رواية مملكة سفيد الفصل السابع والثلاثون 37 كامل | بقلم رحمة نبيل
تم تحديث الفصل بتاريخ 13 أبريل 2026
مقدمة رواية مملكة سفيد
نقدم لكم رواية مملكة سفيد
من أشهر
الروايات المعاصرة،
وتسرد القصة
وسط أجواء من الغموض والإثارة
وتدخله في عالم الرواية فورًا
وتترك أثرًا طويل الأمد في ذهن القارئ.
تفاصيل رواية مملكة سفيد
وتتناول قصة مملكة سفيد
تركز على
قصص متعددة الشخصيات
تتعرض لمفاجآت غير متوقعة،
وتتشابك التفاصيل
تظهر العديد من المفاجآت
مما يجعل القارئ في حالة ترقب مستمر
ويغوص في تفاصيل القصة.
مميزات رواية مملكة سفيد
تجذب رواية مملكة سفيد اهتمام القراء
بأسلوب يدمج الواقعية والخيال
تأسر القارئ من أول فصل،
بالإضافة إلى ذلك
تقدم شخصيات واقعية
وتنقل مشاعر الشخصيات بصدق
وتجعل تجربة القراءة أكثر متعة وإثارة.
ابدأ قراءة مملكة سفيد الآن
يمكنك الآن قراءة رواية مملكة سفيد
من تأليف رحمة نبيل
أونلاين
ومتابعة جميع الفصول
لتستمتع بتجربة قراءة لا تُنسى وتغوص في تفاصيل القصة.
كيف تصل الينا
ابحث الآن في جوجل للحصول على الرواية:
"رواية مملكة سفيد حكايتنا حكاية"
جملة خرجت منه بكل عفوية وهو يحدق في وجهها، لكن تبارك، والتي قضت عمرها بالكامل وسط أسوأ فئات الرجال المتحرشين وسييء الخلق، فشلت في فصل نية سالار المبهمة عن النية السيئة لجميع الرجال الذين تعرفهم.
"تريد مني الذهاب لرؤية غرفتك؟
" هز سالار رأسه، ممسكًا بيدها وكأنه يزداد إصرارًا على سحبها صوب غرفته.
"نعم، هيا تعالي لأريكِ إياها.
" توقفت تبارك بريبة، تحاول جذب يدها منه.
"فقط
فقط تمهل، أنا
أنا فقط" "ماذا؟
لا تريدين مشاركتي الغرفة؟
" تراجعت تبارك أكثر، تحاول الابتسام بسمة صغيرة.
"ما تقوله لا يُحسن الأمر صدقني، هذا لا يساعدني في تحسين الظن بك، أقسم.
" تعجب سالار كلماتها، يقول: "ماذا؟
ما الذي فعلته لأجل هذا؟
فقط أريد أن أريكِ غرفتي.
" صمت، ثم قال بجدية وهو ينظر بحنان شديد، يمسك كفيها بين يديه ويضمهما بالقرب منه: "فقط كنت أنتظر هذه اللحظة التي أجد بها من تشاركني كل ما يخصني، أحب أن تكون أول امرأة تطأ غرفتي هي أنتِ يا تبارك.
" اتسعت عيون تبارك بذهول من كلماته، وقد شعرت بقلبها يرتجف إن أساءت الظن بنواياه.
لكن أنى لها العكس، وكل ما رأته في أعين الرجال قبله كان الخبث والمكر بها.
ابتسمت بسمة واسعة له، تقول بتأثر لتلك الكلمات: "هذا
هذا يعني لي الكثير حقًا، أنا فقط
أنا آسفة، لست معتادة بعد على هذه الأمور، أنا لم أعتد على أن يشاركني أحدهم شيئًا بملء إرادته وعن طيب نفس لأنه يريد ذلك.
" كانت تتحدث بلهفة وحماس، وقد أعجبت كلمات سالار نفسها الكسيرة.
وهي تقترب منه، تقول بحماس نافس حماسه ولهفته ة، تمسك كفه: "نعم، هيا لأرى غرفتك" ابتسم لها سالار ونظر ليدها بحب شديد، يجذبها معه خارج الغرفة.
لكن فجأة توقف وخرج من غيمة حماسه وهو يعقد حاجبيه وينظر لها بهدوء.
هي تعجبت نظراته، حتى وجدته يمد يده يرفع الحجاب الذي سقط على كتفها، يضعه جيدًا على رأسها يحاول أن يثبته.
وهي تراه منهمكًا في الأمر بشكل جعلها تطلق ضحكات مرتفعة، تبعد يده: "اتركه، أنا سأعقده، أرجوك أنت بهذا الشكل ستتسبب في اختناقي.
" وبالفعل ابتعد سالار عنها يراها تعدل من وضعية حجابها وتخفي جميع خصلاتها.
ثم رفعت عيونها له مبتسمة متحمسة: "إذن هل نرحل؟
" هز رأسه لها، يجذب طرف الحجاب الطويل يخفي به نصف وجهها، ثم سحبها خلفه يقول بجدية كبيرة: "أفضل أن تسيري فيما بعد بغطاء الوجه يا تبارك، هذا يجعلني أكثر هدوءًا لفكرة تحركك بين طرقات القصر وكل هؤلاء الحراس المنتشرين في الأرجاء.
" لم تفكر تبارك في الجدال كثيرًا، فهي تدرك طبيعته.
هو من كان يمنعها من السير دون غطاء وجه سابقًا قبل الزواج.
لم تتوقع أن يتوقف عن ذلك بعد زواجهما.
زواجهما؟
بالله تتعجب، كيف يمكن لكلمة من سبعة أحرف أن تدخل كل تلك السعادة والحماس على قلب إنسان.
كيف تمتلك تلك الكلمة السيطرة على مشاعرها، تسعدها في ثوانٍ كلما طرأت على رأسها؟
ابتسمت تتذكر تعليماته وكلماته ة لها وهو يتذمر من سيره دون غطاء وجه.
استفاقت تبارك وخرجت من أفكارها حين توقفت أمام باب تعرفه جيدًا، باب لطالما كان هو غايتها حين تضيق بها الحياة داخل هذا القصر وتشعر أنها قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، الباب الذي كانت تلجئ لصاحبه كي يغيثها بعد الله عز وجل.
باب لم ترى ما يقبع خلفه، لكنها تشعر بالحماس الشديد لتفعل.
وفي ثوانٍ عادت لها الكثير من الذكريات التي تخص هذا الباب والممر الذي تقف به
ذكرى يوم أتت له تبكي أمام الباب وتترجاه أن يساعد أهل مشكى، ويوم تحركت خلفه دون وعي حين ضلت الطريقة ووصلت معه لهنا، وحين جاءت تطالبه بمساعدة للفكاك من أسر الزواج الغير مرغوب، مرات ومرات تتكرر أمام عيونها لتبتسم دون وعي.
وللمرة الأولى تطأ تبارك الغرفة وهي تبتسم بقلب خافق، تشعر بيده تسحبها معه بحنان شديد.
وأخيرًا توقفت في غرفته لتتسع عيونها وهي تراقب غرفة أشبه بمخبأ سحري في أحد الكهوف، غرفة لو تحدثت لنطقت أنها تنتمي لسالار ولا يمكن أن تنتمي لغيره.
كانت تبصر سالار في كل ركن بالغرفة.
ابتسمت وهي تقول دون وعي: "هذه الغرفة
تشبهك.
" ابتسم سالار بسمة واسعة يتقبل ذلك الحديث منها بنفس راضية مجيبًا: "أتمنى أن يكون هذا معناه أنها جيدة.
" نظرت له تردد نفس كلمته لها: "إنها
جميلة.
" ابتسم لها، ثم أشار أن تتحرك وتجلس على أحد المقاعد.
ومن ثم تحرك خلفها يتوسط المقعد أمامها يستند على ركبتيه وقد أطال النظر بها حتى شعرت تبارك أن هناك شيئًا خاطئًا بها.
"هل هناك شيئًا ما بوجهي؟
" ابتسم لها سالار بسمة صغيرة يتحرك عن مقعده مقتربًا منها بشكل جعلها تعود بسرعة للخلف بريبة وقد ضيقت عيونها تقول بإدراك: "والله كنت عارفة، النية الصافية دي في جنة الخلد بإذن الله، أكيد جايبني هنا عشان حوار تاني، أنا كان قلبي حاسس.
" رمقها سالار دون فهم لكل تلك الكلمات التي نطقت بها دون توقف، يقول بجدية: "ما الذي تتحدثين عنه؟
أنا فقط أردت الاقتراب منك للتحدث براحة.
" رفعت تبارك حاجبها تشير صوب مقعده الأول: "أولن تستطيع التحدث من مقعدك؟
" نظر سالار صوب المقعد ثوانٍ قبل أن يعود لها متسائلًا ببسمة على أفكارها تلك ونظراتها له: "تبارك، إن كنتِ تعتقدين أنني أتيت بكِ لغرفتي لأجل غرض سيء فاطمئني، غرفتك لم تكن لتمنعني من فعل شيء سيء إن أردت فعله، لم يكن عليّ إحضارك لغرفتي، حسنًا؟
" اتسعت أعين تبارك من كلماته وشعرت بالصدمة من طريقة حديثه التي تسمعها منه للمرة الأولى.
