رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثاني عشر 12 بقلم نيفين ابو غنيم

رواية عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية مصممة إنها تخرجك عن منطقة راحتك! 📖

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثاني عشر 12 بقلم نيفين ابو غنيم

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثاني عشر 12 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثاني عشر 12 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثاني عشر 12 بقلم نيفين ابو غنيم
الفصل الثاني عشر
لا يعلم عمر بأيّ خطوة لا مرئية اقترب ولا كيف امتدّت يده فعليّا هذه المرّة لتلتقط ما تبقى من حبّة المثلجات والتي كانت قد استقرّت على فتحة قميص نومها القطنيّ الأحمر ولكنّه فعل ربّما شهقة
البرودة تلك التي خرجت من حنجرتها متفاجئة.
وربما نظرة الذهول التي لامست مقلتيها بينما تنظر إليه بعدم تصديق وإحراج وبرد.
وربما ربّما لأنّه فقط ولأوّل مرة في حياته عطّل العقل عنده لثانيتين فقط بالضبط وترك لحسّه العنان ليعتلي صهوة القيادة وكما توقع لقد كان متهورا أحمق!
منظر قطعة الآيس كريم في يده زاد من صدمتها وإحراجها وبلحظة كانا جامدين كما لو أنّ الزمن تجمّد للحظات يراقبان بانشداه القطعة الحمراء الذائبة والتي توشك على التلاشي في يده فيما قطراتها تتسرب من بين
أصابعه ملامسة سجّادة الغرفة بتباطؤ رتيب لعب على أوتار أعصابهما الحسيّة
ما الذي عليه أن يفعله بها.
سؤال أيضا لم يعط عقله المجال ليفكّر به وترك للامنطق حريّة التصرف بدلا عنه فرفع كفّه بما تحتويه ووضعها داخل فمه مبتلعا إيّاها مستمتعا ببرودتها ولما تحتويها من حلاوة مضاعفة فيما عيناه وكما منوّم مغناطيسيا
تترقبان وجهها ويراقب اختلاجاته اضطراب عينيها انفراج شفتيها اللتين كانتا ملونتين بلون الآيس كريم الأحمر اللذيذ والذي ما شبع من طعمه بعد ترى أتكون شفتيها بذات طعم ما تذوقة الآن أتكونان بذات البرودة والإنعاش لا
بدّ أنّهما كذلك وإلّا فما سرّ ارتعاشتهما إنّهما باردتان ومن حقّها عليه كزوج أن يقوم بتدفئتهما
شهقتها الصغيرة فقط هي ما ضربت عقله بهول ما يفعل ولكن حينها فقط أدرك أنّ الأوان قد فات فالصائم لا يدرك حقّا مدى جوعه إلّا عند تناوله لأوّل لقمة طعام وحينها فقط يبدأ بالالتهام.
دون شبع وهذا ما كان
غارق في غيبوبته العاطفية كان عمر ينهل من رحيقها غير قادر على التوقف فما يحدث الآن شئ عاصف جدا مهلك يفوق قدرته وبمراحل على الصمود ومن هو أساسا ليقف أمام هذا السيل الجارف من العواطف
التي ما خبرها ولا خبر لذّتها يوما والذي يكاد يجرفه نحو انحدارات خطيرة لا خبرة له في مكابح خاصة بها فيوقفها!
أمّا هي فما كانت ارتعاشاتها بقادرة على التوقف بل كانت تتزايد سالبة منها كلّ قوّة فتتركها متراخية مستسلمة لجاذبية الأرض لوما يداها اللتين كانتا متمسكتين بجانبي قميصه الخمريّ المخطط تستمدّان منه قوّة تساعدها على الوقوف
عقلها فقط من كان بأوج نشاطه بل وأكثر إذ كان يدور بدوامة لا يهدأ
أما يحدث يحدث حقّا أم أنّها تظنّه كذلك فقط أجل لا بدّ أنّه فقط أحد أحلامها يتحقق لا بدّ أنّ كثرة قراءتها للقصص العاطفية قد أثّرت على أفكارها فما عادت بقادرة على التمييز ما بين
الواقع والخيال
بل إنّه يحدث فهذا عمر وهذه رائحته وإنّه لدفئه الذي لطالما حلمت به تمنّت الاقتراب منه وإنّه ليغمرها الآن به وهذا فوق طاقة احتمالها بكثير
الحلاوة التي انقلب طعمها بين شفتيه إلى ملوحة هي ما أرّقت عنف انفلاته العاطفيّ وأنبأته أنّ جسده بات بحاجة لجرعة عالية التركيز من الاكسجين وما إن ابتعد بشفتيه عنها حتّى أنّ متحسرا على روعة ما
فقد وأراد أن يعود لينهل من رحيقها من جديد ولكنّها شهقته القويّة التي حاول بها ابتلاع أكبر كميّة من الهواء هي من أجبرته على التوقف والتريث قليلا حتّى يشحن طاقاته من جديد بينما يغمض عينيه
بقوّة رافضا السماح لأيّ شئ التسلل لعقله وزعزعة القوقعة المتوهجة التي كانت تحتويه وتجرفه معها بلا وعي ولا تفكير
من بين صخب هدير أنفاسه المتلاحقة وصله صوت شهقة ناعمة لا تتشابه وخشونة أنفاسه اللاهثة تغضّن جبينه قليلا دون أن يفتح عينيه يحاول استيعاب كنه ما يسمع فتلتها شهقة تالية مؤكدة عليه السمع وحينها فقط
أدرك أنّ رحيق تبكي!
وضع أحمد مفتاح شقته بالباب يكاد يشعر بنفسه متهالكا من شدّة الارهاق لقد جرّ نفسه فعليا جرّا على الدرج حتّى يصل وما إن دخل الشقة حتّى استقبله صوت سراب تصرخ في جنون
أغلق الباب وراءه بذات الهدوء وسار بخطواته نحو غرفته متجاهلا المرور على غرفة المعيشة فالفضول ما اشتعل بداخله لمعرفة سبب صراخها الجنوني لا سيّما أنّ هذا الصراخ بات جزءا أساسيّا تقريبا من استقبالها اليوميّ له
وان كان في كلّ مرة يتدخل بها محاولا امتصاص سخطها على الأولاد والذي كثيرا ما يكون مبالغا به فهو اليوم لا طاقة له على ذات الجدال
دخل غرفة نومهم فوجد صغيرهم مستلقٍ على السرير يتوسطه مستيقظا يناغي لنفسه ويرفرف بذراعيه الصغيرتين ورجليه الطريتين كما عصفور طائر خفّف أحمد مما عليه من ملابس ورمى نفسه بجانب ابنه وأخذ يراقبه ويراقب حركاته بوله
شديد هذا الولد يشبه فراشته يكاد يرى المشاكسة تطلّ واضحة من عينيه فراشته كم اشتاقها يعذرها ولكنّه لا يملك أن لا يشتاق!
رفع ابنه من مكانه وبدأ بملاعبته واضحاكه غارقا فيه ودون أن يشعر بالوقت وبينما هو كذلك دخلت عليهما سراب تحمل جنونها معها لتصيح به مفزعة الولد:
أحمددددد صحيته!
