رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثالث عشر 13 بقلم نيفين ابو غنيم

كل فصل من عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية بيكسر قاعدة كنت فاكرها ثابتة!

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثالث عشر 13 بقلم نيفين ابو غنيم

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثالث عشر 13 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثالث عشر 13 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثالث عشر 13 بقلم نيفين ابو غنيم
الفصل الثالث عشر
بعد شهر
يراقب زوجته منذ بعض الوقت والتي كانت تجلس أمامه في الشرفة على كرسيّ هزّاز مريح من القشّ مغطّى بفرشٍ أزرق باهت تداعبها بعض النسمات المنعشة المطعّمة بنسيم البحر العليل القادم من بعيد والتي لطّفها تراجع
نسبيّ بدرجات الحرارة وقد قاربت شهور الصيف على الأفول
كان ينظر إليها بينما تشرب من فنجان للقهوة مذهّب ترفعه لشفتيها وتخفضه من جديد ببطء رتيب وتلقائية غير مدروسة يقرأ على وجهها حزنا غائرا يحاكي حزنا توأما معشّشا في قلبه يخنقه بقوّة إيمانٍ ورضى بالنصيب
فجأة وعلى حين غفلة وبينما تضع فنجان القهوة على الطاولة الدائرية الصغيرة أمامها سمعها تقول بصوت مختنقٍ حانق:
ليش بس يا ربي ليييش!
نهرها أبو عماد مؤنّبا رغم اشفاقه عليها:
استغفري ربّك يا بنت الحلال لا إعتراض على حكمه
قالت أم عماد بصوت مهتزّ متحشرج:
أستغفرك يا رب بس.
بس لييش شو شاف من الدنيا هالولد لحتّى يصير فيه هيك ليش ليش هو دوناً عن بقية البشر؟
تنهّد أبو عماد بأسى عاجزا حتّى عن مواساتاتها وهو الذي يحتاج لمن يواسيه لكنّه ورغم ذلك لم يستطع إلّا أن يشفق عليها وهي التي لطالما كان أكبر عيوبها حبّها الأعمى وحمائيها المبالغ بها نحو أولادها
عامّة وعماد خاصّة عدم تقبّلها لأيّ سوء يمسّهم بل وحتّى رفضها لمن قد يتسبّب له بأذى حتّى وإن لم يكن مقصود بل ومعاداته أيضا
يذكر جيّدا قبل سنوات كيف عادت أخاها أبو كرم وقاطعته فقط لأنّه اختار أن يزوّج ابنة أخيه غزل لابنه كرم بدلا من عماد لم تغفر له قط على الأقل ليس وهو حيّ!
نشيجها الناعم قاطع أفكاره من جديد بينما تقول بصوت متألم:
بتعرف بتتذكّر يوم ما قولتلي عنّه عن عماد وآنجلا يومها من جواي رفضته.
كنت بدّي حفيد أفرح فيه من وهو ببطن أمّه.
أكون أوّل حد بيحمله.
أغنيله وأدلعه يقوللي يا تيتا وأحكيله يا عمري.
يا غالي يا ابن الغالي.
بس بوقتها قلت هو ابنّا لحمنا ودمنا واحنا أولى فيه.
وقبلت أستقبله وأتعرف عليه وأنا من جواي داخلي مقرّرة إنّه ما بدّي أحبّه بدّي يرجع مع إمّه بأسرع وقت لحتّى فرحتي بالحفيد الجديد ما تتأخّر بس بس لمّا شفته
ازداد نشيج أم عماد وأكملت بينما تقاوم دموعها بقطع طريقها ومسحها مباشرة من تحت جفنيها المترهلين فيما هو مصغٍ لها بانتباه:
عماد شفت عماد نسخة طبق الأصل عنّه ابني قطعة من قلبي كيف كييف ما بدّي أحبّه ابني رجعلي رجع لحضني من بعد ما رفرف وطار من بعد ما كبر وطلع من تحت جناحي بوقتها سبّيت
شتمت على عماد ولوهلة حسّيت إنّه غضبانة عليه وما بدّي أسامحه وأوّل ما عبدالله قرّب منّي وحضني قلبي من جوّا انفتحله وفهمت عرفت شو يعني ما أعزّ من الولد إلّا ولد الولد
ابتسم لها أبو عماد وقال بصوت متحشرج:
وهاي الحمد لله ولد الولد بعده موجود عايش وزال عنّه الخطر وبدل ما تحمدي الله وتشكريه قاعدة هون تنكري فضله وتحاسبي فيه!
نظرت له أم عماد وقالت بوجع:
يا حسرة قلبي عليك يا قلب تيتا أستغفر الله العظيم وأتوب إليه الحمد لله على كلّ إشيالحمدلله!
رنّ عماد جرس باب شقّة آنجلا للمرّة الثالثة دون أن يلقَ ردّا رغم يقينه من كون آنجلا متواجدة حاليا بالمنزل فهو موقن أنّها لن تخرج دون إخباره إن لم يكن لشئٍ فعلى الأقل حتّى لا
تترك عبدالله وحيدا بالمنزل
بعد دقائق قليلة وقف فيها مكانه حائرا وصله صوت حركة مكتومة من داخل الشقة ليسمع من بعدها القفل يدور بالباب وسلسلة الأمان تبعد من مكانها وذلك لا بدّ من بعد أن تأكدت آنجلا من هويّة
القادم من العين السحرية للباب
كانت كلمات الاستغراب والحنق والقلق تكاد تتجاوز شفتيه عندما ألجمه شكلها ووقف أمامها عاجزا عن النطق ولولا سيطرة كبيرة استطاع أن يفرضها على نفسه بفعل سنوات عمره التي تجاوزت الواحد والثلاثين لعجز أيضا أن يقفل
شفتاه ولنسيهما فاغرتان بينما يشاهدها بذلك المظهر المثير
كانت واقفة أمامه بوجه ورديّ زال عنه ما رافقه من شحوب في الفترة الماضية وعيون متراخية متلألئة لا زال الوسن متراخيا على أهدابها مرتدية ملابس خاصّة بالصلاة كحليّة اللون بزهرات صغيرة ورديّة فعلم أنّها لا
بدّ قد قرّرت أخيرا مجبرةً أن تأخذ استراحة محارب وتسترق من ساعات يومها المهلكة ساعة أوساعتين على الأكثر للنوم فهو يدري جيّدا أنّها ومنذ أكثر من شهر لم تنم نوما حقيقيّا قط وتكاد لا تفارق
عبدالله لا ليلا ولا نهارا خشيةً عليه من أيّ طارئ يُلزمه التحرّك أو من أيّ لحظة انهيار يسرقها على غفلة منها وكم يحتاجها وكم يتمنّى هو أن يتواجد معها حينها بل وفي كلّ حين بدلا
من أن يقضي ساعات بُعده عنهم يتساءل قلقا ماذا يفعلون بل.
كيف!
