عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية هتخليك تعيد قراءة الأحداث أكتر من مرة!
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الرابع عشر 14 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الرابع عشر 14 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الرابع عشر 14 بقلم نيفين ابو غنيم
الفصل الرابع عشر
بعد أيّام
تركت زوزو كتابها متأففة وصداع رهيب يعبث بتركيزها وأفكارها فلا يجعلها قادرة على انهاء التقرير الذي من المفترض بها أن تقدّمه غدا للطبيب المشرف عليها عن الحالات التي كانت مسؤولة عنها في الأسبوع الفائت هي
لا تعلم حتّى أيّ لعنة جعلتها بطريقة أو بأخرى تنفّذ كلماته وإن رغما عنها
فكري زاكية فكري ولا تستعجلي لا تخلّي كبرياءك الغبي وكرامتك المجروحة تعميكي عن حقيقة إنّه إحنا التنين أكتر شخصين مخلوقين لبعض بهاي الدنيا
أغلقت زوزو شاشة حاسوبها بغضب وملل وقرّرت النزول للمطبخ علّ كوبا من القهوة سريعة التحضير الساخنة تضرب لسانها فعقلها وتعيد لها تركيزها المعتاد
ما إن أوشكت على فتح الباب حتّى تذكرت أنّها قد سمعت سيّارة ابن عمّها مجد تصطف أمام البيت منذ قليل مما يعني أنّه حاليا هنا.
كما أغلب وقته هذه الأيّام
توقفت متردّدة قليلا بعد أن شقّت الباب لتقف للحظات فقط وكلمات أخرى تضرب عقلها تحاول خنقها وكتم صوتها ولكنّها تفشل إلّا في جعلها أكثر وضوحا
لو كان مجد طيّب وكريم معك لدرجة إنّه يتجاهل سعادته وراحة باله ويضحّي فيهم في سبيل إنّه ما يجرحك ليش إنتي ما تقابليه بنفس الطيبة والكرم وتختصري عليه تعاسته تعالي على حالك وتستري!
زفرت زوزو وأغلقت الباب بعد تردّد في حنق واتجهت مرغمة إلى باب خزانتها واستخرجت منها بلوزة أكثر طولا واحتشاما من تلك الرماديّة بأكمامها القصيرة جدا التي كانت ترتديها لتلبسها وشعور بالخسارة يقوّض إرادتها
بعد دقائق كانت زوزو وبعد أن جهّزت الكوب ووضعت فيه القهوة السريعة والمبيّض الخاص به تقف أمام غلّاية الماء تراقب ذلك الضوء المشتعل الصغير في أسفلها تنتظر انطفاءه معلنا اكتمال عملية الغليان وبالتالي انتهاء مهمتها
وعودتها السريعة لغرفتها
سماعها لصوت توقّف الغّلاية ترافق بأذنيها مع صوت شتيمة نابية أتتها منطلقة من شبّاك المطبخ
أصخت زوزو السمع لتدرك أنّ الصوت كان لمجد والذي كان يتكلّم بفقدان للأعصاب و حزن وتعب
ما تعبتي.
ما ملّيتي طيب ما حنّيتي؟
إنتي ليش ما بدّك تفهمي ليييش زوزو بنت عمّي وبس لا هي تصرفت برة هالعلاقة ولا أنا بعمري اتطلعتلها بغير هيك نظرة بعمرها ما كانت بنظري بتختلف عن سراب
كيف بتلبس هاد مش مشكلتي أنا.
الوحيد اللي بقدر يحكي معها بهيك موضوع هو أبوي وطالما هو ساكت فالموضوع خارج صلاحياتي وطول ما البنت محترمة حالها فغير الاحترام ما حتشوف مني
بدّي أفهم إنتي ليش حاطيتها براسك ما بكفّيها الظلم والضيم اللي شافته من عمّي الله يرحمه بدّك نكمّل عليها احنا كمان
اسمعي يا بنت الناس هالكمتين منّي وهدول آخر كلامي صبرت عليكي كتير وما صبّرني غير حبّي إلك ولأني شاريكي بس أنا زلمة ما إلي خلق وطولة بال على قلّة عقل النسوان أهلي ما راح أقطعهم
وبنت عمّي راح تضلها عرضي وشرفي برضاكي ولا غصبن عنّك ولو لا سمح الله صار بيوم إشي لأبوي راح أتكفّل فيها وبيتي بيتها ما راح أتخلى عنها شو ما يكون وهاد آخر كلامي معاكي أسبوع
ما في غيره يا بترجعي عبيتك معزّزة مكرّمة يا كل واحد منّا بطريقه والولاد أنا مش قاصر عن تربيتهم
صوت شئ ارتطم على السور خارجا بقوّة أخرج زوزو من استغراقها بفظاعة ما سمعت من كلمات فشهقت بألم وخرجت من المطبخ مهرولة متجاهلة صوت الغلّاية يعلن انتهاء مهمّتها وصدى الألم في صوت مجد واليأس بكلماته
يضيّق على روحها الخناق.
استيقظ أحمد من النوم ليجد المنزل وعلى غير العادة ساكنا يعمّه الهدوء خرج من غرفته متتبعا صوت مناغاة صغيره فرآه في غرفة الجلوس مستلقٍ على ظهره على فرشة صغيرة صاخبة الألوان تشبه بشكلها دبّا لطيفا
وفوق رأسه خمسة دببة صغيرة جدا بألوان مختلفة معلّقة وتدور بشكل بطئ مصدرة موسيقى هادئة ابتسم أحمد على شكل الصغير متفاعلا وبشدّة مع تلك الدببة الدوّارة فيبتسم حينا ويصرخ بهياج أخرى
نظر إلى الكنبة بجانبه فوجد سراب ومن حولها مجموعة من الكتب الانجليزية والفرنسية تحمل أحدها وتقرأه بتركيز واهتمام حيّاها أحمد وجلس بجانبها فاقتربت منه مقبّلة تاركة كلّ ما بيدها وتضع رأسها على كتفه متنهدة بعمق
ابتسم أحمد وسألها مستغربا:
شو وين زينغو ورينغو ما إلهم صوت
ابتسمت سراب وقالت بسعادة:
شعور رائع صح؟
الولاد بنادي التيكواندو شو ناسي إنّا سجّلناهم الأسبوع الماضي بس إنت لأنك غالبا بتتأخر بتروح عليك هاي اللحظات الثمينة
ضحك أحمد وقال:
وانتي كيف بتستغلي ساعات الهدوء هاي بترجعي لأيّام الدراسة
امتدّت ذراع سراب تلاعب الصغير وقالت:
امممم عشان لمّا ألاقي شغل ويطلبوني لمقابلة ما أحسّ حالي مو عارفة شي
تكدّر وجه أحمد وقال:
إحنا ما انتهينا من هالموضوع؟
نظرت له سراب وقالت رافعة له كلا حاجبيها:
بلى وأنا لا زلت ملتزمة بكلّ شروطك
حسنا لم يعتقد أحمد أنّه حين اشترط عليها بضعه شروط لوظيفتها التي تبحث عنها أنّها ستأخذ الأمر في منتهى الجديّة فأين ستجد وظيفة صباحية تنتهي قبل عودة الأولاد من مدارسهم بحيث لا تقصّر لا ببيتها
ولا بأولادها
شعر بأصابع سراب تداعب رقبته وتتشممها وتقول له بإقناع ناعم:
إنت بس لو تقبل نجيب خدّامة
أمسك أحمد كفّها وقال لها بحزم غاضب وهو الذي وضّح لها وجه نظره عدّة مرات ولكن يبدو أنّ عليها أن ترى بعينها بعض الأطفال الذين يأتي بهم أهلهم إلى المستشفى بعاهات إمّا جسدية أو نفسية
بسبب غياب الأهل الدائم عنهم وتركهم لهم بين أيدي الخدم:
سراب أعتقد إنّه إحنا انتهينا من الحكي بهاد الموضوع.