"أنت
أنت وقح بعض الشيء صحيح؟
" لكن سالار لم يفعل سوى أن اقترب منها بهدوء يهمس بصوت جاد وكأنه يقنعها بالأمر: "لِمَ لا نسمي الأمر مجرد منطقية وصراحة؟
النية السيئة لن تنتظر الوقت المناسب والمكان المناسب لتخرج عزيزتي تبارك؟
هي تخرج في أي مكان، ثم الوقاحة هي كلمة نطلقها نحن على من يتعامل بشكل غير لائق مع النساء الأجنبيات، وأنتِ عزيزتي زوجتي، أستطيع التأكيد لكِ أنني تحدثت بحسن نية تامة، والآن، هل نتحدث بجدية؟
" وتبارك فقط اشتعل وجهها بالخجل تهز رأسها ببطء.
بينما هو ابتسم لها يمد يده ليمسك خاصتها، يداعب باطنها ثوانٍ قبل أن يهمس بصوت خافض حنون، بعدما رفع عيونه لها: "أنا فقط كنت أريد التعرف على كل ما يخصك يا تبارك، حياتك قبل وجودي، طفولتك وكل شيء، باختصار أريد الشعور أنني أقرب إليكِ من نفسك.
" صمت، يضم قبضتيه على خاصتها بشكل جعلها تبتسم دون وعي.
وهو ابتسم لرؤيته تلك البسمة فقط يكمل: "أريد الشعور أنني نفسك يا تبارك، امنحيني مكانة لا تمنحيها لغيري عزيزتي.
" ابتلعت تبارك ريقها تحاول إيجاد كلماتها وهي تحدق في عيونه التي سحرتها بلونها، ولم تستطع كتم سؤالها الذي راودها منذ علمت أنها ستصبح زوجته، سؤال لا تدرك تأثيره أو ما يعنيه لها، هي فقط سألته بعفوية شديدة: "هل سأحضر أبناء يشبهونك بنفس الخصلات تلك والأعين؟
" وسالار لم ينفجر ضحكًا أو يسخر أو يخجلها بسبب سؤالها، بل فقط ابتسم وأجابها بكل بساطة: "ما الذي تريدنه أنتِ؟
" وهي ما تزال داخل نشوتها بقربه أجابت: "أريده نسخة صغيرة منك.
" ابتسم لها بسمة واسعة وهو يطيل التحديق في عيونها: "عسى الله أن يقر عيونك بما تتمنيه يا تبارك.
" ابتسمت له تبارك بحب.
وهو نظر ليدها ثوانٍ قبل أن يرفع رأسه لها متسائلًا بجدية وبسمة: "هل يمكنكِ إخباري عن أحلامك يا تبارك؟
" "أحلامي؟
أخبرتك أنني سأخبرك لـ" قاطعها بجدية يتذكر ذاك اليوم الذي لا يُمحى من عقله: "ليس تلك الأحلام المتعلقة بي.
" خجلت تبارك من الأمر وبشدة.
وهو ابتسم يكمل: "أريد معرفة تلك الأحلام الأخرى
الأحلام التي تؤرق منامك، ما الذي تضطرين لمواجهته في أحلامك يا تبارك، أشركيني مشاكلك عزيزتي.
" *** جملة ختمها إيفان لهدف في نفسه سرعان ما ناله وهو يلمح نظرات شهرزاد التي اتسعت والشحوب الذي ملأ وجهها والاستنكار الذي تسيد تعبيراتها.
تنتظر منه بسمة ساخرة ثم يقترب يقبل يدها ويخبرها أنه فقط يمزح.
لكن إيفان لم يفعل من كل ذلك سوى أنه ابتسم، لكنها لم تكن ساخرة، بل كانت
مرعبة.
ثوانٍ وارتفع صوت صاخب هز جوانب القاعة من أحد الحراس وهو يقول بصوت مرتفع: "الأميرة زمرد تطلب الإذن بالدخول مولاي!
" ابتسم إيفان يقول بصوت ونظرات أصابت شهرزاد بالخرس: "لا تحتاج الأميرة لأذني.
" وبعد هذه الكلمات عم صمت خانق مترقب بين الجميع.
ولم تستطع شهرزاد الاعتراض حتى وهي تستدير مثلها مثل الجميع صوب بوابة القاعة تبصر جسد فتاة تدخل المكان برأس مرفوعة وملامح حادة، تتحرك صوبهم شامخة وكأنها لا تهتم لمن بالمكان.
كل ذلك لم يكن يعني شهرزاد بشيء عدا رؤيتها لشبح آمنة يتمثل في تلك الفتاة، كانت أشبه بروح آمنة تقترب منها.
خطوات زمرد البطيئة وهي تسير صوبهم مرتدية ثوبًا من اللون الأسود المختلط بالذهبي، ونظرات عيونها وملامحها الحادة، كل ذلك مثّل كابوسًا حيًا لشهرزاد التي تراجعت للخلف تشهق بصوت منخفض لم يصل سوى لإيفان الذي ابتسم بسمة واسعة يمد يده لزمرد يمسك بيدها وهو يقول بهدوء: "مرحبًا بأميرتي.
" ابتسمت له زمرد بسمة صغيرة تخفي خلفها تلال توتر، هي لم تعتد أن تكون محاطة بكل هذا القدر من البشر عدا قومها، إن اعتبرت قومها من البشر.
سحب إيفان يدها صوب المقعد كي تستقر عليه تحت نظرات الدهشة في أعين الجميع ونظرات الصدمة في عين شهرزاد التي لم تستطع التحمل وهي تصرخ: "ما هذا الهراء الذي تفعله يا إيفان؟
هل جننت؟
أي شقيقة تلك التي تتحدث عنها؟
أنت الطفل الوحيد لتقي الدين ولا أذكر أنك تمتلك إخوة آخرين!
" كانت تتحدث وهي تخفي رجفة يدها في ثوبها وقد لاحت أمامها صورة ابنتها التي رحلت يوم رحلت آمنة، ترتعب من تلك الفكرة.
هل
هل هذه ابنتها هي وما تزال حية؟
لكن
لكن إن كان ذلك صحيحًا، كيف تشبه آمنة بهذه الطريقة المرعبة؟
نظرت لها زمرد نظرات حادة مع رفعة حاجب جعلت شهرزاد تبتلع ريقها، وقد شعرت أن هذه روح آمنة عادت أقوى وأشرس لتنتقم منها.
هتفت بصوت مختنق وبصعوبة شديدة: "هذه
من هذه الفتاة التي تدعي أنها شقيقتك؟
هي لا أصل لها و
ما أعلمه أن لا إخوة لك من تقي الدين، إذن هي ليست ابنة ملك ولا زوجة ملك لتطلق عليها أميرة.
من أعطاك الحق لتحضر عامة الشعب وتعطيهم مثل هذه الألقاب الكبيرة، بل وتدخلهم العائلة الحاكمة!
" ختمت حديثها وقد بدأ الجمع حولها ينتبهون للحديث بجدية وترقب لرد إيفان الذي توقع اعتراضها، لكنه لم يتوقع عدم خوضها في حقيقة أن زمرد شقيقته ولم تتساءل عن هويتها بالتحديد وكأنها تخشى نبش الأمر أمام الجميع وأمامه.
"كيف علمتي أنها ليست ابنة الملك تقي الدين؟
ما هذه الثقة التي تتحدثين بها!
" شحب وجهها أكثر وأكثر وهي تحاول البحث عن تبرير عدا ذكر أنها متيقنة من ذلك لأنها تخلصت منهم بنفسها سابقًا.
"أنا
هو في.
" قاطعها إيفان هذه المرة موفرًا عليها جهدًا مضنيًا في البحث عن رد على جملته وهو يقول ببسمة واسعة يجذب له زمرد: "أنتِ محقة على أية حال، هي ليست ابنة ملك ولا زوجة ملك، هي أخت الملك وهذا كافٍ لتصبح أميرة.
" تنفست بصوت مرتفع تقول بعدما تملكت نفسها: "وهذا لا يمنحك الحق لتعطيها لقب أميرة، من أعطاك الصلاحية لتنصيبها أميرة في سفيد؟
" اهتز جسد زمرد بقوة وهي تتأهب للهجوم على شهرزاد، لولا يد إيفان الذي نظر لها نظرة تحذيرية يدرك جيدًا أي نوع من الأشخاص هي، وأنه إن ترك لها القيادة ستنبش أظافرها في وجه شهرزاد.
لكنه فقط تحكم بها يوجه حديثه لشهرزاد قائلًا: "ما أعطاني الصلاحية لأجعلها أميرة سفيد، هو نفسه ما أعطاني الصلاحية لنزع جميع امتيازاتك منك وتجريدك من لقبك كملكة أم، وهو ما يعطيني الصلاحيات لإسقاط العقاب على كل من تسول له نفسه أن يلقي أختي بنظرة استصغار لا تعجبها.
منصبي كملك هو ما يفعل ذلك.
" ختم حديثه الذي ترك شهرزاد تنازع أنفاسها وقد شعرت أن الأرض تتحرك من أسفلها وتمنت لو أنها لم تولد، أو تمنت الموت قبل أن تحيا هذه اللحظة.
بينما إيفان تجاهلها وهو يتحرك بعيونه للجميع يقول بصوت جاد: "الأميرة زمرد هي ابنة الملك آمنة وهذا يجعلها أميرة لأنها ابنة الملكة ة للبلاد، وأختي كذلك.