أجفل أحمد وولده بشدّة وقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
تخصّرت سراب وقالت بذات الجنون:
ليش هيك بتسمي شو شفت عفريت
نظر لها أحمد من طرف عينه يحاول تهدئة نفسه فلا طاقة لديه أبدا من بعد العمليات التي أجراها اليوم على شجار عبثيّ معها فقال:
حبيبتي الولد خاف من صوتك وجفل عشان هيك سمّيت
جنونها لم يخفّ وفي الحقيقة تواجده الآن جاء في الوقت المناسب كي تفرّغ فيه ضغطا يكاد ينفجر بداخلها ومنذ فترة ليست بالوجيزة فقالت بصوت مرتفع شبه صارخ:
والولد أساسا ليش تصحّيه طبعا انت ولا على بالك لأنّه هلأ ببساطة بتحط راسك وبتنام وبترميلي إيّاه ما بتسأل
وضع أحمد الطفل في مكانه بينما يستغفر بداخله يريد اكمالهم لعشر استغفارات على الأقل علّه يستطيع أن يستجلب بعض الصبر الذي يمكّنه به احتمال نوبة جنونها إلّا أنّها قاطعته قائلة:
ليش هيك مطنشني تتجاهلني احكي فهمني ليييش صحّيت الولد
االتفت أحمد إليها برأسه بفقدان أعصاب وقال:
مش يمكن صوتك هاد اللي مسمّع كلّ الحارة هو اللي صحّاه
تأهّبت سراب وقالت:
شو قصدك؟
زفر أحمد مستغفرا بصوت مرتفع هذه المرة وقال:
ما قصدي أنا دخلت الغرفة لقيته صاحي وبلعب!
أوشكت سراب على أن تقول المزيد ومن عينيها علم أنّه لا بدّ لن يكون شيئا جميلا فقال:
سراب سراب حرام عليكي والله راسي بيوجعني!
اقتربت منه بتحفزّ للشجار وقالت:
يعني أنا اللي راسي ما بيوجعني؟
ولا طبعا حضرتك بتفكّر إنّه لأنّك بتشتغل فأنت الوحيد اللي بتتعب وبتشقى بهالبيت أما أنا فقاعدة ببيتي معززة مكرمة ما في وراي اشي غير ألبسلك وأتزبطلك بتفكّر الولاد والبيت ما بدهم وقت أنا عارفة كل
هاد عشان النا من فترة مااا.
قاطعها أحمد فاقدا السيطرة على أعصابه وقال:
انتي بدّك تركبيني الغلط بالغصب من وقت ما دخلت البيت وانتي نازلة فيي بهادل بتفكريني راشد ولا رشيد قدامك وساكتلك مقدّر وضعك بعدين فرضا مشتاق وين المشكلة بدل ما تنبسطي يا ستّي هيني بحكيها أنا
مشتاقلك مشتااااقلك
نظرت له سراب بغيظ وحقد وقالت بغضب بدلا من أن تفرح بشوقه:
أساسا انت هاد كل اللي بهمّك بس توخد منّي اللي بدّك إيّاه وخلص بتصير أمورك تمام وبتبطل سائل على اشي
فتح أحمد عينيه بشدّة كما لو كانت سكبت عليه سطلا من الماء البارد ووقف أمامها بلسان عاجز عن الردّ للحظات يحاول كتم براكين الغضب التي بدأ تمور في صدره ليقوم من بعدها عن السرير ويتجه
نحو خزانته يخرج منها بيجاما بيتيه ليرتديها ويخرج من الغرفة ببساطة تاركا إيّاها خلفه تتنهد في تعب وفي ندم سرعان ما يهبّ دوما بعد فوات الأوان لتسمع من بعدها صوت الباب الخارجيّ يُغلق بكلّ هدوء!
كان ينظر إليها الآن تناظره ببعض الغضب وكثير من الغيظ فصمته يقتلها تريده أن يتحدّث فتفرغ فيه صمت سنوات تريده أن يستفزها أكثر فيشعل فيها غضبا ينفض عنها برودة احتلّت روحها أيضا منذ سنوات
أمّا هو فما عاد بقادر على أن ينظر إليها بذات المنظار ولهذا بالضبط أراد رؤيتها اليوم حديثه مع عمّته غيّر بشكل ما طريقته في النظر إليها فهو لا ينكر أنّه ورغم إعجابه الشديد بها وإحساسه
المتعاظم فيها كان هناك شئ ما يكبّله عن اعتراف صريح وواضح أنّه يحبّها بل وأحبّها منذ سنوات ربما حيرة وربما خيبة
لقد تربّى هو وأخوته في بيئة شرقيّة وبيت تقليدي بيئة لا ترفض الحبّ ولكنّها تتوخّى أساليبه ومساعيه الطريقة التي تعرّف بها على زوزو والسهولة التي جرّ قدمها فيها نحو طريق الخطأ كانت تشكّل علامة استفهام
كبيرة على مشاعره لا ينكر أنّه كان مستعدا لتجاوزها متفهما عمرها حينها ولكن اليوم وبعد ما عرف عنها تفهّم أسبابها وعذرها ففي حينها قد كان لها هو حبلا للنجاة وواسطة لتحقيق الأحلام وقد خذلها وكم
بات يكره نفسه لأجل ذلك
تنحنح يوسف وقال متجاهلا غضبها وحدّتها:
زاكية
اشتعلت عياناها وقالت في حدّة:
زوزو زوووزو شو كتير صعبة عليك تحكيها
ابتسم يوسف وقال مدعيّا العجب:
بس نفسي أعرف ليش بتنكري اسمك مع إنّه لابسك لبس اسم على مسمّى!
كلمات يوسف الوقحة المترافقة مع نظرات لامعة ذات معنى أخرستها وجمّدتها للحظات لتنتفض من بعدها وتقول له بحدّة مادّة ذراعها أمامه بأسلوب الطرد:
ابعد لو سمحت عن باب السيّارة
نظر لها يوسف بتأنّي وقال ببساطة متجاهلا أمرها:
في كلمتين حابب نحكيهم مع بعض شو رأيك نروح نقعدلنا بشي كافيه نـ.
قاطعته زوزو قائلة بصوت جامد ونظرة باردة:
بتحب بشارع الرينبو ولا وين؟
نظرات يوسف أيضا همدت بالمقابل وغابت عنها المشاكسة الطبيعية المجبولة فيها وقال متذكرا لقاءهم في أحد كافيهات ذلك الشارع منذ سنوات:
زاكية
قاطعته زوزو مجددا وقالت:
يوسف لو سمحت ابعد عن سيّارتي تعبانة كتير وبدّي أروّح
أجابها يوسف بينما يزداد عنادا وإصرارا:
نص ساعة بكافيه تسمعيني فيها ما بتتعبي
نظرت له زوزو وقالت بحقد ومرار:
كلّ اشي فيك بيتعب
كلماتها صعقته بصراحتها فقال بذهول:
زاكية!
