رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم نيفين ابو غنيم

كل مشهد في عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية بيخبي وراءه حقيقة أخطر!

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم نيفين ابو غنيم

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم نيفين ابو غنيم
لفصل الواحد والثلاثون والأخير
دخل عمر الملحق الذي يحكي حكاية جنون صاحبه وشتاته وخطى بقدميه بسرعة على أرضها ناسيا ما ترامى فوقها من أسبابٍ للخطر متجها إلى طاولة الزينة يلتقط من بين ما تبعثر عليها من أغراض الرسالة المهترئة
غافلا عن شظية زجاج صغيرة اخترقت قدمه وقد كان منع أمّه من الدخول إلى الغرفة محتفظا بمفتاحها معه كي لا تعيد تنظيفها ولا ترتيبها مفضّلا أن تبقى على حالها فتحاكي فوضى ودمار يشعر بمثله بداخله
بيدٍ مرتجفة أمسك عمر الرسالة وأعاد قراءتها مسخّرا قلبه وعقله وروحه في تحليل حروفها وتفكيك جزيآتها والبحث فيما وراءها حتّى وصل لجزئها الأخير فزادت ارتجافه يديه وارتعاشة روحه وتهليلات قلبه
ربّما تستطيع حينها أن تصخي السمع فتصغي لنداء قلبك لعلّه يقودك حيث حريّتك فتجد عصفورتك التي مهما غرّدت وحلّقت إلّا أنّها أبدا لن تبتعد عن السرب لأنّها مهما حصل ستظلّ دوما نصيبك
أبدا لن تبتعد عن السرب ستظلّ دوما نصيبك
لن تبتعد عن السرب
لن تبتعد عن السّرب
لن تبتعد عن السّرب
كانت الكلمات تتردّد في عقله وقلبه فيما خطواته تتسابق إلى جميع غرف المنزل يفتحها ويغلقها في هوجائية مجنّحة دون أن يجد فيها مبتغاه فيتراكض من بعدها على سلالم البيت المؤدّية إلى حيث شقق إخوته ولكنّه
وما إن وصلها لم يضطر لأن يبحث فيها إذ حينها وجد من يمنعه من اقتحامها فكرم كان له بالمرصاد وعندها لم يحتج لكثير من الذكاء ليفهم فقال بخيبة مريرة:
كيف هُنت عليك؟
شو عملت أنا لكلّ هالقسوة والغدر منكم؟
أمسكه كرم من كتفيه قائلا بحزم وصلابة:
إحنا ما غدرنا ولا خُنّا إنت ما سألت وإحنا ببساطة ما جاوبنا شو عملت وشو خلّى جعل رحيق تعمل هيك ما بعرف وبشو حضرتك مزعلها كمان ما بعرف كلّ اللي بعرفه إنها تحامت فيّي وطلبت
تلجأ لبيتي وإمّي وافقتها وبما إنّي بعرف زي ما كل أهل البيت بيعرفوا لأي درجة رحيق بتحبّك وبتموت فيك فأكيد ما عملت هيك غير في شي كبير مدايقها منّك
نظرات الغضب والخذلان كانت لا تزال تملأ عيون عمر لا يصدّق أنّهم كانوا يرون معاناته تلك وبالرغم من ذلك لم يكلّف أحدهم نفسه بأن يخبره أو حتّى يلمّح له بشيء حتّى أمّه و غزل كيف
هان عليهم جميعا كيف!
وكأنّما الأفكار التي كانت تصرخ من بين عينيه قد أصابت إدراك كرم فهزّه بقوّة من كتفيه وقال بصوت بان فيه اللين:
أمّا كيف هُنت علينا فبعمرك ما بتهون عمّور إنت وصيّة أبونا الله يرحمه اللي بعمرها ما بتنزل الأرض بس لمّا ألاقي حالي مُخيّر بينك وبينها فآسف.
راح أضطر أختارها مش لإنّي بفضّلها عليك أو لإنها أهمّ لأ بس لإنّه الدنيا كلها إلك أرضها فراش وسماها غطا.
إنت شبّ ما بتعدم الحيلة بتدبّر حالك أمّا هي من بعد ربنا ما إلها غير هالبيت بيت أبو كرم الزلمة الأصيل المقدّر اللي العيبة ما بتطلع من بيته وعشان هيك من هلّأ بحكيلك لو دخلت
هالشقة وما عرفت كيف تطّلعها منّها معك راضية وبتضحك فآسف هالبيت راح يتعذّرلك.
رجليلك ما راح تخطّي مرّة تانية فيه طول ما هي موجودة فيه عشان هيك بنصحك تدخل هلّأ وما تطلع منّه إلّا منتصر أو منتصر وتذكّر
شدّد كرم على عضدي عمر -الصامت بلا أدنى تعبير يظهر ما بفكّر فيه- وضربهما بخفّة وقال بخبرة:
المرة الامرأة غير كلمة حلوة وصدر حنون ما بدها.
عقلك معها خلّيه دايما موجود وصاحي بس أبدا لا تخلّيها تحسّ غير بقلبك!
من بهو الشقّة بالداخل كانت رحيق ترتعش شوقا وخوفا بينما أصوات مبهمة لعمر وكرم تصلها دموعها تنهمر مدرارا على وجنتيها تكاد لا تصدّق أنّ لحظة اللقاء آنت لا تصدّق أنّه قد تعذّب فعلا لتلك الدرجة
بفراقها لا تصدّق بأنّه قد اختار البحث عنها اختار أن لا يتجاهل غيابها اختار أن يختارها!
من بين دموعها ابتسامة لا تكاد تُرى شقّت طريقها كما شمس خجولة من بين المطر فهي رغم كلّ شيء سعيدة سعيدة رغم ما ذاقته من مرارة الفراق رغم ما اعتراها بالأيّام الماضية من صقيع البعد
ولكنّها حلاوة اليقين كفيله بأن تنسيها كلّ العلقم الذي تجرّعته ليس فقط الأيّام السابقة إنّما السنوات اليقين الذي لا يأتيها إلّا منه هو مهما أخبرتها به غزل مهما أكّدته لها حماتها والدته بل والدتها هي
والتي ذهبت إليها باكية بحرقة في صباح ذلك اليوم تحمل بين عينيها مخاوفها وشكوكها التي لا تهدأ ولا تفتأ تستيقظ بين كل فترة وأخرى عن كون عمر لا يريدها وأنّه مجبر عليها تبثّها وساوسها عن
مستقبل سيفطن به أنّه لم يعشق ويحبّ ككل شباب جيله وأنّ من حقّه أن يعيش ذلك الجنون وهي بوقتها لن يكون بيدها شيء تفعله لمنعه لا سيّما وهي تدرك صحة كلامه لكنّ الآن هي بحاجة
لأن تعرف وتتأكّد أنّه يريدها حقّا حتّى وبيده أن يتخلّص منها دون أن يضطر لأن يطلب منها المغادرة فالظروف متاحة لكلاهما كي يختبرا فرصهما ويعيشا تفاصيلها وهي تريد أن تستغلّها حتّى لا يأتي يوم تندم
فيه أنّها لم تفعل وكل ما تريده منها دعمها والوقوف بجانبها وأن لا تغضب عليها أو تفهمها بشكل خاطئ
بالطبع غزل وخالتها أمّ أحمد واللواتي رغم معارضتهنّ لجنونها إلّا أنّهن لم يبخلن عليها بالدعم وكذلك فعل كرم وحدها سراب من آمنت بصحّة هذه الخطوة وقالت بأنّ من حقّها أن تزلزل له عالمه كي يرى
الثوابت فيه والتي تتمثّل بها هي أمّا زوجها أحمد فقد اعترض قائلا أن ما يحصل جنون لن تتحمّل عواقبه إلّا هي وأنّه ليس من حقّهم تعذيب عمر دون أن يقترف ذنبا يذكر
كانت رحيق قد انغمست بالكامل في تفاصيل الأيّام الماضية وفجأة شهقت وتراجعت للخلف عندما فُتح الباب على حين غرّة لتجد أمامها عمر يقف لوحده فيما اختفى كرم من وراءه وهي التي ظنّته سيبقى قليلا فقط
حتّى تهدأ أنفاس عمر الغاضبة ويصبح أكثر هدوءا وتقبّلا
عيون عمر المشتعلة غضبا والمخيفة أرعدت أوصالها فبدأت خطواتها بالتراجع لا إراديا فيما عيونها تتّسع ما بين هلع واشتياق فيما كان صوتها قد بدأ بترديد اسمه مقاطعا هدير أنفاسها وصخب نبضاتها مستنجدا به هو دون
شعور:
عووومااار أأننااا ححبييبي
عيون عمر الافتراسية الخطيرة وخطواته الرشيقة التي لاحقت خطواتها ببطء وثبات ذكّراها بمنظر النمر الذي يترصّد فريسته بكلّ ذكاء ونباهة وخطورة فازداد الخوف في قلبها بينما تتساءل إن كانت حقّا قد أفسدت الأمر هذه المرّة
أمّا هو فجمود وجهه كان لا يشي بنيران صدره المستعرة والتي كان يحاول جاهدا السيطرة عليها كي لا تنفلت من بين يديه فتلسعها كما احترق هو بها لأيّام طويلة:
عوومااار وحبيبك؟
طيب ما في ابن عمي وتقبر قلبي كمان مشان عمر هالمسكين الأهبل اللي ضحكتي عليه وعملتيه مسخرة ومضحكة وتسلاية قدّام أهله يسكت ويسامحك بسرعة؟
شحب وجه رحيق وهمست بينما تمدّ ذراعها له تلامس صدره بينما تهمس بصدمة:
لااا عمر حبيبيي
شهقت رحيق من جديد بينما يضرب عمر يدها يبعدها عنه بعنف وكأنّه لا يحتمل حتّى لمستها ويصيح بها قائلا:
أوعي تقولي حبيبي حبيبك؟
ولإنّي حبيبك قرّرتي تتركيني هيك بكلّ هالبساطة بعد كل شي صار بينّا؟
هزّت رحيق رأسها بينما تتلمّس يدها المتألّمة وتقول بصدق موجع وقد بدأت الدموع تملأ عينيها:
ايه ايه لإنّي بحبّك تمنّيتلك السّعادة حتّى لو مع غيري فكّرتك ما بتحبني خفت ييجي اليوم اللي تقدر تقهرني فيه إنت إنت كنت ما بدّك ياني هربت منّي ورحت سافرت كنت كتير بارد معي وجّعتني
كتير
انتهت كلمات رحيق بالتصاق ظهرها بالحائط من خلفها إلّا أنّ ذراعيه سرعان ما التقطتاها بينما يصرخ بها قائلا بقهر وصدمة:
هلأ؟
هلّأ تذكرتي تحاسبيني مشان الماضي يا رحيق؟
وبالهجر؟
بتعاقبيني لإنّي خفت عليكي منّي وقرّرت أحافظ عليكي بتعاقبيني لإنّي فكّرت فيكي قبل ما أفكّر بحالي وأنا عم بقرّر أسافر لحتّى أبعد عنّك إنتي بتعرفي شو يعني تتجوّزي عمرك أربعتعشر سنة 14 تتحمّلي مسؤولية بيت
وأسرة ومتطلبات زوج هو بنفسه لسّة ولد بيمدّ إيده لأهله ليوخد منهم مصروف بدّه يتقاسموا معاكي وبدل ما تكوني مسؤولة منّه بدّك تكوني إنتي وإيّاه مسؤولين من العيلة كلها؟
بتعرفي أنا لو ما سافرت شو كان وضعك هلّأ؟
بتعرفي قدّيش كان ممكن نكره بعض؟
زوجة لأستاذ جامعي وأم لطفلين على الأقل آه مهو أنا بعمري ما كنت راح أتخّلى عن طموحي العلمي بينما إنت شو؟
بلا شهادة غرقانة بمسؤوليات كتير ما بتناسب عمرك الصغير اللي زادته الهموم الضعف بتدبلي واللي قدّك بعدهم عم يتفتّحوا يا رحيق أنا لمّا تركتك أعطيتك فرصة تعيشي حياتك زيّك زي غيرك من بنات جيلك وجودنا
مع بعض كان خطر إنتي كنتي حلوة كتير وبكلّ يوم بتكبري فيه قدّامي بتحلوّي أكتر وأكتر غير طبعا تقرّباتك اللي كنتي تهلكيني فيها وأنا أنا شب صغير لسّة من المراهقة ما طلع إله يومين و
ضعيف أنا أنا كنت أتعذّب يا رحيق وكان لازم أبعد!