سألها عماد بصوت أجشّ ومظهرها ذاك قد أعاد لذاكرته ساعات طوال قد قضتها في سنواتٍ فائتةٍ في فراشه لا وسادة لها سوى رحاب صدره الدافئة تتمرّغ فيها كما تحبّ وتشتهي دون أن تلاقي منه سوى
الترحيب:
أيقظتك؟
حرّكت آنجلا يدها بحركة واهية بأن لا يهتمّ وقالت:
من الجيّد أنّك فعلت لقد ذعرت وصوت جرس الباب يهاجم وعيي إذ أدركت أنّني قد نمت على غفلة منّي في الحقيقة ما إن شاهدت عبدالله قد نام حتّى ذهبت لغرفتي أريد أن أتحضّر لأخذ حمّام
ساخن طويل أحتاجه جدّا وفجأة شعرت بالسرير يناديني ويخبرني أن لا ضرر إن تمدّدت قليلا والقليلُ قد امتدّ حتّى الآن
ابتسم لها عماد قائلا:
يحقّ لك أن تستريحي آنجلا وكم أتمنى اراحتك أكثر لو استطعت إذا هل عبدالله لا زال نائما
هزّت آنجلا رأسها وقالت بينما تتقدّمه لداخل الشقة وصوتها يملئه الأسى:
لم ينم سوى ساعات قليلة ليلة أمس قضى الليل يتقلّب على الجانبين بينما أنا أقف على باب غرفته خارجا غير قادرة على تركه وحيدا والابتعاد عنه قليلا لإعطاءه المساحة الخاصّة كما قال الطبيب لقد ألقيت
عليه نظرة سريعة قبل أن أفتح لك الباب ووجدته على حاله نائما لم يتحرّك
تمتم عماد بالـحمدلله واتجّه ألى حيث غرفة موضوع حديثهم لم يحتج عماد إلى كثير من الوقت كي يعلم أنّ عبدالله ما عاد نائما رغم ادّعائه العكس بل ربّما هو لم يكن نائما من الأساس
تلوّى كبد عماد ألما على حال فلذة كبده التي صار عليها وجذوة النيران التي تضطرم في قلبه ازدادت اشتعالا من كان ليظنّ أنّ ذلك الطفل الذي أسر فؤاده ما إن رآه وخلب لبّه بحساسيته المرهفة
وذكاءه الذي يفوق عمره بمراحل سيصبح أعمى
شهر قد مرّ حتّى الآن منذ تلك اللحظة التي أعلن فيها الطبيب تلك الحقيقة ووقع الكلمة لا زال يرنّ في قلبه بذات الوقع النشاز ولا زال الوجع يدمغه بذات السوء أن يكون ابنك ورغم حقيقة
أنّه يحمل عيونا من أجمل ما يكون.
أعمى
شهر قد مرّ حتّى الآن على ثلاثتهم وقد كان من أسوأ ما يكون ذلك الابتلاء الذي اختارهم الله دون غيرهم من البشر كي يجابهوه كان من أسوأ أنواع الابتلاءات التي قد تواجهها أيّ أسرة طبيعيّة
فكيف بأسرة مثلهممفكّكة بشكل وثيق غريب؟
ينظر لولده الآن بأنفاسه المتقطعة و يده البيضاء الصغيرة المنكمشة تشدّ على الغطاء بشكل مرتجف ضعيف ولا يستطيع إلّا أن يتسائل أهو ابتلاء حقّا أم عقاب أفاضت صفائح أعماله وامتلأت بالزلّات حتّى قرّر الله أنّ
أوان عقابه قد آن علّه يخفّف عنه في يومٍ آخر بعيد قريب؟
أيعاقب على روح ما كانت حقيقة مفارقتها لجسدٍ خبيث لتتغيّر في تلك اللحظة الحاسمة قبيل خروجها بلحظات حتّى وإن أبدى أيّة مبادرة للمساعدة لكنّه ببساطة قرّر أن لن يفعل أم على روحٍ أخرى حبيبة أبى
إلّا أن يتركها معلّقة حائرة ما بين أسباب الرفض ظانّا أنّه يمنحها الحريّة والراحة بطلاقٍ ما كان ليريحه ولا يرضيه إنّما يطبطب به فقط على روحه المؤرّقة بذنب الفراق أم أنّه ببساطة يبتلى بذنب قطيعة
فعليّة لسنوات سبع عن والديه وقطيعة روحانية عُمريّة عن والدته؟
أجل هذا هو شعوره الدائم بالانفصال عن والدته مهما تقرّبت منه لطالما كان مصدرا دائما لإحساسه بالذنب حتّى حين هرب منذ سنوات وغادر الأردنّ دون وصال كانت والدته هي السبب الحقيقي وراء ذلك خائفا بل
مرتعدا مما ستقوله له عن زواج كرم من غزل ويقتله شعوره الدائم بنواقصها الكثيرة من مقارنات سخيفة لاحقته بها لسنوات حياته كلّها حتّى جعلته انسانا باحثا عن الكمال معقّدا ومن أخرى أجادت جدّته أمّ أبيه
إظهارها له بل وتهويلها أيضا
كان عماد كلّما شعر بذنبه نحوها أكثر عوّضها وعوّض نفسه بالطاعة حتّى حين قبل بالزواج أخيرا من رولا إنّما فعلها كي يرضي ضميرا أتعبه من كثرة الجلد حتّى إذا ظهرت بوقتها آنجلا أبى أن يحرم
والدته من تحقيق ذلك الحلم مهما بدى له فيه عذابا مضنيا!
تنهّد عماد وأغمض عينيه مذكرا نفسه أنّه الآن قد انتهى زمن الندامة وأنّه في خارطة أيّامه القادمة لا مكان سوى للإقدام فعبدالله وأمّه آنجلا في أمسّ الحاجة إليه مهما أنكر ذلك كلاهما
اقترب عماد من سرير عبدالله وقال:
لقد غادرت أمّك يا عبدالله منذ بعض الوقت وما عاد هناك من داعٍ كي تدّعي النوم
اضطراب أنفاس عبدالله كان الدليل الوحيد على كونه قد سمعه فعلا وفيما عدى ذلك فهو لم يتحرّك قيد أنملة وضع عماد يده الكبيرة على جسد ابنه الصغير وقال بحنان:
افتح عينيك بنيّ
حشرجة ناعمة صغيرة لامست أذنيّ عماد قبل أن تصله كلماته فتصيبه في مقتل:
وما الفرق!