" ختم حديثه ثم نظر صوب شهرزاد يراها بمظهر مزرٍ وقد كادت تسقط أرضًا ليطعنها إيفان الطعنة الأخيرة وهو يقول ببساطة: "فما لا يعرفه الجميع هنا أن والدتي الحقيقية التي أنجبتني هي نفسها الملكة آمنة وبعد موتها تولت الملكة شهرزاد تربيتي، ليرزقها الله على قدر نيتها، ربت طفل يتيم الأم، وهذه حقيقة لا يدركها الكثيرون.
" رفعت شهرزاد وجهها كالقذيفة صوب إيفان الذي أطال النظر لعيونها بشكل جعلها ترتعش وهي تحاول تصديق ما سمعته منذ ثوانٍ.
بينما في هذه اللحظة وهذا الصمت المريب بين الجميع انطلقت ضحكة شبه صاخبة بين الجميع جعلت الأعين تتحرك صوب اتجاهها ليجدوا العريف يكتم فمه بصعوبة وقد بدأ وجهه يحمر.
هو حقًا لم يتمكن من تحمل نظرات شهرزاد تلك.
يا الله، هو في حالة انتشاء كبيرة، كان يشعر بنشوة مخيفة تسير بين أوردته.
ولولا أنه لا يحب تفويت أي كارثة تسقط فوق رأس شهرزاد لكان هرول ضاحكًا من القاعة.
تماسك بصعوبة وهو يهتف بوجه محمر: "أنا
أعتذر يا سادة، فقط" ضحك بشكل مزرٍ وهو يحاول التماسك، بينما إيفان يراقبه بوجه بارد منتظر وداخله يكبت بسمته.
ومرجان ينظر حوله وهو يحاول أن يوقف العريف عما يفعل هامسًا له يجذبه صوب ليصمته: "ما بك أيها العريف، يا ويلي لا تخيفني عليك، توقف الجميع الآن سيتأكد من صحة المقولة التي تقول أن كثرة العلم تؤدي للجنون، توقف بالله عليك يا عريف.
" والعريف فقط كان يضحك ويضحك وهو ينظر لوجه شهرزاد التي شعرت في هذه اللحظة بالغضب يندفع بين أوردتها.
وأدركت أن بقاءها لثانية واحدة إضافية قد يدفعها لسحب سيف إيفان والتحرك لطعن العريف وزمرد وإيفان نفسه.
لذا وفي ثوانٍ هرولت خارج القاعة بشكل مرعب تلاحقها ضحكات العريف الذي نهض يقول وهو يرفع يده للجميع: "أعتذر من الجميع، أنا فقط تذكرت شيئًا و
يبدو أن كثرة العلم تؤدي للجنون، عقلي أصبح يفكر بأشياء غريبة.
" كانت حجة مرجان التي يحاول إسكاته بها، سببًا جيدًا ليبرر العريف ما فعل بينهم أكثر من إخبارهم أنه ضحك تشفيًا في شهرزاد.
راقب إيفان رحيل شهرزاد وهو يدرك أنها الآن علمت أن اللعبة أضحت في جولتها الأخيرة.
*** حسنًا، كانت محاكمة نارية كما قالت عليها برلنت، والتي كادت تطير من السعادة لأجل زمرد.
بل وحضرت معها للقاعة ولم تتركها.
لكن بعد كل هذا فجأة ودون سابق إنذار خفت حماسها وتلاشت فرحتها وحلت محلها الصدمة والقلق وهي تبصر تميم يسحبها صوب أحد الغرف في القصر يخبرها ببساطة أمام باب تلك الغرفة أن والدتها مستقرة داخلها.
ابتلعت برلنت ريقها برعب من تلك اللحظة.
هي لا تخشى والدتها، لكنها تخشى النظر في عيونها ورؤية أي نظرة لوم أو خذلان.
كانت تشعر بعدم قدرتها على الوقوف، تود الاستناد على الجدار والبكاء قبل مواجهة والدتها حتى.
ودون سابق إنذار شعرت بجدار يقترب منها وكأنه سمع نداءها، لكنه كان دافئًا، ضمها بحنان يقبل رأسها بلطف شديد هامسًا: "أنا هنا معكِ يا صغيرتي.
" وهذا ما كانت تحتاج برلنت لسماعه في هذه اللحظات تحديدًا، أنه معها.
أغمضت عيونها تحاول أن تتجاوز كل المشاعر السلبية التي تولدت داخل قلبها.
تهمس له وكأنها تطمئنه هو لا نفسها: "سيكون كل شيء بخير.
" "نعم، سيكون" تنفست بعمق وهي تطرق الباب بعدما نأت عن دفء صدره، تحاول أن تنبذ أي أفكار سلبية قد تعكر صفو بحيرة أشواقها.
فُتح الباب لتبصرها وهي تنظر لها نظرات مصدومة وكأنها لم تتوقع مجيئها.
نظرات صدم، ثم لوم، وعتاب، وحب، واشتياق، وأخيرًا دموع.
كان ذلك ترتيب ما مر على أعين والدتها في ثوانٍ.
"مرحبًا أمي، اشتقت لكِ.
" انفجرت والدتها في البكاء وهي تجذبها صوب أحضانها بسرعة تقبل ملامحها ووجهها وكل ما بها.
وبرلنت انغمست في بكاء حار معها، بينما تميم ابتسم يتحرك دون أن يشعر أحدهما به يجذب الباب بهدوء وقد قرر تركهما وحدهما، ومن ثم يعود إن احتاج له أحدهما.
تحرك بين الممرات وهو يبعد خصلات شعره عنه بتعب شديد.
دخل المعمل الخاص به يحاول أن يفكر في القادم من حياته العملية والشخصية.
لكن يبدو أن ذلك الجسد الذي يتوسط فراشه في المعمل لن يمنحه رفاهية التفكير في مستقبله.
"ماذا؟
لا تخبرني أن الملك حرمك غرفتك كما فعل مع شقيقته.
" اشتعل غضب دانيار يصرخ في وجهه: "تميم، إياك أن تحدثني بهذا الأمر الذي يشعل غضبي، فأنا من الأساس لا أعلم ما الذي يجعلني أصبر على الملك، لا أدرك ما الذي يجبرني على عدم الذهاب وخطفها من بين ذراعيه تلك؟
" ضحك تميم يسحب أحد المقاعد يجلس أمامه: "لا تغضب يا دانيار، أنت تعلم أنها أخته وعلم هذا بعد سنوات بأقسى الطرق الممكنة، دعه يستمتع بقربها بعض الوقت ومن ثم فاتحه في الأمر بشكل لائق وتوقف عن تسرعك الغبي هذا.
" انتفض جسد دانيار عن الفراش يصرخ مدافعًا عن نفسه: "أي تسرع هذا!
أنا أخبرته بكل هدوء وبكافة الطرق، لكنه حقير لا يقبل، يا الله أنا الآن أصدق حديث العريف عن كم هو ملك مستبد متجبر" "حقا؟
يبدو الأمر ممتعًا أن أسمع تلك الكلمات عني من شخصٍ آخر عدا العريف.
" اتسعت أعين دانيار بصدمة وهو يرفع رأسه صوب الدرج الخاص بالمعمل، وقد كبت تميم ضحكته على ما حدث.
"مرحبًا مولاي، أنرت المعمل بوجودك.
" ابتسم إيفان بسمة مستفزة لدانيار الذي كتم غضبه داخل صدره مدركًا أنه لا يستطيع تحطيم أسنان إيفان الذي يستفزه بإظهارها كلما ابتسم في وجهه، فقط لأنه الملك.
"فقط شعرت بالملل وسالار ليس متفرغًا لي، ففكرت بالمجيء للجلوس معكم، أم تمانعان؟
" قال تميم بسرعة: "ماذا؟
تقدم دانيار يستغل بدأ توافد الجميع لخارج القاعة يبتسم لزمرد متحدثًا بصوت جاد لإيفان: "مبارك لعثورك على الأميرة مولاي.
" "أشكرك يا دانيار.
" ابتسم دانيار يحرك عيونه صوب زمرد بخفة قبل أن يعود لإيفان متحدثًا بجدية: "إذن ألم يحن الوقت لتتنازل قليلًا.
مولاي؟
" ارتفع حاجب إيفان بسخرية وادعاء للجهل: "أتنازل عن ماذا يا دانيار؟
" عض دانيار شفتيه ليمنع كلمة كادت تخرج منه، ولكنها غلبته وخرجت بالفعل رغم نظرات زمرد المحذرة له أن يكف لسانه عن إيفان: "عن عنادك السخيف مولاي.
" رمقه إيفان ثوانٍ وزمرد متسعة الأعين تشعر الآن نفس شعور دانيار تجاهها حين كان يحذرها من التهور وهي تلقي بتحذيره في وجهه دون اهتمام.
ها هو يفعل المثل ويلقي بتحذيرها في وجهه ويقف ندًا لشقيقها الذي، ومن خلال معرفتها له طوال الوقت كملك، تدرك يقينًا أن كلمات دانيار تلك سيدفع ثمنها غاليًا.