كانت قبضتي عمر كما كمّاشتين تعتصران كتفي رحيق بقوّة يحاول بها التفريغ عمّا يعتريه من قهر وألم وشعور بالغدر أمّا هي فغافلة عن ذلك الألم بكتفيها كانت تستمع لكلماته مصدومة من الطريقة التي كان يفكّر
بها والتي لم تكن تعرف عنها شيئا وكم كانت سعيدة باعترافاته التي تسمعها للمرة الأولى فهو إذا لم يكن محصّنا منها بالكامل كما كانت تظنّ فهمست بذهول ودموعها لا تزال مستمرة بالهطول:
بس بس إنت بعمرك ما قلت يا عمر وتصرّفاتك معي كلها كانت جافّة وأنا كنت خاف خاف زعلك ترجّعني للمخيّم بعيد عنّك عنكن كلكن كنت حاول إرضيك وإرضيكن كلكن لإنّي حبيتكن وكرهت المخيّم وعيشته
همس حينها عمر وقد بدأت واجهته الغاضبة بالتصدّع بينما الشفقة عليها والحزن يؤثّر في صموده فيما عيناه تتأمّلان محيّاها بألم:
كلّ استجداء منّك إلي كان يتعبني كان يحسّسني إنّي إنّك.
بتدوري رضاي كنوع من بحثك عن الأمان امتنان وخوف تصرّفاتك أبدا ما كان فيها حبّ كنت خايف من اللحظة اللي راح يظهر فيها أبوكي أو حد من قرايبك زي ما صار بالزبط وتلاقي فيهم الأمان
اللي بتدوري عليه وتقرّري تتركيني كمان زي ما صار بالزّبط أو زيّ ما أنا فكّرت إنّه صار حاولت أحمي قلبي منّك بس ما قدرت كل مواجهة بيناتنا كنت أطلع منها أنا الخسران عيونك ضحكتك كلامك
الحلو دلالك غنجك ريحتك حبّك كلّها أسلحة حاربتي قلبي فيها وشنّيتي هجوماتك العنيفة عليه لحتّى غلبتيه واستسلم إلك راضي ومبسوط وتعلّق فيكي وما عاد يقدر يضخّ دم حروف اسمك مش مكتوبة فيه اليوم اللي صار
فيه زواجنا حقيقي اللي صار بينا كان أحلى شعور حسّيت فيه بحياتي كان شعور صادم ومن كتر حلاوته ومثاليته مخيف بس بس من حبّي إلك ما قدرت ما قدرت ما أفكّر فيكي وبالسعادة اللي حرمتك
إنّك تشعري فيها بيوم عرسك حسّيت إنّه كل شيء عملته بحياتي مشانك راح عالفاضي وإنّه كلّ حبّك إلي تحوّل لكره وكل امتنان تحوّل لخيبة
كانت رحيق تستوعب كلماته وواحة غنّاء تزهر جميلة نابضة بالحياة وبالأمل في داخل روحها فعُمر يحبّها حقّا.
عمر لم يبتعد رافضا إيّاها وكارها.
لم يحزن ليلتهم الأولى معا لأنّه كره ما حصل وخابت تطلّعاته إليه أو لأنّ أمله فيها قد خاب أو حتّى لأنّه قد نال منها ما أراد وانتهى.
هو فعل كلّ تلك الأشياء لأنّه يحبّها حقّا يحبّها!
مرّغت رحيق رأسها بصدره بينما تجهش قائلة:
وأنا ادّايقت مشانك خفت كون خيّبت أملك خفت كون خرّبتلك حلمك بعروس بنت بنوت بليلة زواجنا خفت ما كون متل ما إنت كنت بتتخيّل بس إنت بعد عرسنا كتير تغيّرت معي صدّقت إنّك بتحبني وإنّك
عنجد بدّك إيّاني وما بتقدر تستغني عنّي لحتّى طلب منّي عمّي روح معه وإنت سكتت ما قلت شي وقّفت تطّلع عليّ متل كإنّك عم تنتظر منّي وافق بس مستحي تقلّي
مشدوها ضحك عمر وأبعد رأسها عن صدره لينظر إليه قائلا:
إنتي هبلة؟
أنا سكتت مصدوم إنّك ما رفضتي بنفس اللحظة ما حبّيت أقرّر عنّك وانتظرت القرار يكون نابع من قلبك وما أعمل متل ما أبوكي الله يرحمه اضطر يعمل من قبل ما حبّيت أسحب من بين إيديكي
الفرصة اللي انسحبت منّك زمان لإنّه الظروف أجبرتك!
ضحكت رحيق متنشّقة أنفاسها المبتلّة وقالت بذهول وسعادة:
يا الله شو كنّا هبل!
يدا عمر اشتدّت حول كتفيها يبعدها عنه ويسألها غاضبا بتحذير:
شووو؟
شحبت رحيق وانقطعت أنفاسها وقالت:
يي يي ولي على آمتي يقطعني أمانة لا تزعل منّي ابن عمّي والله مو قصدي
كتم عمر ابتسامته ونظر إليها متسائلا بصدق:
خايفة أزعل أطلقك وأرجعك للمخيّم؟
نظرت رحيق لعينيه تشوّش عليها الرؤيا دموعها التي ما توقّفت بعد:
خايفة تزعل فقلبي يتعب!
↚
خلع عمر حجابها عن رأسها وقال هامسا:
سلامة قلبك من التعب بس برضو حسابك تقيل وزعلي صعب عشر أيّام يا مفترية حارمتيني منّك عشر أيّام قريبة هالقد منّي وشايفتيني بتقطّع قدّامك قلبك ما حنّ كيف هُنت عليك؟
ابتسمت رحيق وقالت بشجن:
مشانك لحتّى ما ييجي اليوم اللي تندم فيه على تصرّفك النبيل معي ومع بابا الله يرحمه كنت عم موت كل يوم بعيدة عنّك عم بستنّاك تلاقيني وتيجي لتخطفني من جديد على حصانك الأبيض نشف قلبها
دلع يا حرام وهي شايفتني كل يوم عم ببكي وعمّو كرم بيحكيلها عمور زعّلها وبدنا نخبيها عنّه لحتّى نعاقبه وما يرجع يعيدها
ضحك عمر وقال:
عشااان هيك البنت الها كم يوم مو طايقتني وأنا مفكّر لإني ما عم بلعب معها ولا معبرها رحيق؟
مستمتعة بحضنه غارقة بتأمّل تفاصيله أجابته ساهمة:
امممم
فقال باسما:
ممكن أعرف ليش لسّة بتعيطي حبيبتي؟
ضحكت رحيق رغما عنها وازداد بكاءها بينما تقول:
من الفرح حبيبي مو مصدقة إنيّ معك وبحضنك!
قرّب عمر رأسه من رأسها وقال متوعّدا:
ومستعجلة ليش عالدموع اصبري هلّأ راح يلزموك وأنا بطلّع كل دقيقة قضّيتها بتعذّب وأنتي بعيدة عنّي كلّ دقيقة حرمتيني فيها منّك راح أطلعها على بدنك دقيقة دقيقة عشر أيّام يا ظالمة!
قهقهت رحيق ومسحت دموعها بظهر يديها كما الأطفال بينما تقول بسعادة:
وإذا عوّضتك عنهم؟
ابتسم لعينيها قائلا بينما يهزّ كتفيه:
بشوف وبقرّر
ابتسمت رحيق بمكر ودلال انثوي هيّج مشاعره المنهارة أصلا وأمسكت يديه قائلة:
اليوم الأوّل
وقبّلته على يده اليمنى ثمّ أمسكت اليسرى وقبّلتها قائلة:
اليوم التاني
ومن ثمّ وللهفة قلبه رفعت جسدها على أطراف أصابع قدميها وتعلّقت ذراعيها برقبته وقبّلت خدّه الأيمن قائلة:
التالت
ثمّ ارتفعت بشفتيها نحو جبينه تمتمت بفرح:
الرابع
وأكملت جولتها إلى خدّه الأيسر هامسة:
الخامس
فزمجر هو حينها مرتعشا وقال بخشونة:
مطوّلة لتوصلي للعاشر؟
ضحكت رحيق بصوت رقيق وقبّلت رقبته قائلة:
السادس والسّابع
قالتها بينما تنتقل مقبّلة ذقنه الخشنة ومن بعدها تحبو بشفتيها لزاوية فمه فتقول لاهثة الأنفاس:
التامن
أما التاسع فكان قبلة ناعمة كرفرفة فراشة حطّت على أنفه قبل أن تنظر لشفيته بشوق وتقول بصوت مبحوح:
العاشـ.