بدّك وحدة موثوقة تيجي تساعدك بوجودك يوم يومين تلاتة بالأسبوع ما في مانع أمّا شغالة دائمة تقعد معنا بالبيت انسي الموضوع
قالها أحمد ووقف غاضبا لتسارع سراب بإمساك ذراعه والوقوف بجانبه متشبثة برقبته مقبّلة إيّاه بشغف مشتاقة ومسترضية سرعان ما ذاب الغضب في صدر أحمد وذاب هو بنفسه بين أحضانها هامسا بأذنها بلهفة واشتياق:
الولاد متى بييجوا
ضحكت سراب سعيدة بلهفته وبذلك البرود الذي بدأ ينجلي رويدا رويدا بينهما مع إيجادها بعض الفسحة النفسية والفكرية لنفسها وقالت مداعبة:
هلأ ما تحكي إلّا وصلوا
وما إن قالتها حتّى كان رنين الجرس يصدح في أرجاء الشقة مجفلا الصغير الذي سرعان ما ابتدأ ببكاء يعلم كلاهما أنّه سيطول وقاطعا على أحمد لحظات ذوبانه ليقول بغلّ مفلتا إيّاها من بين ذراعيه ومتجها
بتذمر ناحية الباب:
يلعن أبوهم ولاد الكلب!
قهقهت سراب ونادته بدلال لم تستعمله منذ وقت:
موووودييي
توقفت خطوات أحمد وقال متنهدا:
ياااا رووووح مووودي
غمزت له سراب قائلة:
الولاد بروحوا كل يوم من النادي مهدودين عشا دسم وبقلبوا لحالهم نايمين.
فجر اليوم التالي
كانت رحيق تقف عند باب غرفتها تترقب سماع صوت قدميه عائدا من صلاة الفجر لكي تسترضيه فإن كان جفاءه معها يتعسها فإنّه الآن يقتلها أبعد أن جربت دفئه ستعود إلى البرد أبعد أن ذاقت حنانه
ستعود إلى الجفاء لا والله لقد فعلت كلّ شئ في الأيّام الماضية كي ترى ابتسامته الدافئة تختصّها من جديد كي تحتويها نظراته الدافئة لمرات أخر كي كي تتذوق قبلاته أكثر وأكثر وأكثر فهي ما كانت
تعلم أنّ القبلة قادرة على أن تكون سماوية إلى تلك الدرجة نعم قبلات عمر وبشكل عجيب فيها شئ من السماء
في كلّ مرة كان عمر يدخل غرفتها في الشهر السابق في كلّ مرة كان يفقد تركيزه على دروس اللغة الانجليزية التي كان يساعدها بها فتخور مقاومته محتضنا إيّاها مرتجفا بين ذراعيها مقبلا جبينها فخديها رقبتها
وشفتيها ليتركها بالنهاية منهكا متألما مكبوح الرغبات قتيلها رغم أنّها لم تطلب منه التوقف يوما في كلّ مرة كانت تشعر أنّهما وبشكل سحري التفّا بداخل شرنقة قدسيّة تزيدهما طهرا ونقاوة وبراءة أوبعد كلّ هذا ستتركه
أسيرا لغيرته فتسلبه منها كما لو أنّه لم يكن لا والله!
كم كان حظّها سيئا في تلك الجمعة عندما تحوّلت مفاجئته الجميلة لها بالذهاب إلى السينما إلى شئ كارثيّ في الحقيقة لقد ابتدأ الأمر جميلا ممتعا لا سيّما وأنّ الفيلم الذي اختاره عمر لهما كان رومانسيا
ممتعا وهو لم يئتل جهدا هناك في داخل عتمة صالة العرض على أن يجعل الأمر أكثر رومانسية مختارا لهما كرسيّان في آخر المكان أعلى المدرّج حيث الرؤية أوضح والعزلة أكبر
بدى لها الأمر كما لو أنّهما كان معا لوحدهما في عالم سحريّ وكأنّ أحدهم قد نثر عليهما بعضا من تراب الأساطير ليرتقيا معا بعيدا عن العالم وعن الوجود لم تفارق يده كفّها بل وأكثر ما
فتئ يقبّل أصابعها لاثما إيّاهم واحدا تلو الآخر ليتجاسر في النهاية على المزيد قابضا على كفّها متحكّما بها مداعبا بها وجنته رقبته و فخده
لكانت كلّ الأمور اكتملت على خير ما يرام لو لم يتركها بعد انتهاء الفيلم ليذهب إلى حيث حمّامات الرجال ولو لم تتصل بها صديقة لها فتنهي الحديث معها بسرعة رافضة أن تضيّع عليها أي لحظة
ممكنة تقضيها مع عمر
ما إن أنهت رحيق مكالمتها حتّى سمعت صوتا لطيفا لشابّ يقف وراءها يقول لها سعيدا:
الأخت من الشام؟
نظرت له رحيق فوجدته شابّا صغيرا وسيم الشكل يقاربها عمرا وقالت مرتبكة:
إيييه
اتسعت ابتسامة الشاب وقال:
من أيّ منطقة من الشام؟
بعض الخوف غشي عينيها لتبحث عيناها عن عمر بتلقائية ودون شعور فضحك الشاب وقال مبتهجا يطمئنها:
إختي لا تخافي أنا بس لفت نظري لهجتك الشامية وحسّيت بلحظه إنّي رجعت للشام أنا كمان من هناك من منطقة *** عايشين هون بعمّان حاليا أنا وأهلي تكّة وبكونوا هون لتتعرفي عليهون راح ينبسطوا كتير
بس يشوفوكي
اتسعت ابتسامة رحيق وحنين غريب يغمرها لوطن غادرته دون أن تشبع منه غادرته دون أن تستطيع أن تشتم من عبير ترابه جرعات تكفيها إلى حين لا تدري فجأة شعرت وكأنّها تفتقد والدها وصوته يسرد عليها
عن تاريخ الشام اشتاقت لرائحة اليالنجي من بين يدي والدتها اشتاقت لياسمينة في باحة جيرانهم دوما ما عبقت غرفتها برائحتها التي كانت تأتيها متسللة من الشبّاك اشتاقت لمدرستها لبيتها وللشارع مدرساتها وزميلاتها ودون أن تشعر
كانت رحيق تبادل الشاب حوارا لطيفا عامّا عن الشام وأيّام عزّها إلى أن شعرت بظلّ عمر الضخم يقف بجانبها فتنظر له مبتسمة بقمّة انشراحها وسرعان ما تهالكت تلك السعادة على ضفاف الحدّة في نظرات عينيه
فتقول مرتبكة متلعثمة:
ععععوومااار الللأخ مممن عنّا ممن الشششام تخيّل
بوجه جامد ونبرة باردة قال عمر:
تشرفنا امشي معي!
وهكذا وببساطة انتهى اليوم اللطيف بكارثة حقيقيّة على قلبها ومن وقتها وحتّى الآن وهو غاضب منها رافضا كلّ توسلاتها للسماح.
غير متقبّل لأيّ من تبريراتها فعلى حدّ قوله لو شعرت بالحنين كلّما رأت شابّا من بلدها ووقفت معه تبكي على الأطلال لوجب أن يجلس هو بالبيت آخذا وظيفة رِجل كرسيّ مسيّا نفسه طرطور وبالنهاية فإنّ
كلّ ما حدث فيه قلّة احترام لمشاعره كرجل
لحظات وكان صوت خطواته الهادئة يخرجها من بؤس ذكرى ما حصل ويطرب مسامعها كما آلة موسيقيّة سحرية جالبة للسعادة وقبل حتّى أن تطرف عينها كانت تفتح باب غرفتها مقاطعة عليه طريقه تنثر حوله من عبيرها
الذي بات له إدمانا وما أضعف المدمن حين يفتقد جرعاته المعتادة!