ابتسم إيفان بسمة بدأت تتسع شيئًا فشيئًا حتى تحولت لضحكة صاخبة جعلت بعض الأعين حوله تتحرك صوبه، وهو لم يهتم ومد يده صوب دانيار يربت على كتفه: "عنادي الأحمق؟
سأفتقدك الأيام القادمة يا دانيار حقًا" ختم حديثه يمسك يد زمرد التي حدقت به بعدم فهم تحاول معرفة ما يقصده من خلف كلماته تلك.
لكن إيفان جذبها خلفه وهو يستدير عن وجه دانيار بملامح صخرية.
ودانيار حقًا كان كالمختل لا يهمه ما سيقع به من عقاب إن لم يكن يمس حياته مع زمرد.
ابتسم إيفان يخرج من تلك الذكرى القريبة: "ماذا يا دانيار؟
هل حقًا تحمل لي الضغينة لأجل ذلك؟
كل هذا واجبك عزيزي.
" "واجبي؟
واجبي أن أقضي أسبوعًا كاملًا خارج القصر أدور بين الطرقات أنشل الباقيين من المنبوذين؟
وظيفة يستطيع الرجال القيام بها بمنتهى السهولة لكنك اخترت أن تخرج ضغائنك وانتقامك مني بها مولاي.
" هز إيفان رأسه وهو يستدير عنه ينظر صوب تميم دون اهتمام: "إذن يا تميم أرني أين وصل سلاحك يا فتى.
" ودانيار ما زاده ذلك إلا جنونًا لينتزع سلاحه ويخرج كالقذيفة خارج المعمل تحت أعين تميم المشفقة والذي تحرك صوب إيفان من فوره يتلمس به الملك الحكيم الذي يعلمه: "مولاي رجاءً لا تقس عليه، أقسم أنك لن تجد من يحب ويحمي شقيقتك بقدر دانيار، الرجل يكاد يهيم على وجهه لأجلها، ألا ترى؟
" رفع إيفان عيونه لتميم يهز رأسه ببساطة: "أرى، وأرى أيضًا ما فعله نبذه لها فيها، أرى كل ذلك يا تميم، أنا لن ألقي أختي لأيٍ كان، على من سيحصل عليها أن يقدر كل ثانية يقضيها رفقتها، عليه أن يعوضها كل ما عاشته والذي لم أعلم عنه الكثير لكنني أدرك جيدًا أنها تفتقد للكثير، وهذا رفيقك لن يحسن التعامل معها بهذا الشكل، عليه أن يبذل المزيد حتى يليق بها، ما يأتي بيسر، يسهل التخلي عنه يا تميم.
" نظر تميم لإيفان ثوانٍ قبل أن يبتسم مضيفًا: "يليق بك أن تكون أخًا مولاي.
" ابتسم إيفان بسمة حزينة مكسورة يهمس وهو يشرد أمامه دون شعور يشعر بالكون بأكمله يتآمر عليه من جميع الجوانب، أخته وما حدث لها، ثأره لوالدته، أرسلان الحقير الذي يرفض إعطاءه كهرمان، وبقايا المنبوذين في البلاد، كل ذلك يثقل كاهله بالتفكير: "حتى هذا الدور استكثروه عليّ وحرموني منه يا تميم، لعنة الله على من تسبب بكل هذا لي ولعائلتي.
" *** "لا أعتقد أن هناك من يرغب في الجلوس لساعات يستمع لهراء وذكريات عالقة بعقل امرأة لم تستطع نسيان طفولتها.
" كانت تلك الكلمات هي كل ما استطاعت تبارك إخراجها قبل أن يختنق صوتها بغصة بكاء، كان كل ما استطاعت قوله قبل أن تمتلئ عيونها دموعًا، ويمتلئ عقلها ذكريات جعلتها تشفق على نفسها.
كان الأمر أشبه بطفل أصيب بسقطة عنيفة وحاول ادعاء القوة، لكنه حينما سأله أحدهم عن حاله انفجر باكيًا يريه جروحه.
وسالار الذي كان يجلس أمامها يمسك كفها يتحسس نبضها، شعر ببدء ضربات قلبها في التباطؤ، ليبتسم لها بسمة حنونة مطمئنة: "أنا أرغب، طالما أن تلك الساعات رفقتك، فأنا أكثر من راغب، لماذا برأيك أترك كل حياتي وكل شيء وأجلس معكِ هنا دون أن يزعجنا أحد؟
لأستمع لكل ما يخرج منكِ، حتى وإن صُنّف هراء على حد قولك يا تبارك.
" تنفست تبارك بصعوبة بسبب كلماته تحاول أن تتحدث، لكن صوتها خانها وهي تقول بنبرة خافتة: "أنا فقط لا أريد.
" وفي هذه اللحظة رأى عقل تبارك أنه ليس هناك وقت أفضل من الانهيار بشكل مزرٍ، من هذا الوقت وأمامه تحديدًا.
وهذا ما حدث وهي تبكي بصوت مرتفع جعل سالار ينهض عن مقعده بسرعة يتحرك صوبها جالسًا على ركبتيه أمام أريكتها يرفع هامته حتى وصل لها يجذب رأسها لاحتضانه هامسًا: "لا أراكِ الله حزنًا عزيزتي، لا بأس، أنا هنا الآن، لطالما كنت هنا أنتظر مجيئك.
" بكت تبارك وهي تهتف من بين شهقاتها بصوت غير مفهوم وبشكوى طفولية لم تستطع إخراجها في الصغر بسبب خوفها من العقاب: "ما عملتش حاجة، هما اللي كانوا بيضربوني وياخدوا كل حاجة مني، وكانوا بياخدوا مني الأكل قبل ما أشبع، و.
كلهم كانوا بيكرهوني، محدش كان بيحبني خالص، عمر ما حد حبني، عمري ما شوفت حد منهم بيحبني، حتى اللي في الحارة.
" ختمت حديثها بنبرة أصابت سالار بالوجع يمسح لها دموعها: "ليعطهم الله على قدر أفعالهم وقلوبهم عزيزتي، أنا هنا اختزنت لكِ كل الحب لأمنحه لكِ أنتِ فقط.
" نظرت تبارك لعيونه وهي ترى حنانه الذي لم تبصره يومًا.
وفي ثوانٍ مرت أمام عيونها صور لسالار وهو يحمل سيفه ويقاتل، نظراته الشرسة القاتلة، صوته الجهوري والصرخات.
وكل ذلك يخفي خلفه قلبه اللين الحنون لرجل ربما لم يتعامل مع النساء في حياته بشكل مباشر وهذا ما سبب مشاكل بينهما في البداية، لكنها ترى الأمر الآن ميزة كبيرة ونقطة لصالح سالار صاحب القلب النقي.
أنت مثالي يا سالار.
" ابتسم لها سالار فبعد دقائق تحديق في وجهه خرجت بهذه الجملة.
ربت على وجنتها بلطف شديد: "ما كامل إلا وجهه سبحانه وتعالى، نحن بشر نخطئ ونصيب، أنا لست مثاليًا أنا فقط أتنعم بستر الله، أنا أخطأت الكثير من المرات، لكن الله سلم ومرت على خير، نحن جميعًا بشر نخطئ ونصيب، نفرح ونحزن، هذه أمور لا يد لنا بها ولا نحكم بها.
" مدت تبارك يدها تقول بصوت خافت وهي تتحسس وجنته: "هل سبق وحزنت؟
" ابتسم لها يجيب: "أنا لم أخرج من الحزن إلا عندما رأيتك يا تبارك.
" شعرت تبارك أنها على وشك الانهيار.
بينما سالار استمر في الحديث دون أن يدرك نظراتها له: "الحياة بأكملها تتآمر على أحزاني، لكنني برحمة الله أنجو من تلك المؤامرة.
" نظرت له ثم قالت وقد شعرت بقلبها يهدأ لقربه: "هل تريد.
تريد سماع حكايتي؟
" "كلي آذان صاغية مولاتي" وكأنه بجملته تلك طلب منها الصمت إذ شعرت تبارك فجأة بتلاشي أحرفها أمام نظراته.
شعرت أن جميع الأحزان التي كانت تجثو فوق صدرها مانعة إياها من التنفس، أضحت الآن ضئيلة لدرجة أنها لا تريد تعكير صفو جلستهما بذكرها.
صمتت وصمتت وطال صمتها حتى تحدث سالار بعدما ابتسم لها: "رغم أن شرودك بوجهي يمنحني زهوًا، لكنني أنتظر حديثك.
" "أنا فقط
أشعر في هذه اللحظة أن كل ما بقلبي أقل من أن يعكر صفو هذه اللحظة.
" تنفّس سالار بصوت مرتفع يقول: "لا بأس، ربما يومًا ما تتحدثين بالأمر، وحتى ذلك الوقت أنا سأظل هنا لأجلك.
" وهذا كان أكثر من كافٍ لتبارك التي قررت في نفسها أنها لن تسمح لماضي تمقته أن يُفسد حاضرًا كانت تترقبه.
وسالار نهض عن مكانه يقول بجدية وبسمة وهو يمد يده لها: "ما رأيك أن نعيد أيام الخوالي
مولاتي؟
" نظرت تبارك ليده دون فهم ليبتسم أكثر معربًا عما يضمر: "بارزيني مولاتي.
" *** خرج الجميع تاركين إياه يجلس في البهو رفقتها وهي فقط تنظر حولها وكم تمنت أن يمارس مرجان هوايته المفضلة ويقفز لهما يفسد هذا الصمت القاتل بينهما.