قبلة جامحة ذوّبت شفتيها تاه بها هو بحلاوة رحيقها فخارت لها قواه قبل أن يرفعها ويحملها كما طفلة صغيرة من تحت ركبتيها وأسفل كتفيها بعنف بينما يتّجه نحو باب الشقّة فيقفله قفلتين بالمفتاح من الداخل
منتقما بعقله من غزل التي نبّهته لهذا الأمر يوما ويذهب نحو غرفة الجلوس فيرميها على إحدى أرائكها الواسعة بينما يهمس لها بعنف:
شكرا لتعويضي عن أوّل عشر دقايق من ال 14400 دقيقة اللي انحرمت منّك فيهم أما الباقي اتركيهم علي بعرف كيف أعوضهم بطريقتي بس معلش بدّك ما تواخزيني يا بنت عمّي تعبااان مخنوووق راح أضطر أعمل
عدّ عكسي وأبدأ من الرقم الأربعتعشر ألف وأربعمية
قهقة رحيق ضاعت من جديد بتلك الدوّامة العاطفية للذيذة المؤلمة التي سحبها عمر لعمقها وفجأة ومن بين الصخب العاطفيّ حولهم شهقت رحيق فزعة تدفع عمر عنها فجفل قائلا باختناق وألم من البعد المنهك الذي فرضته
عليه:
شو في وجّعتك
فأشارت رحيق بوجهها المخضّب نحو قدمه وقالت بصوت متهدّج:
رجلك بتنزف!
بهت عمر وقال غضبا:
بالله عشان هيك بعّدتيني يعني هاد وقته؟
مال عمر من جديد عليها فأبعدته من جديد هامسة:
بتوجعك؟
فقال بحنق وغضب يكاد يشعر بجسده يوشك على الانفجار من شدّة الكبت:
يمكن ما بعرف مش حاسس فيها بس إذا بدّك تضلّي كتير شاغلة بالك فيها ممكن أقطعها وأريحك منها يعني
قطّبت رحيق مصدومة من عنفه قبل أن تنظر حولها وتهتف من جديد بفزع:
ياعيب الشوم وسّخت البيت وعبّيته ملأته دم
ابتسم حينها عمر بشرّ قائلا:
أقل واجب وعفكرة إنتي كمان في إلك مفاجأة بتستنّاكي ببيتنا رحيق ممكن تسكتي شوي كرم حكالي ما أطلع من هالشقّة غير منتصر أو منتصر وأنا ناوي أطلع منتصر وشايل الغنيمة على كتفي كمان!
قالها عمر وثبّتها بمكانها منتزعا منها غصبا ولولة الهزيمة فيما هتف هو بصرخات النّصر الحماسية.
بخطوات هادئة دخل يوسف غرفة نومهم المهجورة منذ أيّام طويلة ليجد زوجته بذات الحال الذي تركها عليه قبل قليل ليصنع لها كأسا من الحليب الدافئ تجلس بين طيّات الفراش بملابسها التي كانت ترتديها والمكوّنة من
قميص كحليّ باهت وبنطال جينز فاتح الزراق كتفيها محدّبين ووجهها شاحب يداريه عن عينيه الآن شعرها الذي تهدّل حوله يخفي ما يرتسم فيه من ضياع وألم
وقف يوسف قليلا أمامها يكاد لا يصدّق حتّى الآن أنّها حقّا هنا في بيتهم وعلى سريرهم سعيد هو فيها متألّم لأجلها خائبا شوقه فما هذا هو الحال الذي تمنّى أن تعود له فيه أرادها سعيدة
راضية لا متألّمة تائهة وكم يوجعه حالها هذا
اقترب منها يوسف ووضع كوب الحليب بيدها علّه يقدر على إراحة أعصابها وإعادة بعض الحياة لوجنتيها
أخذت زاكية منه الكوب دون أن تبدي أيّ اعتراض وشربته حتّى منتصفه دفعة واحدة رغم سخونته وكأنّما دون أن تشعر قبل أن يهتزّ فجأة بيدها وتنسكب منه بضعة قطرات على جسدها فلا تجفل لها أيضا
فزعا أخذ يوسف الكأس من يدها خشية عليها ويضعه على طاولة جانبية قبل أن يجلس على السرير أمامها ويمسّد لها شعرها الذي اشتاق للشعور به بين أصابع يديه ويطلب منها باهتمام وبنبرة ملحّة:
زاكية حبيبتي احكيلي فضفضيلي شو في شو صاير شو خلّاكي تيجي هلّأ بهالوقت مو شايفة قدّامك ومن دون حتّى ما تخبري دار عمّك إنّك راجعة عالبيت هون اليوم؟
كانت زاكية تخفض رأسها فصُدم يوسف بينما يرى دموع كثيرة تتساقط حيث يديها متشابكتين أمامها بارتجاف فرفع رأسه قائلا بنفاذ صبر:
زاكية والله لو ما حكيتي شو صاير.
لم يحتج يوسف لاستكمال تهديده الذي لم يكن يعرف ما كان ليكون فقد قاطعته هي قائلة بحزن قطّع نياط قلبه:
جود مات
عيون يوسف كانت تتّسع رويدا رويدا بينما يحاول فهم ما قالته وفجأة شحوب اعتلى وجهه وصدمة لامست مشاعره وخلعت قلبه بينما يهتف بها مفجوعا:
شووو؟
كيف؟
ليييش؟
هزّت زاكية رأسها تشير بيديها بعجز قبل أن تقول بصوت مختنق من أثر الدموع:
هاد الشي متوقّع لأغلب اللي عندهم قصور عقلي متل حالته نوبة صرع قويّة صابته اليوم ما قدر جسمه الصغير يتحمّلها
صمتت زاكية قليلا بينما يوسف يداعب خدّها بتعاطف وحزن وأكملت:
خلصت اليوم زيارتي للميس وما بعرف بس إجا على بالي أشوفه.
هو موجود بالمستشفى إله يومين وكنت ملهيّة عنّه ما شفته فيهم أبدا دخلت القسم لقيت سريره فاضي سألتهم قالولي مات من اليوم الضهر وأهله خلص استلمو جثته.
هيك مات من دون ما أودعه من دون ما أشوفه.
قالت زاكية ما قالت وكأنّها بكلماتها تلك أعطت لدموعها الإذن بالانهمار صراحة وبعنف فأجهشت ببكاء مرير قبل أن ترتمي على حضنه تشدّه إليها بقوّة أشعرته بمدى حاجتها إليه مهما كابرت وادّعت العكس
عالما بمدى حاجتها لسكب تلك الدموع التي فسدت لطول ما كتمتها في قلبها فأفسدت صدرها تركها يوسف تبكي براحتها فيما اكتفى هو بالتربيت على ظهرها حينا ومداعبة شعرها أحيان وقلبه يستعيد كلّ ذكرى جميلة قضاها
بغرفة ذلك الطفل البريء فيحزن لفراقه بينما يحمد الله الذي اختار أن لا يزيد له من عمر معاناته ومعاناة أهله
شعر يوسف بشهقاتها تخفت تدريجيا وبأنفاسها تثقل فبدأت أنفاسه هو أيضا تهدأ وأعصابه التي لم يكن يدرك كم كانت مشدودة ترتخي بعكس نبضاته التي تمرّدت عليه وثارت بصخب بينما قرب الحبيبة يجيّش أشواقه إليها فتنهّد
من قلبه قبل أن يرجعها لتستريح على السرير مقبّلا جبينها وعينيها المغمضتان متأمّلا تفاصيلها المبلّلة والمجنونة كصاحبتها قبل أن يبدأ بتغيير ملابسها عالما أنّها لن تستريح بهم وإلباسها قميص نوم قطنيّ يعلم كم تحبّه وتستريح
فيه بينما يهمس بين كلّ لحظة وأخرى:
صبّرني يا رب!
ما إن انتهى يوسف من أداء مهمّته الانتحارية حتّى خلع عنه ملابسه هو الآخر وارتمى بجسده بجانبها وقرّبها منه جدا محتضنا إيّاها من الخلف غامرا إيّاها بكلّ ما يحويه قلبه لها من حبّ فيما عقله
لا يزال يعيد صورتها التي بدت عليها عندما دلفت عليهم البيت بعد مغادرة عمر لهم مباشرة كم بدت منهارة وضائعة بينما تسلّم عليهم صامتة غافلة عن كلماتهم المرحّبة بها بحرارة لتستأذن منهم بصوت شاحب للذهاب
لشقّتهم كي ترتاح فيتبعها هو والذهول لا زال يتملّكه والسعادة تملأ روحه رغم كونها تجاهلته هو بالسّلام ولكونه يعرفها جيّدا ويرى آثار الضياع والصدمة واضحة في تفاصيلها فقد عذرها عالما أنّها إن فعلت فستسقط حصونها
وتنهار أمام الجميع
ما إن دخلت بعدها زاكية الشقّة حتّى رمت كلّ ما بيدها وارتمت من فورها على السرير شاحبة ترتعش مثيرة فزعه عليها قبل أن تنظر إليه قائلة مدركة لمشاعر
جزعه:
لا تخاف تعبانة شوي بس
زفر يوسف بضيق وأخفى وجهه مرهقا بين طيّات شعرها بينما يفكّر منهكا أنّها إن كانت قد اعترفت بأنّها متعبة قليلا فهو يقرّ بأنّه متعب كثيرا!
فتحت زاكية عينيها بينما الظلمة لا تزال ترخي سدولها على المكان من حولهما بكرم فقدّرت أن تكون الساعة لم تتجاوز الثانية والنصف من بعد منتصف الليل
شعور مريح اكتنفها بينما تشعر بذراعيه يشتدّان حول جسدها متمسّكا بها بقوّة وكأنّما يخشى أن تهرب وكأنّها ستفعل
تململت زاكية قليلا حتّى عدّلت من رقدتها فبات ظهرها مستلقيا على السرير وذراعه متراخية على بطنها وابتدأت التحديق بالسّقف بتركيز شديد ورغم الظلام الدامس حولها إلّا أنّها استطاعت أن تجد نقطة بيضاء صغيرة تسلّط عليها
نظراتها وتبدأ فجأة بصورة عجيبة تتّسع بعقلها رويدا رويدا حتّى أصبحت نورا ساطعا وابتدأ عقلها حينها يعيد تفاصيل يومها مرة وراء الأخرى تفاصيل كانت كانقباضات ولادة مؤلمة جدا تقصم الظهر وتخار لها القوى وأحداث اليوم
بقدر ما كانت مؤلمة إلّا أنّها بشكل أو بآخر خلّفتها بروح جديدة خفيفة مستقرّة وصافية لا عقد فيها ولا أفكار مشوّشة
موت جود بقدر ما آلمها وأوجعها وأحزنها اليوم إلّا أنّها لم تفكّر للحظة أنّها نادمة لكونها عرفته لم تتمنّى لو أنّها ما أحبّته وفي لحظة ما.
