعدني في دخول سفيد، أريد أن أحصل عليها.
" اتسعت أعين الرجل يقول بصدمة: "سفيد!
هل تمازحني؟
" "ومنذ متى أمزح مع أمثالك يا هذا؟
أنت ستفعل ما أريده وإلا أوصلت خيانتك لباقي الممالك وحينها لن يكون عليك مواجهتي فقط، بل سأفتح الجحيم على مملكتك ومن بها.
" أسود وجه الرجل وقد شعر في هذه اللحظة أنه حُصر في الزاوية، قذر حقير كبافل يتحدث معه بهذه النبرة المستصغرة، اشتدت ملامحه وقد عقد عزمه على أمرٍ ما، لكنه سرها في نفسه يقول بصوت خافت: "حسنًا.
" *** تلك الكلمات التي انطلقت في المسجد أوقفت الجميع عن الحديث والبعض عن التنفس.
تصنم جسدها بقوة وقد شعرت في هذه اللحظة بقصور أحلامها تنهار وبقوة أعلى رأسها، ارتجف جسدها فجأة بعد تصنمه للحظات، لا تبعد عيونها عن الأرض أسفلها وهي ما تزال جالسة جواره، بينما هو وبكل بساطة مد يده يضمها له بقوة وعيونه لم تتحرك عن الشيخ يقول بهدوء لا يتناسب البتة مع ما يحدث حولهم: "اكمل يا عم.
" نظر له الشيخ بعدم فهم ثم قال: "لكن يا تميم هذا الرجل يقول.
" "أكمل يا عم ودعك من تُراهات القيل والقال، فأنا لن أوقف زواجي لأجل قال وسمع، أكمل يا عم رضى الله عنك.
" ابتلع الشيخ ريقه، ثم أكمل بهدوء شديد ما كان يقول لولا أن الرجل الذي اقتحم المكان لم يكتفِ بتلك الكلمات بل قال بنبرة مرتفعة وصوت صاخب: "ما الذي تفعله يا شيخ؟
أخبرتك أن ابنتي متزوجة كيف تزوجها لغير زوجها؟
" هذه المرة كان دور تميم ليرتجف، لكن ليس خوفًا أو قلقًا، بل غضبًا، الجحيم بأكمله تحكم به، هذا الرجل خلفه لم يدمر ماضيه، بل ترك حياته وهرب ليفسد حاضره ويحطم مستقبله.
نظرت له برلنت تهمس بصوت منخفض ودموع جارية: "تميم أرجوك.
" لكن ولأول مرة لا يمتثل تميم لرجائها، بل انتزع يده من كف برلنت ينهض عن مكانه، ثم استدار بهدوء شديد صوب الستار الذي يخفي خلفه النساء ولم يكن يعلم منهن سوى تبارك فقال بهدوء: "مولاتي، هل لكِ أن تصطحبي زوجتي للخارج رجاءً؟
" انتفض جسد تبارك حين وجه لها أحدهم الحديث، لكنها رغم ذلك خرجت من خلف الستار وتحركت جهة برلنت التي كانت ما تزال جالسة في موضعها منهارة من الحزن، أشفق عليها تبارك تقول بصوت حنون: "هيا حبيبتي انهضي معي.
" "مولاتي أنا.
" "هيا برلنت رجاءً، لا تخافي تميم سيتولى الأمر والجميع هنا.
" تحركت برلنت مع تبارك صوب الخارج بصعوبة شديدة تحت أعين الجميع وتميم ينتظر خروجها، فمهما بلغ مقدار بغضه وكرهه لهذا الرجل لا يهون عليه أن يكسره أمام ابنته، لا يطيق أن تتذكره زوجته بهذا الموقف.
ويبدو أن والد برلنت لم يكن بمثل كرم تميم أو تفهمه، فبمجرد أن اقتربت ابنته منه كي تمر لخارج المسجد سحبها بسرعة كبيرة صوبه يقول بصوت حاد: "تعالي هنا، أخبرتك أنني لا أوافق بزواجك هذا وأنكِ متزوجة، فهربتي مني وجئتِ للزواج أيتها الفاسقة؟
" وكان أقرب الموجودين له هي تبارك التي سارعت تنتزع برلنت من يده وهي تقول برعب شديد أن يمسها بسوء: "دعيها، اترك الفتاة، لا يجوز لك محادثتها بهذا الشكل يا سيد.