لكن يبدو أن والدها تولى أمر مرجان بالفعل، إذ اختفى فجأة دون سابق إنذار من المنزل.
وهذا بالطبع كان تبعًا لتعليمات الطبيب المبجل، والذي يجلس هناك يحدق بها ببسمة غريبة.
"إذن هل توافقين؟
" أفاقت ليلا من أفكارها تلك تنظر حولها بتعجب.
ثم أشارت لنفسها، وهو فقط أومأ برأسه: "نعم أنتِ، موافقة؟
" هزت ليلا رأسها بنعم دون فهم لما يقول.
لكن يكفيها أن تظهر أمامه حمقاء لمرة هذه الليلة.
وهو فقط ابتسم يقول: "أنتِ لم تسمعي ما قلت صحيح؟
" "ماذا؟
لا لقد فعلت، وأنا
لا أمانع في الحقيقة، إن كان أبي يوافق على الأمر فلا بأس أنا أيضًا أوافق.
" فتح عيونه يهز رأسه مدعيًا الاقتناع: "حسنًا لا بأس إذن، لكن أنا لم أتحدث مع والدك في الأمر بعد فلا أظن أنه من المتعارف عليه التحدث مع والد العروس حول ما سترتدينه في الزفاف، لكنكِ وافقتي ولا بأس إذن.
" انتفض جسد ليلا بسرعة تقول: "ماذا؟
ثوب زفافي؟
" "نعم لقد وافقتي للتو عليه أليس كذلك؟
" "ماذا؟
أعني نعم لكن
أنا فقط
أعني.
" قاطعها مهيار ببسمة لطيفة: "لا تقلقي، بالرغم أن جدتي عاشت منذ عقود طويلة، إلا أنني أعتقد أن ثوبها كان جيدًا يلائم جميع الحقب الزمنية، هذا الثوب الذي سترتدينه أثري أكثر من مسجد العاصمة القديم.
" اتسعت أعين ليلا بصدمة تهمس دون تصديق: "جدتك؟
أنت
أنت ستلبسني ثوب جدتك؟
" "نعم، في الحقيقة هذه كانت وصيتها، لقد أوصت أن يرتديه الجميع من بعدها لإحياء ذكراها، وأنا شعرت بالتردد من عرض الأمر عليكِ، لكنك وافقتي وكم أنا شاكر لهذا حقًا.
" اتسعت عيون ليلا بصدمة كبيرة تهمس: "أنت.
هل أنت جاد؟
" "نعم، هل تحسبني أمزح؟
هذا الثوب الذي سأزفك به يحمل العديد من الأمجاد بين طياته، يوم زفاف جدتي قامت حرب المنبوذين الأولى وهربت به مع جدي، أعتقد أن به أثرًا لأحد سهام المنبوذين، أنتِ ستتحركين يوم زفافك حاملة أعلى جسدك ثوبًا يحكي أمجادًا.
" فغرت ليلا فمها بصدمة تشعر أن لسانها انعقد عن الحديث وهي ترى نظرات مهيار السعيدة المتحمسة للأمر.
وقد ختم الأخير الحوار ينهض عن المقعد: "إذن أراكِ في الزفاف نهاية الأسبوع.
" اتسعت أعين ليلا أكثر بشكل جعل مهيار يبتسم: "هذا ما وافقتي عليه أليس كذلك؟
وافقتي أن نقيم زفافنا نهاية الأسبوع.
" أشارت لنفسها باستنكار: "أنا وافقت على الأمر!
" "نعم فعلتي، ألا تتذكرين؟
حتى أنكِ وافقتِ على العيش معي بعيادتي داخل المشفى بعدما أخبرتك أنني لا أحب المبيت في منزلي بعيدًا عن المشفى.
" انتفض جسد ليلا تهتف باعتراض: "أنا وافقت على كل هذا؟
والله لو أنك خدرتني وأسكرتني بعشبة ما كنت وافقت على نصف القرارات التي وافقت عليها في لحظة شرود.
هل تمزح معي يا مهيار؟
كانت لحظات معدودة فقط.
" كبت مهيار ضحكاته بصعوبة يقول: "هذه الحقيقة يا ليلا جميلتي، لقد وافقتي وانتهى الأمر.
غدًا أحضر أخي ونحضر معنا كل ما يلزمك لحفل الزفاف.
السلام عليكم.
" وبهذه الجملة ختم مهيار حديثه وانهى وجوده في منزل ليلا التي ألقت جسدها على الأريكة مصدومة: "كل هذا حدث في لحظة شرود؟
هل كانت لحظة أم أنني لم أشعر بالوقت؟
" *** تنفس بصوت مرتفع وهو يتحرك بين طرقات القصر يشعر بأنه على وشك إشعال النيران بالقصر ومن فيه خاصة الملك.
يا الله، هو لم يتخيل أن يمتلك كل ذلك الشر يومًا للملك.
هو فقط يشعر برغبة عارمة في التخلص منه.
كان يتنفس بصوت مرتفع حتى سمع صوتًا خلفه يتحدث بهدوء: "يبدو أن أخي قد زاد من حديثه هذه المرة، ها؟
" انتفض جسد دانيار بقوة صوب الخلف ليبصرها تقف هناك في مكانها المعتاد حين كانت تقفز له لتزعجه، في منتصف ساحة الرماية تحمل سيفها ترتدي نفس ثيابها السوداء المتنكرة.
رفع حاجبه من هيئتها تلك: "هل أنتِ ذاهبة لحربٍ ما؟
" ابتسمت زمرد تقترب منه بخطوات بطيئة ونظرات خبيثة جعلت ذكريات كثيرة لها تندفع في عقله.
وتلك الذكرى حين تحدثت بوقاحة وجرأة له جعلته يبتسم بسخرية وهو يهتف في نفسه: "يا الله، لو علم الملك ما تفعلينه، لمات من حسرته.
" قالت زمرد بجدية وهي تتوقف أمامه تحرك سيفها بمهارة: "فقط فكرت في الخروج للتدرب فقد اشتقت للسيف والقتال منذ.
" "منذ كدتِ تُقتلين على يد أحد المنبوذين؟
" رفعت عيونها له بشر وقد بدا كما لو أنها نست الأمر تمامًا وحديثه ذكرها، حتى أنها بدأت تشعر بالوجع في جرحها الذي كان ما يزال حيًا لم يبرأ بعد.
"هل تعتقد أنني كنت ضعيفة؟
لقد
لقد غدروا بي، هؤلاء الأوساخ القذرين لعنة الله عليهم، ذلك الوسخ القذر الحقير الصغير الذي جاء من خلفي طاعنًا إياي أقسم أن أخرج حنجرته بيدي وأدهسها أسفل أقدامي، فقط لينتظر ما سأفعله به!
" اتسعت أعين دانيار مما سمع يهمس بغضب وحنق شديد: "أنتِ يا امرأة تحكمي بلسانك هذا وتوقفي عن النطق بتلك الكلمات البذيئة التي لا تليق بامرأة.
" رفعت زمرد حاجبها تجيب بسخرية: "حقًا؟
وهل الرجال فقط من يحق لهم إطلاق ألفاظ بذيئة؟
ألا يحق لي التعبير عن غضبي بلعني وشتمي لسلالة القرود هؤلاء؟
" تنفس دانيار بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه يدير وجهه عنها يهمس: "يا ويلي مما ينتظر إيفان في رحلته لجعلك أميرة راقية، أعتقد أن الله سينتقم لي منه بكِ، أعانه الله وأعانني.
" "مهلًا، ما الذي تقصده بحديثك؟
لطالما أخبرتني والدتي أنني أميرة بالفطرة.
" ضحك دانيار بسخرية لاذعة وهو ينزع معطفه يلقيه أرضًا.
ثم أخرج سيفه، وعاد بنظره لها يقول بعد تنهيدة قوية: "إذن ما الذي تريدنه الآن لتعودي صوب غرفتك بهدوء شديد قبل أن يقلب أخوكِ القصر فوق رؤوس من به؟
" نظرت له ثوانٍ قبل أن ترفع سيفها تقول ببسمة صغيرة: "اشتاق للقتال، بارزني.
" رفع دانيار حاجبه وقال: "بهذه الحالة؟
هل تبحثين عن سبب قوي يدفع بأخيكِ لقتلي؟
إن كنتِ تفعلين فحري بي أن أخبرك ألا ترهقي نفسك، فهو سيفعل دون الحاجة لتكبدك عناء قتالي بحالتك هذه.
" زفرت زمرد دون اهتمام وهي ترفع سيفها في الهواء: "إن كنت خائفًا، فاستسلم ولا داعي لكل تلك الحجج كي تهرب من مواجهتي.
" أطلق دانيار ضحكة ساخرة يرفع سيفه في الهواء بقوة قائلًا: "تحلمين.
" *** يتحرك في ممرات القصر يسحب يدها خلفه وهي تسير ناعسة مغلقة العينين لا تُحسن رؤية أي شيء أمامها.
وهو فقط مستمر في التحرك بها مبتسمًا وهي خلفه تتمتم كلمات غير مفهومة له، حتى وصل بها صوب مكان لا تعلمه فهي كانت تسير مغلقة العينين لشدة رغبتها في النوم، لكن تلك الرائحة التي تسربت لأنفها وذلك الصوت الذي وصل لأذنها أخبرها أين هي بالتحديد.