أجابته بصوت قاطع:
زاكية قعدة الكافيها بطلتها لهيك لو سمحت ابعد من طريقي أحسن والله بتركك وبروح ادورلي أي تاكسي
أجابها يوسف وأعصابه بدأت تستشيط:
روحة من هون بلا ما تسمعيني ما في لا بتاكسي ولا حتّى بطيّارة!
أجابته زوزو وقد بدأت أعصابها فعليا بالانفلات:
يا أخي انت شووو بحكيلك قعدة معك ما راح أقعد وحكي بيني وبينك ما في ماااا فيييي
يوسف والذي كان قد بات يشعر بحلقة رفضها تضيق من حوله قال بعند:
ما بدّك تقعدي معي انتي حرّة بس سمع بدّك تسمعيني غصبن عنّك!
↚
قبضت زوزو بكفّها على شريط حقيبتها بقوّة وقالت محاولة تمالك أعصابها واطالة بالها:
شو بدّك اخلص!
نظر لها يوسف بغيظ محاولا كتم غيظه متفهما أسباب عدائيتها الشخصية نحوه:
الموضوع طويل شوي
نظرت له زوزو بتأفف ومن ثمّ مشت حتى آخر المصفات حتّى وصلت إلى رصيف صغير يفصل ما بين خطوط اصطفاف السيارات ورمت حقيبة ظهرها الكبيرة والتي كثيرا ما تحملها عندما يلزمها أن تأخذ معها إلى
المستشفى في أيّام السهرات والمناوبات وقالت بعد أن جلست هناك بتأفف:
وها هاي قعدة سيّد يوسف تفضل شو المطلوب؟
قالتها بصوت عالٍ بعض الشئ تردّد بجنبات المكان الكبير بشكل كان كافيا بالنسبة إليه كي يسمعه من حيث هو لا زال واقفا ينظر إلى ما تفعل ببلاهة فتأمّلها من حيث هو بإعجاب متعاظم متنامي والاثارة
تتلاعب بقلبه من كلّ حدب وصوب كانت ترتدي بنطال جينز أزرق اللون فاتحا وترتدي فوقه قميصا أسودا بسيط التصميم بالكاد يصل إلى خصرها وكما العادة يتسع عنده ويضيق عند الصدر
ملابسها هذه ستقتله يوما ما متسببة له بارتفاع حاد بالضغط هذا إن لم يتزوجها قبلا مفجّرا فيها كلّ كبته وضغوطاته ما تسببت به وما لم تفعل وحينها سيرأف بحال غيره أيضا من الشباب حين يقتلها
مخلصا إيّاهم من تعذيباتها المهلكة لهم ولأعصابهم
حين رآها أوّل ما رآها اليوم تحنّب محاكمتها على ما ترتديه كما اعتاد أن يفعل دوما وذكّر نفسه أنّ طريقة ارتداءها للملابس ما هي إلّا عقدة قديمة لديها تحتاج إلى حلّ ولكنّه الآن وبينما يقترب
منها متخيلا إيّاها بالمستشفى بما فيه من أطباء ومرضى ومراجعين وزوار كلّهم ينظرون إليها بجوع بالضبط كما يفعل هو الآن يوشك حقا أن يقتلها ولكنّه يعاود تذكير نفسه الصبر يا يوسف الصبر
لم يدرك أنّه قد وصل إلى حيث هو إلّا عندما وصله صوتها حادّا ساخرا:
خير ليش بتطلع فيي هيك؟
بس لا يكون عجبتك؟
التمعت النظرة في عيون يوسف وقال بصدق:
من يومك عاجبتيني
جفلت عيون زوزو رغما عنها وقالت بمزيد من العدائية لا سيّما وهو يهاجم أضعف حصون دفاعها:
بلا سخافة يلا احكي شو بدّك أنا فعلا تعبانة ومشتهية أنام
رفع يوسف حاجبه وقال:
والله مبدئيا بدّي تحترمي حالك وانتي بتحكي معي
نظرت له بغضب وقالت:
احترم حالي؟
أجابها يوسف ببساطة:
اها لأنّه أنا انسان لساني زفر يعني كلمة زي بلا سخافة جوابها عندي لو قررت أجاوبك عليها أبدا أبدا ما راح يكون لطيف وللأسف طبعا إنّه مش بالضرورة إنّي أكون متقصد وقاحتي بالعكس غالبا إنّه
أنا راح أندم عليها وأتأسف وهاد اللي أنا بقوله هلأ هو مدخل مناسب للموضوع اللي بدّي أحكيه معك
نظرت له زوزو وقالت باستهزاء:
لسانك الزفر؟
ضيّق يوسف عينيه وقال مستخفا باستظرافها:
عصبيتي زاكية من سبع سنين
قاطعته زوزو بحدّة متهيّأة للوقوف من جديد:
إذا مأخرني كلّ هاد وموقفني هون بس عشان تحكيلي عن قبل سبع سنين خليني أروح أحسن
اقترب منها يوسف ووقف أمامها بإصرار مانعا إيّاها من التحرّك معرقلا عليها طريق الوقوف وقال:
قبل سبع سنين أنا كنت غبي مغرور وغبي الحكي اللي حكيتيلي إيّاه ببيت عمتي عصبني كتير بوقتها أنا كنت شب طايش وما كنت لسة تعلّمت كيف أسيطر على غضبي قلت لازم أنتقم منك وأجيب راسك
بس بس من أوّل لحظة شفتك فيها بالكوفي شوب عرفت إنّي غلطت غلطة عمري إنتي كنتي صغيرة جاهلة أو هيك أنا فكّرت الحقيقة إنّه رفضك إلي ما كان رفض لشخصي بقدر ما كان رفض لوضعي
اللي ما بيشبه تطلعاتك للمنقذ اللي انتي بتستني يحققلك أحلامك الشرعية واللي ما كان مفروض من الأساس إنّك تنحرمي منها
كانت زوزو تستمع إليه وملامح وجهها تزداد برودة فتبدأ بعدها بهزّ رجلها هزّا متواترا متوترا وقالت بمزيد من الاستخفاف:
والمطلوب؟
نظر لها وقال بتصميم:
بدّي أعتذر
ابتسمت له وقالت بلامبالاة:
كمان مرة؟
أجابها يوسف بألم:
المرة الماضية اعتذري كان للأسباب الغلط
أجابته وغصّة مؤلمة تكاد تخنقها:
وهلأ؟
نظر إليها يوسف قائلا في ندم:
ما كان المفروض اني أحاسبك على تصرفاتك ما كان المفروض أقيملك تصرفاتك خاصة إنّي ما كنت بعرفك منيح ولا بعرف ظروفك زوزو أنا فعلا آسف ما بعمري ندمت وتأسفت على خطأ قد ندمي على تصرفي
معك أنا شخص انفعالي بعصب بسرعة لما أعصب ما بشوف قدامي وببطل أميز الصح من الغلط ما بعرف حالي شو بحكي بس بروق بسرعة ووقتها بحاسب حالي وبعترف بغلطي وبندم بس للأسف أحيانا بكون الندم
ما عاد ينفع لأن الجرح بكون عميق
تنهد يوسف بينما يكمل:
بس تغيرت أو بحاول أتغيّر صحيح لسّاتني عصبي بس النضج والحياة علموني كيف أسيطر على غضبي وما أخلي غبائي يحكمني أو على الأقل كيف أوجّه طاقة الغضب لطرق صح تقويني بدل ما تضعفني
صمت يوسف يتأمّل اختلاجاتها يحاول التوصّل إن كانت قد أدركت ما يريد حقّا أن يقول لكنّه أدرك أنّها إنّما تزداد جمودا لتقول وقد شعرت أنّه إنّما ينتظر منها أن تقول له شيئا:
برافووو بس بصراحة ما فهمت أنا شو دخلني بكلّ اللي حكيته
نظر لها يوسف بعمق وقال بقهر:
دخلك كلّ الموضوع دخلك إنتي!