↚
مشى عمر من جانبها منتويا تجاهلها فما فعلته برأيه كبير جدا على علاقة لا زالت تبرعم وتحتاج من كليهما كلّ الاهتمام هو ما منع نفسه من إعلانها زوجة إلّا كي يصلا لدرجة من التفاهم يستطيعان
فيها احتواء مشاعر بعضهما بحلوها ومرّها وتفهّم شخصيات بعضهما ببساطتها وتعقيداتها فليكن هذا لها اذا الدرس الأوّل
رغما عنه وبعصيان لأوامره نطق لسانه بـصباح الخير لتكون هذه التحيّة سقيا الأمل الذي ما فتئت تزرعه بقلبها منذ غضب منها قبل أيّام لتنطق بكلّ شوقها ولوعتها غنجها ونعومتها:
عووومااار
رغم تزاحم نبضاته وما عاثته في نفسه من فوضى قال عمر منهيا ما لم يبدأ:
تصبحي على خير
قبل حتّى أن يصل عمر لغرفته سمع صوتها بزاحم خطواته بلهفة:
ابن عميييي
توقفت خطواته رغما عن أنف قراراته المجحفة بحقّ نفسه لكن دونما أيّ ردّة فعل وما كانت إلّا لحظات وشعر عمر بيدها الناعمة كما الزبدة تلمس ذراعه الخشنة وتتسلل بدفئها عبر أوردته التي تصبّ مباشرة وفي
قلبه
طاقته كلّها استنزفها قلبه في آلية ضخّه لحروف اسمها مجبولة بلهيب شوقه فما عاد بقادر على الإتيان بأيّ حركة حتّى وإن أراد ليهاجمه صوتها المغناج من جديد سائلا باحتراق:
شووو حبيبي ما بدّك تشوفني؟
طيّب ازا إنت ما اشتقت فأنا راح موووووت من الشوووو
قبل أن تكمل رحيق كلمة الشوق التي كانت تخرج من بين شفتيها كان هو يستدير لها مشتعلا مفضوحا بلهيب أنفاسه اللاهثة واحمرار وجهه المختنق احتياجا واشتياق ولكنّه وقبل حتّى أن يستطيع التفريج عن بعض مما
يعتريه كان لهيب عينيه ينقلب من مشتاق إلى غاضب ولهيب أنفاسه يتحوّل من لاهث إلى صاخب ولمسة يديه على كتفيها والتي أرادتها حنونة كانت قاسية وقبل حتّى أن تشهق رحيق بصدمتها كان عمر يهمس في
وجهها غاضبا:
انتي كيف بتطلعي من غرفتك هيك كيييف؟
لحظة ولحظتين وكان عمر قد أوصلها إلى باب غرفتها جارّا إيّاها من ذراعها والغضب والغيرة تعميانه كيف جرأت تلك الحمقاء الغبيّة على أن تخرج من باب غرفتها بشكلها ذاك مرتدية قميص نوم فوشيّ اللون قصير
لا يصل حتّى لركبتيها يتموضع كتفيها بعلاقتين رفيعتين بيض اللون فاردة شعرها الخروبي الحريري بطوله كلّه ليترامى بإغواء مغطيّا بعضا من ذراعيها ليتهادى بقيّته بدلال على طول ظهرها الدقيق ولتحرق أعصابه أكثر لم تنس تلوين
شفتيها بلون لامع يشابه لون ما ترتديه
كانت رحيق تنظر إليه بعيونها السوداء الكحيلة بربانية الخلقة ووجهها يتزايد شحوبا بشكل متسارع ملحوظ متئتأة بما يشبه الكلمات ولكنّه قاطع ما كانت تحاول الهذر به هامسا مهدّدا بجنون:
أدخلي غرفتك ولا تخلّيني أشوفك طول اليوم
همسها الرقيق الباكي وصله ناطقا باسمه فنظر إليها بعيون محمرة مخيفة:
رحيق لمصلحتك ادخلي غرفتك وسكري الباب ولا تخلّيني ألمحك خيالك حتّى
قالها عمر وغادرها بغضب ليس قريبا إلى حيث غرفته ولكن إلى خارج المنزل كلّه أمّا هي فأغلقت على نفسها الباب كما أمرها وارتمت على سريرها تجهش في بكاء مرير لقد خسرته لا بدّ أنّها فعلت!
خرجت زوزو من غرفة المريض ذو الثلاث عشر سنوات والمصاب بشلل دماغيّ منهكة وسرعان ما انمسحت عن شفتيها تلك الابتسامة الزائفة التي كانت ترسمها مضطرة لإرضاء مريضها فضميرها فكيف لابتسامتها أن تكون حقيقيّة في حين
أنّ كلّ ما فيها كان يطالبها بالانهيار بكاءا
لقد أُدخل جود المستشفى منذ يومين اثنين اثر معاناته من نوبة صرع كبيرة ومنذ ذلك الوقت ومنذ أن رآها حتّى قرّر أنّه معجب بها هي دون غيرها ويا للعجب إذ أنّ زوزو ما كانت يوما
ممن بتآلفون مع الناس بشكل عام والمرضى بشكل خاص فالمرضى بالنسبة لها ليسوا إلّا حالات بعضها روتيني مملّ والآخر مثيرا للاهتمام
لا تنكر زوزو أنّها بالأمس وعندما كانت تلفّ مع أستاذها على المرضى قد فوجئت بالتصاقه بها وخافت من جراءة تصرفه ولكنّها عندما علمت بحقيقة وضعه كمصاب بشلل دماغي وقُصور في النموّ الجسدي والعقلي حتّى تفهمت
تصرفاته وإن استمرّت برفضها والنفور منها داخليا وكأنّها ينقصها ألا يكفيها ما فيها!
شربت زوزو كوبا من القهوة السريعة التحضير مدركة أنّ يومها سيكون مرهقا طويلا فاليوم مناوبتها وأخذت تمشي بأروقة المستشفى وعقلها لا يتوقف عن الدروان في فلك ذات الأفكار مرارا وتكرارا
حرقة شديدة بدأت تلهب عينيها فتتركها مغبشة رغم العدسات التي ترتديها كانت تقاوم تثاؤباتها فتكتمها واحدة تلو الأخرى رافضة الاستسلام للتعب والنعاس رغم كونها في أمسّ الحاجة له علّ النوم يسكت تلك الأصوات التي تتوالى
على عقلها دون هوادة تسحب منها أسلحتها ودروعها واحدة تلو الأخرى فهي ما كانت تحارب صوتا إنّما صوتين
ذلك الرجاء الذي كانت تحمله كلمات مجد لزوجته كانت تنزع مسامير ارادتها واحد تلو الآخر فتقوّضها كاشفة عن كلمات أخرى لا زالت تعبث بذاكرتها تأتيها بصوت دافئ مقنع بعبث
تكاد لا تصدّق حتّى الآن كيف أنّها وفي ذلك اليوم لم تفهم مغزى مزحته في التوّ واللحظة يا إلهي لقد كان يحدّثها وكأنّها زوجته حقّا زوجته العاضبة على وجه الدقّة مزحة سمجة سخيفة وتكاد تجنّ
حقّا كيف أنّها حتّى وفي كلّ مرة تتذكّرها تبتسم بغباء كالآن تماما
مسحت زوزو الابتسامة عن شفتيها قبل أن تظهر حتّى بينما تنظر إلى نهاية الممرّ حيث زميلة لها تتمسّك بذراع أستاذها عريسها هي سابقا بحميميّة متصنّعة فيما تنظر إليها بإغاظة وكأنّها قد كسبت عليها بمباراة مهمّة
زميلتها الحمقاء لا تعلم أنّها ما كانت لتحصل عليه لولا شعوره بالإهانة لشدّة ما ماطلته هي منتظرا منها إيجابا لطلبه زميلتها لا تعلم أيضا أنّها لن تغيظها مهما بدى عليها من سعادة فزوزو أوّلا وأخيرا
ما كانت لتفكّر حتّى بقبول عرضه لو ما قرّرت فقط أن تقهر آخر!