" لكن حين الغضب لا تبصر أمامك سوى السواد، وهو ما أبصر سوى ابنته التي تحاول عصيانه والزواج بغير من اختار، تتزوج من سيعذبها لأجل ما فعل هو قديمًا، سيستغلها لينتقم منه، وهو لن يسمح له.
دفع الرجل تبارك بعيدًا عنه وهو يضم له برلنت بقوة، وتبارك التي كادت تسقط أطلقت شهقة مرتفعة لولا يد زمرد التي كانت تتبعهم للخارج وامسكتها قبل أن تسقط.
وكل ذلك كان تحت أعين الرجال الذي انتفضوا لما حدث خاصة سالار والذي تحرك بسرعة مخيفة ينطق بصوت راعد: "يدك عنها.
" انتفض والد برلنت برعب لذلك الصوت الهادر وعمت الفوضى في المكان، كل ذلك ولا أحد يفقه ما يحدث أو الصواب من الخطأ.
حتى انطلقت صرخة مرتفعة قطعت كل ذلك: "توقفوا جميعًا.
" صمتت الأصوات وتوقفت الأنفاس على صوت صرخة إيفان بهم، ثم نظر للجميع يقول لتبارك بهدوء شديد محاولًا التحلي بكامل اللطف والهدوء: "مولاتي رجاءً اصطحبي الفتاة لحجرتك حتى أستدعيها.
" هزت تبارك رأسها تحاول أن تخرج من صدمتها وهي تتحرك تحت أعين سالار المشتعلة صوب برلنت تجذبها بالقوة من بين يديّ والدها الذي خاف أن يشتد غضب الملك عليه.
وتحركت النساء للخارج وكل ذلك تحت صمت تميم المخيف وهو ينظر لوالد زوجته دون حركة واحدة.
نظر إيفان للجميع يحاول أخذ ردة فعل حكيمة في هذه المسألة، ليتنهد وهو يقول: "خذوا والد برلنت لإحدى الغرف حتى يتم استدعائه للمحكمة.
" انتفض الرجل برعب يهتف: "المحكمة؟
أي محكمة؟
" ابتسم له إيفان يجيب بهدوء: "بالطبع محكمة، فما جئت به أمر جلل سيدي، هذه جريمة، أن تتزوج امرأة برجلين إن صدق اتهامك.
" انتفض تميم بقوة يصرخ هادرًا لا يهتم لمن يتحدث، بل يشعر بالغضب لتوجيه أحدهم مثل هذه الاتهامات لزوجته: "أي رجلين؟
برلنت لم تتزوج سوى بي، هي زوجتي أنا فقط، امرأتي أنا، ولا أسمح لأيًا كان أن يتحدث عنها بالسوء ولو كان والدها أو الملك.
" ختم حديثه يتنفس بصوت مرتفع، بينما إيفان حدق فيه بهدوء شديد، هو لم يقل تلك الكلمات متهمًا برلنت بالطبع، بل قصد بها إثبات كذب ادعاء والدها.
استطاع بكل هدوء أن يحقن الدماء ويهدأ النفوس ويفض الشجار بكل بساطة، ثم أمرهم لاستكمال ما حدث فهو أكثر الناس معرفة بتميم وقد أخبره الأخير ظروف زواجه.
وحينما خرج والد برلنت من المسجد ارتفع صوت الشيخ يعلن زواج صانع الأسلحة
(تميم مؤمن)
بالآنسة
(برلنت عبدالله)
صوت سقط على قلب برلنت في حجرة الملكة كالمياه على الجمر المحترق، تنفست تبكي بسعادة وقد أنعش ذلك الصوت صدرها لتضمها كهرمان بهدوء وحب: "مبارك لكِ عزيزتي، مبارك لكِ برلنت.