↚
من بعد أن تلقّت صدمة موته وجدت نفسها تجلس على سريره تتخيّله أمامها لا زال قلبه الصغير ينبض حيّا في جسده ترفض كونه قد مات تستعيد بعقلها بعضا ممّا كان بينهما ودون أن تشعر ابتسامة
حزينة كانت ترتسم على شفتيها بينما تتذكّر الخاتم الذهبيّ الذي كان قد سرقه من بين أغراض أمّه كي يقدّمه لها أسوة بيوسف كي يؤكّد على موضوع خطبتهما له بيومها شعرت بسعادة طفولية أن يكون جود
يتذكّرها خارج أسوار المستشفى ولكنّها بالطبع طلبت منه إعادة الخاتم إلى أغراض والدته من حيث أخذه قبل أن تدرك أمّه فعلته ويخيب أملها به وأخبرته حينها أنّها ستنتظر ريثما يكبر ويصبح قادرا على أن يشتري
لها خاتما من عرق جبينه عالمة طبعا باستحالة حصول ذلك فالموت هو مصير قريب متوقّع لمريض بحالته تلك فنوبة صرع قويّة تستمر لدقائق طويلة كفيلة بقتل قلبه الحبيب ابتدأت حينها باستيعاب خبر وفاته بينما تلك
الذكرى لا تزال حيّة تنبض في قلبها راسمة ابتسامة شفّافة صغيرة على شفتيها وبلحظة وجدت نفسها ممتنّة لكونها عرفته جيّدا ممتنّة لتلك الذكريات الجميلة التي اختزنها قلبها له والتي ستبقيه بقلبها حيّا يجلب السعادة لروحها
متى ما تذكّرته ومن بين دموعها التي لم تأذن لها بالانفراج والبسمة الحزينة على شفتيها وجدت نفسها تحمد الله الذي منّ عليها بنعمة معرفة روح نقيّة صافية كروحه
موت جود ذكّرها كم أنّ الحياة قصيرة كان ضربة قاسية لتردّدها وتعنّتها والظلم الذي تمارسه بحقّ قلبها الذي حرمته طويلا من قرب أقرب النّاس إليه بل من أجمل وأروع ساكنيه والذي أقصته عنها بكلّ ظلمٍ
وتجبّر ولأجل ماذا وساوس لا أكثر وجدت نفسها فجأة تتساءل بجزع ماذا لو جرى لأحد منهما شيء كيف سيعيش هو حياته إن فارقت الحياة فجأة يتساءل ما الخطأ الذي اقترفه كي تعاقبه بتلك الطريقة القاسية
وكيف ستتصالح هي مع نفسها إن حدث له شيء دون أن تخبره أنّها تحبّه وأنّها أخطأت بتركه كلّ هذه المدّة وبأنّها لن تكرّر خطأها هذا أبدا مهما حصل وهكذا ودون تخطيط وجدت نفسها تقود بحالتها
التائهة تلك إلى حيث هو مهجتها وقلبها وسندها الأوحد في هذه الحياة حيث ستستطيع أن تسقط بين ذراعيه تبكي جود تبكي والدها تبكي ضعفها إلّا أنّها وحين وصلت ولمحت لهفته بعينيها وجدت تساؤل مرير يفرض
نفسه على أفكارها ما الذي ستخبره به؟
كيف ستستطيع أن تخبره شيئا وتتجاوز عن أشياء فيما هو من أذكى من عرفتهم يوما
كلمات لميس اليوم تسلّلت إلى عقلها كما مصباحٍ قويّ سُلّط على كهف مظلم مهجور ظنّته طوال حياتها مسكون بالأرواح ولكنّها اكتشفت فجأة أنّ ما على أسواره من خيالات ما هي إلّا شخبطات رسمتها أيدي أطفال
مشاغبة بألوان متنافرة مزعجة وبلا معنى
لطالما ظنّت أنّ البدايات الخاطئة كانت هي فقط ذنوب أمّها وأختها وحتّى هي نفسها لطالما تساءلت عن ذلك التعاطف الذي كانت تجده دوما في قلبها نحو والدها رغم ما كان يبديه من قسوة في التعامل
مع والدتها وتشدّد معها ومع لميس ودائما كان في قلبها شعور بالذنب ناحية والدتها لكونها عميقا في داخلها كانت لا ترى فيها الأم المثالية معلّلة ذلك لنفسها بكره فكرة كون أمّها قد تزوّجت والدها برغم
اشتراطه عليها بأن تنسى أنّ لها أولادا قد أنجبنهم وهي قد فعلت استطاعت فعلا أن تفعل مخالفة كلّ الفرضيات التي تقول أنّ الأمّ تموت ولا ترمي أولادها فوجدت زاكية نفسها مع الوقت تكره الأمومة ولا
تجد فيها ما يفترض بها أن تحتويه من أمان مفروض وحبّ غير مشروط فقرّرت أنّها أبدا لن تنجب يوما أطفال لا تضمن أنّها ستحبّهم كما يفترض بالأم أن تفعل فتتركهم في هذه الحياة إمّا أيتام
المشاعر أو معقّدين لكنّها اليوم بالذات عرفت أنّ ذلك لم يكن حقّا السبب الوحيد
اليوم وبعد ما اعترفت به أمام لميس من مخاوف تنغّص عليها حياتها الجميلة مع يوسف قرّرت شقيقتها التكلّم والإفصاح عمّا تعامت هي عنه لسنوات وادّعت بأنّها لا تراه رافضة الإقرار بصحّته رافضة تشويه صورة أمّها
بقلبها أكثر فهي بالنهاية وبرغم كلّ شيء قد كانت أمّها
بألم أخذت أختها تخبرها كيف أنّ والدتهما قد كانت تبحث دوما عن الاهتمام في عيون كلّ رجل تقابله تفعل أيّ شيء للفت أنظارهم لا تعلم أذلك لخلل في تكوينها أم نقص في أخلاقها أم عيب
في أزواجها كلّ ذلك ليس مهم المهم أنّها كانت كذلك
بينما كانت لميس تحكي لها عن تصرّفات والدتها الكثيرة التي كانت تلاحظها بتتبع مقصود كانت زاكية تتفتّح في ذهنها أيضا بعض الذكريات تصرّفات والدتها التي تتغيّر فجأة عند وجود أي ذكر في أيّ مكان حولهم
حتّى وإن كان هذا الذكر عامل في محطّة بنزين أو نادل في مطعم أصغيرا كان أم كبيرا بالطبّع هناك في السعودية لم يكن المجال متاحا كثيرا لتصرّفاتها المبتذلة تلك أمّا هنا في الأردن فقد كان
المجال مفتوحا أمامها أكثر إنّها حتّى الآن وبينما تفكّر في الأمر أكثر تذكر كيف أنّها مرّة لاحظت والدتها تفتح اثنين من أزرار بلوزتها بسرعة ما إن هتفت هي منادية زوجة عمّها أم مجد تخبرها بأنّ
عمّها زوجها قد جاء تذكر امتعاضها في حينها دون أن تحاول تحليل الأسباب إلّا أنّها ببساطة وجدت الأمر كريها ومنفّرا
بعد أن أنهت لميس كلامها عن والدتهما صمتت كلاهما بضيق وألم قبل أن تستدرك زاكية وتسأل شقيقتها بشحوب عمّا قد فعلته هي حتّى تستحقّ هذا العقاب من زوجها الحرق بالنّار!
بحزن وخزيّ أدارت لميس وجهها بعيدا عن عيون زاكية المتألمة وأجابتها بصوت جامد لا حياة فيه:
بتعرفي طبعا إنّي قبل ما أتزوّج إياد عرفت شباب كتير كنت بدوّر على الشب الحلو الغني اللي ممكن يحقّقلي كل أحلامي وطموحاتي بالسفر واللبس وكلّ هاي الأمور التافهة اللي كنت شايفتها أهم شي بالوجود وأسباب
للسعادة المطلقة الحقيقة إنّه إياد ما قصّر وأوّل كم شهر زواج قضّيناها طلعات ومشاوير وشمّات هوا شي سفرات وشي مطاعم وشي لبس وهدايا وهيك لغاية ما رجع إياد لروتين حياته وراحت هالة البهرج الكذّاب اللي
كنت عايشة فيها ومع كل شهر كان يمضي من زواجنا صرت أكتشف إنّه بعيدا عن فلوسه فهو انسان ما بيشبه فارس أحلامي أبدا ما بيشبهني وعلى المستوى العاطفي والنفسي عاجز تماما يملا الفراغ الكبير اللي
كان بزيد يوم عن يوم بيني وبينه للأسف علاقاتي الكتير قبل الزواج خلّتني أتعرف على أصناف كتير من الرجال اللي فيهم كان مغازلجي وبيعرف يحكي حكي حلو يدوّبني فيه ويحسّسني إنّي أجمل نساء الكون واللي
فيهم دمه بينقط عسل ضحكتي ما بتوقّف وأنا معه واللي كان متكلم وبشخصية جدابة قوية ما كنت أملّ أبدا وأنا بحكي معه أمّا إياد فما كان بيشبه حد منهم إياد بالنسبة الي كان شخصية باهتة
وباردة ومملّة ما في شي بيجذب فيه غير فلوسه وشكله الحلو اللي مع الوقت ما عدت حتّى قدرت أشوفه حلو وهيك ومن دون ما أحسّ على حالي لقيت إنّي عم بتحوّل لنسخة مطوّرة عن إمّي
بحكم الحرية المطلقة اللي كان إياد مانحني إيّاها وقتها لحتى بيوم من الأيّام اكتشف علاقتي بواحد بيشتغل عنده بالشركة ومن بعدها بدأ الحصار والمشاكل والشكوك اللي أحيانا كانت تكون بسبب وأحيانا من دون سبب
مرتعدة مذهولة كانت أنفاس زاكية تتباطأ بينما تستمع لاعترافات لميس المخزية التي قرّرت أخيرا أن تنظر إليها وكأنّها قرّرت أن تواجه حقيقة انحطاطها برؤيته في عيون شقيقتها وأكملت:
لحتّى بيوم وصدفة التقيت بابن جيرانا بالسعودية اللي أهداني أوّل موبايل بمسكه بحياتي بتتذكريه؟
كنّا بوقتها عم نتغدّى بمطعم مع ناس أصحابنا قدرت أختلي فيه وآخد رقمه وأعطيه رقم البيت اللي إياد ما كان تاركلي غيره واللي كان لاغي منه خيار الاتصال يعني بستقبل ما بيرسل وطبعا هاد غير
الرقم اللي معك واللي كان دايما محتفظ فيه بمكتبه اكتشفت إنّه موجود بالبلد بشكل غير قانوني وإنّه مفلّس ما عنده شي ساعدته شوي ماديا على قد ما بقدر وهاد طبعا بعد ما قدر يخلّيني أرجع
أحبّه أكتر من قبل باهتمامه الكبير وحكيه الحلو قدر يرجع يحيي فيّي مشاعر كتير ماتت يوم عن يوم وأنا مع إياد اللي للأسف ولا طلّقني ولا حاول يتقرّب منّي أو حتّى يفهم سبب أغلاطي الكتير
إياد ببساطة بعّد عنّي متجاهل وجودي تاركني لغيره حتّى يعطيني الحبّ والتفهّم اللي أنا جوعانة إلهم وهيك تعلّقي بالشبّ زاد مع الوقت.