تنظر لهما الآن وتوقن أنّها ما فكّرت بالزواج يوما رغم كثرة الطالبين فلقب دكتورة أولا وآخرا فيه الكثير من المكاسب الاجتماعية والمادية
حتّى حين كانت تشعر بالاختناق من كونها ليست إلّا متطفلة على بيت عمّها كان كلّ ما تفكّر به إن كان عمّها سيسمح لها يوما بالاستقلال وحدها ببيت يخصّها وإن كان قريبا منه نعم هي لم
تشعر يوما في بيت عمّها أنّها في بيتها حقّا ليس تقصيرا منهم أبدا بل على العكس لقد كان ترحيبهم بها دافئا جدا ولكن المشكلة كانت بها هي فهي داخل صومعتها الزجاجية الشفافة الباردة قد ملّت
التصنّع تدّعي أنّ كلّ شئ على ما يرام تدّعي أنّها انسانة عادية بلا عقد والانسان في بيته لا يحتاج الأقنعة لا يحتاج لأن يجامل ولا أن يتجمّل
لقد كانت تفعل ذلك دون اعتراض حتّى اعتادته ونسيت أنّها تفعله إلى أن جاء هو مذكّرا إيّاها بأنّها غير مرتاحة وأنّها لكي تفعل تحتاج بيتا بيتا لها وله
في ذلك اليوم حين سمعت كلمات سراب أحسّت كم أنّها كانت غافلة نعم هي لم تصدم بقدر ما تيقّظت بقدر ما تذكّرت شعورها بكونها ليست إلّا متطفلة كان يعني لا بدّ أنّها ليست في مكانها
وأنّها إذا لا بدّ تأخذ مكان غيرها حقوق غيرها من حقّ سراب أن تجد في بيت أهلها مكانا يحتمل شغب صغارها دون أن تشعر أنّها تزعج أحدا ومن حقّ مجد أن يزور أهله دون أن
يتوقّع شجارا اثر كلّ زيارة شجارا كانت تعلم أنّها سببه فلطالما غارت منها زوجة مجد ولكنّها لم تأبه لها أبدا إذ أنّها غير مسؤولة عن صغر عقلها وهي لن تغيّر من نفسها يوما لأجل أحد.
عهد كانت قد أخذته على نفسها منذ زمن
أنانية هي أنانية معقّدة وغير آمنة صفات أدركها يوسف واستغلّها بكلّ صلافة ليهاجم بها كلّ حصونها!
*
*
ما إن وصل بها يوسف خارجا إلى حيث يريد أن يحدّثها حتّى كانت تشدّ ذراعها منه عبثا بينما تصرخ به:
مجنون إنت اترك إيدي بلا قلّة أدب
سرعان ما ترك يوسف يدها وقال مستخفّا:
الحق عليّ مسكت إيدك شفتك مصفرنة شاحبة خفت يغمى عليكي
رفعت زوزو حاجبيها مدركة لكذبة فهو إنّما كان يريد سحبها مستعجلا قبل عودة الإدراك إلى عقلها فترفض الحديث معه فقالت متأففة:
ممكن أعرف ساحبني وجايبني هون ليش؟
وضع يوسف يديه على وركيه وقال بنبرة جادّة:
ممكن أعرف بتماطلي بموضوع خطبتنا ليش؟
تكتّفت زوزو وقالت باستهزاء:
مين قال إنّي بماطل.
أنا رفضت بس عمّي هو اللي بيماطل فكرك خجلان يخبرك؟
سألته زوزو باستهزاء فأجابها يوسف بجديّة أربكتها:
أو يمكن شايف إنّه رفضك غير مبرّر يمكن شايف اللي إنتي مش شايفتيه
صدّت زوزو بنظراتها عنه وقالت ببرود:
كيف غير مبرّر الزواج إيجاب وقبول مش هيك بقولوا والقبول عندي مش موجود وهاد بحدّ ذاته سبب
بعض الغضب كان قد بدأ بالظهور على ملامحه وتوهجت عيناه قليلا قبل أن يتنفس بعمق ويقول لها بصوت حازم:
مجرّد وقفتك هون معي وتبادل هاد الحوار بيعني انه المشكلة مش بالقبول بدّي سبب حقيقي يقنعني برفضك
نظرت له زوزو وقالت بغضب يغطّي ارتباكها:
أنا مش مضطرة أوضحلك أي شي ليش ما بدّك تفهم إنّه أنا هيك مرتاحة
نظر لها يوسف وقال بقسوة:
كذابة!
التفتت زوزو له برأسها كما الصاروخ وقالت بحدّة وغضب وجنون:
شوووو
اقترب يوسف منها أكثر وقال بإصرار بينما ينظر إلى داخل عينيها:
كذابة وأنانية كمان
نظرات حقد ممزوجة بالخوف رشقته زوزو بها بينما تهمس بجنون:
إنت مجنون؟
رفع يوسف أصبعه وقال:
لمّا تدّعي إنّك مرتاحة ببيت عمّك وإنتي ما بتعتبري حالك إلّا ضيفة عندهم بتكوني كذابة لما تحكي إنّك مرتاحة وكلمتين ما فيهم إشي من سراب عنّك يقلبوا كيانك هيك معناها إنّك مش مرتاحة والإنسان ما
بيرتاح إلّا ببيته
فجأة بدت زوزو لعيني يوسف هشّة وضعيفة وارتعاشة مقلتيها تخبره يقينا بصحّة كلامه إلّا أنّه أبى إلّا أن يواصل:
لما بتصرّي إنّك تمارسي حريتك بغض النظر عن تضرّر غيرك معناها إنّك أنانية
كانت زوزو تتأمّله عاجزة عن ملاحقة كلماته وما تعنيه فيزيد ارتباكها تحديدا بما يقوله الآن فأبت عيناها إلّا أن تفصحا له عن عدم ملاحقتها لأفكاره فيوضّح قائلا:
لو كان مجد طيّب وكريم معك لدرجة إنّه يتجاهل سعادته وراحة باله ويضحّي فيهم في سبيل إنّه ما يجرحك ليش إنتي ما تقابليه بنفس الطيبة والكرم وتختصري عليه تعاسته تعالي على حالك وتستري!