" دقائق هي حتى سمع الجميع صوت الحارس يأذن بدخول صانع الأسلحة، ليطل عليهم تميم بملامح حنونة يستقبل برلنت بين يديه هامسًا برقة ولطف: "مبارك صغيرتي.
" وفي ثوانٍ انفجرت برلنت بالبكاء بين أحضانه، لتنظر تبارك بخجل للجميع وهي تتحرك معهم خارج جناحها تترك لهم حرية الحديث.
وما كادوا يخطون خطوة إضافية حتى سمعت تبارك صوت زمرد تقول: "إذن هل ما يزال قتالي قائمًا؟
" رمقتها كهرمان بعدم رضى: "زمرد، هل ترين هذا وقتًا ملائمًا لفعل هذا؟
" جذبت زمرد يد تبارك بإصرار شديد وهي تقول بحنق مشيرة بإصبعها على كهرمان تمنعها أي محاولة لإيقاف ذلك القتال الذي سيخفف بعض غضبها: "نعم هذا وقته، فإن لم يكن هذا، سأذهب وأقتل والد برلنت، ذلك الخسيس، جميع الآباء هكذا.
" ختمت حديثها تجذب تبارك خلفها والتي كانت شاردة بعيدًا عما يقال، ولحقت بهم كهرمان مرغمة فقط لتتأكد أنهم لن يتورطوا في المزيد من الكوارث.
*** انفض الجميع من حول الملك وقد انتهوا من مباركة تميم والذي بمجرد أن سمع الشيخ يعلنهما زوجين ركض تاركًا الكل خلفه، ليبتسم دانيار بسعادة لأجله.
تحرك بعيدًا عن الجميع تاركًا حوار لا يهمه الحقيقة، وقبل أن يخرج من المسجد لحق به مهيار بسرعة يقول: "مرحبًا دانيار.
" ابتسم دانيار بسمة صغيرة يقول: "مرحبًا مهيار.
" "إذن؟
" "إذن؟
" توقف مهيار أمامه يقول بجدية: "أنت بخير؟
" نظر له دانيار بعدم فهم ليقول الأخير مسرعًا: "أنت لا تظن أنك خدعتني بملامحك السعيدة تلك صحيح؟
" تأوه دانيار بصوت منخفض يقول: "مهيار رجاءً أنا متعب، لذا.
" قاطعه مهيار بصرامة وهو يجذبه بعيدًا عن الجميع: "لذا عليك بتخفيف حملك ومشاركتي أحزانك وتعبك أخي، دانيار أنا أعلم أننا لسنا بهذا القرب وأننا طالما تشاجرنا وتشاكسنا، لكن.
" انتفض دانيار ينظر له بصدمة وهو يقترب منه يمسك وجهه بين كفيه يهتف بصرامة وكأنه يدفع كلماته داخل عقله الصغير، والذي رغم أنه يصغره بسنوات قليلة إلا أنه يظل طفله وصغيره الذي اعتنى به بعد رحيل والديهما: "أنت أيها الغبي ما هذا لسنا بهذا القرب؟
بل أنت أقرب من هذا القرب مهيار، أنت شقيقي أيها الأحمق، أي معنى لكلمة شقيقي لا تعلم؟
شقيقي مالي سواك لأرتكن إليه مهيار، أنت آخر من تبقى لي في هذه الحياة، إياك
إياك مهيار أن تظن للحظة واحدة أنني بعيد عنك، أنت طوال الوقت أسفل عيوني، أنا أذهب للحرب عين على الجيش وعين على قافلتك الطبية، يا أخي أنت أغلى من امتلك بهذه الحياة.