صمت لميس وابتلاعها المتقطّع لريقها أعلم زاكية أنّ القادم من قصّتها سيكون حتّى أسوأ ممّا سمعته حتّى الآن وقد صدق حدسها فقد استطاع ذاك الحقير استدرار عاطفة لميس واقناعها بإرسال صور لها تبدو فيها بملابس
بيتيه مكشوفة جدا وبوضعيات مغرية بحجّة أنّها ستساعده على تصبير نفسه عن بعدها وبأنّها ستقلّل من مشاعر غيرته التي يشعر بها ناحية امتلاك زوجها لها صور استعملها ضدّها بعد شهور طويلة حين بدأت لميس تعود
لوعيها وتعي لقذارة ما تفعله لا سيّما وقد بدأ إيّاد يضيّق عليها الخناق أكثر حينها بدأ الحقير بابتزازها ليمتصّ منها أكبر قدر من المال وهكذا وحين عجزت لميس فعليا عن إمداده بأيّ مبالغ مالية إضافية
تجاسر وطلب منها بكلّ صلافة وثقة أن تسهّل له أمر سرقة الخزنة الموجودة في غرفة نومهم والتي تعلم جيّدا أنّ إياد يخبئ بها أهم أوراق شركته وتعاملاتها المهمّة الحسّاسة وكثير من المال فترفض هي الانحدار
أكثر لذلك المستوى الحقير وأن يصل أذاها لزوجها حتّى عمله وشركته وهكذا كانت هي قد قرّرت أنّها حين تصل للأردن ستطلب الطلاق من زوجها وتبدأ حياة جديدة فيها بعيدا عن كليهما
كانت صدمة زاكية قاصمة بأختها فهمست لها بألم:
كل هاد يا لميس؟
كل هالحقارة بتطلع منّك إنت؟
كلّ هالقذارة كنت بدّك تلغيها من حياتك هيك بكلّ هالبساطة وبس بكلمة طلاق تفصلك عن زوجك؟
طيّب وضميرك شووو؟
طيب ربنا بس يسألك شو بدّك تحكيله؟
صمتت حينها لميس وهمست بشحوب:
هيك بغبائي فكّرت بس زي ما إنتي شايفة الموضوع ما خلص بهالبساطة ربنا انتقم لإياد منّي وهيني متل ما إنتي شايفتيني انسانة بشعة ومشوّهة إي انسان قبل ما يتطلّع بوجهي لازمه ياخد مية نفس لحتّى
يقدر يدّعي إنّه المنظر طبيعي ويمنع نفسه يستفرغ قدّامي من كتر القرف
لم تكن حينها زاكية بمزاج جيّد كي تخبرها بأن كلّامها غير صحيح وبأنّ وجهها الآن قد بدأ بالتعافي قليلا مع الغذاء الجيّد والمراهم المناسبة ما عاد بذات التشوّه الذي كان عليه سابقا جسدها ربّما إنّما
ليس وجهها كما ولم تكن زاكية ستريحها بأن تخبرها بأنّ الله إنّما قد أعطاها فرصة أخرى للبدء من جديد وقد أحرقها بنار الدنيا ماحيا عنها ذنوبها هي لم تكن بمزاج جيّد للتعامل معها بأي لطف
فسألتها متجاوزة كلماتها:
شو اللي صار بالأردن؟
نظرت لها لميس بألم قبل أن تغمض عينيها وكأنّما تستعيد كلّ ما كان بالصوت والصورة وأخبرتها كيف أنّها استطاعت اقناع إياد بالذهاب لحضور عرس أختها الوحيدة وكيف أنّها أرادت فعلا أن تفاجئها بالحضور وهنا بالأردن
وفي أوّل ليلة لهم فيها وصل إياد رسالة تحوي صورها تلك من ذلك النذل على حسابه بالفيس بوك والذي كان سهلا بالنسبة إليه أن يصل إليه عبر اسم شركته يطلب منه أن يسلّمه مبلغا ضخما
من المال بمقابل أن لا ينشر تلك الصور على جميع التواصل لاجتماعي وحينها بدأت المعاناة الحقيقية بالنسبة للميس ما بين ضرب وإهانة واستجوابات لا تنتهي لم يكتفي إياد فيها باعترافاتها الصادقة بكلّ ما حصل وإنّما
أراد اعترافات أخرى بما لم يحصل أيضا مكذّبا إيّاها بكلّ ما تقول عذابات كثيرة نالها كلاهما انتهت وبعد أسابيع طويلة بانهياره نفسيّا ودخوله بحالة اكتئاب حادّ جعله يقرّر حرق نفسه وحرقها كي يريح العالم من
شرورها ويرتاح
تنهّدت زاكية بينما تتذكّر كيف انتهت لميس من سرد حكايتها بانهيار عنيف بأعصابها أخذت بعده تلطم وجهها بكفّيها وتتّهم نفسها بالفجور وأنّها من استحقّت الموت لا زوجها وأنّ ما أصابها قليل جدا بالنسبة لكلّ ذنوبها
وكيف أنّ ما ينتظرها من عقاب عند الله سيكون أكبر وأدوم حتّى استطاعت زاكية أخيرا السيطرة عليها وإعطاءها ابرة مهدّئة كانت كفيلة بجعلها تنام لساعات طويلة لم تستطع رؤيتها من بعدها فقد كانت حينها عرفت
بخبر وفاة جود وعادت إلى هنا على الفور
للمرّة الألف تقلّبت زاكية في مكانها تفكّر فيما قد تقوله ليوسف هي بالتأكيد لن تستطيع أن تخبره بانحرافات أمّها وشكوك أبيها وقطعا لن تذكر له شيئا عن خيانات أختها وانتقام زوجها فهؤلاء جميعا للأسف أهلها
ومهما ارتكبوا من أخطاء شنيعة لن تحتمل أن يشار إليهم أبدا بلمزة مهينة أو كلمة مسيئة من أيّ شخص فكيف إذا كان هذا الشخص هو يوسف حبيبها الذي تريد أن تبدوا دوما لعينيه كاملة تريده
أن يكون فخورا بها لا تريد أن تشعر ولو للحظة أنّه يستعرّ منها ولا من عائلتها الماضي مات بموت والديها وإياد وترجو أنّ الضابطين الذي حقّقا مع لميس سيصدقون بوعدهم ولن يتحدّثا أمام أيّ إنسان
عن تلك الصور التي وجدوها بهاتف إياد حيث أنّها لن تقدّم بشيء في قضيّتهم ولن تُأخّر
عندما أخبرت لميس زاكية كيف أنّها رجت الشرطيين أن لا يذكرا شيئا أمام أحد عن تلك الصور تذكّرت بسرعة نظرات الشرطيّ المستهينة التي كان يرميها بها والتي أثارت غضب يوسف الجنوني يومها إذ أنّ الشرطيّ
لا بدّ إذا قد ظنّ أنّها منحلَة كأختها يا لعارها!
حسنا أنا لست مثلها ولا مثل والدتنا هكذا ذكّرت زاكية نفسها براحة فهي تستحق السعادة صحيح أنّها قد أخطأت مرّة ولكنّها فعلتها لأنها كانت مضطّرة وهي بعمرها الصغير ذاك ما كانت لتحكّم عقلها بشكلٍ جيّد
إلّا أنّها الآن قد أصبحت كبيرة وواعية وتعرف كيف تحافظ على بيتها وأسرتها وستبذل قصارى جهدها لأن تكون نعم الزوجة ليوسف وبإذن الله ستعوّضه عن أيّام المعاناة الطويلة التي تسبّبت له بها فيوسف رجل يندر
وجوده وهو يستحقّ أن تفعل أيّ شيء لإسعاده
تحرّكت زاكية من جديد لتستلقي بشكل جانبي بذات وضعيتها الأولى التي يفضّلها كلاهما هي وزوجها الذي سرعان ما وصلها صوته متمتما قائلا بصوت أجشّ من أثر النوم:
زاكية ارحميني كتر التقليب مش منيح لأعصابي وهاي النومة بالذات خطر على صحّة واحد محروم إله فترة طويلة زيي
ابتسمت زوزو براحة والتصقت بظهرها به أكثر وقالت هامسة بصوت قد بحّ من كثرة البكاء:
شو ذنبي أنا إذا كان حضرتك حارم حالك؟
صمت يوسف قليلا يحاول التكهّن بطبيعة مزاجها الغريب:
حارم حالي؟
ليش وينها مرتي اللي المفروض تحتويني وتحتوي رغباتي المكبوتة ولّا بدّك إيّاني أروح أشوف بنت حلال تانية تـ
سرعان ما انقلبت زاكية على الجهة الأخرى ونظرت له بينما تهمس بحدّة:
والله العظيم بموتك يا يوسف
ابتسم يوسف وقبّل أصبعها الذي كانت توجّهه نحوه بتهديد وقال:
بتغاري عليّ حبيبتي؟
ابتسمت زاكية بخفّة وقالت بصوت مختنق:
وليش ما أغار إذا كنت متجوزة شيخ الشباب وشايفة إنّه عيون الصبايا رايحة تطلع عليه –ثمّ أكملت زاكية بصوت مغوٍ- وبالنسبة لمرتك هيها نايمة بين إيديك ضعيفة وهشّة ومكبوتة عاطفيا وجاهزة للانحراف بس بدها مين
يوجهها!
ابتسامة يوسف التي اتسعت أكثر وأكثر ترافقت مع نظرات مصدومة رمى بها زوجته التي لم تبدُ لعينيه يوما أكثر اغراءا فهمس قائلا بذهول:
إنتِ مجنونة يا مرة؟
رفعت زاكية عينيها له بتهديد وقالت:
مرة!