كلمات الصغير رغم بساطة تكوينها إلّا أنّها كانت قاسية بشكل آلم عماد في قلبه ولكنّه سرعان ما تمالك نفسه وداعب شعر عبدالله بحنان وقال بهدوء وتؤدة علّ الكلمات تصل لعبدالله في غفلته المظلمة فتوقظه مما
هو فيه:
الفرق يا بنيّ كبير أن يحيطك الظلام في كلا الحالتين لا يعني أبدا أنّك عليك أن تركن للكسل وللقعود لقد أمرنا الله بالعمل دون أن يشترط علينا لا بجنس ولا بعمر ولا حتّى بصحّة خذ
الصلاة كمثال نحن نصلّي وقوفا وان لم نستطع فجلوس وإلّا فرقودا وبالعينين لا تسقط عنّا أبدا إلّا إن فقدنا عقلنا وعلى هذا نقيس الكثير وحسبما أعلم فأنت تملك من العقل الكثير بل إنّك ما شاء
الله تفوق كلّ من هم في مثل عمرك فهل من العدل أن تكون جاحدا لما أنعم عليك به الله من نعم كثيرة بذلك الشكل؟
تحشرج صوت عبدالله أكثر وقال ردّا على أبيه:
أبي أنا أعمى أيّ نعمة تلك التي تكلّمني عنها
أجابه عماد قائلا بحزم:
إيّاك أن تقول ذلك يا عبدالله أنت تملك عقلا راجحا ووالدين محبّان وبيتا يؤويك تنام شبعان دفئان تملك السمع والقدرة على الحركة أنت أعمى يا عبدالله لكنّك لست عاجزا
اختنق صوت عبدالله بينما يقول بحنق:
إن كنت لا أستطيع أن أرى طريقي.
وإن كنت سأتوه عن باب بيتي وأجزع وأتخبط خوفا بينما أنا أقف بجانبه فأنا بالتأكيد عاجز
تألّم عماد بشدّة وشحب وجهه وذكرى ذلك اليوم البغيض الذي يتحدّث عنه عبدالله بذلك القهر تعود وتطرق أبواب جنونه من جديد
الحقيقة أنّ عبدالله لم يكن بذلك الانعزال واليأس قبيل أسبوع من اليوم صحيح أنّ صدمة عماه كانت قاسية عليه صحيح أنّ ذلك اليوم الذي تأكّد فيه أنّه ما عاد بقادر على الرؤيا من جديد كان
من أقسى الأيّام التي مرّت أو قد تمرّ عليه كما عليهم يذكر عماد جيّدا كيف رفض ابنه تلك الحقيقة في ذلك اليوم كيف أكّد عليهم رؤية ضوء لا يراه ووجوها يتخيّلها دون أن يبصرها كيف
أخذ يشير في جنون على مساحات مبعثرة من الغرفة التي كان فيها قائلا أنّ هنا تقبع أمّه تنتظره باكية وهناك يوجد والده يتطلّع إليه فخورا في حين أنّ أصبعه ما كان يشير إلّا إلى الزوايا
الفارغة
تلك الحالة سرعان ما تغيّرت ما إن أحضروا له طبيبا نفسيّا مختصّا يعمل بذات المستشفى كي يتحدّث معه قليلا تاركا والديه خارجا حيث آنجلا تبكي منهارة في حضن عماد الذي كان يقف بدوره مشدوها مكذّبا
حقيقة ما يحدث مناقضا بذلك كلماته المهدئة التي كان يلقيها على مسامع آنجلا دون أن يعرف ماهيتها ولا فحواها منفصلان عن الدنيا كانا حيث لا ماضٍ ولا حاضرٍ وإنّما فقط مستقبل أسود
أيّام قضاها عبدالله في المستشفى صامتا منفصلا وكأنّه يحاول استيعاب حقيقة ما يحدث ولكن في الواقع ما كان هناك مجال للتكذيب لا سيّما وقد عاد طفلا صغيرا يحتاج لمن يطعمه ويسقيه وحتّى كي يعلّمه كيفية
↚
استعمال دورة المياه
وما كانت سوى أيّام قليلة حتّى أُذن له بالخروج وحينها وفي اليوم التالي لخروجه كان عبدالله وكأنّه قد قرّر كسر كلّ القيود وكأنّه وقد تواجد في بيئة ترعرع فيها ظنّ نفسه على أرض صلبة يحفظها
عن ظهر قلب فأعلن وبطريقته الخاصّة أنّه سيظلّ دوما طائرا حرّا لا يعترف بالحدود وأنّ جناحه ليس مكسورا أبدا كما يريدون أن يوهموه وحينها بدأت معاناته الحقيقيّة جارّا والديه معه في دوّامة قاسية من الخيبات
المتلاحقة والمخاوف التي بلا حدود حيث تحملهم معه لمستقبل سحيق بلا حدود
رافضا لكلّ تعليمات الطبيب رافضا لكلّ توجيهات معلّما اختصّ بتأهيله حركيّا واجتماعيا ابتدأ عبدالله بمقامراته الكارثية تخبّطاته الكثيرة ما بين جدران البيت ومحتوياته الكثيرة طريقة أكله العشوائية طريقة لبسه الفوضويّة غير المتناسقة سقطاته الكثيرة ليلا
والتي كانت تجعل آنجلا فزعة طوال الليل لا تنام لا سيّما وأنّها وابنها وحيدان في تلك الأوقات إذ يقرّر فجأة أنّه يحتاج الذهاب للحمّام أو أنّه عطش يحتاج شرب الماء
كم كانت تلك أيّاما منهكة لعماد وآنجلا زادها عليهم تحوّله من طفل مسالم لآخر عنيف حادّ الطباع بالإضافة لرفضه غير المرئي ولا المنطوق لهما وخاصّة لأمّه حتّى كان يوما
كان عبدالله يجلس وحيدا في الصالة يناظر اللاشئ من حوله فيما كانت آنجلا في المطبخ تصنع له كوبا من عصير الفواكه المشكّلة والتي كان يعشقها مستخدمة الخلّاط بصوته العالي شديد الازعاج
كان عالم الصوتيات يهاجمه بلا هوادة سالبا منه راحة باله ومزعزعا أمنا أجوفا يحاول أن يخلقه في نفسه فها هو صوت الخلّاط يبعثر صوت تكّات الساعة المستفزّة وها هو صوت سيّارة أحد المارّة يقاطع على
عصفور صغير استكمال معزوفة زقزقته الخاصّة ليتخلّل كلّ ذلك أخيرا صوت قطّة صغيرة ناعمة بفراء أبيض كثيف تموء بإلحاح قطّة وبيضاء؟
سرعان ما وقف عبدالله مسرعا وبحماس يريد فتح الباب والترحيب بتلك القطّة الشقّية الواقفة لا بدّ على باب بيتهم والتي يعرفها جيّدا من صوتها إذ كانت خاصّة بجارهم العجوز والمهووس بجمع القطط الضالّة والتي كثيرا
ما كانت تتسلل لبيتهم عبر باب الشرفة المفتوح في أيّام الصيف الحارّة
مادّا كلا ذراعيه أمامه يحرّكهم بهوجائية حمقاء يتخبّط باللاشئ فأثات المنزل جميعه ما عاد يتوسطّ الطريق وقد أزيح حول كلّ الزوايا على حاله استمرّ عبدالله حتّى ارتطم بالجدار فمشى ملتصقا به يتحسّسه حتّى وصل إلى
الباب وبطريقة ما تدبرّ أن يفتحه لتلفحه نسمات دافئة وتداعبه أشعّة الشمس التي اختارت أن تكون في ذاك اليوم لطيفة ودودة
ما إن فتح عبدالله الباب حتّى شعر بالقطّة تبتعد قليلا فمشى خطوات قليلة ناسيّا بلهفته للشعور بها الثلاثة درجات التي تصله بالباحة الأمامية لسكّان المنطقة أمام الشارع
تلك الثواني التي مرّت بينما كان عبدالله يسقط على الدرج كانت بالنسبة إليه طويلة تجرفه في هوّة سحيقة مظلمة لا نهاية لها أمّا حين استقرّ جسده الصغير على بعد خطوة وليس أكثر بعيدا عن بنايتهم
كان وكأنّه قد دخل متاهته الخاصّة وكأنّ تلك السقطة سرقت منه كلّ ذكرياته فما عاد بقادر حتّى على تحديد اتجاهاته
لحظات هي وقف فيها بالباحة ذاهلا ليبدأ من بعدها التخبط يمينا وشمالا بحثا في تلك العتمة اللامتناهية عن بصيص واهٍ من الضوء يدّله على باب بيته ومن بين ذلك التوهان ومن بين تلك الأمنيات بأن
تدرك أمّه اختفاءه فتأتي إلى حيث هو بحثا عنه وفي لحظة واحدة أدرك أنّه عاجز!