كانت عيناها تفغران تلقائيا مع كلّ كلمة يقولها لتهمس بالنهاية مصدومة من هجومه الحادّ:
إنت شو بدّك؟
اقترب منها يوسف ووضع كفّيه قريبا من مرفقيها وكأنّه يحتاج ملامستها كي يستمد منها قوّة يحتاجها معها وكأنّه يريدها أن تتحالف معه وتقف ضدّ نفسها وقال:
بدّي أتجوزك
نظرت له بتشوّش وهمست باضطراب:
ليش؟
أجابها بحاجبين معقودين وكأنّه لا ينطق بكلمة مصيريّة يعجز الكثيرين عن نطقها:
لإنّي بحبّك بحبّك وبدّي إيّاكي
تلك الطريقة المتملكة التي نطق بها بدّي إيّاكي جعلتها تفور عليه من جديد وتقول رغم الفوضى التي نجح ببثها داخلها:
بس أنا ما بحبّك
ابتسم لها يوسف مفاجئا إيّاها وقال باستخفاف:
طيّب خلّيكي أنانية زي ما بعرفك واستغلّيني
قطّبت زوزو حاجبيها ونظرت له بعدم فهم وكأنّه اليوم جعل من أهمّ مهمّاته تعجيزها عن فهمه فتوسعت ابتسامته ووضّح ببساطة:
استغلّي حبّي خدي منّي البيت والأمان والراحة والحضن الدافي
↚
فيما كانت زوزو تستمع لكلماته مغيّبة صدمتها جملته الأخيرة فنظرت له تحدجه محمرّة الخدين لتراه يبتسم لها بخبث يتناقض مع رقّة كلماته فزفرت وقالت له يتحدّي:
والمطلوب منّي بالمقابل؟
ابتسم لها وقال ببساطة:
تكوني معي ست بيتي وأميرة قلبي!
نظرت له زوزو بانشداه حقيقيّ لا تصدّق كلماته وكأنّه يجرّها معه لتلعب معه ألعاب الخفّة والخداع وقالت:
أنا مستغربة إنت مو ملاحظ إنّه أنا وإنت ما بنزبط على بعض؟
اقترب منها يوسف خطوة وقال بينما يتأمّل الحيرة والتخبّط في عينيها وقال بجديّة:
بالعكس أنا وإنت انخلقنا لبعض
صمت يوسف قليلا ليتجاسر هذه المرّة ويمسك بمرفقيها بقوّة صادمّا إيّاها وباثّا في جسدها دفئا مفاجئا وكأنّما وضعت تحت دشّ من الماء الدافئ بعد وقوعها في بركة من المياة المتجمّدة ملجما لسانها عن الاعتراض بنظراته
القويّة الدافئة بصرامة:
فكري زاكية فكري ولا تستعجلي لا تخلّي كبرياءك الغبي وكرامتك المجروحة تعميكي عن حقيقة إنّه إحنا التنين أكتر شخصين مخلوقين لبعض بهاي الدنيا
*
*
كلماته كانت لا تزال تقرع بعقلها و قلبها بذات الدويّ فيما لا تزال تترك بجسدها ذات الأثر ذات الدفء وذات التحفّز وها هي ومنذ ذلك الوقت لا يكبّلها سوى الجبن ولكنّها لا تعرف أيكبّلها عن
الرفض أم القبول
أغمضت زوزو عينيها مرتمية على جدار قريب وازدواجية الكلمات ما بين مجد ويوسف لا تزال تلاحقها والكبرياء والكرامة لا تزالان تحاربانها وكلّهم لا يتركونها إلّا مستنزفة القوة خائرة
لم تكن تدرك زوزو وقتها أنّها بغيبوبتها الفكرية تلك كانت عرضة لسهام من نظرات منكسرة مسمومة كانت تلاحقها وتنظر إليها بحقد منذ بعض الوقت حتّى شعرت بأنفاس قريبة جدا تلفحها مختلطة بعطر أنثويّ ناعم
فتحت زوزو عينيها مجفلة ورأت آخر شخص كانت تتوقع أن تراه هنا بالمستشفى حيث تدرس فهمست باستغراب:
حسناء!
نظرت لها حسناء زوجة مجد ببعض الصلابة الهشّة وقالت بألم:
إنتي ليش مصرّة تخربي بيتي؟
فتحت زوزو عينيها وقالت بصوت شاحب خفيض بينما تشير إلى نفسها:
أنا؟
كان يوسف يقف متكئا على شجرة رافعا قدمه على إطار سيّارته المصطفة في شارع بيت خاله أبي معتز حيث كان معتز يتكئ عليها مائلا ويتحدثان معا في مواضيع مختلفة صاخبة كما يبدوا فيكسران صمت الشارع
في وقت المغيب بعد أن أُدخل أولاد الحيّ إلى منازلهم فيعلوا صوتهما منفعلا حينا و ويضجّ بضحكات جهوريّة خشنة أحيان
وفجأة ومن بين الصخب صمت كلاهما فقد يظنّ الرائي من لحظات أنّهما ذات الشابين الصغيرين الذين اعتادا اثارة بعض الشغب في هذه المنطقة هنا وأنّهما بذات القلوب الخالية والرؤوس الخالية من الهمّ ولكنّ صمتهم الآن
بحواجبهم المقطبة يخبر بسنوات مرّت عليهم بما تحمله من هموم وأحزان
كانت عينا معتز قد أجهدتا لشدّة ما ارتفعا وهبطا من وإلى شبّاكها وصوت شقيقته قبل أيّام لا زال يضرب قلبه قبل أن تغادر عندما اقتربت منه هامسة:
بتحبها؟
اجفالة جسده في حينها كانت لها جوابا كافيا إذ أكملت:
بطّلت متحرمة عليك
قالتها شقيقته وغادرت ولكنّ الأمل بها لم يغادره ليس أنّه لم يكن يعلم أنّها ما عادت حرام عليه ولكنّها البساطة التي نطقتها بها وكأنّها أزالت كلّ الأشواك العالقة في طريق رجوعهم وكأنّها لا تذكر أنّ
مي قد كانت لرجل آخر غيره بل وكأنّها لا تحمل طفله
طفل قد يكون شبيها لوالده بذات ميوعته وذات الاستفزاز أو قد تكون طفلة طفلة كطفلته هو تحمل سواد شعر والدتها وعيونها اللوزية الشقيّة وربما ربما يحالفه الحظ فتتسم بذات جنونها!
ابتسامة داعبت شفتيه دون أن يشعر رافقتها تنهيدة كبيرة شقّت صدره فتضخم بهديره ابتسامة لم يغفلها يوسف كما لم يغفل تلك الأريحية التي كان بها صديقه اليوم بخلاف الفترة الماضية والتي كان يبدو فيها كما
لو أنّه يعيش بحداد دائم
أمسك يوسف بعضد معتز وقال:
اتجوزها معتز لا تضيّع الفرصة من ايدك
نظر له معتز خجلا يقاوم جمال الفكرة رغم صعوبتها وقال:
وفادي؟
ابتسم يوسف بقلبه متألما على حال صديقه سعيدا له بذات الوقت يعلم كم هو مؤلم أن تكون الأنثى التي تهتم لها تحبّها ملكا لغيرك ومي ما كنت لمعتز حبيبة أو زوجة مي كانت حياة حياة
تمرّد عليها بالضبط كما عاش طفولته ومراهقته والشباب متمرّدا مشيّبا رأس خاله وزوجته لكنّه بالنهاية علم كم من السهل أن يفقد الانسان حياته حيّا وهو واثق أنّ معتز قد تعلّم الدرس وبأقسى الطرق كما أنّه
موقن أنّ معتز مهما قاوم فكرة زواجه من مي من جديد إلّا أنّه سيرضخ لها وهو حين نفى له معتز يوما فكرة ارجاعه الى مي كان يعلم أنّه لا يفعلها إلّا مكابرا متألما عالما استحالة
العودة أمّا الآن وقد بات الطريق مفتوحا فهو واثق أنّ صديقه قد يقاوم وقد يتألم ولكنّه بالنهاية سيستسلم وسيحارب وسيعاود جنون صباه حتّى يسترجعها
نظر يوسف لمعتز وقال مبتسما مهوّنا:
فادي مات
احمّرت عينا معتز واشتدّت قبضته وقال ضاربا السيّارة:
بس كانت إله!