كتم يوسف ابتسامته وقال:
زعجتك مرة؟
طيب يا حرمة؟
رفعت زاكية حاجبيها وقالت:
حرمة؟
↚
حبيبي في حد بيحكي لمرته حبيبته حرمة خاصّة ازا إنها دكتورة إلها ست سنين بتتعب لحتّى تطلع من ثوب الحرمة
ضيّق لها يوسف عينيه وقال:
هيهي هلكتينا دكتورة دكتورة وما شفنا منّك إلّا الوجع
نظرت له حينها زاكية بألم وهمست قائلة:
آسفة حبيبي عنجد آسفة بس اللي صار مع لميس هزّ ثقتي بكلّ شي حوالي لميس اممم تزوّجت إياد عن سابق معرفة وهو يعنييي عشان هيك ما كان يوثق فيها ووكمان بابا ماما كانت متزوجة صاحبه
ولمّا تركته تزوّجت بابا ولهيك بابا كمان كان دايما يذكّر ماما بهالشي ويدايقها بهالموضوع وأنااا عشان هيك
قاطعها يوسف قائلا بلوم وعتب:
عشان هيك منعتيني أحكي عن الماضي لحتّى ما أعايرك إنّك كنت تعرفيني قبل الزواج زاكية مش كلّ النّاس الله خلقها بنفس الوجوه ولا بنفس الشخصيات وبنفس الطباع في ناس كتير تزوّجت عن حبّ وعلاقاتهم ممتازة
ومن أجمل ما يكون وفي ناس بيفشلوا لمّا بيتزوّجوا احنا ما بنعرف شو ظروفهم بس الأكيد إنّه العيب مش من الحبّ بذات نفسه أكيد في تفاصيل هي اللي بتغيّر النتيجة وبتحوّلها من مسار لمسار تاني
مختلف آآآخ يا زاكية الله يسامحك ظلمتيني وظلمتي حالك منشان ولا شي مشان وساوس بعقلك ما إلها أي أساس والله أنا عارف عارف إنّه من وقت وقّفت عباب بيت عمتي تبهدلي فيّي إنّه ما راح
ييجيني من وراكي غير وجع القلب
تخضّب وجه زاكية وقالت بخجل:
كنت كتير بايخة وتافهة بس والله لإنّي كنت عم بحاول ألبس توب مو توبي كنت بدوّر على عريس غني
ضحك يوسف وقال لها مقبّلا جبينها:
بعرف حبيبتي والله بعرف إنت أكتر بنت مؤدبة وأخلاقها عالية عرفتها بحياتي أكتر بنت بريئة شافتها عيني بس أنا اللي كنت أعمى وما شفت برّة الغلاف المبهرج شو في متل ما إنت قلتيلي بالزبط اعتبرت
اللي صار اهانة شخصية لإلي وقلت لازم أنتقم منها وأوّل ما عيني شافتك بقميصك البنك وحجابك الملفوف حوالين وجهك الي بيشبه القمر بليلة تمامه ندمت وعرفت إنّي ارتكبت أكبر غلطة بحياتي وإنّه لأ هاي مو
البنت اللي وقفت متخصرتلي بالباب بقلّة أدب هاي البنت اللي كانت عم تتراسل معي وكل كلمة بتكتبها بتبين رجاحة عقلها وخفّة دمها وبراءتها
كانت زاكية تبتلع ريقها بين كلّ فينة وأخرى تقاوم دموعها بينما تستمع لكلماته بينما تقول:
ما كزبت عليك ولا بأي حرف بالرسائل كنت أحكي معك من قلبي وحسّيت إنّي عنجد حبّيتك لمّا شفتك بالكافيه بتضحك بشماتة عرفت وفهمت إنّي كنت ضحية لعبة واكتشفت إنّه الانسان الوحيد اللي وثقت في بحياتي
كلها وحبّيته وبنيت عليه ومعه آمال كتيرة طلع كـ.
كلمة كذاب التي كانت توشك على الخروح من فمها قاطعها هو نادما متألّما معيدا إيّاها لفمها مقبّلا إيّاها بألم الماضي بوجع الحاضر بأمل المستقبل قبّلها مودعا في قبلته تلك كلّ ما يحويه قلبه من حبّ
قبل أن يبتعد عنها بعنف من جديد ويهمس قائلا بخشونة:
ما دخلني غشّاشة جبتي سيرة الماضي لحتّى تنسّيني شو عملتي فيّي خيّبتي أملي فيكي وبعدني موجوع
تعلّقت زاكية برقبته تحاول أن تجذبه لما بين ذراعيها وقالت بصوت مبحوح من شدّة العاطفة:
والله العظيم كنت مو بوعيي كنت محتاجة أفكّر وأفهم يوسف حبيبي بحبّك
ارتمى يوسف على السرير بجانبها وقال:
ولا بهمني غلطك أكبر من كلمة أنا غلطان؟
قطّبت زاكية جبينها تساءلت بينها وبين نفسها أهذه أغنية من مكان ما أم أنّها يتهيّأ لها ذلك فاقتربت منه قائلة بمسايسة:
جووو حبيبي بحبّك
رفع كتفه ببرود وقال:
بعرف ما جبتي اشي جديد
كزّت زاكية على أسنانها تهمس لنفسها يرحم هديك الأيّام اللي كنت تتمنّى فيها منّي بس نظرة
ومن ثمّ ابتسمت له بمحايلة وقالت مقلّدة رحيق:
ابن عميييي
هزّ رأسه وقال:
مش مزبوط ولا بنقرب لبعض
تأفّف زاكية وقالت بعد أن عصرت عشرة ليمونات على لسانها:
تقبر قلبييي
وضع يوسف ذراعيه خلف رأسه وقال بينما يكتم ضحكة تفكّه:
بتصدقي رغم عمايلك السودة بس ما بتهوني عليّ
ابتعدت عنه زاكية وتربّعت وتكتّفت على السرير تهزّ جسدها بتوتّر وعصبية قبل أن تبتسم فجأة وتنظر له بمكر وتقترب منه ببطء فيهمس قائلا:
شكلنا بلّشنا بدأنا نفهم على بعض
فابتسمت تقول بثقة:
إنت مو قلت موجوع وولا عمرك شفت منّي كدكتورة شي؟
طيّب شو رأيك باللي بتروّحلك كل أوجاعك
رفع لها يوسف حاجبا وقال لها مغيظا:
ولوّ إنّي مش متفاءل بس اوكي بنسمع اقتراحاتك
ابتسمت زاكية وسألته بمكر:
وين بوجعك بالزّبط؟
وضع يوسف يده على قلبه وقال:
هون
قرّبت زاكية رأسها من صدره وقبّلت يساره وقالت بينما تكتم ابتسامتها:
وهاي بوستلك قبّلت الواوا راح الواوا؟
فغر يوسف عيناه بقوّة وسرعان ما رمى الغطاء عن جسده وقال بهتاف:
آآآآه يا جسمي كلّه
قهقهة فاضحة انطلقت من بين شفتي زاكية قبل أن تبدأ بعلاج مجنونها واضعة دواءها السحريّ الخاص على كلّ منطقة من جسده ولكنّه وخلال جلسة العلاج لم ينس أن يقول لها:
بتعملي حسابك من اليوم ورايح إنتي دكتورة بالبيت وبس!
بعد أسبوع
بصوت يكاد يغلي غضبا هتف بها معتز قائلا:
مي فهميني بس ليش بتبكي؟
كانت مي تضع يدها على فمها تحاول اخفاء غصّات بكاءها عن مسامعه ولكنّه أحسّ بها كما يفعل بكلّ شيء بخصّها ولولا أنّها خشيت غضبه منها لما كانت أجابت على الهاتف بحالتها تلك ولكنّها كانت قد
سبق ووعدته بأن لا تتجاهل اتصال له عامدة متعمّدة
من جديد وصلها صوته يقول بخوف هذه المرة:
مي حبيبتي احكي معي في شي بوجعك؟
هزّت مي رأسها وقالت بصوت مختنق من أثر البكاء:
لأ
هدأ حينها معتز قليلا وسأل بتوقّع:
أحلام؟
هزّت مي رأسها من جديد بطريقة طفولية كانت يوما جزءا من شخصيتها انطفأ رويدا رويدا دون أن تشعر به لكنّها منذ فترة بدأت تستعيده كما تستعيد أشياء كثيرا فقدتها عبر مصائب سنواتها الأخيرة كثقتها بنفسها
وحبّها للحياة وضحكتها التي ما كانت تفارقها أشياء وحده قادرٌ على إعادتها لها من كان سببا بطريقة أو بأخرى بفقدها أجابته من جديد:
لأ
حينها اشتعلت عيون معتز بغضب وقال بحدّة:
شو عمل مراد المرة هاي؟
ابتلعت مي ريقها لا تحبّ أن تتحدّث بسوء عن شقيقها مهما أساء إليها أمام زوجها فهو أوّلا وآخرا سندها بالحياة لذلك همست قائلة:
سمعتنا اليوم أحلام بنحكي عن زيارتنا لعمتو أم أحمد وخبّرته واتدايق كتير
أجابها معتز قائلا:
آها وأنا بحكي لحالي مستحيل أحلام ما يكون إلها دور بالموضوع ومراد ما خبّرتيه إنّه ما رحنا لحالنا وإنّه كنّا مع إمّي وأبوي؟
أجابته مي هامسة بينما لا تزال كلمات شقيقها ترنّ في أذنها مؤلمة صدرها:
بس صار مجال أحكي خبّرته
قالت مي ذلك وقاومت موجة جديدة من الدموع التي تحرق حلقها تهدّد بالانفجار إلّا أنّها منعتها كي لا تثير جنون معتز الذي تستطيع دوما أن تشعر بكمّ ضبط النفس الذي يمارسه على نفسه في كلّ
مرة يتعمّد مراد أن يهاجمها به أمامه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة كتلك المرة التي تعمّد بها إهانة قهوتها أمامه قائلا بأنّ قهوتها بالفترة الأخيرة ما عادت تُشرب فأجابه هو حينها بدلا منها وقد رأى
كيف تحوّل وجهها لحبّة من الطماطم من شدّة الإحراج بأنّ قهوة زوجته مي تعجبه وأنّه مراد إن كانت قهوتها لا تعجبه فالأولى به أن يطلب من زوجته أحلام صنعها له
الحقيقة هي أنّها لا تفهم حقّا مراد لماذا يضيّق عليها لتلك الدرجة لا سيّما منذ عودتها لمعتز إنّه لا يفتأ يرميها بسموم الكلام بكلّ مناسبة أو من دون واليوم هو حقّا قد زوّدها بعيار كلماته
الجارحة فقد أخذ يصيح بها بأنّ عليها أن تحترم نفسها وتلزم المنزل وأن تجنّبهم المزيد من فضائحها المخزية التي تكلّلهم بها منذ أصبحت يافعة قليلا أخبرها بأنّ من مثلها عليها أن لا تغادر البيت أبدا
فكلّ نفس تأخذه خارج المنزل مشكوك به ليختم كلامه باتّهام واضح بقوله أنّه وبكلّ صراحة لا يثق بها أبدا أن تكون وحدها مع معتز لوحدهما وحينها فقط كان والدها يخرج من باب غرفة نومه وقد
استدعته والدتها فينقضّ على وجه ابنه بصفعة قاسية قبل أن يطرده صراحة من البيت والحقيقة أنّ هذه لم تكن المرة الاولى التي يقف فيها والدها معها فمن قبلها كان تشاجر مع ابن أخيه طالبا منه
بأن لا يدخل بيته أبدا إن لم يكن سيحترم ساكنيه وضيوفهم ولكن ما يحزنها إنّ والدها من بعد كلّ شجار يتعب فعلا ويصيبه الإنهاك وهو صاحب القلب الضعيف ولا تعلم إلى متى سيستطيع والدها الذود
عنها
وكأنّما معتز يستمع لأفكارها المخيفة وصلها صوته يقول متعبا متوسّلا:
لمتى يا مي؟
سألته مي متباغته:
لمتى شو؟
فقال بصوت مكبوت مختنق:
لمتى بدنا نضلنا كل واحد عايش بتعذّب لحاله لا أنا مرتاح ولا إنتي مرتاحة مي أنا تعبان تعبان كتير وبصبّر حالي عشانك بس لمّا تكوني إنتي كمان زيي مش مرتاحة طيب شو العبرة من صبري
وسكوتي ليش ما نجتمع زي كلّ خلق الله المتجوزين ببيت واحد يا مي أنا اشتقت يكون الي بيت لحالي اشتقت أحسّ بالاستقرار اشتقت يصير الي أسرة ويكون الي ولد يا مي أنا قرّب يصير عندي
داء الرئة من كتر ما باخد دوشات باردة وإحنا داخلين عفصل الشتا حرام عليكي!