كان عماد ينظر إلى ابنه ويفكّر بأنّ تلك التجربة ورغم شدّة قسوتها على عبدالله إلّا أنّها أتت بفائدة فقد أدرك عبدالله أخيرا أنّ قدراته ما عادت كما في السابق وأنّ عماه مهما كثرت تسمياته إلّا
أنّه في النهاية يظلّ إعاقة حقيقة بقدر ما هي مؤلمة إلّا أنّها على الأقل ستبقيه حيّا وستجبره أوّلا أو آخرا على التكيّف مع وضعه ذاك!
أمسك عماد يد ابنه وضغط عليها وكأنّه يبثّ به بعضا من الإرادة ويؤازره بطريقته الخاصّة يريد أن يعلّمه أنّ التواصل لا يكون فقط بالعيون الاهتمام والحبّ لا يُرى بقدر ما يُحسّ وقال:
عندما تعرف كيف تتعامل مع وضعك الجديد كيف تتأقلم معه عندما تتقبّل المساعدة ممن هم مختصّون بتعليمك كيف تتعامل مع كلّ ما حولك كيف تأكل وتشرب وتتحرّك وحتّى كيف تقرأ وتكتب عندها سترى ولكن بطريقتك
الخاصّة وحينها لن تكون عاجزا بل قويّا ومميّزا ولكن بطريقتك الخاصّة!
همس عبدالله وقال وبعض الاهتمام يغزو أحباله الصوتية:
مميزا؟
ابتسم عماد وقال بينما يقترب من ابنه أكثر ويرفعه حتّى يجلسه متكئا على ظهر السرير وقال مؤكدا:
نعم مميزا أتريد أن أخبرك كم من شخص مميّز ومشهور شهد التاريخ ممن هم لا يبصرون الحقيقة هي أنني لن أستطيع فعددهم كبير إلّا أنّني سأخبرك أنّ كلّا منهم قد استطاع أن يشقّ له في
هذه الدنيا طريقا وجد فيه مصدرا لقوّته وتميّزه
كان عبدالله مصغيا بكلّ انتباه لوالده ووجد نفسه منغمسا بعمق الكلمات وبكلّ انتباه وقال وكأنّه يطلب من والده تأكيدا على كلامه:
أتستطيع أن تسمّي لي واحدا؟
اتسعت ابتسامة عماد أكثر وحرّك عبدالله برفق ليفسح له بعض المساحة وجلس بجانبه محتضنا إيّاه عالما أنّ اللمس حاليا هي طريقته الوحيدة للشعور بالأمان وقال:
في الحقيقة لا أنا لن أسمّي لك واحدا بل سأسمّي لك الكثير!
وابتدأ عماد بسرد أسامي الكثيرين من علّامة العرب الضريرين مترافقة بقصصهم التي لطالما انبهر بها غير غافلٍ عن آنجلا التي كانت تقف متراخية على إطار الباب تبكي بصمت متألم كان هو أكثر من فاهم لأسبابه
فعبدالله بطريقة أو بأخرى كان عاجزا عن التواصل معها نابذا إيّاها من راحة التواصل
يوم الجمعة
دخل معتز البيت بعد صلاة الجمعة فوجد أولاد أخته يلعبون في ساحة البيت برفقة أولاد أخيه أمسك بهم مقبلا إيّاهم واحدا واحدا ومشاكسا إيّاهم بإضحاكهم قليلا وإبكاءهم كثيرا أخذ وقته في فعله ذلك وكأنّه وجد
في الانغماس بمعمعة الأطفال وملاحقة شكاويهم وتذمراتهم المنهكة الكثيرة سلوى جيّدة وإلهاءا قويّا عن خيالات سادية تعذّبه منذ ما يزيد عن الشهر
بعد بعض الوقت وبعد أن انتهى من اللعب مع الأطفال أخرج من جيبه كلّ ما تحتويه جيبه من نقودٍ معدنيّة موزعا إيّاها بينهم متجنبا أقربهم إلى قلبه سحر ابنة أخته ذات الستّة أعوام والتي كانت
بطريقة أو بأخرى تذكره بابنة له لم يكتب لها أنفاسٌ في هذه الدنيا ولكنّها لو عاشت لكانت تقاربها عمرا
اقتربت منه باعتراض وشكوى وقالت:
وأنا وين حصتي؟
ابتسم لها وقال مشاكسا بينما يقوم بحملها:
إنتي إلك أكبر حصّة طبعا
نظرت له ورفعت له حاجبا واحدا ومدّت يدها أمام وجهه تطالبه بتلك الحصّة الأكبر المزعومة فابتسم لها بخبثٍ مكشّرا عن أسنانه وقرّب وجهه منها لينهمر عليها بسيلٍ من القبلات العنيفة الخشنة فتبدأ هي تفرفر بين
يديه كعصفور خائف إلّا أنّ الفرق أنّها لم تكن أبدا خائفة وإنّما غاضبة
بعد أن أحسّ أنّها قد بلغت الذروة بفورة غضبها أبعدها عنه ووضعها أرضا وقال مغيظا إيّاها أكثر:
شو ما عجبتك حصتك؟
تخصّرت الطفلة وقالت له:
عنجد؟
بالله شو أشتري فيهم هدول؟
هزّ معتز كتفه وقال ضاحكا:
ما دخلني دبري حالك
قالها ومشى ببساطة لتقف هي وراءه وتقول بخبث:
طيب براحتك عاد كنت بدّي أحكيلك وين ماما هلأ وليش تيتا زعلت منها!