هزّ يوسف كتفيه قائلا:
اللي بسمعك بتحكي بفكّر إنّه ما في كتير أرامل ومطلّقات برجعوا بتزوجوا وليش نبعد مي نفسها كانت مطلقة لما اتزوجها فادي
نظر له معتز بقرف وقال باعتراض غاضب:
أنا بتقارني بهاد الـ***
ضحك يوسف من قلبه وقال مسترضيا معتز:
يا أخي أنا لا بقارنك فيه ولا اشي بس حبيت أوضحلك يعني مي لو ما اتزوجت فادي كان تزوجت غيره بالضبط زي ما هي هسّة بوضعها هاد لو ما تزوجتك إنت راح تتزوّج غيرك
هبّ معتز من وقفته كما مجنون ودفع يوسف من أمامه ضاربا صدره بقبضتيه وقال:
شو بتخرّف إنت انجنيت!
وقف يوسف متأهبا وقال بمنطقيّة أغاظت معتز:
انت اللي مالك مصدوم هيك ليش هي مي كم عمرها عشان تلغي فكرة انها تتزوج من بالك مي صغيرة وحلو
قاطع كلمته صوت معتز هادرا فيه بجنون:
يووسف!
صوت وصول رسالة على هاتف يوسف النقال رحم كلاهما معتز من كلمات يوسف المسمومة ويوسف من قبضة معتز المجنونة
ما إن رأى يوسف اسم المرسل حتّى بات قلبه يقرع رغما عنه ومن حيث لا يدري فقد أهم ما يملك عقله.
وإلّا ما معنى أن يقرأ يوسف بضعة كلمات تصله منها بسيطة وواضحة لعدّة مرّات قبل أن يستطيع أن يستوعب فحواها وما إن فعل حتّى نظر إلى معتز الغاضب مشدوها ليزول من بعدها الانشداه تلقائيا ويحلّ
محلّه ابتسامة عريضة جدا أثارت انتباه معتز وبشكل تلقائي انتقلت لشفتاه هو الآخر ذات الابتسامة مترافقة مع نظرة تساؤل فيقول له يوسف بزفرة راحة ونظرة سعادة وارتباك لا زال ينتاب مشاعره رغم ادعاءه يقينه من
كون هذا سيحدث مهما ماطلت:
هاي زوزو وافقت زوزو وافقت
أنهى جملته بضحكة سعيدة من قلبه ازدادت صخبا مع ضحكة الآخر المجنون الذي سرعان ما بدأ يغنّي له مغايظا إحدى أغاني الزفات القديمة المتوارثة:
كنت أعزب داير مرتاح قللي عقلي واتجوز اتجوزت واخدت الزين حمل الزين وجاب غليم غلام وصار يقوللي يا بابا
قليلا قليلا خفت صوت معتز وكأنّه قد تذكّر توّا أنّه ما سمع من ابنته كلمة بابا قط وتلقائيا زفر بألم ورفع عينيه لشبّاك غرفتها ليلحظ ذات الخيال يتلاشى من أمامه كلّما نظر أحسّ بقبضة يوسف
تشتدّ على كتفه ويقول له مشجعا:
رجعها خلّينا نودّع التنين العزوبية مع بعض
قالها يوسف وغادر فهناك مهمة شاقة بانتظاره فتلك المجنونة المعقدة الـ شهيّة والتي ستصبح قريبا جدا حلاله لن تزرع له الورود في طريقه بل ستملأها بالعوسج وهاهي حتّى وهي ترسل له بموافقتها ترسلها بغضب وتهديد!
راح توصلكم موافقتي اليوم جهّز حالك عندي شروط.
ابتعدت مي عن النافذة ما إن شعرت بعينيه ترقبان خيالها فهي ما عادت ذات المراهقة التي كانت عيناها تنتظران فرصة لاقتناص عينيه فتلاعبه بهما أحيانا تشعر أنّها ظلمته أكثر مما ظلمها فربّما هي ما كان
عليها أن تحبّه أصلا ولا أن تسمح له بأن يحبّها
لأيّام طويلة مضت ما كانت تفعل سوى التفكير وكلّ ما توصّلت إليه أنّ أسباب تدهور حياتها ابتدأت هنا حيث هي والنافذة وهو
لقد أحبته.
ولكن ماذا لو أنّها لم تعطِ قلبها الفرصة ليفعل ماذا لو لم تتزوجه وهي التي كانت تعلم بطباعه الصعبة وعصبيته الزائدة وجنونه وقلّة صبره قبل حتّى أن يخطبها وهو الذي ما كذب عليها يوما أو
ادّعى ماليس فيه لقد تزوجته على ذلك لتبدأ ما إن أصبحت في بيته سلسلة اعتراضاتها ومحاولاتها البائسة لتقويمه في حين أنّها هي نفسها كانت بحاجة إلى تقويم غير عالمة بأنّ البداية الخاطئة الملتوية لا تسير
مستوية بل تستمر بالاعوجاج!
كثيرا ما تتساءل ماذا لو أنّها لم تتزوج معتز أكانت لتنتهي بفادي تتسائل من باب تعذيب الذات لا غير فالجواب أمامها كان واضحا وضوح الشمس مذ رأته بذاك المظهر المقرف!
ركضت مي للحمّام تقاوم في طريقها حاجة ملحّة للاستفراغ لا تعلم أسببها فادي أم ابنه خرجت من الحمّام بعد بعض الوقت وقد فركت أسنانها وغسلت وجهها ببعض الماء البارد تحاول أن تنفض من دماغها خيال
لمعتز يقف على مشارف ذاكرتها بالضبط كما كان يشرف على باب الحمّام متململا متعاطفا فزعا كلّما انتابتها موجة غثيان دوما كان يتبعها كظلّها عندما تنتهي يخفي خشيته عليها وضعفه أمام ألمها ويسألها ذات السؤال فيكي
إشي بوجعك آخدك عالمستشفى
بي الكثير من الألم لو تعلم فقط آه وآه وألف ألف آآآه من بعدك ما الذي جرى
ما إن دخلت مي الغرفة حتّى سمعت صوت زياد يلحقها سائلا إيّاها:
مي لسّة بدّك تروحي على بيتك؟
كان شقيقها يسألها بتردّد وكأنّه يتمنّى لو ترفض وتقول لا فهو عالم بما سيجلبه عليها الذهاب إلى هناك من ألم ظانّا أنّ ذهابها إلى هناك سيحيي ذكريات لها مع زوجها الراحل فيحيا الألم من جديد
لا يعلم أنّ ألمها لن يكون إلّا من ذكرى وحيدة لن تموت بداخلها مهما طال بها العمر ذكرى لا تعلم كيف ستربّي بها ابنا لأبيه ابنا لم تشعر برابط بينه وهي حتّى اللحظة وهذا وحده
يقتلها كمدا!
نظرت مي لشقيقها شاكرة وهزّت رأسها له مؤكدة حاجتها للذهاب فهي ومنذ حبس فادي لم تعد إلى هناك أبدا مخلّفة وراءها كلّ أغراضها التي ما عادت بقادرة على تجاهل حاجتها لها بعد الآن.
كان عماد يصلّي عندما قاطع تركيزه صوت طرق ملحّ على باب شقّة آنجلا ضيق شديد اعتصر قلبه عالما من بالباب وكأنّه غيره ذاك الـ محمد
ما إن أنهى عماد صلاته حتّى لمحها تركض ناحية الباب ليصرخ بها مناديا فاقدا سيطرته على نفسه دون شعور:
آنجلا!