"الاسطبل؟
" "ألم تتحدثي يومًا عن رغبتك بالتعلم؟
أردتِ أن أعلمك الفروسية؟
" نظرت برلنت حولها وهي تحاول تحديد ما يحدث: "نعم أردت، لكن
الآن؟
في هذا الوقت وبهذه الطريقة؟
↚
" "ليس هناك أفضل من هذا الوقت، هيا سأعلمك كيف تصعدين أعلى ظهر الخيل وتتحركين به، وأيضًا سأعلمك المبارزة بالسيف والقتال باليد لتدافعي عن نفسك حين الحاجة.
" أجابته برلنت بصوت خافت وبسمة واسعة: "هذا شيء رائع يا تميم، سأحب تعلمه حين أستيقظ غدًا إن شاء الله.
" ولم تكد تضع كلماتها قيد التنفيذ وتتحرك صوب الخارج، حتى جذبها تميم من ثيابها رافضًا رحيلها هذا: "بل الآن يا برلنت، هيا تحركي واصعدي فوق ظهر الخيل لنخرج به وأعلمك امتطاءه.
" كان يتحدث وهو يدفع برلنت صوب الخيل حتى توقفت أمامه وهي تنظر له بريبة والخيل بادلها النظرة بالمثل.
ومن ثم عادت بنظرها صوب تميم تتحدث: "يبدو أنه لا يرغب في العمل الآن، لِمَ لا نعود لاحقًا يا تميم؟
" زفر تميم وهو يتركها ثم تحرك ليجذب الخيل للخارج.
لكن برلنت فقط انتفضت للخلف تطلق صرخة مرتفعة افزعت تميم والخيل نفسه.
"ما الذي تفعلينه بالله عليكِ يا برلنت؟
" وضعت برلنت يدها أعلى صدرها تتنفس بصوت منخفض: "أنا آسفة، فقط افزعني تحركك المفاجئ، أنا فقط أريد
أريد النوم يا تميم، لقد تخلت عن فكرة تعلمي للفروسية، كانت فكرة سيئة على أية حال.
" كانت تتحدث وهي تتحرك للخارج ظنًا منها أن تميم استمع لها وسيلحق بها بالفعل لتعود هي لنومٍ هانئ.
لكن فجأة شعرت بجسدها يتطاير في الهواء وهناك من يمسك به من المنتصف.
ولم تكد تستوعب ما يحدث حتى وجدت نفسها تجلس أمام تميم فوق خيل يسير بها بسرعة مرعبة، وهي ما تزال تحدق أمامها لا تستوعب ما يحدث، حتى شعرت بيد تميم تشتد حولها يجذبها للخلف أكثر صوبه هامسًا بصوت حنون: "لا تبتغين التعلم، لا بأس، سنسير قليلًا سويًا.
" كل ذلك الحديث وبرلنت لا تؤتي بحركة واحدة وهو فقط ابتسم يهمس لها بحنان وهو يستند على كتفها: "تنفسي يا بيرلي.
" وأخيرًا تنفست برلنت بصوت مرتفع وكأنها كانت تنتظر إذنه لتفعل: "ما الذي.
ما الذي يحدث؟
" "لا شيء، فقط أنا وأنتِ فوق صهوة أحد الخيول نقضي ليلة لطيفة سويًا، هل هناك ما هو أروع من هذا برأيك؟
" نظرت له برلنت تهز رأسها: "نعم، النوم.
" أطلق تميم ضحكات مرتفعة وهو يجذبه صوبه أكثر هامسًا: "إذن يبدو أن المتعة لم تصل لكِ بالكامل، هيا تمسكي جيدًا.
" "لما.
" وتلاشت باقي حروف سؤالها غير المكتمل بصرخة انطلقت من فمها حين شعرت بالخيل يكاد يطير بها وصوت تميم يهدر خلفها بنبرة متحمسة وكأن اندفاع الأدرينالين لجسده تسبب له في لهفة غير مبررة ليعيش ليلة أحلامه مع صغيرته بيرلي: "فقط أغمضي عيونك واستمتعي يا بيرلي، تنفسي صغيرتي وانسي كل ما يؤرقك ويزعجك، فقط أنا وأنتِ والخيل وسماء ليلة صافية ممتلئة بالنجوم صغيرتي.
" كانت آخر جملة له هامسة جوار أذن برلنت وهو مبتسم بسمة واسعة.
وهي فقط أغلقت عيونها وبدأت تبتسم شيئًا فشيئًا حتى أنارت بسمتها كامل وجهها بشكل جلب بسمة لتميم كذلك.
*** في الساحة هو وهي وصوت السيوف
لا تظن أن هناك من قد يحصل على مثل هذا الموعد الغاية في الرومانسية.
هي فقط من كانت من الحظ لتنال مثل هذا الموعد مع هذا الرجل الذي يتحرك حولها في الساحة وكأنه أسد يراقب فريسته يستعد للانقضاض عليها.
وما هي إلا ثوانٍ وكان سالار يرفع سيفه بقوة يهبط به عليها وكأنه يبارز عدوًا حقيقيًا.
وهي تراجعت بسرعة ترفع سيفها أو بمعنى أصح سيفه الخاص الذي منحها إياه، تصد ضربته بمهارة جعلته يبتسم وقد أعجبه ما يرى.
وقبل أن يفكر في شيء إضافي شعر بها تدفعه بقوة كبيرة للخلف ولم يكد يرفع عيونه لها حتى وجدها تنقض عليه بضربات متتالية لا تأخذ نفسًا واحدًا بينهم.
تضرب بقوة شديدة وهي تنظر في عيونه من خلف لثامها وقد شعر بعيونها تبتسم.
وهو لم يحرمها بسمته التي ظهرت في عيونه يهمس لها: "أنا الآن في طريقي للوقوع بحبك للمرة التي أجهل عددها.
" وهذه الكلمات كانت أشد من ضربة السيف على تبارك التي توقفت فجأة تحاول أن تستوعبها.
ليستغل هو ذلك يهجم عليها بسرعة كبيرة تداركتها تبارك وهي تصيح بحنق شديد: "هل تغش؟
" "كل شيء مباح في الحب والحرب، تذكري هذا جيدًا.
" صدت تبارك ضربته وهي تسحب السيف بقوة ثم توقفت أمامه تتنفس بقوة: "هذه ليست بحرب يا قائد.
" "نعم، هذا حب مولاتي.
" ابتلعت تبارك ريقها تهمس له بصوت وصل واضحًا: "أعتقد أنني الآن أفضل كونك خشنًا متجبرًا في التدريبات أكثر من تلك النسخة الـ.
معسولة الحديث، أعان الله جنودك إن رأوا منك هذا الجانب يومًا، جانبك القاسي المزعج أفضل في مثل هذه المواقف.
" نظر لها سالار تبارك ثوانٍ ليطلق ضحكات مرتفعة عليها، ثم استقام يحاول الحديث من بين ضحكاته، بينما تبارك مجددًا تغرق بين ضحكاته وكأنها تسمعها للمرة الأولى.
"أنتِ
هل تعتقدين أنني
أنني سأتغزل في أحد رجالي أثناء قتالي معه؟
" توقف عن الحديث ينفجر مجددًا في الضحك، وهي فقط ابتسمت تقول بمزاح: "لا بالطبع لن أحب أن تفعل الأمر مع أحد غيري سواء كانوا رجالًا أو نساء، أنا شديدة التملك فيما يتعلق بهذه الأمور يا قائد.
" ألقى سالار سيفه أرضًا ضاحكًا: "حسنًا أنا أستسلم، لكن توقفي عن الحديث بهذه الطريقة.
" نظرت تبارك للسيف أرضًا بصدمة، ثم رفعت عيونها له تقول: "هل.
هل استسلمت للتو؟
أنا انتصرت عليك؟
" "نعم لقد فعل لسانك ما لم يستطع سيفك فعله، وهو دفعي للاستسلام في قتال.
" لم تهتم تبارك بكل ذلك وهي تبتسم بسمة واسعة سعيدة ترفع سيفها تهتف بسعادة كبيرة وتدور حول سالار: "ها ليسجل التاريخ أنني هزمت القائد سالار في قتالٍ، لقد أخبرتك، أخبرتك أنني سأهزمك يومًا، أخبرتك يا قائد أنه سيأتي يومٌ وأهزمك شر هزيمة.
" كانت تركض في الساحة سعيدة وهي ترفع سيف سالار في الهواء تحتفل بانتصارها على سالار الذي كان ما يزال يقف في منتصف الساحة ينتظر أن تنتهي من احتفالها ذلك ليخبرها.
أنه حتى حينما أخبرها أنها لا تستطيع هزيمته، كان مهزومًا في الأساس يتوارى خلف كلماته له كي لا تبصر هزيمته.
لكن انظروا إليه الآن؟
يقف هنا يبتسم سعيدًا بخسارته.
فإن كانت خسارته ستسعدها بهذا الشكل، إذن لا مانع أن يستيقظ كل يوم ويخسر معركة معها إن كانت الجائزة بسمة منها.