معتز ورغم علمه أنّه من الخطأ استقاء المعلومات من طفلة صغيرة ولكنّها فعلا أجادت إشعال فضوله بل ترقّبه
التفت إليها وقال:
ليش ماما مو جوّة داخل بالبيت مع تيتا؟
هزّت الصغيرة رأسها وقالت:
لللأ
اقترب منها معتز وقال مضيّقا عينيه:
طيّب وينها؟
مدّت الصغيرة يدها وقالت:
حصتي أوّل
رفعها معتز من جديد ونظر لها بتهديد وقال:
احكي بالأوّل يا طماعة وبعدين بنقرّر حجم حصتك
قرّبت الصغيرة فمها من أذنه وقالت بينما تغطّيه بيدها فلا يعلم أحدا بإفشاءها لسرّ جدّتها الخطير:
ماما راحت عند الجيران
ضيّق معتز عينيه وقرّب فمه من أُذنها وفعل كما فعلت فقام بتغطية فمه هو الآخر كي يشعرها بالأمان بينما مطارق الشوق والألم تفعل أفاعيلها في قلبه:
أيّ جيران
سرعان ما قرّبت الصغيرة فمها المغطّى بيدها من جديد وقالت بينما تهزّ كتفها وقالت:
ما بعرف بس تيتا زعلت منها وقالتها ياويلك معتز يعرف إنّك كنتي عندها
هزّ معتز رأسه ووضع الصغيرة أرضا وارتفعت عيناه تلقائيا ناحية شبّاك محدّد كثيرا ما كان هدفا لنظراته في سنوات سحيقة سابقة حين كان ظلّها دائم التواجد متتبعا خطاه ظلّا افتقده كثيرا في سنوات لاحقة مخلّفا
لعينيه خلف النافذة الفراغ ولكنّه ويا للعجب لم يكن فارغا الآن
ثانيتان هما لم يزيدا تلكما اللتان لمح فيهما ظلّا فاهيا لا لون له ولا ملامح خلف زجاج نافذتها المظلّل قبل أن يهرب الظلّ برمشة عين رغم أنّه لم يرمشها حقّا ولكنّ ما تخلّف من بعدهما
من ألم كان كبيرا وقاسيا يا الله كم يشتاقها كم يفتقدها مبتور هو بها والله مبتور
ما أطول لياليه وما أقسى أفكاره وما أقوى سياطها بينما تضربه من اليمين حينا ومن اليسار أحيان ما بين غيرة تتلظّى واشتياق حارق تنقضي لياليه يشتاق فيقول هانت فالوصل بات متاحا فيتذكّر أنّه بعيد فالشهور
ليست أربع بل تسع تسع ثمّ ماذا طفل طفل ليس منه طفلٌ يذكّره مرارا وتكرارا هذا إن استطاع النسيان يوما أنّها كانت لغيره فعليّا لغيره
على صدى هذا الألم شعر بيدٍ تهزّ قدمه فنظر إلى حيث ابنة أخته تشدّ بنطاله مادّة يدها إليه من جديد مطالبة بمالها فضربها بخفّة وقال باختناق متحاشيا زحمة الأفكار وقال:
ولا فلس عشان تتعلّمي مرّة تانية ما تنقلي الكلام وتفسدي بين الكبار!
وعلى صرختها دخل البيت.
صرخة وصلتها إلى حيث هي تجلس مع شقيقته تسمعها ولا تصغي تبتسم بحنين تهرب به من واقع مرارتها فهذا هو معتز يحبّ يشتاق ويتألّم بعنف!
مساءا وبينما الجميع لاهٍ بمتابعة فيلم كوميدي شيّق على التلفاز نظر لشقيقته التي جلست بجانبه مضطرة وقد خلا المكان من الخيارات مدركا كان بتهرّبها منه مذ عادت من زيارة ميّ وهذا إن دلّ على شئ
فإنّما يدلّ على أنّ لديها الكثير لتحكيه
قال لها بهمس مستغلّا ضحك العائلة على موقف فكاهيّ قد عُرض للتوّ:
كيفها؟
نظرت له شقيقته متفاجئة للحظات قبل أن تُدرك مقصده فالسرّ لم يكن خفيّا كما ظنّت فقالت مباشرة دون أن تدّعي عدم الفهم رغم شعورها بالذنب ناحية والدتها التي تكره مي دون سبب مبرّر:
حالها بيصعب عالكافر
الاعتصارات في معدته كبده والقلب ازدادت التواءا وسأل هامسا باختناق:
ليييش؟
تنهّدت شقيقته وهمست بألم:
تعبانة
نظر لها وسألها باحتراق:
من الوحام؟
رغم أنّ مجرّد تفكيره بالأمر نطقه بالكلمة يعتبر تعذيبا إلّا أنّه لا يستطيع إلّا أن يتخيلها متعبة شاحبة يعلم هو بوحامها الصعب غثيانها المتعب.
دوارها الدائم وبحاجتها للدلال دلال ما كان يغدقه عليها إلّا بعد أن تملّ من طلبه لكن الآن ممّن ستطلبه وعلى من ستتدلّل ولمن ستشتكي
صوت أخته أوقف الصفعات المؤلمة التي كانت تتوالى على عقله دون تخطيط بينما تقول بهمّ:
الموضوع مش بس وحام حسّيتها كأنها مش هي ساكتة كلّ القعدة ضلّت ساكتة إلّا لو توجهتلها هي مباشرة بالسؤال ووقتها كانت تردّ بكلمة كلمتين مش أكتر
ابتلع معتز ريقه وسأل بصوت اخشوشن رغما عنه يفضح ألما كان يمزّقه وينهش فيه دون رحمة أو رأفة:
زعلانة عليه؟
↚
هزّت شقيقته كتفها وقالت:
أكيد يمكن ما بعرف بس الأكيد إنها متحطمة من الحمل أو من وفاة زوجها أو من إشي تاني أو من كلّه الله أعلم
إلى هنا وصمتت شقيقته زرعت في قلبه سهاما مشتعلة وصمتت بعد أن رشقتها والدتها بنظراتٍ محذّرة
كفتى عاقل كان يجلس مظهرا الهدوء وفي قلبه ثورة كان ينظر لها من حيث يجلس شامتا وكانت تبادله النظر مغيظة
كانت عائلة أبو كرم اليوم تقضي وقتا عائليا لطيفا باستضافة بيت عمّتهم بعد أن دعاهم أبو مجد اليوم لتناول الغداء معهم بلفتةٍ لطيفة منه كما يظنّون ضاغطةٍ كما تراها هي كي بتعرّف العروسان على بعضهم
عروسان كما يحبّون أن يظنّوا فكيف تكون زوزو عروسا إن لم تقبل بالعريس عريس لا تفهم حتّى الآن كيف وصل إلى رتبة عريس!