توقفت خطوات آنجلا رغما عنها لتنظر إليه مشدوهة فيقترب هو منها بخطوات نارية غاضبه:
أتريدين أن تفتحي الباب بهذا الشكل؟
نظرت آنجلا لنفسها ترتدي مبذلا طويلا ابتدأ يتزايد رطوبة وجسدها تحته يقطر ماءا وتغطي شعرها بمنشفة زهرية طويلة نظرت إليه آنجلا باستغراب وقالت:
ما به شكلي عماد؟
نظر لها عماد متأملا و متألما وقال بغيظ:
ماذا آنجلا ألست مسلمة ألست محجبة؟
↚
تأملت آنجلا نفسها من جديد وقالت له بغيظ:
وما الذي أكشفه من جسدي الآن حتّى لا أكون محجبة أنا مغطاة بالكامل عماد أم أنّك لا ترى جيّدا
ابتلع عماد ريقه واشتعلت نظراته رغما عنه والذكريات بجسده تعود حيّة تضربه بألم فطول قربه منها بالفترة الماضية ما كان يزيده إلّا عذابا فقال بصوت أجش ثقيل:
المشكلة آنجلا أننّي أرى جيّدا من المفترض باللباس الشرعيّ بأن لا يشفّ ولا يصف وما ترتدين يصف جدااا وكلّما أطلت الوقوف ازداد التصاقا و ازدادت خيالاتي توهجا!
ما قال كان صدمة لكليهما فتوهج وجهها احمرارا وابتلعت ريقها وقالت مغادرة إيّاه بصوت مبحوح:
وقح!
وقف عماد في مكانه مرتبكا وشعور دافئ يسري عبر شرايينه وكأنّه بكلماته تلك أحيا واقعا كان ملموسا بينهما بتفاصيل تجاهلها كلاهما فالواقع أنّ الطلاق لا يلغي أبدا الذاكرة فكيف إن كان لا يريد أصلا النسيان
غضب سرى عبر شرايينه عند سماعه الإلحاح بطرق الباب من جديد وتلك الفكرة المُرة بأن تكون آنجلا لغيره ذات يوم تؤجج من غضبه الذي لم يكن من السهل عليه أبدا أن يصله ويذكر كيف أنّه
في آخر مرة غضب بشدّة ترك رجلا يموت أمام عينيه طالبا منه العون وبدلا من ذلك راقبه ينازع بألم محاولا التشبث بأنفاسه ليخسرها بيأس الواحد تلو الآخر حتّى فقدها بالنهاية تماما
صوت آنجلا أتاه من الداخل تقول صائحة:
إييماااد افتح الباب بسرعة لا بدّ أن هذا موهاممماد أسرع قبل أن يغادر يائسا
توجه عماد يزفر أنفاسا غاضبة ويتمتم غاضبا:
روحة بلا رجعة ان شاء الله.
بعد حوالي ساعة
كان عماد يدثر عبدالله الذي قد غفى توا والذي كان جالسا بالغرفة معه مجنبا نفسه الاحتراق بمزيد من جحيم الغيرة في الحقيقة لا يعلم عماد كيف صبر حتّى الآن دون أن يخرج إليهم مفجرا بهم
براكين غضبه وغيرته
لقد أمضى هنا في المانيا ما يفوق الشهر بأيّام ولطالما كان كاتما غيظه من زيارات محمد المتكررة لبيت آنجلا متحملا نظراته المتخوفة المتشككة نحوه محتملا الانكماش الغريزي الذي كان ينتاب عبدالله كلّما كان محمّد بالجوار
والذي كان يتحسس من كل عين متلصصة لا يراها ولكنّه اليوم بالذات لم يستطع احتماله أكثر مفضلا البقاء مع ابنه بالغرفة
لا يعلم ما أسباب انتهاء صبره اليوم ألأنّه رآها بذاك المظهر المغري قبل بعض الوقت متخيلا أن تكون بذاتها وجمالها بروحها وحلاوتها ملكا لذاك لا سيّما وهو مدرك أنّ هذه بالضبط مخططاته المستقبلية نحوها مخططات
تعلمها هي وربما مصاب عبدالله هو فقط ما يعيقهما من تنفيذها حاليا أم ربّما لأنّه شاهد شعلة الغضب التي يرمقه بها محمد في كلّ مرة يراه بها هنا تزداد توهجا وكأنّه يريد منه أن يراها
معلنا بوقاحة غيرته عليها وكأنّها ملكا له أو حقّا من حقوقه
كان عماد يراقب عبدالله وغصّة كبيرة تحتكم صدره كيف سيتركه كيف لقد غاب عن بلده كثيرا وطنه وعمله ووالده و والدته لقد كانت الأيّام الماضية ورغم بعده عن أمّه قد قرّبته بشكل ما منها كثيرا
بكاؤها بل نواحها يوم فقد عبدالله بصره بشكل ما كان صدى لألمه.
لوجعه منذ ذلك اليوم وهي لم تنقطع عن الاتصالات أبدا في كلّ يوم لا تنس أن تتصل تنهال عليه بأدعية تلهمه الصبر وتصبّ بقوّة في عزيمته فتقوّيها وبشكل ما في الفترة الماضية كانت هي الوحيدة
القادرة على رسم ابتسامة وان كانت هافتة على وجه عبدالله عبدالله الذي ومنذ حديثهم منذ أيّام يسبح في كينونة لوحده منعزلا عنهم جميعا يفكّر ويفكّر ولأنّه مدرك لذكاء ابنه الفطري فهو واثق أنّه لن يخرج
من قلب هذه العزلة إلّا بقرارات سليمة!
اتجه عماد بخطوات بطيئة كارهة إلى حيث هم كارها ولكنّه مضطرا فمحمد قد أخذ من وقتها الكثير بوقاحة ودون داعٍ فليذهب إليهم وينكّد عليه قليلا علّه يتسم ببعض الكرامة فيغادرهم حاملا أذيال خيبته وحسرته فلطالما
هو موجود لن يسهل عليه خططه أبدا ومن حسن حظّه أنّ عبدالله بصفّه دائما
ما ان اقترب عماد من صالة المعيشة الصغيرة حيث يجلسون على أريكة ثلاثية واحدة وظهرهم إليه حتى لفحه هدير كلمات محمّد الغاضبة ولمح سريعا جدا قبضته تضرب طاولة صغيرة قريبة جدا جدا من يدها:
إلى متى آنجلا إلى متى لقد مللت الصبر وأموت كلّ يومٍ بينما أراه هنا معك في أرض شقتك يشاركك نهاراتك كلّها ضاغطا عليك ومشتتا تركيزك منسيا إيّاك كلّ اجحافه بحقك بعنايته الفائقة تلك بولدك وتعلّق
الأخير الذي بات زائدا به!