ابتسم يتحرك لها بعدما حمل سيفه يمسك يدها وهو يجذبها صوبه بهدوء ثم نظر لها يقول ببسمة: "هل نتحرك؟
أعتقد أنه بعد هذا اليوم الطويل يحتاج كلانا لقسطِ من الراحة، فأنا بالفعل لدي الكثير لأفعله غدًا.
" "هل أرهقتك يا سالار؟
" "لم تفعلي وإن فعلتِ، لا بأس، ما أحب على قلبي من إرهاق لاجلك يا تبارك.
" ختم حديثه وهو يتحرك معها يقودها صوب غرفتها.
وكعادتها هذا اليوم اندلعت الذكريات في عقلها بقوة شديدة وهي تتذكر كم المرات التي كان يقودها صوب غرفتها غاضبًا ثم يدخلها يأمر الحراس بعدم جعلها تتحرك وحدها، والآن على النقيض تمامًا.
أوقفها أمام الغرفة ونظر لها ببسمة يقول: "خذي ما يكفيكِ من الراحة مولاتي، ليلة سعيدة.
" ابتسمت له ولم تجد في عقلها ردًا يوفيه حق ما فعل معها اليوم، ولم تجد أكثر من بسمتها لتقديمها له.
ولو تعلم أن تلك البسمة التي تراها قليلة، كانت تعني له الكثير والكثير.
*** صباح جديد حل على الجميع، بعد ليلة طويلة لا يدرك البعض كيف مرت، والبعض الآخر لا يصدق أنها مرت.
تحرك إيفان بين الممرات بهدوء شديد وهو يرى وجوه الجنود يوجهون له التحية وهو يردها لهم برأسه وبسمة صغيرة حتى وصل لساحة القصر وثوبه الملكي يتطاير خلفه ليقابله أول وجه في اليوم: "مرحبًا بالعريس، اشتقت لك ساعات غيابك يا سالار.
" رفع سالار رأسه صوب إيفان يتأمله مبتسمًا وقد كان يقف جوار خيله لينطلق في مهمته لتطهير الحدود من بقايا المنبوذين.
"تبدو مشرقًا منذ الصباح مولاي، ما سر سعادتك تلك؟
" ابتسم إيفان بسمة جانبية بدت في غاية الخبث لسالار والذي شعر أن ما سيأتي خلفها سيكون مثيرًا للاهتمام.
وقد كان: "أنا أتجهم لزيارة صديقنا العزيز.
" زفر سالار يهتف وهو يمسح وجهه بارهاق من القادم: "بالله عليك يا إيفان لا تبدأ الآن، ما الذي دهاك يا رجل؟
كنت أنت الفرع المتعقل في هذه الأمور، مالي أراك أضحت تنافس أرسلان عنادًا وتهورًا؟
ألا يمكن أن تتأجل تلك الزيارة لحين عودتي، فصدقًا أنا لا آمن عليكما سويًا دون وجود حائل بينكما.
" أجاب إيفان بتصميم مخيف وعيونه تلتمع بوميض غامض: "أرسلان لن يحقق لي ما أريد بالعقل يا سالار، هو لن يلين سوى بالقوة وكلانا يعلم هذا جيدًا.
" فرك سالار وجهه، بينما إيفان ابتسم يحاول إبعاده عن التفكير في معركة لم تبدأ بعد: "دعك مني ومن أرسلان وأخبرني بشأنك، هل كل شيء على ما يرام مع زفافك؟
أينقصك شيئًا؟
" وعلى ذكر زواجه ابتسم سالار بسمة صغيرة يهز رأسه هزة مقتضبة دون إضافة كلمة في الأمر، فقط هزة أخبر بها إيفان أن الأمور بخير، فهو وإيفان يعلمان أن مثل تلك الأحاديث لا يتم الخوض بها الآن أو أبدًا ربما.
ابتسم إيفان وربت على كتف سالار يهمس: "ليسعدك الله يا أخي.
" ومن بعد هذه الكلمات أبصر الجميع العريف وهو يقترب منهما بملامح وجه سعيدة، جعلت إيفان يتنفس بصوت مرتفع جذب انتباه سالار متسائلًا عما حدث بينهما.
وبالفعل لم يبخل عليه إيفان وبدأ يشكو العريف وما فعل في القاعة أمس أمام سالار، بينما العريف استرخى باستمتاع شديد يستمع لما يحدث حتى أطلق ضحكات صاخبة جعلت جنون إيفان يزداد وهو يصرخ: "أرأيت هذا ما عنيت بالتحديد، لقد جن العريف!
" وصلا تميم ودانيار في ذلك الوقت يسمعان صوت سالار المتعجب: "ما الذي حدث لك يا أبا دارا؟
لم تكن هذه طبيعتك.
" ابتسم العريف يقول: "فقط تذكرت شيئًا ما وضحكت، لم أدري أن الملك أصدر قوانينه بمنع الضحك.
" فجأة ومن بين كل تلك الأحاديث أبصرها سالار تقف من بعيد تقترب منه وهي تنظر صوبه.
ابتسم بسمة صغيرة يتذكر أنه لم يمر عليها حين استيقظ بسبب رغبته في الانتهاء من تجهيزات جيشه والتحرك به.
لكن ها هي الآن قد اتخذت موضعها بعيدًا عن الجميع تنظر له ببسمة أسعدته وجعلت نهاره يزداد إشراقًا عن المعتاد، ليدرك سالار في هذه اللحظة أنه بدأ يربط سعادته وإشراقة يومه بحضورها هي.
انتبه إيفان لنظرات سالار الملتمعة رغم أن ملامحها ما تزال جامدة كما هي، لم يتغير أي شيء بملامح وجهه الصخرية عدا عيونه.
ولم يكد يستدير ليرى ما يشاهد سالار حتى أبصر انتفاضة جسده وتشده واشتعال عيونه، وهمسة سالار التي انطلقت منه وهو يزيد من خطواته بشكل مخيف بعيدًا عن الجميع هامسًا: "لعنة الله على الكافرين.
" تعجب إيفان تحول سالار بهذه السرعة ونظر خلفه بسرعة صوب الجهة التي هرول لها وأبصر ما جعل عيونه تتسع وهو يهمس بغضب شديد: "يا الله ما بالها منذ الصباح هذه المرأة؟
" وعند تبارك.
وقبل دقائق خرجت من جناحها وتحركت صوب الخارج بعدما سألت الجميع عن مكان سالار وأرshدوها أنه ذهب ليقود الجيش صوب حملة تطهير للحدود.
تحركت بسرعة وهي تدعو الله أن تدركه قبل الذهاب.
وبمجرد أن خطت للساحة حيث هو ابتسمت تراقبه يقف بكل قوته أمامها، وتقارن بشكل سريع بين هذا الرجل الذي يتقدم جيشه بالأسود وبكل قوة تظهر في عيونه لها على بعد أميال بينهما، وبين الرجل الذي كان يجلس على ركبتيه أمامها في الأمس يربت على قلبها وينظر لها بحنان العالم.
شعور بالسعادة ملأ صدرها وهي تشعر بالتميز على الجميع، فهي الوحيدة التي لها الحق في هذه اللحظة لرؤية ذلك الجانب من هذا الرجل
زوجها.
كلمة جعلت بسمتها تتسع وتتسع أكثر وأكثر.
وفي اللحظة التي استدار سالار لها وجدت فجأة من يقطع عنها رؤيته.
رفعت عيونها صوب الشخص والذي لم يكن سواها، بومة القصر التي تتمختر في الأنحاء مثيرة حنق الجميع.
رفعت تبارك حاجبها تتعجب وجود شهرزاد، ولم تكد تبتعد عنها حتى سمعت صوت شهرزاد يهتف باستفزاز لكل خلية في جسدها مستدعيًا تبارك الشرسة التي تدفنها أسفل رماد الهدوء حتى تبصر اقتراب إحدى نساء حارتها، ويبدو أنها ستضع تلك المرأة في القائمة مع نساء حارتها، ولو أنها لا ترتقي أن تجاور أم عبد الله في القائمة، لكن لا بأس.
"يبدو أن هدفك الذي جئتِ لأجله تحقق ها؟
أخبرتك أن لا شيء يحدث في هذا المكان دون علمي، كانت مشاعرك للقائد واضحة ونظراتك له واضحة، وفقط ولدي من خسر في هذه الحرب.
" توقفت تبارك أمامها ترفع حاجبها تقول بعدم فهم: "عفوًا منك يا خالة، ولد من الذي خسر؟
الملك؟
يبدو أنكِ لست بالقرب المناسب من ولدك لتدركي ما يحدث حولك في هذا المكان.
" شهقت شهرزاد بصوت مرتفع جعل تبارك تكاد تنتفض رعبًا ظنًا أن وحش طروادة يقف خلفها أو أن أسدًا على وشك الهجوم عليها، فهذه الشهقة التي صدرت منها لا يمكن أن تكون بسبب جملتها.
لكنها كانت، إذ أمسكت شهرزاد يد تبارك بقوة وهي تنظر في عيونها بشر تهتف بصوت خافت: "خالة؟
ما الذي تقصدينه بحديثك؟
إلاما تلمحين أنتِ؟
" نظرت تبارك ليدها التي كانت تضغط على مرفقها بقوة دون شعور من شهرزاد، أو ربما كانت تعلم وتعمدت إيلامها.
ابتسمت لها تبارك وصوت سالار يرن في أذنها يخبرها ألا تخطئ وتظهر وجعها خاصة لهذه المرأة.