ابتسمت باستفزاز وقالت:
ليش ليكون بدّي أناسبك؟
نظر لها بعمق والتماعة خاصّة تتوهج بألق في عينيه وقال بتصميم:
هيك شي
جوابه أربكها وقالت بعدم فهم:
شو اللي هيك شي ما فهمت أنا أنا ما الي أي علاقة فيك والكلام اللي حكيته كلله ما بهمني أبدا
باعد يوسف ما بين رجليه وتكتّف ناظرا لها من علوّ ببرود وتصميم وقال بكلّ هدوء:
غلطانة المفروض تراجعي كلّ كلمة حكيتلك إيّاها وتحطيها حلقة بدانك لأنّه الوحدة لازم تفهم طبيعة جوزها كتير منيح!
رفعت زوزو رأسها إليه بسرعة ونظرت إليه ببحلقة وسيماء الارتبارك وعدم الفهم تبدو واضحة جدا في عينيها فابتسم يوسف لها وهزّ رأسه ببرود وقال:
امممم أنا وإنتي راح نتجوز أنا أصير جوزك وإنتي مرتي!
بحلقة عينيها وعدم الفهم فيهما سرعان ما انجلت لينقلب كلّ ذلك وفي لحظة إلى قهقهة!
دقائق الانتظار بل ثوانيه كقطرات من المطر رقيقة صغيرة تنزل على الرؤوس فتبدو للوهلة الأولى ناعمه غير مؤذية ولكن إن راقبناها أو حصيناها قد تطول وهكذا نشعر بها وقد بدأت تحفر في رؤوسنا بألم وتعذيب
سادي
كان الوقت يمضي على عماد وآنجلا بطيئا منهكا خانقا يتجرّعانه في صمت فما الذي من الممكن أن يقال في موقف مشابه ما الذي من الممكن أن يقال عندما يكون ابنك ملقى على سرير ضيّق مغيّبا
في عالم آخر غير واعٍ لمجموعة من البشر تنهش رأسه بمقصاتها ومشارطها أجل بشر هم وإن كانوا أطباء والبشر خطاؤون فماذا ان كان اليوم بالذات هو اليوم الذي سيثبتون فيه بشريّتهم ويخطؤون؟
وكأن تلك الخواطر كانت حبال وصل ما بين عماد وآنجلا ففي حين رفع رأسه هو عن كتاب الله قليلا يريد أن يتنفس قليلا ينفض عن رأسه بعضا من تلك الهلاوس وجدها هي تبحث في حقيبتها
بجنون عن شئ ما من بعد ذلك السكون السابق
راقبها تخرج من حقيبتها شريطا للدواء كان قد رآها تأخذ منه في الأسبوع الفائت والأمر لا يحتاج لأن يكون طبيبا أو صيدلانيا كي يعرف محتواه حبوب مهدئة!
شاهدها تبحث حولها ببعض من عدم الاتزان عن قارورة صغيرة من الماء كانت قد وضعتها بجانبها وما إن فتحتها حتى سقطت من يدها المرتجفة ساكبة محتوياتها على الأرض
تحرّك عماد بسرعة يودّ لملمة البعثرة التي كانت تحياها آنجلا في تلك اللحظات لا الفوضى التي أحدثتها والتي كانت آخر همّه ولكنّه وقبل أن يصلها كان هناك جسد آخر منحنيا بجانبها يحاول التخفيف من تلك
الفوضى محمّد كيف نسيه؟
من حيث هو جالس راقب عماد كيف رفع محمد القارورة المسكوبة وأخذها ليرميها بصندوق للقمامة مخصص للمواد البلاستيكية غير المدورة قبل أن يعود مقتربا منها هامسا لها بكلمات بسيطة ما احتاجت سوى إيماءة للردّ عليها
ليغادرها من بعدها مسرعا وكأنّه على وشك أداء مهمة مصيرية محدّدة الأهداف
وجود محمّد وبشكل ما كان يشكّل بالنسبة لآنجلا نوعا من أنواع الإلهاء والذي وإن لم يكن ناجحا تماما إلّا أّنّه ومع ذلك كان يشتّت أفكارها ولو للحظات عمّا يجري بالداخل كان بشكل أو بآخر يعطيها
نوعا ما من الدعم حتّى وإن كان مؤقتا وبالرغم من أنّها كثيرا ما شعرت في سنوات سابقة بالذنب لاستغلالها لما يقدّمه لها عن طيب خاطر إلّا أنّها اليوم تحديدا كانت ممتنة جدا لذلك بل وأكثر
محتاجة له ولذلك فما إن غادرها الآن حتّى شعرت بوهن شديد تركها تقف وحيدة مرتعشة وخائفة
خطوات قوية رزينة كانت تقترب منها بهدوء لتشكّل وعلى حين غرّة حولها غمامة دافئة أرادت التصديق أنّها لمحمّد ورغم أنها لم تفعل إلا أنها قالت تخادع نفسها:
مُهاممااد
اسمه خارجا من بين شفتيها بذلك الغنج في قلب عماد كان كما الطعنة التي ترمى وعلى حين غفلة من دون سابق إنذارإلّا أنّه ورغم ذلك قاوم الألم وتجاهل دويّ الاسم وأمسك شريط الدواء من كفها
المرتعشة وقال:
هذا لن يفيدك آنجلا إنّه ليس إلّا كما كوب من خمرٍ مسكر سيدوّخك لبعض الوقت وسرعان ما سيزول مفعوله ولا يخلّف من وراءه إلّا المرار وأنت لا بدّ تعلمين ذلك فلا تطنّي أنّني كنت غافلا
عنك بالأيّام الفائتة ولكن اليوم في هذه الساعات تحديدا أنا لن أقبل منك تناول المزيد من هذا الدواء!
نظرت له آنجلا بحدّة بينما تحاول أن تتناول شريط الدواء من يده بانفعال رهيب يكاد يسيطر على كلّ حواسها جاهزا للانفجار في أيّة لحظة بسبب ما تعيشه من ضغوط:
تقبل!
ومن أنت لكي تقبل أو لا تقبل؟
نظر عماد لعينيها بعمق يقاوم غرقا يشدّه نحو قيعان الندم ولكنّه ولأجلها ولأنّه كان يعلم كم أنّها تتألم الآن وكيف أنّها بأشدّ حالاتها ضعفا تماسك أمام لسعات اتهاماتها المبطنة وقال:
أنا والد عبدالله!