تذكر زوزو جيّدا ذلك اليوم منذ شهر عندما اعتقدت أنّها قد تفوّقت عليه عندما ظنّت أنّها قد أحرزت انتقامها منه أخيرا وأنّها قد ردّت له عنف صفعته لها منذ سنوات بعنفٍ أكبر تذكر جيّدا تلك
السعادة المتشفيّة التي ملأت قلبها بينما تلاحظ انقلاب ملامحه من واثقة إلى مصدومة بينما تراقب انسحاب اللون من وجهه ليبدوا شاحبا للحظة ومن ثمّ داكنا ممتقعا للحظات صحيح أنّه سرعان من انتزع سمات الصدمة عن
ملامحه مستبدلا إيّاها بابتسامة باردة قائلا بكلّ صلف اضحكي يا زوزو اضحكي بس تذكري منيح من يضحك أخيرا يضحك كثيرا
كم كانت متحمّسة تلك الليلة بينما تنتظرعمّها في غرفتها كي يأتي إليها آخذا رأيها بالعريس وكم كانت متحمّسة للقبول ليس أنّها أرادت هزيمة يوسف بضربة قاضية فقط ولكنّها أيضا كانت مقتنعة بأستاذها كزوج مناسب لها
فهو مثلها طبيب سيتفهم طبيعة عملها المجهدة وساعات غيابها الطويلة عدى عن المناوبات الأسبوعية المتكرّرة سيتقبّل طموحها ويقبلها كما هي
لا تعلم كيف بالضبط انقلب السحر على الساحر في تلك الليلة وكيف تحوّل الانتظار إلى خيبة ليس أنّ عمّها لم يحضر بل فعل ولكن جاءها متقدما باسم عريس آخر يوسف
نظرات الغيظ التي رشقته بها زوزو الآن -بينما تتذكّر صدمتها بيومها والتي ما استطاعات كبحها بينما تردّد اسم يوسف وراء عمّها كالببغاء- قابلها هو بالمقابل بابتسامة تسلية شامتة قارئا أفكارها
لا يعلم أيّ حظّ حسن هو ذلك الذي جلب زوج عمّته في ذلك اليوم عائدا للبيت وقد كان قطع منتصف الطريق بعد أن اكتشف أنّه قد نسي جهازه النقّال فيلاقيه هو بينما كان خارجا من
بيت عمّته على الباب فينظر إليه زوجها خائفا مصدوما برؤيته في بيته منذ الصباح الباكر
لم يخفي أبو مجد دهشته طويلا إذ سرعان ما بادره بالسؤال عن سبب تواجده الغريب في بيتهم في ذاك الوقت وإن كان الجميع بخير ولأنّه ليس من النوع المتلاعب المماطل فقد كان صريحا معه بكونه
أراد الانفراد بعمّته ليسألها بضعة أسئلة فيما بختصّ بزوزو وذلك لكونه يفكّر جديّا بالارتباط ولم يجد من هي أنسب منها كي تكون له زوجة
لم يدرك كم كان محظوظا بتلك الخطبة الصباحيّة إلّا حين أخبرته عمّته أنّ عريسا آخر قد تقدّم لطلب زوزو لاحقا في ذلك اليوم وأنّ أبو مجد قد ردّه مبدئيا مذكّرا إيّاه بأنّ لا يصحّ للمسلم
أن يخطب على خطبة أخيه وأنّه لن يقبل خطبته قبل أن تأخذ ابنة أخيه قرارا نهائيا بشأن العريس الأوّل وما لم يتوقعه بالطبع أستاذها أن ينتظر قرارها لأكثر من شهر
ليس أنّ زوزو تردّدت بشأن رفضه بل بالواقع فإنّ زوزو ما إن استوعبت اسم العريس الذي قد عرضه عليها عمّها حتّى سارعت بالرفض الفوريّ مما أثار استعجاب عمّها سائلا إيّاها وبصراحة إن كان هناك شخص
محدّد في حياتها كي ترفض يوسف لأجله دون تفكير
سؤال عمّها أثار لديها ذكريات مؤلمة رغم علمها بأنّه لا بدّ يقصد بسؤاله أستاذها الذي دخل بالفعل من الباب طالبا يدها إلّا أنّها أنكرت ذلك تماما معلّلةً أنّها لا تفكّر بالزواج أبدا حاليا لا سيّما
بأنّها بسنتها الجامعية السادسة الآن وضغوطات دراستها كثيرة
للأسف رفضها لم يقبل به عمّها طالبا منها أخذ مهلة قبل أن تقرّر فيوسف وياللسخرية عريس لا يُردّ!
تنهّدت زوزو بينما تشعر ببعض الاختناق فهي وبرغم اندماج الجميع بالحديث إلّا أنّها كانت تعلم أنّها كانت بشكل أو بآخر تحت المجهر كانت تشعر بتواطؤ الجميع معه ومحاصرتهم لها بالزيارات التي ازدادت بين العائلتين مثلا
بالآونة الأخيرة التغنّي بمواصفاته الرجولية الخاصّة الهمزات واللمزات حولهم وأخيرا نظرات والدته المتأمّلة حينا والحانية أخرى
نظرت له زوزو من جديد ورأت نظراته المتمحصة التي كان يرشقه بها تلك النظرات التي باتت تخيفها وتوترها نظرات متفحصة غامضة مزيج ما بين اعجاب و عدم رضى نظرات ما عاد مباليا بأن يخفيها وكأنّه
ولمجرد أن طلبها للزواج قد أعطى لنفسه الحقّ بأن يستبيحها
رفعت زوزو يدها بحركة تلقائية بينما ترى عيناه تتوقفان على نحرها الذي ظهر من فتحة بلوزتها الزيتية الواسعة بأكمامها القصيرة المنفوشة والمزمومة من الأسفل بحبل داخليّ رقيق بطولها الذي لا يتجاوز خصرها الناحل والكاشفة عمّا
لم يخفيها بنطالها الجينز الأسود الضيّق من تفاصيل حركة وجدها يوسف محتشمة بشكل مثير للسخرية فابتسم لها بخفّة رافعا لها حاجبه باستهانة
تأففت زوزو رغما عنها بضيق ووقفت تلملم ما فرغ من أكواب العصير فتلحق هكذا عمّتها وسراب المختفيتان في المطبخ منذ بعض الوقت أنهت زوزو جمع الأكواب ورصّها ولم يبق إلّا تلك الخاصّة بيوسف والموضوعة على
طاولة صغيرة في الزواية قريبا منه ارتباكها لم يخف على ناظريه فرفع حاجبيه لها بتحدٍ وابتسم لها باستخفاف مغيظ فاقتربت منه زوزو قابلة للتحدّي فهي بالتأكيد لا تخاف منه أبدا ولماذا ستفعل
في الواقع كان هو من عليه أن يخاف فاقترابها منه إلى تلك الدرجة بحيث تميل لتأخذ الكوب الذي لم يمدّه إليها بنذالة تغزوه بعبيرها تشعله بنيرانها كان شيئا مهدّدا لسلامة عقله مقوّضا لركائز صبره فإلى
متى سيحتمل رفضها العنيد وتعنتها الغبيّ بحقّ الله لقد أصبح مصدرا لسخرية دائمة لأخوته وخاصّة عمر الذي يبدو أنّه قرّر أن يخلع عن نفسه ثوب السلحفاة المملّ ويتسرّج كالحصان الفحل مسلّما لرحيق لجامه حتّى بات
يمشي بالبيت نافشا ريشه عليه كما لو أنّ ليس جميع الرجال يمتلكون زوجاتٍ غيره حسنا في الواقع هو لا يفعل بل هو لازال معلّقا كما أنثى لا معلّقة ولا مطلقة على حدّ قولهم!