" ابتسم له مهيار يقول بتأثر وهو يربت على ظهره، ثم مد يده يجذب له دانيار لأحضانه يقول بصوت أخوي حنون: "مالك إذن تكتم عني أحزانك يا أخي، لِمَ تؤثر حزنك لنفسك عزيزي؟
" صمت دانيار ولم يستطع نطق كلمة فيما يؤلمه وهو حتى لا يعلم ما الذي يؤلمه، هل يوجعه الرفض، أم يخشى البعد؟
تعجب مهيار الهدوء الذي أصاب أخيه ولم يكد يبعده عنه حتى سمع صوت دانيار يهمس بصوت خافت ما لم يفضي به لغيره: "أعتقد أنني أحب أحدهم، وهذا الأحد نبذ حبي يا أخي ورفضه بقسوة ودون قول مبررات.
" اتسعت أعين مهيار بصدمة مما سمع يبعد عنه دانيار يتحدث بعدم فهم: "كيف دون مبررات، لا يوجد أحد يرفض حبًا دون وجود مبرر لرفضه، حتى وإن كان ذلك المبرر أنه لا يبادله الحب.
" أوجعت دانيار هذه الفكرة لكنه قال بخفوت بعدما ابتلع ريقه: "لا أعلم، فقط أشعر أنها تخفي شيئًا كبيرًا عني، أنا كنت أبصر إعجابًا في عيونها، ولا أعلم سبب رفضها.
" "إذن قص عليّ كل شيء علّني أساعدك.
" *** كانت المعركة بينهما حامية الوطيس، تبارك في هذه اللحظة تستعمل كل حركة تعلمتها من سالار، تتحرك بسرعة كبيرة تحاول أن تنافس زمرد في الضربات.
زمرد التي نشأت بين قوم غبي لا يعلمون عن السيوف سوى أنها مصنوعة من معدن، عدا بعض المتمردين الذين نبذوا ممالكهم فتعلمت منهم ومن غيرهم.
تنفست بصوت مرتفع وهي توجه ضربات متتالية شرسة صوب تبارك والتي صدتها بسرعة كبيرة وعيونها تكاد تخرج من وجهها وهي تركز على كل همسة تخرج من زمرد.
وحينما توقفت زمرد عن توجيه الضربات لالتقاط الأنفاس ابتسمت تبارك تستغل الفرصة وهي تنقض عليها بضربة قوية تسببت في تراجع زمرد للخلف متسعة الأعين: "أنتِ أيتها المخادعة، لقد كنت ألتقط أنفاسي.
" في هذه اللحظة تردد صوت سالار في رأس تبارك لتقول كلماته التي ترددت في نفس الوقت داخل عقلها: "العدو لن ينتظرك أن تلتقطي أنفاسك، بل سيباغتك بقوة ودون تفكير.
↚
" أشارت عليها بنفس الطريقة التي يقوم بها تبارك وحاولت أن تقلد تعابيره الباردة الساخرة: "تمامًا كما فعلت أنا.
" كانت تتحدث بثقة وقوة وبسمة واسعة ارتسمت شبيهه لها على وجه ذلك الذي كان يراقب ما يحدث عن بعد، لا يصدق أن من تقاتل في هذه اللحظة بهذه الشراسة هي نفسها الملكة التي لم تستطع استخلاص السيف من حاملة السيوف سابقًا.
وحين سمعها تردد نفس كلماته بنفس الطريقة، بل وكانت تحاول تقليد تعابير وجهه، انفجر في ضحكات صاخبة لم تصل لها لبعده عنهم وتحكمه فيها سريعًا.
يا الله هو فخور، لا يدري السبب فهو درب الكثير من الرجال، الآلاف منهم سابقًا، لكنه يومًا لم يكن بهذا الفخر وهو يشاهدها.
ثوانٍ ليبصر الفتاة التي كانت تقاتل الملكة تتحرك خارج الساحة متذمرة، بينما تبارك تقف في منتصف الساحة تبتسم بسمة واسعة سعيدة وكأنها للتو حققت انتصارًا في حرب تقول بصوت مرتفع: "يا فتاة لا تكوني بهذا التذمر، هيا لتتحلي بروح رياضية، نحن لم ننتهي بعد ولم أسقط سيفك لأعلن انتصاري.