اهتزّت مقلتي آنجلا رغما عنها وقالت هامسة بخفوت وألم:
عبدالله كم انا خائفة عليه!
ابتلع عماد ريقه وقال:
وأنا أيضا خائف ولكنّني لا أتناول الحبوب المهدئة الآن بينما أعلم أنّه قد تنتهي عمليته في أيّ وقت وحينها سيكون محتاجا لنا معا واعين ومتماسكين بل أنا أعلم أنّه الآن في هذه اللحظات بالذات يحتاجنا
كأكثر ما يكون يحتاج دعاءنا ولا بدّ أنّك قد علمت كيف أنّ دعاء الأمّ لولدها مستجابا بإذن الله
نظرت له آنجلا بيأس وقالت بصوت متحشرج مختنق:
↚
لقد فعلت دعوت ودعوت ودعوت ولكن هناك نار مشتعلة في صدري تكاد تقتلني ولا أعلم كيف أطفئها
رفع عماد أمام عينيها كتابا ضخما بغلاف فخم لم تلحظه في يده بينما هو واقف بالقرب منها علمت أنّه القرآن ولكنّها هزّت رأسها في يأس فقال مقرّبا إيّاه منها أكثر وقال:
(ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين)
صمتت آنجلا قليلا فرغم كونه قال الآية الكريمة بالعربية إلّا أنّ خشوع صوته ألجمها فنظر لها عماد مبتسما وأعاد عليها قراءة الآية إنّما مترجمة هذه المرّة لكي تفهمها وأكمل:
القرآن فقط هو ما يستطيع تبريد النيران التي في قلبك الآن ولا شئ سيهدئ مخاوفك إلّاه
نظرت له آنجلا هذه المرة كما طفلة يائسة وقالت بيأس بينما تلك الالتماعة الشفافة في مقلتيها تخبره عن مدى ألمها:
ولكّني لا أستطيع قراءته فأنا لا أعرف العربية ولم أحفط منه سوى الفاتحة وعدّة سور قصيرة كي تساعدني على الصلاة!
ابتسم لها عماد هذه المرة بدفء وحنان وقال بينما يتأملها في فستانها الكحلي المرقط بالأبيض والذي تعلوه سترة قصيرة وحجاب بذات البياض الملائكي الذي لا يليق إلّا بها وقال:
لم إذا لا تكتفين بالإنصات؟
ما إن انهى عماد جملته حتّى كان محمّد يقف ملاصقا لهما يمدّ يده إليها بقارورة صغيرة للماء ويقول بانفعال:
هاك تستطيعين تناول دواءك الآن!
نظر له عماد بطرف عينه وقال ببرود:
أظنّ أنّها ما عادت بحاجة لذات الدواء.
يؤسفني أن مجهودك قد ضاع عبثا قادمة آنجلا؟
آنجلا غائبة عن الجوّ المشحون ما بين الرجلين هزّت رأسها ببعض الضياع وتبعت خطوات عماد ودون شعور مخلّفة محمّد وراءها ينظر إليها بصدمة وخشية!
بعد حوالي النصف ساعة
كانت آنجلا لا زالت جالسة بجانب عماد في بهو مخصص للإنتظار بينما تستمع له يقرأ ويقرأ بصوت بدا لها خاشعا متضرعا حزينا صوت لم تكن تسمعه للمرة الأولى فلطالما كانت تتسمع عليه في أوقات الخلوة
اللي كان يطلبها لنفسه بعد كلّ صلاة ولكنّه لم يبد لمسامعها يوما بذلك الجمال ربما لأنها كانت تسمع ولا تنصت وربّما لأنّها لم تكن تدرك ما وراء الكلمات من جمال أمّا اليوم فهي وإن لم
تكن تفهم حقيقة معاني ما يقرأ إلّا أنّها كانت على الأقل تستطيع أن تميّز
كان صوته بما يحمله من كلمات ينسج من حولها قوقعة صلبة خاصة بهم تعزلهم عن كلّ ما عداهم تزرع في نفسها أمانا لم تشعر به يوما بتلك القوة تبثّ في نفسها سكينه لم تشعر بمثلها
في حياتها سكينة جلبت في عينيها دموعا لم تدرك ذرفها لها إلّا حين سمعت همسته الخافتة جدا وبالقرب من أذنها:
أفضل؟
أخذت آنجلا نفسها طويلا مرتجفا قبل أن تهزّ رأسها ببطء شديد دون التفوّه بأيّة كلمة وكأنّها ترفض أن يدنّس السكون في نفسها بأيّ صوت ولكن هيهات فما كانت إلّا دقائق وصوت خطوات الطبيب يقترب منهما
بتؤدة فيما ابتسامة رسميّة مرهقة ترتسم باهتة على زاويتي شفتيه
ما إن رآه عماد حتّى وقف بسرعة منتظرا بلهفة وخوف ما قد يحمله الطبيب إليهم من أخبار والذي سرعان ما قال:
العملية نجحت وبحمد الله واستطعنا السيطرة على الورم وقتل جميع الأعية المغدية إيّاه أيّة عوارض جانبية للعملية لا نستطيع التكهن بها قبل أن يستيقظ من التخدير أما فيما عدى ذلك فحياة ابنكم ما عادت في
خطر!
سعادة عميقة كانت تضرب قلب عماد فيما كلمات الحمد تتردد صارخة في جوف قلبه وعقله ولسانه فحياة ابنه زال عنها الخطر وأمامه سنوات طويلة ليحياها بإذن الله فما المهم الآن فيما عدى ذلك
التف عماد بنظره نحو آنجلا يريد أن يرى الراحة ترتسم على جمال محيّاها فتزيدها بهاءا يريد أن يشاركها تلك اللحظات السعيدة ولكنّه ما إن استدار إليها حتّى صفع أكبر صفعة في حياته فآنجلا لم تكن
تنتظره لتشاركه تلك اللحظات وإنّما كان هناك من استغلّ فرصة انشغاله كي يقترب منها ويمتصّ منها أولى ردّات الفعل وقد نجح فها هي آنجلا الآن ترمي برأسها على كتف محمّد وتجهش له باكية فيما يقرّب
هو رأسه من رأسها ويهمس بالقرب من أذنها بكلمات لعينه يرى عماد تسلسلها من بين شفتيه بعيون محترقة فيما يمسك نفسه قسرا كيلا يذهب إليه الآن ويحشو الكلمات في جوفه ويقتله بها خنقا!