راقب يوسف ظلّها يأفل من أمامه وشاهد نظرات عمر الشامتة به فلم يستطع إلّا أن ينظر لأبو مجد قائلا له بجديّة:
عمّي ممكن أطلع برّة شوي مع زوزو للساحة أحكي معها كلمتين.
كانت زوزو تقترب من المطبخ وابتسامة صغيرة تحاول مداعبة شفتيها فتكبحها في صرامة أيعتقد ذلك الأحمق أنّها لم تلحظ توهّج عينيه عند اقترابها منه ولا حتّى اضطراب أنفاسه حسنا لقد فعلت وهذا لا يزيدها إلّا
شماتة وإصرارا على الرفض
قبل أن تخطو زوزو داخل المطبخ وصلها صوت ابنة عمّها سراب باكيّا فوقفت رغما عنها مقطّبة قلقة.
صحيح أنّها قد لا حظت أنّها وزوجها أحمد ليسا على وفاق تامّ اليوم لكنّها لم تتوقّع أن يكون الوضع بينهما متأزمّا إلى ذاك الحدّ وهذا سببا إضافيّا يخبرها بصواب قرارها فالزواج لا يجلب لكلا الزوجين
إلّا التعاسة!
كانت زوجة عمّها تقول لابنتها موبّخة:
بصراحة أحمد معه حق يعني هو انتي ملحقة على بيتك وولادك بالأوّل عشان تروحي تدوري على وظيفة
أجابتها سراب بصوت مخنوق:
يا ماما أنا تعبانة مضغوطة كتير وحاسة حالي مخنوقة
ترقّق صوت أم مجد بينما تجيب ابنتها:
يا ماما هاي الحالة ما في زوجة وأم ما مرّت فيها بمرحلة من حياتها بس صدقيني الوظيفة ما راح تنفعك بالعكس راح تراكم الضغوط عليكي موضوع خدّامة دائمة ببيتكم وبتعرفي وسواس جوزك من هالموضوع ورفضه
إله ممكن تفهميني ولادك وين بدّك تروحي فيهم ولمين بدّك تتركيهم؟
شهقة باكية كانت فقط إجابة سراب لأمّها التي أكملت تحاور ابنتها:
ماما صدقيني إنتي كلّ اللي لازمك تغيري جوّ تبعدي عن البيت شوي كم مرة جوزك حكالك تسافري معه وانتي ما تقبلي
هتفت سراب معترضة:
يا ماما إنتي هلّأ لسّة كنتي بتقولي ولادك وين بدّك تروحي فيهم راشد ورشيد طول نهار زي الشحم والنار والله لو تركتهم لخالتو غير يجننوها ورشاد ما بنام لا ليل ولا نهار وأنتو وضع بيتكم
ما بسمح زوزو
قاطعتها أمّها قائلة:
فرّق تَسُد راشد ورشيد كلّ واحد ببيت وزوزو كم يوم ازعاج ما راح يأخروها كتير بدراستها الله بعينها عليهم يعني بضلّ هاد بيت أهلك ومجبورين نوقف معك ونتحمّل!
كانت زوزو تقف بجانب الباب تسمع الكلمات ذاهلة فهي لم تشك ولو ليومٍ واحد بأنّ وجودها في بيت عمّها يقتطع من حقوق سراب بأخذها لراحتها ببيت أهلها لم تظنّ أنّ دراستها وحاجتها للتركيز تتسبّب لهم
بذلك الإزعاج لم تعتقد ليوم أنّها بتطفّلها على بيت عمّها تُزعزع لا بيت مجد فقط وإنّما بيت سراب أيضا
في خضم انغماسها ذاك بالحديث بين سراب ووالدتها كانت غافلة تماما أنّها لم تكن المتلصصة الوحيدة عليهم ولم تدرك ذلك حتّى سمعت صوته من خلفها يقول:
هاي مشكلة اللي بيتسمّع على الناس.
إنّه بعمره ما بيسمع شي يسرّه
فزعت زوزو وقفزت مستديرة تنظر إليه بارتباك فوجدته يبتسم لها بحنان ويقول:
الله يهديك مش لو إنّك مختصرة الشرّ وقاعدة ببيتك أحسنلك؟
من بين شرود نظراتها وصدمة أفكارها همست له بعدم فهمٍ متسائلة:
بيتي؟
ابتسم لها وقال مقتربا:
امممم بيتنا أنا وإنتي مش منطق كلّ يوم والتاني تزعلي وتتركي البيت وتطلعي
الآن كانت تنظر له بمزيد من الذهول فهل جنّ هو أم أنّها هي من تلقّت ضربة أفقدتها جزءا من رشدها شاهد اضطرابها وأدرك عدم فهمها لمزحته فضحك باستمتاع واقترب منها أكثر ممسكا بذراعها ساحبا إيّاها
وراءه خارجا!