" فجأة انتفض جسد تبارك تسمع صوتًا خلفها يردد بجدية وصوت سيفه يتحرك في الهواء: "ما رأيك إذن في قتال يكون النصر به مستحقًا مولاتي؟
" استدارت تبارك بسرعة كبيرة للخلف لتجد سالار يقف لها مبتسمًا بسمة صغيرة يقول: "لنضع الخاتمة اليوم، ونرى أين وصل مستواكِ تلميذتي النجيبة.
" نظرت له تبارك بدهشة وهي تحاول استيعاب أنه هنا بالفعل، وتحرك سيفه في الهواء جعلها تدرك ذلك وهي تتراجع بسرعة تبتلع ريقها: "أنت هنا بجد؟
" رفع سالار سيفه لها بقوة يوجهه صوب رقبتها لتبتلع ريقها لتبتسم بسمة متوترة: "أيوة صدقت، خلاص نزل السيف.
" ابتسم لها سالار بسمة صغيرة يقول بجدية: "بارزيني.
" ومن بعد هذه الكلمة تراجعت تبارك للخلف وهي تستعد، هي بالفعل تقدمت بشكل لا بأس به خلال أسابيع قليلة، لكن أن يصل الأمر لمبارزة معلمها فهذا ما لن تستطع فعله.
لكن وعند إشارة سالار لها أن تتقدم ابتسمت بسمة جانبية قبل أن ترفع سيفها في الهواء تأخذ وضع الاستعداد وهو أخذ فقط وضع الدفاع ينتظر اقترابها.
وما هي إلا لحظات وانقضت عليه تبارك بضربات سريعة قوية، ضربات متتالية قوية كانت لتسقط منافسها إن لم يكن هو نفسه معلمها، تضرب وتضرب لكن دون رد منه أو حتى اهتزت له شعرة واحدة.
وبعدما انتهت تبارك ابتعدت تلتقط أنفاسها بتعب شديد وقد بدأ العرق ينبت أعلى رأسها، وهو فقط ابتسم ولم يحرك سيفه يقول: "لا بأس بكِ حقًا.
" "نعم، منذ دقائق كنت رائعة، لكن أمامك أصبح لا بأس بي، هذا ليس عادلًا.
" رفع سالار سيفه لها يقول: "أن تتجرأي لرفع سيف في وجهي دون أن ترتجف يدك، فهذا شيء يُحسب لكِ.
مولاتي.
" ابتسمت له تبارك بتشنج ليه رأسه: "نعم كما سمعتِ.
" أدخل سيفه في غمده يقول بهدوء شديد يلقي على مسامعها بعض الملحوظات وكأنه لم يجبرها على ذلك القتال إلا فقط ليخبرها ما تعانيه من نقص في أسلوبها: "لا تضعي كامل طاقتك في ضربة واحدة فتصبحي بعدها مسلوبة الأنفاس، لا تظهري انفعالك في ضرباتك، والأهم لا تحاولي إثبات تفوقك على منافسك، فأنتِ لن تستفادي شيئًا حين تعلم جثة أمامك أنكِ بارعة في المبارزة صحيح؟
" نظرت له ثوانٍ قبل أن تدرك مقصده لتبتسم له بسمة جعلته يهز رأسه: "احسنتِ، ألقاكِ غدًا معصوبة العينين.
" "مهلًا، ماذا؟
" "كما سمعتِ، نحتاج لتدريبك على استعمال حواسك الأخرى قبل أن نختم الدروس الخاصة بكِ.
" وبهذه الكلمات ختم الحديث بينهما تاركًا إياها وهي رمقت ظهره بفضول شديد قبل أن تتنفس بصوت مرتفع تضع يدها على صدرها: "يا الله وجوده يستنزف أنفاسي وضربات قلبي.
" وتلك الكلمات التي لم تعي هي معناها إلا بعدما خرجت منها ضربت نقطة الوعي في رأسها لتطلق شهقة مرتفعة تترك سيفها ليسقط أرضًا تتنفس بصوت مرتفع: "ايه؟
ايه؟
ايه اللي بقوله ده؟
" استدارت حول نفسها بسرعة كبيرة كي ترى إن كان أحدهم أبصر تلك اللحظات أم لا، ثم تحركت بسرعة خارج الساحة تركض للاحتماء في غرفتها مرددة بفزع: "شكل الأحلام بدأت تؤثر عليّ.