صوت آنجلا والتي ما كان يرى منها إلّا ظهرها وصله ثقيلا محمّلا بالذنب والاعتذار بينما تهمس بصوتها الذي لطالما أشعل فتائل أشواقه:
موهامماد
لم يحتمل عماد السماع أكثر فعاد الى الغرفة تتآكله النيران ويكاد يغصّ بسكاكين الغيرة الحادّة التي تنهش كلّ ما فيه تنهش ماضيه وحاضره مخاوفه وذنوبه صورا من الماضي وأخرى من الحاضر تنهش يأسه وألمه ضعفه
سلبيته وتخاذله خيباته وهزائمه تنهش وتنهش ولاتبقِ في النهاية إلّا قلبه متعريا إلّا من حبّها حبّ أنكره على نفسه مسترضيا البعض وهاربا من وساوس الآخر نعم هرب يوما غيرة على صورة لها كاملة من أن
تتزعزع ناسفة معها ايمانه بالمثالية والكمال وقد كان هذا خياره الأسهل مرضيا ضميره ومغيبا قلبه
يتزلزل كيانه من هول ما يتزاحم في عقله من أفكار الحياة صعبة وقاسية دون أن نصعبها على أنفسنا أكثر ما الفائدة أن نبحث عن الكمال في عالم خالي منه ما الفائدة أن نشق طريقنا نحو
إرضاء الآخرين بينما نحن نتمزّق وبالنهاية ماذا لا أحد راضٍ
مضيّها قدما بحياتها تجاوزه ونسيانه وكأنه لم يكن زواجها من آخر كلّها أفكار بدت له عادلة ومقبولة بينما كان هناك بالأردنّ أما الآن هنا وبينما كلّ شئ لا زال في ذاكرته ينبض حيّا كان شيئا
آخر بدى له كما عواصف اقتلعت بداخله جميع أفكاره السامة ونفضت عن روحه جميع غبائر الانهزام فالانسان كما اكتشف كائن متحوّل ولكنّه فقط كما الأرض يحتاج بعضا من الكوارث الطبيعية لتتغيّر ملامحه زلازل فياضانات براكين
فما أكثر من أن يرى حبّه الأوحد ضلعه الأعوج يخطف من بين أضلعه وعلى مشهد ومرأى منه ما أبشع من أن يرى ابنه فلذة كبده والذي ما شبع من حيويته بعد ملقى على سريره عاجزا
ولا رغبة له في حياة لم يرَ منها شيئا بعد فلا يعترف بها كشئ يستحق المحاولة ما الذي سيكون قادرا أكثر من كلّ ذلك على أن يغيّر تضاريس روحه فتنهض من جديد من بعد رقدة
كهفية طويلة هرمت لها روحه وشاب فيها قلبه!
إن كان محمد يحبّها حقا ويريدها كان عليه أن يبذل سابقا جهودا أكثر أمّا الآن وبينما آنجلا أمامه هنا وابنه وبعد أن تفيّأ بمضارب وجودهم متنفسا دفء أنفاسهم فكلّ ما على ذلك الخائب أن يفعل
هو الانسحاب لأنّه أبدا أبدا لن يتنازل بعد اليوم عن حقّه بهما
وعلى هذا عاد عماد بخطواته حيث يجلسون والتماعة تصميم تتوهج في عمق عينيه ليقول ما إن وصلهم ووقف أمامهم:
لقد نام عبدالله آنجلا بعد أن ملّ من طول انتظارك!
شحب وجه آنجلا والتمع الندم واضحا مربكا سماء عينيها وقبل أن تستطيع أن تقول شيئا سبقها محمّد يقول:
لقد كنّا نتحدّث في موضوع مهم
رفع عماد حاجبه وقال موجها سؤاله من جديد لها:
أهم من عبدالله وفي ظروفه الحرجة هذه؟
كان سؤاله أنانيا غير عادل قاسيا ولكن ماذا يفعل ولا خيط يربطه بها حاليا إلّا عبدالله ازدادت ملامح آنجلا شحوبا وقالت بارتباك كما طفلة أمام أبيها:
لقد لقد كنّا نتحدّث فعلا عن عبدالله
نظر عماد لمحمّد وقال متهما بقسوة:
في الحقيقة أستغرب قدومك إلى هنا كلّ يوم تقريبا لتسأل عن عبدالله دون حتّى أن تحاول أن تراه أو تتقرّب منه
وقف محمّد وقال بلهجة خشنة رافضا دناءة ما يحاول عماد فعله:
أنت تعلم جيّدا أنّ عبدالله هو من يرفض رؤيتي أو رؤية أيّ شخص آخر في هذه الفترة
ابتسم عماد بقسوة وقال بخبث لئيم:
حسنا ألا يخبرك هذا بشئ؟
عهدتك سابقا ذكيّا لمّاحا يا صديقي أم تراك ما عدت تفهم بالإشارة
صرخت به آنجلا محتدّة تشعر بذاتها ضعيفة تتداعى وقد استنزف عبدالله كلّ قواها النفسيّة والجسديّة لا سيّما وهو يستمرّ بنبذها من حياته بتلك القسوة:
إييمااد توقف!
تجاهلها عماد وازداد التحدّي بعينيه اللتين كانتا تنظران لعيون محمّد دون أن تحيدان عنها وقال:
ألم ترَ أنّ بتصرفات عبدالله رسالة واضحة يودّ توجيهها إليك دون أن يحرجك مصرّحا بها بأنّ وجودك يشكّل ازعاجا كبيرا له؟
وأنت تعلم بالطبع أنّ ازعاجه هو آخر شئ نريده في هذه الفترة صحيح آنجلا؟
كلّ شئ بالشقّة هواءها الملوّث العابق برائحة سجائر بشعة والتي بدت لها قوّية جدا صوت التلفاز الذي كان يأتيها من تلك الغرفة التي كان يختصها فادي لخلوته الخاصة والتي كان يدعوها غرفة مكتب كلّها أسباب
أثارت الرعب في نفسها لترتفع دقّات قلبها حتّى بدت لها وكأنّها تطرق مسامعها ولا ترحمها
أخذت مي نفسا عميقا واستغفرت الله عدّة مرّات مؤكدة لنفسها أنّها ليست إلّا روائح قديمه لسجائر فادي والتي اعتاد تدخينها وحيدا في غرفة مكتبه وأنّها ما غادرت المنزل قط إذ لم يكن هناك من يفتح
نوافذه ويستبدل هواءه الفاسد بآخر نظيف أمّا التلفاز فبالتأكيد قد نسوه مشتعلا قبل أن يغادره كلاهما
برغم كلّ تأكيداتها لنفسها وتطميناتها لها أخرجت مي الهاتف من حقيبتها ووضعت على سجل الاتصالات واختارت رقم زياد كي تبقيه جاهزا في حال إن حدث
ابتدأت أنفاس مي تتعالى بينما تتسحّب على قدميها تتجه بخطواتها ناحية غرفة المكتب وتسمّي الله بشكل هامس متكرّر وما إن وصلتها -وقبل حتّى أن تلمح الزجاجة المتنديّة والكأس المملوء بالثلج بجانبها تعتلي الطاولة الزجاجية الصغيرة
بجانب الكنبة الجلدية السوداء والتي اعتاد فادي أن يمضي ساعات جالسا عليها وحيدا غارقا في كآبته- ضرب عقلها بعضا من المنطق المرعب ففي آخر ليلة لهم هنا هم ما كانوا يشاهدون التلفاز ولا حتّى كان
هو يفعل فقد كان كان
تزايد اللهاث في صدر مي تخبّطا وتضخّمت دقّات قلبها حتّى أخرست كلّ ما عداها ووضعت يدها دون شعور على بطنها بحركة حمائية وبدأت تتراجع خطوة إلى الوراء فيما تضغظ على زرّ الاتصال سريعا ولكنّها وقبل
أن يصل الهاتف إلى أذنها ارتطمت بجسدها بشئ ضخم عاث الفوضى بكلّ ما فيها وفحيح ذكوريّ فجّ يقول ببطء مخيف مثيرا في جسدها جميع مشاعر الخوف والقرف محفزا كلّ شعيرات جسدها الصغيرة على الوقوف تأهبا:
وأخيييرا اجيتي!
+.
قراءة ممتعة.
الخامس عشر من هنا
جهّز نفسك لمفاجآت عندما يعشقون صغارا داخل تطبيق حكايتنا حكاية
مش لازم تفتح المتصفح كل مرة، تطبيق حكايتنا حكاية بيخليك قريب من عندما يعشقون صغارا على طول.
قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الخامس عشر 15 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا تدخل الآن أخطر مراحلها على الإطلاق! 📖
تابع أحداث رواية عندما يعشقون صغارا كاملة 📖
اقرأ جميع فصول عندما يعشقون صغارا مرتبة بطريقة مريحة.
روايات نيفين ابو غنيم كاملة أون لاين
استمتع بمكتبة روايات نيفين ابو غنيم الكاملة أون لاين.