ما إن خرجت زوزو من عندهم يلحق بها يوسف حتّى تبادل عمر ورحيق بعض النظرات هو بثقة وهي بخجل وكلاهما بسعادة ليقف من بعدها متنحنحا ويمدّ يده إليها ويقول:
عن إذنكم يا جماعة احنا صار لازم نروح
نظر لهما أبو مجد وقال:
وين عمّي ليش هيك مستعجل
ابتسم عمر رغما عنه ناظرا إلى رحيق وقال:
بدنا نروح أنا ورحيق عالسينما عمّي
أجابهما أبو مجد مشجعا:
مش غلط عمّي الله يهنيكم بس استنّوا اشربوا الشاي اللي راحت عمتك من ساعة تعمله وشكله صار منسف
ضحك عمر وقال:
مش مشكلة عمّي بسيطة بس احنا أعذرنا لأنّ بدنا نلحق عرض الساعة خمس ونص
نظر له كرم قائلا له بنظرة محذّرة:
عمر مش تتأخروا
بادله عمر النظرات وهزّ رأسه موافقا وكتم غيظه شاتما نفسه وقد أوصل نفسه بنفسه لهذا الدرك الذي يضطر فيه الآخرين لتحجيم حرّيته مع زوجته متحكمين بهما
وقف لهما أبو مجد مودّعا وابتسم بلطف قائلا:
إذا هيك ما بدنا نعطّلكم الله معكم
مشت رحيق خجلة خلف عمر تشيّعها نظرات والدته وأخوته راضية مستبشرة واقتربت منه ناثرة حوله عبير وردها الخاص لتسأله هامسة بحماس طفوليّ جذّاب:
عنجد بدنا نروح على السينما
نظر لها مبتسما بدفءٍ وأمأ برأسه إيجابا فاتسعت ابتسامتها هامسة:
تقبر قلبي تقبر قلبي تقبر قلبي يا عووومااار
أفلتت ضحكة قصيرة صاخبة منه رغما عنها بينما ينظر إليها تكاد تسبقه من شدّة اللهفة تشعل قلبه بطقمها الذي اختارته لخروجها معه اليوم دون أن يحدّد لها وجهتهما كانت تبدو خلّابةً بالسترة النيلية المخصّرة القصيرة
ببروشها الأسود والتي كانت تعلو تنّورة واسعة يتمازج فيها اللونين الأبيض والنيليّ والأسود تهفهف من حولها عند كلّ خطوة وأخرى فتكشف بعضا من ساقيها لتقتله بهما وربّما تقتل غيره أيضا
وجد عمر نفسه ينادي عليها بحزم قائلا:
رحيق امشي بركازة لا تنطنطي زي الصغار
توقفت رحيق وتمسكت بذراعه تقول له بهمس طفلة مطيعة:
حاضر ابن عمييي
كاد يشهق مختنقا حقّا كاد تتلاعب به تلك الصغيرة وكأنّها تعلم بعشقة لذلك اللقب عندما يخرج من بين شفتيها بتلك الطريقة المغوية وكأنّها تخبره بأنّه كلّ شئ لها في ذلك العالم وكأنّها تدري بأن لا
قدرة له على مجاراة تلاعب النساء واغواءهنّ فتغريه ببراءتها وعشقها غير المستورعالمةً بأنّه لن يقدر إلّا أن يسلّم لها الراية
متى وكيف تحوّلت بكلّ تلك السرعة من تلك الفتاة المنطوية الكتومة إلى هذه الأنثى المتغنجة الخلّابة الصاخبة هو لا يعلم وكأنّما تلك القبلة كانت مفتاحا لكلّ شئ ابتداءا من اعترافها الصادم له بالحب وحتّى تلاعبها
هذا به فتدللـه وتطيعه وتختصّه بنظراتها القاتلة وكأنّها تجسيدا حقيقيّا لكلّ ما يتمنّاه الرجل ولكن يبقى تفانيها غير المحدود ذاك بإرضاءه هو ما يخيفه ويعيقه ولكنّه اليوم قرّر أنّ مخاوفه لا بدّ أن يكون لها
نهاية وعليه أن لا يسمح لها بأن تسيطر عليه مانعة إيّاه عن السعادة ولذلك فالليلة تحديدا سيأخذها كي ينتقيا معا خاتما للزواج وشبكة تليق بها وليصبّره الله من بعد ذلك حتّى تنهي فصلها
في الحقيقة لقد كان متلهفا جدا لهذه الخطوة وقد يراه أخوته ووالدته أنّه قد تأخّر بها لا سيّما وقد لاحظ الجميع تغيّر العلاقة وتطوّها ما بينه وبينها ولكنّه كان مصرّا على إعطاءها فرصتها كاملة بالتعرّف
↚
عليه لقد قالت له أنّه تحبّه ولكنّه أرادها أن تعرف من تحب أن تفهمه وأن تشعر بأنّه خيارها بأنّهما حبيبان لا زوجان لقد أرادها أن تعيش كلّ تفاصيل العلاقة بحذافيرها وكم هو شاكر ليوسف الآن
رغم كرهه له في ذلك اليوم إذ أوقف جنوحه وتهوره حين اعترفت له رحيق بالحبّ
يذكر جيّدا كيف أنّه بيومها وقف أمامها مذهولا مصعوقا أمام سعادتها باعترافها ليمسك بها بكلا ذراعيه شادّا قبضتيه عليها مقتربا منها بعينيه المتوهجتين ولا شئ في باله سوى شهيته التي كانت تلحّ عليه بالتهامها كلّها
وقطعة واحدة ليقاطع اكتساحه لشفتيها قبل أن يصلهما دقّا مزعجا على الباب قبل أن يفتحه رشيد واقفا أمامه بكلّ هدوءه المستفز ونظراته المتأملة لكلاهما فيقول بعدها بكلّ برود:
عمّه يوسف بسلّم عليك وبحكيلك نتصل بالدفاع المدني ولا لسّة
لقد خرج بوقتها لاهثا شاهقا ليكتشف أنّه كان هناك عندها كاتما لأنفاسه فاغرا لعيناه وكأنّه يخشى أن يفقد لحظة لا يتشرّبها فيها وليلتها وبعد سهادٍ طويل وبعد أن عجز عن النوم أرسل لها على تطبيق
الواتس آب اوعك تبعدي عن عيني مرّة تانية وعشان تكوني عارفة إنتي لو فكّرتي تبعدي أنا ما راح أسمحلك
في الحقيقة هو حين أرسلها ورغم أنّ عيناه لم تفارقا رأس حيث اسمها معلّقا وحالتها لم يعتقد أبدأ أنّه قد يلاقي ردّا منها الليلة فالوقت كان متأخّرا جدا وكان الفجر على وشك الحلول ولذلك حين
وجدها تكتب كانت صدمته كبيرة وإثارته أكبر وحين وصله الردّ كان قلبه قد تضخّم من شدّة السعادة
أنا بعمري ما راح أبعد ولو اختفيت فأكيد الحق راح يكون على الانجليزي
ما إن وصله ردّها حتّى كانت أصابعه تتسابق على لوحة المفاتيح ليردّ عليها واستمرّا على ذلك حتّى سمعا أذان الفجر حيث تلاقيا من جديد خارج أسوار غرفتهما ولكن بين الشهود
وها هو الآن وبعد كلّ تلك المدّة وبينما يفكّر في تلك الليلة لا يزال يبتسم عالما أنّها كانت ليلة من أسعد ليالي حياته وأيضا لا يزال يتساءل كيف انتهى به الأمر على أن يكون مدرّسا
خاصّا لها لمادّة اللغة الانجليزية!
قراءة ممتعة.
يتبع
الرابع عشر من هنا
ادخل عالم عندما يعشقون صغارا كاملاً من تطبيق حكايتنا حكاية

القراءة على تطبيق حكايتنا حكاية بتخليك تعيش أحداث عندما يعشقون صغارا بتركيز أكبر وبدون مقاطعات.

قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الرابع عشر 14 بقلم نيفين ابو غنيم

كل شيء في رواية عندما يعشقون صغارا على وشك الانهيار… أو البداية من جديد! 📖

جميع أجزاء رواية عندما يعشقون صغارا 📖

رواية عندما يعشقون صغارا كاملة بروابط واضحة وسريعة الاستجابة.

جميع روايات الكاتب نيفين ابو غنيم

اقرأ قصص وروايات نيفين ابو غنيم الكاملة بدون اختصار.

إرسال تعليق