" *** لم يجد تميم كي يطمئن إليه قبل الرحيل مع شقيقه، لكنه يكفيه أنه الآن رفقة زوجته حتى يحين موعد المحاكمة بعدما يحددها الملك للبث في اتهامات والد برلنت والحكم على المخطئ بوجود شيوخ من المملكة للحكم على الأمر من جانب الشرع والدين.
والآن ها هو يتحرك مع شقيقه خارج القصر يحملان العديد من الهدايا لطلب يد ليلا لأجل مهيار، ومهيار يضم له الزهور برقة شديد مع حقيبة أخرى من الهدايا.
وبمجرد خروجهم كانت هي تقف مبتعدة عنهم تراقبهم، لا تدري السبب، لكن ربما تحب تعذيب نفسها، تراقب نظراته وبسماته مع رجل آخر تعتقد أنه شقيقه لشدة الشبه بينهما.
اتبلعت زمرد ريقها ببطء تتحرك صوب أحد الأشجار القريبة منهما تسمع صوت دانيار يقول: "إذن هل تعتقد أن هذه الهدايا كافية؟
" نظر مهيار للحقائب ثم هز رأسه: "نعم أعتقد ذلك، لا تقلق فأنا أحضرت كذلك بعض الزهور النادرة.
" "كيف لا أقلق؟
عزيزي هذا زواج وعلينا أن نبهر العروس.
" اتسعت أعين زمرد بشدة تسمع تلك الكلمات بعدم فهم وهي تردد خلفه الكلمة كأنها تحتاج لاستيعابها: "العروس؟
" في هذه اللحظة سمع دانيار همستها فاستدار لتختفي هي بسرعة خلف الشجرة.
ضيق حاجبيه يحاول معرفة مصدر ذلك الصوت الذي سمعه، هز كتفه ولم يكد يعود بنظره لمهيار حتى أبصر بالخطأ طرف سيف يخرج من جانب الشجرة.
رفع حاجبه وهو يدقق النظر ثوانٍ على مقبض ذلك السيف لتتسع بسمته فجأة وهو يعود بنظره لمهيار يقول بخبث شديد: "أنا لا يهمني سوى إبهار العروس يا أخي فهي ستصبح فرد جديد من عائلتي، لذلك لندعو الله أن يعجبها ما أحضرناه لها.
" كتمت زمرد شهقة كادت تخرج منها وقد اضطرب قلبها بقوة تحاول أن تمنع نفسها من الظهور أمامه والصراخ في وجهه، تتهمه بالخيانة والكذب، لم تكد تخبره برفضها حتى ذهب للبحث عن عروس أخرى، شعرت بدموعها تلسعها للخروج، يا الله هي ظنت.
ظنت بغبائها أنه لربما أحبها ولو قليلًا فقط.
ودانيار يقف بعيدًا لا يبصر نظرات مهيار المتعجبة من حديثه، لكنه لم يهتم وهو يقول ببسمة صغيرة: "لنتحرك كي لا نتأخر على العروس عزيزي.
" وبالفعل سحب معه شقيقه وتحرك به صوب الأحصنة الخاصة بهم، وضع حقائق الهدايا خلفه، ثم صعد بسرعة يبصر تحرك مهيار قبله، وهو تحرك خطوات بالحصان، فقط خطوات كانت كافية لتظهر وجهها له، لينتفض قلبه برعب حين أبصر جسدها منهارًا أرضًا، بأكتاف متهدلة تدفن وجهها بين يديها، توقف بحصانه بسرعة وكاد يهبط ليركض نحوها لولا صوت مهيار الذي قال: "هل أنت بخير دانيار؟
" نظر له دانيار قبل أن يعود بنظراته لها، يجبر نفسه على الرحيل، فصفعة رفضها له ما تزال ترن داخل عقله: "نعم أنا بخير.
لنتحرك.