لم يعد عماد يستطيع الاحتمال أكثر فأراد الخروج من المكان قليلا لا سيّما أنّ رؤية عبدالله كما أخبره الطبيب كانت لا تزال ممنوعة فقرر الذهاب لحديقة المستشفى التي بدأ بها صباحة ليتنفس بعض الهواء النقيّ
ويصلّي ركعتين شكرا لله ولكنّه وقبل أن يصل للباب لمح مارك والد آنجلا واقفا أمامه ينظر إليه هازئا وبشماتة
زفر عماد بداخله مستغفرا فهذا ما كان ينقصه الآن إلّا وأنّه قرّر تجاهله وإكمال طريقه فمشى من عنده دون أن يعيره أدنى اهتمام الشئ الذي لم يعجب مارك كما يبدو إذ لحقه منعطفا مثله إلى
ذلك الممرّ المؤدي للمصاعد ونادى عليه بصوته الذي لطالما بدى له كريها
توقفت خطوات عماد بملل وقال دون حتّى أن ينظر وراءه:
نعم
اقترب مارك ووقف أمام عماد مبتسما وقال:
أحببت أن أهنئك فقط على نجاح عملية عبدالله
أجابه عماد بصوت بارد لا روح فيه:
شكرا لك
استند مارك على حافة شبّاك منخفض كان يطلّ من هناك على الحدائق السفلية:
حسنا لقد أصبح عبدالله بخير ولا خطر على حياته كما أخبرك الطبيب أمّا آنجلا فكما قد رأيت بعينيك الآن ها هي تتابع حياتها وقد تجاوزتك تماما كما لا بدّ قد لاحظت في الأيّام الماضية إذا
فمتى ستغادر المانيا وتعود إلى حيث كنت؟
كلمات مارك كانت كما الزيت الذي يصبّ على نار إلّا أنّ عماد ورغم ذلك تماسك تماما بينما ينظر له ويقول في برود:
حين أقرّر المغادرة هذا إن قرّرت المغادرة فكن على ثقة أنّك ستكون آخر من يعلم وأنّني أبدا لن أكون وحيدا!
نظر له مارك وقال باستخفاف:
ستفعل بالتأكيد ستفعل وإلّا كم ستحتمل البقاء هنا لوحدك حين توقن أنّك هنا لا داعي لوجودك وأنّك لست إلّا كمالة عدد
تصلّب جسد عماد وقال ناظرا لعينيّ مارك بكلّ وضوح:
أنا أبو عبدالله ولا أنت ولا غيرك تستطيع نفي هذه الحقيقة
ابتسم مارك وقال باستفزاز:
أب استطاع ابنك الاستغناء عنك لستٍ من السنوات حتّى الآن
هزّ عماد رأسه في رفض لعدّة مرّات قبل أن يقول:
لا تحاول لا تحاول يا مارك فأنت لن تنجح فأنا ما عدت ذلك الشاب المتهورالغرّ الذي استطعت ابعاده ما إن سلّطت أفكارك الشيطانيّة عليه جاعلا إيّاه يشكّ في كلّ ما هو جميل حوله ناسجا حول
ابنتك أكاذيبا
قاطعه مارك قائلا:
أنا لم أكذب عليك بل أنت أنت من كنت بوقتها جاهزا لتصديق أيّ شئ قد أوحيه لك فقط!
على بعد خطوات كانت هناك مختبئة خلف الحائط حيث زواية انعطاف الممر تسمع في الهدوء القاتل للمستشفى كلّ كلمة تقال فتنهال عليها كما الصفعة مجرّدة إيّاها من كلّ سعادة كانت تطير بها الآن مطمئنة على
حياة ولدها
لقد شاهدت والدها يلحق بعماد فلحقت به تريد أن تمنعه من استفزازه كما اعتاد دوما أن يفعل وها هي الآن تواجه بأبشع حقائق حياتها أو ما أفسد حياتها.
قبيل المغرب بقليل تسللت سراب على رؤوس أصابعها فاتحة باب غرفة المعيشة في بيت عمّها أبو كرم والتي بدأت بالإعتام اقتربت من الكنبة الثلاثية المريحة خضراء اللون والتي تقبع في صدر الغرفة الحميمية الصغيرة حيث
تدرك أنّ زوجها نائم الآن وبعمق ينبئ عنه صوت شخيره المستغرق العميق والذي لا تسمعه منه عادة إلّا إن كان شديد الإرهاق والتعب
وصلت سراب إليه وجثت على ركبتيها تتأمّل بما تبقى من ضوء آفل يتسرّب بخشية من بين ستائر الغرفة المتواربة ملامح وجهه المشدودة
كم كرهت نفسها اليوم حين اتهمته بغيا بأنانيّة لم تكن فيه بل في الواقع وعلى عكس ما كانت تتوقع فإنّ أحمد يظهر لها تفهما وصبر لم تتوقعهما منه يوما ولكنّ المشكلة فيها هي فهي وبشكل
مخيف بدأت تشعر أنّ أحمد والبيت والأولاد بدؤوا يقتاتون عليها حتّى ما عاد لها كيان ما عادت تجد نفسها وأكثر ما تخشاه أنّها حتّى لو وجدتها فلن تعرفها!
يدها التي كانت قد تسلّلت بالخفية عنها بينما كانت سارحة بأفكارها كانت أيضا قد أيقظته دون أن تشعر على الأقل ليس قبل أن يسحب يدها السارحة في شعره ويلثمها بكلّ شوق وحنان
ابتسمت سراب لعينيه ما إن لمحتهما يتأملانها وقالت بهمسة خافتة كما لو أنّها لا تريد افساد جوّ الهدوء والسكينة الذي يحيط بهما والذي لم يستشعراه معا ومنذ مدّة طويلة:
صحّت النومة
ابتسم لها أحمد وقال بينما يضع إحدى ذراعيه تحت رأسه باسترخاء رجوليّ لذيذ:
صحّ بدنك
سألته والشعور بتأنيب الضمير يتوهج في داخلها أكثر:
ان شاء الله ارتحت بالنومة؟
قال أحمد باسترخاء بينما يداعب أطراف أصابعها بشفتيه:
امممممم كنت تعبان كتير
سرحت سراب قليلا وقالت:
الله يعطيك العافية
راقبها أحمد في صمتها وكان يدرك أنّ هناك كلاما كثيرا يتداول في داخل صدرها وتزجره في تخوّف فقال بذات الاسترخاء:
شو مالك حبيبتي هيك مو على بعضك احكي شو بدّك تحكي وولا يهمّك أنا جاهز أسمعك
نظرت له سراب بأسى وقالت:
أنا آسفة حبيبي ما كان لازم أوجعلك راسك وأنت جاي من الشغل وتعبان أنا ما بعرف شو بيصيرلي هاي الأيّام دائما أعصابي فلتانة تعبانة ومرهقة وحاسة حالي ضايعة وما عم بلاقي حالي وإنت إنت مشغول
كتير ومش موجووود
كلماتها خنقت أحمد رغما عنه فحتّى وإن مرّ سنوات على طلاقه من دلال إلّا أنّ ذات الشكوى لا زالت تتسبب له بذات الاختناق فقال:
طيّب حبيبتي شو أعمل هاد شغلي وهيك ظروفه يا ما قلتلك تعالي سافري معي خلّينا نسافر لحالنا بنغير جوّ وبتغيري نفسية بس كل مرة بتطلعي بحجة شكل
زفرت سراب وقالت بهمّ:
موحجّة يا أحمد مو حجّة الوضع مو بالسهولة اللي إنت بتتخيلها
جلّس أحمد نفسه قليلا وأمسك بكلا كفّيها وقال:
بالعكس ما في أسهل منّه أنا اشتقتلك يا سراب اشتقتلك
أخفضت سراب رأسها وقالت بصوت مختنق:
وأنا كمان اشتقت لحالي!