"يمكنك سؤال الملك عن ذلك، فهو ولدك في النهاية وليس ولدي أنا
جلالتك.
" وقبل أن تتحدث شهرزاد بكلمة إضافية بينما تزيد من ضغطها على ذراع تبارك، شعرت بالأخيرة تُسحب من بين يديها بعنف ومن ثم بدلًا من جسد تبارك الصغير وجدت جسدًا ضخمًا يهيمن عليها بشكل مخيف وصوت قوي يهمس: "نعم؟
هل تواجهين مشكلة معها
جلالة الملكة؟
" توقفت تبارك خلف ظهر سالار والذي لم تدرك حتى كيف ومتى تحرك ليصل لها، لكنها أحبت شعور الاحتماء بظهره والذي حجب عنها رؤية الملكة أو ملامح وجهها.
ابتسمت دون شعور وهي تسمع كلمة الأخيرة التي خرجت منه ساخرة لتقول في نفسها: "شكله بيحب يضيف اللقب بعد ما يهزق الكل مش معايا بس.
" رفعت شهرزاد عيونها صوب سالار وللحظة شعرت بقلبها يرتجف وهي ترى نظراته المخيفة.
ابتلعت ريقها تجيب: "لا أعتقد أن ما يدور بيننا قد يهمك في شيء يا سالار، لذا تنحى جانبًا ودع هذا الحديث للنساء و.
" قاطعها سالار بصرامة: "يهمني، هذا الحديث يهمني جلالة الملكة، فهذه المرأة التي كنتِ تمسكين بمرفقها على وشك غرز أصابعك داخل لحمها، هي امرأتي وزوجتي، وكل ما يتعلق بها يخصني أكثر منها هي نفسها، والآن أخبريني ما الذي جعلكِ تمسكين ذراع زوجتي بهذه الطريقة التي صدقيني إن وجدت لها أثرًا على ذراعها فلن أصمت.
" تراجعت شهرزاد للخلف وقد شعرت أنها لا يمكنها الرد خاصة بعد ما حدث الليلة ة في القاعة على مرأى ومسمع من الجميع، مكانتها اهتزت، هذا في حالة أنها لم تخسر مكانتها بالكامل.
"أنت لا تعلم حقًا مع من تتحدث.
" ابتسم سالار يهمس بصوت مرعب تسبب في ارتعاشة تبارك في الخلف وهي تحمد الله في نفسها أنه لا يحدثها هي في هذه اللحظة وبهذه النبرة: "لكنكِ تعلمين مع من تتحدثين الآن يا شهرزاد، وهذا يكفيكِ لتبتعدي أميالًا عن طريقي وطريق زوجتي، حذرتك مرة وهذه الثانية، وأنا لستُ كثير الحديث، المرة الثالثة لن أوجه لكِ كلمة واحدة، بل سأتخذ ردة فعل لن تعجبك أو تعجبني، معذرة منكِ.
جلالة الملكة.
" ختم حديثه يستدير صوب تبارك وملامحه ما تزال مظلمة لتتراجع تبارك للخلف خطوة وقد شعرت بالخوف منه في هذه اللحظة حقًا.
لكنه لم يهتم وهو يسحب تبارك خلفه وتعابير وجهه لم تلين ولو بمقدار شعرة واحدة، وكل ما يدور في رأسه هو أنه لم ولن يسمح أن يكون مصير تبارك كوالدته وبسبب نفس الشخص، فما حدث لهم كان بدايته مواجهات كتلك بين والدته وشهرزاد وهو لن ينتظر نفس النتيجة.
وشهرزاد تراقب سالار وقد أدركت في هذه اللحظة أنها فقدت كل شيء.
مكانتها وكلمتها وكل شيء.
"هل كان عليكِ حقًا أن تثيري غضبه جلالة الملكة؟
" استدارت شهرزاد فزعة على ذلك الصوت لتبصر إيفان يرمقها ببرود.
فتحت فمها لتندفع بالحديث وتشكوه ما يحدث: "إيفان هل رأيت بعيونك ما حدث؟
لقد كان يتحدث معي بشكل سيء و.
" توقفت عن الحديث فجأة وهي ترى نظرات إيفان التي اشتعلت في عيونه وبسمته الجانبية وهو يراقبها لتدرك أنها تناست ما حدث البارحة بالفعل وأنها خسرت حقها في إيفان وأنه علم الحقيقة، أو أنه كان يعلمها سابقًا؟
"لقد رأيت ما حدث صحيح؟
شاهدت ما فعل بي سالار واكتفيت بالمشاهدة؟
" ابتسم لها إيفان بسمة صغيرة يقول بكل بساطة وهو يتحرك بعيدًا عنها: "صدقيني من مصلحتنا جميعًا أنني اكتفيت بالمشاهدة فقط يا جلالة الملكة، اشكري ربك أنني اكتفيت بكلمات سالار لكِ ولن أزيد عليها، والآن معذرة منكِ.
" ختم حديثه يتحرك بعيدًا عنها لتدرك شهرزاد أن كل شيء أصبح واضحًا وأن اللعب أضحى دون أسرار.
ارتسمت بسمة مخيفة على وجهها وهي تبعد عيونها عن إيفان صوب تلك الفتاة التي تقف أمام القصر تبتسم له لتهمس بشر وغضب شديد: "ابنة آمنة ها؟
لا بأس ستلحق بوالدتها.
" تحركت عيونها صوب إيفان الذي كان يبتسم لزمرد بحنان شديد وأكملت حديثها: "كلاكما سيفعل، كلاكما سيلحق بها، فإن لم يكن لي السيادة هنا، فلا أحد سيكون له.
" *** تحرك يقود جيشه خارج القصر بعدما ترك تبارك بهدوء بعدما أوصلها لغرفتها تاركًا قبلته على جبهتها هامسًا لها بكلمات وداع قليلة، ثم تحرك دون كلمة وغضبه يكاد يفتك به.
ولم ينس قبل التحرك من أمام الغرفة أن يهمس للرجال أمامها: "لا أود أن يقترب أحدهم منها عدا زوجة القائد تميم والأميرة زمرد فقط، إن رأيتما امرأة أو رجلًا عداهما يقتربان من هذه الغرفة امنعاه، مهما وصلت رتبة هذا الرجل أو المرأة سمعتم؟
" وها هو يتقدم جيشه صوب الحدود والتي وصلت لهم أخبار البارحة أنهم أبصروا بعض المنبوذين بالقرب منها.
هؤلاء الحشرات لن يهدأ لهم بالٌ حتى يفنوا بيديه.
الآن وهو في طريقه للحدود كان إيفان في طريقه لمشكى تاركين البلاد تحت أنظار دانيار وتميم.
توقف سالار بحصانه حينما وصل لمنطقة الحدود بعد ساعات، ليهبط من فوقه يدور بعيونه في المكان هاتفًا بصوته الجهوري: "إن أبصرتم منهم حيًا فلا تأخذكم به رحمة، لا أريد أي أثر لهؤلاء الملاعين في أرضي.
" هبط رجاله من فوق الخيول والمشاة تحركوا بقوة كالسيل ينتشرون في المكان بأكمله تحت أعين سالار الذي انتزع سيوفه وتحرك خلفهم لينقب عنهم.
انتشر جميع الرجال في الحدود.
لتمر ساعات طويلة أو قصيرة لا أحد يدرك كم مر من الوقت أثناء التنقيب عن أي شخص قد يكون اخترق الحدود، وحل الظلام عليهم وقد عثروا بالفعل على ثلاثة منهم كانوا يحاولون الاختباء بين الأشجار وبين أيديهم بقايا أسلحة استعملوها في حربهم الأخيرة معهم.
نظر لهم سالار وهو يخيم عليهم ورؤوسهم منكسة أرضًا يقول بصوت هادئ ظاهريًا: "أنا أقدر إصراركم، لو أنكم وظفتم هذا الإصرار في شيءٍ آخر، لكنتم تسدتم قرى وبلدان حقًا، لكن ماذا أقول وأقصى طموح الخنازير بركة وحل؟
" رفع أحد الرجال عيونه لسالار الذي ابتسم له يرى التحدي في عيونه وهو يقول: "أنت فقط تستمر في الحديث والشعارات، ولا تقدم شيئًا عدا كلمات وكلمات.
" ابتسم له سالار يجيبه بكل هدوء: "عليك إذن بشكر الله أنني أكتفي بشعارات وكلمات، كل ما حدث لكم في الحروب نتيجة بعض الكلمات مني، تخيل لو كانت أفعال ما الذي كان سيحدث لكم أكثر مما حدث بالفعل؟
" صمت الرجل وأطال النظر في وجه سالار، حتى بصق أرضًا في إهانة واضحة منه لسالار، لكن سالار لم يفعل سوى أن ابتسم وقال: "هذا أقصى ما تملكه، مجرد كبرياء أحمق يدفعك للبصق أرضًا وكأنك بذلك تتسبب في إذلالي؟
لكن هل فعلت!
أنت حتى لا تمتلك الشجاعة لتبصق بالقرب من قدمي" صمت ثم مال عليه قليلًا يهمس له بصوت خافت وبسمة لم يمحها للحظة واحدة: "أما أنا فأملك الكثير لإذلالك.
" وبمجرد أن ختم كلمته كانت قبض