" تحركوا خارج القصر مسرعين صوب المدينة، ومنها لمنزل والد ليلا، نظر له دانيار يؤكد عليه كي ينتهي من كل ذلك: "هل تأكدت من أخذ ميعاد معهم؟
" هز مهيار رأسه بنعم، يتوقف على بداية الشارع الخاص بهم يبحث عن مكان لترك الأحصنة.
وحينما انتهوا تحرك الاثنان صوب الداخل وما زال قلب دانيار يضرب صدره مؤنبًا إياه على ما فعل، ابتلع ريقه يخرج من تلك الحالة على صوت طرق شقيقه للباب، ثوانٍ وفُتح الباب.
استقبلهم والد ليلا ببسمة واسعة: "مرحبًا بكم.
" ابتسم دانيار بسمة صغيرة يقول بلطف: "مرحبًا بك سيدي.
" أدخلهم والد ليلا يرحب بهم في المنزل، يقودهم صوب الداخل، جلس الجميع واستقروا ومرت ثوانٍ قبل أن يبادر دانيار بالقول: "بالطبع أخبرك مهيار ما جئنا لأجله سيدي.
" ابتسم لهم والد ليلا بسمة صغيرة لكن مرتابة ومتوترة، بسمة جعلت دانيار ينظر لأخوه بريبة شديدة، لكن مهيار لم يهتم وهو يقول مبتسمًا: "إنه لشرف لي أن تأمنني على ابنتك لتكون زوجتي يا عم.
" "أنت يا مهيار تعرفني منذ سنوات وتعرف جميع أفراد منزلي يا بني، وكنت بمثابة الابن لي لسنوات طويلة.
" "صحيح سيدي.
" صمت ثم قال بقلق: "هل هناك خطبٌ ما؟
" في هذه اللحظة خرج عليهم مرجان لينضم لجلستهم ينظر بهدوء صوب الاثنين، وقد شعر دانيار في هذه اللحظة بوجود خطبٍ ما.
ثوانٍ وطلت عليهم صاحبة الشأن وهي تصرخ بحدة: "مرجان ما بك و.
" صمتت فجأة بصدمة وهي تتراجع للخلف حين أبصرت مهيار يحدق فيها ببسمة ودانيار يرى نظرات أخيه المفتتنة بها، ثم اعتدل يقول: "إذن يا عم لم تخبرنا رأيك؟
" كاد والد ليلا يتحدث لولا صوت مرجان الذي قال بهدوء شديد: "معذرة يا أبي اسمح لي بالحديث.
وبمجرد أن جلست أبصرت أعين مهيار التي ثبتها عليها ببسمة واسعة، وهي نظرت أرضًا بعيدًا عن عيونه ليبتسم أكثر ولم ينتبه لصوت دانيار الذي أخذ يتحدث مع والدها في كلمات لم تصل له، هو فقط ينظر صوب ليلا والتي تكاد تختفي من الخجل تود لو تقتل مرجان لإجبارها على خوض كل هذا.
فجأة لا تعلم كيف، لكنها أبصرت حين تحديقها في الأرض أقدام تتحرك للخارج، لتجد أن الغرفة أصبحت فارغة إلا منها ومن مهيار، انتفضت تظن أن الجميع سيرحل لتتحرك معهم للخارج لولا صوت مهيار الذي أوقفها يقول: "مهلًا، إلى أين؟
" نظرت له ليلا بعدم فهم: "هم.
سيرحلون و.
" "لا بل فقط تركوا لنا متسعًا للحديث، اجلسي ليلا، لا تقلقي أنا لا أعض الفتيات الصغيرات.
" اتسعت عين ليلا وهي تعود صوب مقعدها تحاول التنفس بصعوبة بسبب كلماته ونظراته تلك تقول بصوت خافت: "أنا، أنا لست قلقة، أنا فقط ظننت.
" صمتت ولم تجد كلمات في عقلها تساعدها لإكمال ما كانت تقول، فقط ابتلعت ريقها تقول بهدوء شديد: "هل.