نظرات الصدمة التي رأتها سراب في عينيّ أحمد جعلتها تقول:
أنا ما عدت أعرف حالي يا أحمد أنا مو محتاجة أغيّر جوّ يومين أنا محتاجة أرجع سراب القديمة شوي محتاجة أبني كياني من أوّل وجديد محتاجة أعمل شي لنفسي أنا مش هيك مش هيك!
مع كلّ كلمة كانت سراب تقولها كان حاجبا أحمد يزدادان تقاربا حتّى أوشكا على التلاصق وما إن انتهت حتّى قال بصوت متوجس:
مش فاهم!
فنظرت له سراب وقالت بعد أن إخذت نفسا طويلا وبتصميم:
بدّي أشتغل!
صدمتها بما قالت كانت توازي صدمة أحمد فهي وللحقيقة لم تفكّر بالموضوع سابقا إلى أن نطقته وما إن فعلت حتّى أدركت أنّ هذا بالضبط ما تحتاجه فعلا فقالت من جديد وكأنّها تترنّم على وقع الكلمات
من جديد:
بدّي أشتغل
لكنّها هذه المرّة وقبل أن تنتهي من نطقها كان سؤاله يضرب مسامعها بطرق مستهجن عنيف:
والولااااد؟
↚
ستار الليل الأسود كم من الممكن أن يخبئ خلفه من خفايا خطايا أسرار أفكار وذكريات بقدر ما جُبل الانسان على أن يكره الظُلمة بقدر ما تأتيه تلك اللحظات التي يكون فيها ممتنا لها ساخطا حتّى
على أشعة القمر التي تأتي إليه متسسلة عبر النافذة المفتوحة فيخشى حينها أن تتعرّى أفكاره لا سيّما إن كان هناك أحد قريبا منه قد يلقي عليه فقط نظرة واحدة فيكشف كلّ خباياه
فها هو يوسف هنا مثلا مستلقيا على سريره واضعا ذراعه فوق جبهته يواري بها نارا في عينيه تتأجج تزداد كلّما علا صوت صدى تلك الضحكة في رأسه يتردّد تلك المجنونة لا تعلم كم لزمه من
طاقة كي يهزّها بعنفٍ خانقا تلك الضحكة وما تبعها من كلمات مستفزة سامّة هل تعتقد تلك الحمقاء أنّه من الممكن أن يتخلّى عنها بعد أن وجدها؟
هل تظنّ وبغباء أنّه سيسمح بأن يذوق من ذات الكأس المريرة والتي تذوّق منها قبل سنوات حين أعلنت سراب وبكلّ بساطة أنّ ابنة عمّها لميس والتي كان يعتقد أنّها هي ستتزوج؟
لا والله هيهات
سيحاصرها ويجنّنها حتّى تصرخ بالموافقة عليه وفقط كي تتخلّص من الإلحاح!
تنهّد يوسف بينما يتذكّر غيظه وجنونه بينما يستمع لتلك الضحكات المستفزّة تتردّد في جنبات المكان الواسع والذي تآمر معها ضدّه مكرّرا ضحكتها وبصوت أعلى مرة بعد مرّة بعد مرة لا يفهم حتّى الآن كيف تمالك
أعصابه سامحا لها بإكمال تلك الضحكة دون أن يخنقها لا يعلم كيف أنّه انتظرها حتّى تنتهي ليسألها ببرود بينما يوشك على أن يعض لسانه غيظا منها ويقول:
ممكن أعرف شو اللي بضحّك هالقد بكلامي؟
حينها أوشكت على أن تبدأ بالضحك السمج من جديد ولكنّها نظراته الغاضبة المتحذّرة هي ما أوقفتها لتتنحنح قائلة:
بعيدا عن كوني مو مصدقة طلبك عفوا قصدي تصريحك وبعيدا عن كوني حتّى لو صدقته فما راح أأقبله
مع كلّ كلمة كانت تقولها كانت تستفزّ أفكاره أكثر.
تحفز معسول لسانه ومنطقه مجهزا إيّاهما لحملة إقناع صبورة فبالنهاية رفضها الأوليّ لم يكن بعيدا عن خياله ولكنّ التماع عينيها ونظرتها الشامتة أوقفتاه بل عطّلتا حواسه متهيئا لمجموعة من السموم جاهزة لتنطلق من لسانها ولكنّه
كان مخطئا فكلماتها ما كانت سموما فالسموم لا تؤلم أبدا ما قالته كانت خناجر خناجر حادّة ألقيت وبقسوة على قلب رجولته نعم رجولته أمّا قلبه فسيكون متأكدا هذه المرّة أنّه لن يتأذّى فهو بالنهاية لن
يفعل إلّا ما يريد
وها هو بعد ساعات لازال يشعر برجولته تنزف عند ذكرى لكلّ حرف نطقته:
بحبّ أحكيلك إنّه حضرتك تأخرت شوي اليوم بالذات ومن كم ساعة أستاذ إلي طبيب مشرف عنّا هون بالمستشفى راح لعمّي وخطبني منّه!
1.
في ذات الوقت بينما كان يوسف يتقلّب على سريره بعدم راحة يرسم الخطّة ويُعدّ العتاد كان جسد عمر قريبا منه على سريره الخاص يتقلّب هو الآخر يحترق بالنيران كما يوسف بالضبط لكنّها وللحقّ نيران مختلفة
محرقة ولكن لذيذة جدا نيران شوق لا يهدأ وجوع من الواضح أنّه لن يشبع
تقلّب عمر في سريره من جديد معطيا يوسف ظهره فهو وللحقّ يقال لا يشعر برغبة لرؤية وجهه الآن تحديدا مبدلا إيّاه بوجه رحيق المتورّد الناعم الباكي حبّا
تنهّد عمر باحتراق يكاد يشعر بجسده كلّه محموما طعم شفتيها لازال عالقا بين شفتيه لا يزول بل إنّ كلّ شئ اليوم بدى بطعم شفتيها الماء.
الغداء.
والعشاء قهوته والشاي نكهات العالم كلّها اختزلت اليوم لتكون بطعم شفتيها حلوا و مالحا!