كانت مي غارقة بتلك الصورة الحميمية التي قد بدأت تتكوّن في مخيّلتها إثر كلماته الدافئة التي وكأنّه بها قد كان يصف شعورها فهي قد اشتاقت فعلا للاستقرار اشتاقت لأن يكون لها بيتا خاصّا بها تجد
فيه سعادتها وراحة بالها إلى أن صدمها بجملته الأخيرة تلك ففغرت عينيها الليتين اكتشفت فجأة أنّهما قد جفّتا من الدموع دون أن تعرف متى وابتدأت بذات الوقت نبضات قلبها بهدير صاخب فالعلاقة الحميمة كانت أمرا
لم يتناقشا به أبدا منذ عقدا قرانهما فقد كان بالنسبة لكليهما أمرا ملغوما محفوفا بالمخاطر يخشى كلّ منهما أن يخطو فوق أرضه خطوة واحدة خاطئة فينفجر فيهما مثيرا الفوضى العارمة
هو يتضوّر شوقا وحاجة لها بشكل مؤلم حتّى أنّ أي اقتراب مهما كان طفيف منها سيكون مدمّرا أمّا هي فتجهل حتّى كيف ستتعامل مع عواطفه تلك أسترحّب بها كما فعلت دوما أم ستنفر منها كما
↚
تشعر حاليا كلّما فكرت بها لا سيّما وأنّ آخر ذكرى لها عن العلاقة الجسدية كانت أمرا قاتلا لأنوثتها مستنفِذا لمشاعرها الإنسانية عدى طبعا حالة الغثيان التي باتت تصيبها عادة كلّما رأت جسدا ذكوريا شبه عارٍ
على التلفاز إذ سرعان ما يستعيد عقلها آخر ذكرياتها مع فادي ولذلك وجدت نفسها تجيبه دون أن تخطّط:
معتز ما بعرف بس.
يمكن يعني أنا ما اقدر
صمت حينها معتز وغيرة عنيفة تجتاح رجولته شعرت بها وآلمت قلبها ولكنّها وجدت نفسها عاجزة لا تقوى على قول شيء من الممكن أن يبرّد نيران غيرته الوحشيّة دون أن تبوح بأسرار هي قد عاهدت نفسها
بأن لا تبوح بها ولو حتّى لنفسها وحينها وجدت نفسها تقول وشعور بالخسارة يدمي قلبها:
إذا بطّلت أو غيّرت رأيك
فقاطعها هو ونار لاهبة تحرق قلبه:
وإذا وعدتك ما يصير شي إلّا برضاكي؟
مي شقّتنا القديمة بعتها واشتريت غيرها قريبة شوي من أهلي وأهلك العفش الأثاث بنشترى بيومين وجهازك ممكن تخلصي بأسبوع يعني خلال أسبوعين بالكتير إحنا ممكن نكون قاعدين ببيتنا ومستقرّين شو رأيك أخلّي أبوي ييجي هلأ
يتفق مع أبوكي؟
همست مي بشحوب:
هلّأ؟
فأجابها معتز مصرّا:
آه هلأ خلص لشو تعب القلب احنا مش صغار وصار لازمنا نسكّر على حالنا باب بيتنا ونستقرّ.
مرتدية فستان أزرق بذراعين مكشوفين يعلو بطوله ركبتيها وتلفّ حول رأسها شريطة بيضاء تلملم بها شعرها كانت آنجلا تجلس مع حماتها بالمطبخ تساعدها بإعداد الغداء وتتعلّم منها صنع الفطائر المحشوّة بأنواعها المختلفة من لحم وسبانخ
وجبنة حيث أنّ اليوم هو السبت وهو موعد إجازتها الأسبوعي من العمل بالإضافة للجمعة بينما تتحدّث مع حماتها تتعلّم منها مزيدا من الكلمات العربية وتسألها عن كثير من تفاصيل الحياة هنا وعمّا هو مقبول وغير
مقبول لا سيّما وأنّها بالأيّام الماضية قد عانت كثيرا من ذلك
لا زالت حتّى الآن تذكر محرجة ما حصل قبل أيّام عندما كانت تجلس مع والد عماد يتحدّثان حول أمور عامّة تخصّ عادتهم وتقاليدهم لينتقلوا بعدها ليتناقشوا حول أمورٍ بالدّين أمور تجد في تقبّلها صعوبة وفي
فهمها غموض أخبرته ما قاله لها عماد حول القوامة وتعدّد الزوجات وكيف أنّ الرجل يحقّ له الزواج من أربعة زوجات لو كانت زوجته مريضة أو عقيم لا تنجب أخبرته حينها صراحة أنّها تجد صعوبة في
تقبّلها للأمر وأنّه إن كان يحقّ للرجل ذلك فلم لا يحقّ للمرأة فعل المثل وماذا إن كان زوجها لا ينجب حينها صمت حموها وكم وتّرها ذلك خشية من أن يكون قد غضب منها أو حتّى
خاب أمله وهي التي تكنّ له احتراما كبيرا وخافت أن يظنّ أنّها ليست مكتفية بعماد ابنه وأنّها وبسبب كونها أجنبية فهي تبحث عن إثارة من نوع ما وبعد قليل وبرويّة أجابها قائلا:
كان حريّ بابني حين كلّمك عن هذا الأمر أن يوضّح لك كلّ جوانبه وبالتفصيل يا ابنتي قبل أن أخبرك لماذا لا يحقّ للمرأة التعدّد في الأزواج سأخبرك أوّلا لماذا أحلّ الله التعدّد للرجال علما أن
الأصل في مقتضى الزواج هو الزوجة الواحدة بل إنّ هذا ما حضّ عليه ديننا الحنيف أصلا ودليل ذلك أنّ الله حين حلّل التعدّد حلّله ضمن شروط معيّنة ولأسباب محدّدة
تذكر كيف أنّها بيومها تحمّست لفكرة الشروط هذه وذلك حتّى تكون تلك الشروط حجّة على عماد يوما لو فكّر بأن يخطو لتلك الخطوة وقد قام حموها فعلا بتوضيح تلك الشروط التي تقتضي أساسا العدل بين
الزوجات العدل بالنفقة العدل بالكسوة العدل حتّى بالمبيت أمّا العدل في المحبة فغير مكلف بها ولا مطالب لأنه لا يستطيعها أمّا بقيّة الشروط فهي تقتضي القدرة سواء المادّية أم البدنية
كانت آنجلا في الحقيقة تخفي إعجابا كبيرا فيما تسمع ولكنّها أبت اظهار ذلك فرغم كلّ شيء كان الأمر صعبا على التخيّل حتّى فكيف به في الواقع
وأكمل أبو عماد من بعدها قائلا:
أمّا الحكمة من التعدّد يا ملاك فهي كثيرة جدا ولو بحثت عن أمرها على الشبكة العنكبوتية لذهلت من كثرتها فالأمر ليس فقط امرأة عقيم لا تستطيع أن تنجب بل هو اختلاف كبير بين طبيعة الرجل
وطبيعة المرأة اختلاف بين وظيفة رجل بالحياة ووظيفة امرأة ففي حين يرتكز احتياج الرجل لزوجته جسديا يرتكز احتياجها له عاطفيا فهي تحتاجه أمنا وسكنا أمّا حين تعجز المرأة عن تلبية احتياجاته الأساسية تلك لأيّ سبب
كان فهو سيبحث له عن أخرى دون أن يتخلّى عن تأمين احتياجات الأولى ودون حتّى أن يهجرها هي شخصيا بل ستبقى معزّزة مكرّمة في ظلّه وتحت جناحه
سارعت هي لتسأله بوقتها:
وماذا إن كان هو لا ينجب أو كان مريضا ولم يستطع تلبية أي من احتياجاتها التي ذكرت
ابتسم حينها حموها وقال:
حينها لها الحقّ بالافتراق عنه سواء بطلاق أو حتّى خلع
قطّبت حينها آنجلا وسألته باعتراض:
ولماذا لا يحقّ لها أن تبقي عليه إن كانت تحبّه لماذا لا يحقّ لها التعدّد؟
بأناة وطول صبر أجابها عمّها:
الله سبحانه جعل المرأة هي الوعاء والرجل ليس كذلك فلو حملت المرأة بجنين وقد وطئها عدة رجال في وقت واحد لما عُرف أبوه ولاختلطت حينها أنساب الناس ولتهدّمت البيوت وتشرد الأطفال ولما عرف أخٌ أخته
ولك أن تتخيّلي الكوارث التي قد تحدث حينها كما أنّ الله جعل المرأة بما أعطاها إيّاه من قلب كبير وما جبله عليها من طبيعة دافئة معطاءة هي العنصر الثابت الذي يسكن إليه الزوج والأولاد وباستقرارها
ووجودها تستوي الحياة فإن كانت هي بنفسها غير مستقرّة عاطفيا ومنهكة جسديا فكيف لها ان تخرج جيلا سويّا يكون أساسا لأمّة عظيمة أوصانا بها رسولنا الكريم!
حينها وفي خضم تركيزها بكلمات حميها جاءها صوته مغتاظا مقهورا بل وغاضبا بينما يقول:
يا إلهي آنجلا لا زلت تحومين حول ذات الموضوع كما نحلة مزعجة دؤوب!