كل كنت تقتني زهور البارحة لأجلي؟
" ابتسمت يقول بصوت هادئ لطيف مسالم كعادته: "لأجل من ظننتِ!
" هزت رأسها وهي تمسح وجهها بيد مرتجفة تقول: "لا أنا فقط
هل قمت بفتحه؟
" نفى مهيار لتتنفس الصعداء وهي تقول: "جيد.
" "جيد؟
ما بها الزهور؟
" اتسعت عيونها تقول بتوتر: "لا فقط كما أخبرتك رائحتها سريعة التلاشي.
" نظر لها بشك كبير وهي نظرت بعيدًا ليدرك أنها فعلت شيئًا بها: "ليلا ما بها الزهور؟
" "أخبرتك لا شيء صدقًا، هي فقط زهور نادرة و.
ابتسم يرى توترها: "بالطبع علمتي سبب قدومي هنا، صحيح؟
" هزت رأسها بتوتر شديد: "أجل.
" "إذن؟
ما هو رأيك؟
" رفعت رأسها له بخجل، ثم اخفضته تقول بصوت هامس: "سيصلك ردي مع أبي.
" صمتت ثوانٍ ثم قالت وبتردد شديد وخوف، وقد كادت شجاعتها تخونها للحظات قبل أن تنطق تلك الكلمات، لكنها فقط ترغب بالتأكد كي تكتمل سعادتها: "لقد أخبرك أبي بحالتي صحيح؟
" وجاءتها كلماته صادمة لها ولكل خلية حية داخل جسدها وهو ينطق بجهل وملامح لا تفقه ما تتحدث بشأنه: "أي حالة تلك؟
" رفعت عيونها له بصدمة، ثم همست وكأنها لا تستوعب ما يحدث شعرت أن قلبها يؤلمها وضرباته قد بدأت تتباطئ، وخفتت السعادة في عيونها تجيب: "أنا.
أنا أعاني من مشاكل
بالـ
أعاني اضطرابات بالجسد تنشأ عنها حالات غريبة و
لا أعتقد أنه شيء ستحب التعايش معه، سيدي الطبيب.
" *** تحرك خارج القلعة بحصانه في سرعة كبيرة، وقد كان معطفه الجلدي يتطاير خلفه، لم يهتم بأي عين كانت تلاحقه، سيوفه مستقرة في حزامه وجسده يقاوم الريح.
حركاته كانت قوية سريعة، يبصر بطرف عيونه الطرقات تسابقه في الركض، ارتسمت بسمة جانبية على جانب فمه الذي كان مختفي خلف لثامه الأسود ككامل ثيابه التي كانت سوداء مع بعض اللون الأحمر على الأطراف.
بدأ يبصر المدينة تختفي وتتقهقر في هذا السباق معلنة استسلامها، ليستلم منها المنافسة أشجار الغابة التي تقع على أطراف البلاد جهة مشكى، وهناك نظرات غريبة ترتسم في عيونه.
دقائق أخرى مرت حتى اكتملت الساعة، توقف بسرعة ليصنع حصانه صوتًا صاخبًا وهو يقف به في منتصف الغابة وأمام بناء خشبي ينعزل به عن الجميع، بناء يستقر به بعيدًا عن ضوضاء القصر ومن به.
هبط من فوق حصانه يربطه في أحد الأشجار، ثم تحرك بهدوء شديد صوب ذلك الكوخ الخشبي، الشيء الأخير الذي تركه له والديه قبل موتهما، أو بالأحرى قتلهما في رحلة صيفية به.
تنهد يبعد تلك الذكرى عنه وهو يدفع الباب بهدوء شديد يتحرك داخله يحرك عيونه في المكان قبل أن تستقر واخيرًا على فراشه الذي كان يقضي عليه ليالي هادئة، والآن استقر هو عليه بجسده القوي الذي ينافس جسده هو، ولولا ذلك الشحوب والهالات السوداء التي تحيط عيونه لكان ظن أنه بكامل صحته ولم يُمس.
ابتسم يتحرك صوب الجسد الذي يحتل كوخه منذ شهور قليلة، والذي شعر بوجوده في الكو