ضحك عمر رغما عنه بصوت خشن قصير وسرعان ما كتم الضحكة خوفا من تسلل فجّ لذكرياته من يوسف الذي يبدو اليوم مسالما وبشكل مريب
تلك الملوحة التي استشعرها اليوم من بين حلاوة شفتيها وحرارة قبلاته والتي سرعان ما أدرك أنّها لم تكن إلّا لدموعها كم كانت صادمة له يذكر جيّدا تلك الخيبة المريرة التي شعر بها لاذعة تقرص حمم
مشاعره كم شعر بالذهول والصدمة حينها وسارع ليقول بتلعثم وبارتباك لاهثا:
رحيق ليش ليش بتعيطي خوفتك أكيد دايقتك أنا أنا آسـ
كلمة الاعتذار التي كانت توشك أن تخرج من بين شفتيه المحترقتين بحرارة ما كان ولم تبردا بعد قاطعتها هي بكلمات مهتزّة:
لااا لأ عمر لااا دخييييلك لا تتأسف لا تتأسف
عندها فقط تجرّأ بوقتها وقال هامسا:
طيب ليش الدموع ليييش؟
فجأة وعلى حين غرّة تزايدت دموع رحيق وتعالى صوت بكاءها ناعما وبشكل عجائبيّ غريب ترافق كلّ ذلك بابتسامة شقّت صدره وتركته مأخوذ الأنفاس ذاهلا بينما تنطق بكلمات ساوت ابتسامتها غرابةً:
أخيرا يا عمر أخييرا
كلماتها جعلته واقفا مكانه فاغرا فاه مشوّشا بينما يكرّر بلا استيعاب:
أخيرا؟
مظهره المشوّش مع تلك الحالة الغريبة الخاصة بها هي والتي تحياها الآن متوهجة كأقصى ما يكون جعلها تضحك ضحكة قصيرة سعيدة وتقول من بين دموعها التي امتزجت وبشكلٍ ساحرٍ خلّاب مع حالمية الكلمات وجمالها:
أنا بحبّك يا عمر!
بحلقة عينيه الآن وانذهال نظراته جعلت ضحكتها تعلو بسعادة ودموعها تتسارع رقراقة عذبة بينما تكرّر بتأكيد وراحة وكأنّما تنفض عن قلبها وروحها عبئا كاتما خانقا حملته ولسنوات:
بحبّك عمر والله بحبّك!
ماذا بعد أمن الممكن أنّ الحياة تخبّئ لها المزيد من الألم؟
أيعقل أنّها وعماد ما كانا سوى ضحيتين لمكائد والدها التي لا يريد فيها سوى السيطرة على حياتها وتسييرها على حسب هواه؟
لطالما كان والدها متسلّطا ولكن أيعقل أنّه كان سببا أساسيا بخراب حياتها مع عماد وهو الذي كان يعلم كم كانت تهواه وتعشقه بل وأكثر كان يعلم انّها تحمل في رحمها طفلا من صلبه!
هزّت آنجلا رأسها بتعب وكأنّها كان ينقصها في يومها المجهد هذا أن تستمع لذلك الحوار المريب والذي لا تتمنّى حاليا أن تفهم فحواه ما بين والدها وعماد ألا يكفيها عبدالله الذي ومنذ انتهاء العمليّة وحتّى
الآن ورغم مرور ساعات على ذلك لا زال غائبا عن الوعي رغم انتهاء المدّة المفترضه لتأثير المخدّر على جسده الصغير
وساوس كثيرة كانت تدور وتدور في رأسها دون هوادة أيعقل أنّ ولدها نائم الآن يهرب من شئ محدّد قدر أسود ربما؟
ألا تعلم أنّ أمّك يا قلب أمّك جالسة هنا قريبا منك جدا تنتظر وتنتظر رؤيا عينيك الحبيبة الاطمئنان أنّهما لا زال لهما في نور الشمس نصيب ألا تعلم أنّ الدقائق هاهنا اليوم ما عاد لها
ذات القيمة والمغزى فتحوّلت الثانية منها إلى زمن
راقبت آنجلا من مكانها عماد فاردا سجّاته هذه المرة ويصلّي هاهنا قريبا منها وما عاد في المكان الآن ثالث لهما إلّا القلق بعد أن غادر والدها ومحمّد ووالدته منذ ساعات
كانت ترى عماد الآن ساجدا وقد أطال في سجوده تعلم أنّه يدعو ويدعو وقد علمت أنّ العبد أقرب ما يكون لربّه وهو ساجد كم تحسده فهو على الأقل يعرف ماذا عليه أن يقول وكيف عليه
أن يدعو لقد أخبرها هو بنفسه اليوم أن تدعو لعبدالله كلّ ما في نفسها فهي وعلى حدّ قوله أمّ وكفى
وقد فعلت صلّت مثله ودعت.
والله لقد دعت ولكنّ بصيص الأمل بدأ ورغما عنها ورغم كلّ كلمات عماد المشجعة والمؤاسية بالخفوت فرقاد عبدالله قد طال وحبل مخاوفها ما عاد له من نهاية
صوت خطوات الممرضة المراقبة لعبدالله قادمة إليهم ترافق مع سلام عماد وفراغه من صلاته وما كانت إلّا لحظات بعد أن أخبرتهم أنّ عبدالله قد بدأ بالاستيقاظ إلّا وكانا كلاهما معا هناك في غرفته برفقة الطبيب
ينتظران عودة وعيه كاملا ليطمئنّا عليه فتكون تلك اللحظة بالذات هي نهاية مرحلة صعبة جدا جدا من حياة ثلاثتهم
ثلاثة أزواج من العيون كانت تراقب عينا عبدالله التي كانت تقاوم النوم من جديد يحرّك جفونه مرة واثنتين وثلاثة وما أن فتحهما كاملا حتّى اقتربت آنجلا بجسدها بدافع غريزيّ من جسد عماد تطلب منه الأمان
والذي كان بدوره يقترب من سرير عبدالله وفي جوف قلبه عشرات من الأدعية تداخلت ببعضها بسبب سرعة ترديده لها
صوت عبدالله لامس قلوبهم المرهفة بسمعها حين قال بصوت متحشرج صغير:
ماما بابا
ضحكة مرتجفة لامست أفواههم لكنّها لم تصل لعمق قلوبهم الراجفة سرعان ما تلاشت وسؤاله الغريب يطرق أسماعم دون العقول بينما يقول بذات الصوت المرتعش المهزوز:
عيناي لا زالتا مغمضتين صحيح ماما بابا أنا لم لم أفتحهما بعد لم أفتحهما صحيييح
شهقة حادّة ناعمة صدرت من آنجلا بينما تتراجع خطوة للوراء فتصطدم بصدر عماد الجائش العريض كتمها هو بسرعة بكفّه بينما الارتفاع والانخفاض المتسارعين والشديدين في صدره ينبئانها أنّها ما أخطأت الفهم وفي ظرف ثوان كانت
كفّه العريض تغرق على ضفاف فمها بنهر من الدموع!
قراءة ممتعة.
يتبع
الثالث عشر من هنا
حمّل تطبيق حكايتنا حكاية دلوقتي وكمّل قراءة عندما يعشقون صغارا

حمّل تطبيق حكايتنا حكاية وكمّل رحلتك مع رواية عندما يعشقون صغارا بدون أي تعقيد. 📖

قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثالث عشر 13 بقلم نيفين ابو غنيم

في رواية عندما يعشقون صغارا الأمور خرجت عن السيطرة في لحظة واحدة! 📖

تابع أحداث رواية عندما يعشقون صغارا كاملة 📖

جميع فصول عندما يعشقون صغارا متاحة للقراءة الفورية. 📖

روايات نيفين ابو غنيم كاملة للقراءة

جميع قصص وروايات نيفين ابو غنيم متوفرة كاملة للقراءة الآن.

إرسال تعليق