مدركة لغضبه منها وقد نادها بآنجلا بدلا من ملاك الذي يحلو له مناداتها به بل وتعميمه على الجميع أيضا قامت من مكانها لتقترب منه بلهفة وتعانق رقبته مقرّبة شفتيها من شفتيه مشتاقة ومسترضية حينها ولصدمتها
سارع بإقصاء يديها عنه ونهرها محذّرا مشيرا لوالده بحرج مغلّف بغضب
بطرف عينها لمحت آنجلا حماها وقد استدار بوجهه عنها محرجا قبل أن يتنحنح مغادرا المكان فيما ترقرقت عيناها بالدموع مستعجبة من تصرّفه الجافّ معها ليخبرها مؤنّبا أنّه ليس من الأدب إظهار العواطف بين الأزواج أمام
أحد وخاصّة إن كان هذا الأحد هو والده منزعجة غير مقتنعة بكلامه خاصمته بوقتها آنجلا نهارا فصدّت عنه حتّى جاء الليل بل جنّ الليل لتجنّ معه به وحده حبيبها الذي لا تكاد تجد برئتيها متسّعا
لأنفاس لا تخالط أنفاسه
دخل عماد المطبخ وسرعان ما داعبت مسامعه ضحكات زوجته الرنّانة العذبة مختلطة مع رائحة الفطائر الشهيّة التي تجيد والدته صنعها ليندمجا معا مشكّلان خلطة سحرية حرَضت رغباته جميعا دفعة واحدة!
سلّم عماد على والدته مقبّلا كفّها مبتهجا بكلمات الرضى التي غمرته بها ليحيّي من بعدها زوجته الحانقة بكلمات مقتضبة قبل أن يبدأ باستراق لقيمات من الفطائر الساخنة التي يسيل لها اللعاب لشدّة لذاذتها وينهال على
والدته بكلمات المديح مختصّا إيّاها وحدها بها دون تلك التي كانت وجنتيها قد ازدادتا توهّجا واحمرارا بفعل الحرّ الذي يضفيه فرن الموقد على المكان وبفعل الحنق
حينها وبعد أن انتفخت أمّه سعادة وفخرا لكزته قائلة:
اشكر مرتك كمان ماما لأنها ما تركتني من الصبح أبدا وقعدت تتعلّم معي شغل المعجّنات صحيح إنه شغلها مو كل هالقد بس مش مشكلة مع الوقت بتتعلّم
كتم عماد ضحكته ونظر لآنجلا قائلا:
تقول أمّي أنّك قد قمتي بمساعدتها أظنّ أنّه عليّ أن أشكرك إذا!
نظرت له آنجلا حينها بغضب رافضة لمبدأ البرود الذي يعتمده معها أمام والديه احتراما كما يقول أجابته قائلة بالألمانية كيلا تفهمها والدته:
لم أفعلها لأجلك كن واثقا!
رفع لها حاجبية بإغاظة قائلا بذات اللغة مثيرا غيرتها أكثر فزوجته كما أصبح يعرف عنها قد ازدادت غيرة وتملّكا له عمّا كانت سابقا:
ولكنّ والدتي صنعته لأجلي أنا على ثقة!
حينها احتدّت نظرات آنجلا وقالت هامسة بخبث:
ربّما من الجيّد لك إذا أن تجرّب حضن ماما هذه الليلة!
حينها قهقه عماد صاخبا وقال لها بعجب:
يا إلهي كم أصبحت ماكرة متى تعلّمت فنّ التمنّع هذا؟
شهور قليلة هنا بالأردن وقد أصبحت أكثر خبثا و لذاذة ولكنّي مع ذلك لا زلت أريد ملاكي الشغوف لا واحدة أخرى خذي حذرك حبيبتي ربّما إن بقيت على رأيك بطردي إلى حضن أمّي قد اضطر
حينها لأخذ المبادرة وأقوم بهجرك بالمضاجع
كان عماد يدرك أنّه إنّما يشعل فتيل غضبها الذي يعشق ولكنّه لم يتوقّع ردّها الذي فاجأته به ببرود وبلامبالاة مستفزّة:
حينها سأضطرّ لخلعك لعدم تلبيتك لأحد احتياجاتي الأساسيّة!
قهقهة جديدة ملأت المطبخ أسعدت قلبها أتبعها بقوله متعجّبا:
يا إلهي إنّك حقّا تجلسين مع أبي كثيرا!
ومن ثمّ اقترب منها قائلا ونظرات خبيثة متلاعبة تملأ عيناه:
حسنا عليّ إذا أن أبطل حجّتك وأقوم بتلبية احتياجاتك فورا!
تكتم ابتسامة لجعله يخرج عن جموده المغيظ هنا دائما في بيت والده قالت:
لماذا؟
ألم تعد تخاف من غضب والديك إن جاهرت بعواطفك أمامهم؟
أمسك بها عماد من بين ذراعيها يرفعها لتواجهه وقال بتأنيب:
إنّه ليس خوفا وإنّما احترام وليس غضبا بل إحراج افهمي ملاك نحن مجتمع محافظ نقدّس العلاقة الزوجية ونعتبرها أسمى وأطهر من أن تُعرض أمام النّاس وبمناسبة كلامنا عن التحفّظ فأقول لك أنّ ملابسك هذه مكشوفة
أكثر ممّا من المفترض بوالدي أن يراه منك ولا تقولي بأنّه محرّم عليك فأنا أعلم ولكنّه من جديد أمر بتعلّق بكوننا مجتمع محافظ وإن شئت أسرة محافظة جدا أعلم أنّ الأمر صعبا عليك حبيبتي ولكنّي
واثق أنّك أقوى وأكثر عنادا من أن تملّي وتستسلمي
نظرت له حينها آنجلا والتقطيبة مرتسمة على محيّاها وسألته:
ولكنّني أحتاج منك تحفيزا يساعدني على الإستمرار هبيبتي فما الذي ستقدّمه لي وإيّاك أن حتّى أن تشير للعلاقة الحميمة فأنا أرفض حتّى أن تكون في جملة المفاوضات
ضحك عماد وقال بصوت خشن:
يا الله آنجلا وكأنّني أجرؤ حتّى أن أفعل ذلك فحبّي لك هو أمر خارج نطاق المفاوضات أصلا
قالها عماد وأوشك على تقبيلها قبل أن يتدارك قائلا:
ثمّ إنّ اسمها حبيبي وليس هبيبتي!
هزّت آنجلا رأسها قائلة:
وما أدراني أنا أسمعهم يقولون ذلك!
اشتعلت نظرات عماد وسأل مهدّدا:
هم من؟
أجابته آنجلا وقال ضاحكة بالعربية:
يا ربي إيماد إنت مجنون مجنون بابا ماما أُكتي أختي وتقصد بكلامها أخواته بِهكوا هبيبتي
قهقه عماد من جديد قبل أن ينقضّ عليها مقبّلا إيّاها بلهفة وبجنون جعلاها دائخة خائرة القوى قبل أن تدفعه فجأة قائلة:
يا إلهي سترانا والدتك
فقهقه قائلا بصوت متهدّج من شدّة الانفعال:
ماما غادرت المكان مذ أدركت أنّ كلمات الشّكر لا تكفي كي أعبّر لك عن امتناني لفطائرك اللذيذة التي صنعتها يداك الجميلتان.
بعد أسبوعين
تغلي بنارها السوداء الحارقة دخلت أحلام باب شقّتها الصغيرة المستأجرة يسبقها زوجها وأولادها مظهر معتز يتمسّك بمي كما طفل صغير يخشى أن تتوه عنه أمّه اليوم كان يحرق كبدها فما الذي تملكه تلك المدلّلة الباهتة
ولا تملكه هي حتّى تستطيع السيطرة على رجل شغوف كمعتز وتجعله كما جروٍ صغير مطيع يركض خلف سيّده لاهثا رغبة في إرضاءه ما الذي تملكه مي ولا تملكه هي فتعجز حتّى عن السيطرة على رجل
بارد العواطف جامد كزوجها مراد
كانت أحلام رغما عنها تستعيد تفاصيل هذه الليلة التي كان معتز قد أعدّها كمفاجأة لمي حيث كانت قد اتفقت معه على أن ينتقلا للسكن ببيتهم دون أية مظاهر للاحتفال فهذه ليست أولى زواجاتهم وما من
داع لإثارة الصخب احتفاءا بهذا الأمر فادّعى هو الرضوخ لها فيما كان يعدّ لاحتفال بسيط رتّب له بالخفاء مع ابن خاله يوسف وقد كان دعا أقاربهم المقرّبين جميعا لحفلة عشاء في أحد المطاعم الراقية كما
↚
أعدّ بعض الترتيبات الاحتفالية المتميّزة مع إدارة المطعم حتّى يبدو الأمر كما لو أنّه حفل زفاف حقيقي وإنّما مصغّر إذ أنّهم وما إن وصلوا إلى المطعم الذي كانت مي تظنّ أنّهم سيتناولون فيه العشاء وحدهما
قبل الذهاب إلى شقّتهم الجديدة حتّى وجدت المطعم كلّه تعمّه الفوضى إلّا من شموع كثيرة موزّعة على كلّ الطاولات المرتّبة بالمكان وتصفيقة كبيرة تثير في المكان صخبا لا يتناسب ورقيّ المكان وما كادت مي تعي
ما يحصل حقّا وتميّز وجوه أهلها وأهله حتّى صدحت أغنية لطالما عشقتها واعتبرت أنّها تحكي حكايتها السابقة معه فيسحبها بيده سعيدا نحو منطقة مفرغة إلّا من بعض الأضواء الخافتة ويبدأ بمراقصتها على أنغامها بل ويغنّي
بصوت مرتفع غير مبالٍ بشيء إلّا بمن تقبع مرتجفة مصدومة بين ذراعية
أنا بين إيديك تهت في مكاني
ونسيت معاك عمري وزماني
والوقت فات وياك ثواني
قربني ليك سيبني أعيش إحساسي بيك
بتحدى العالم كله وأنا وياك
وبقول للدنيا بحالها إن أنا بهواك
وإن إنت حبيبي وقلبي وروحي معاك
قربني ليك سيبني أعيش إحساس هواك
أنا عشقي ليك عشق القمر للنجمة والليل والسهر
وشوقي ليك فوق الخيال فوق احتمال كل البشر
من يوم لقاك حلوه الحياه
بتحدى العالم كله وأنا وياك
وبقول للدنيا بحالها إن أنا بهواك
وإن إنت حبيبي وقلبي وروحي معاك
قربني ليك سيبني أعيش إحساس هواك
أتحدي بيك كل الوجود وياك أكون أو لا أكون
أنا مش هعيش من غير هواك أنا قلبي عاشق للجنون
من يوم لقاك حلوه الحياه
بتحدى العالم كله وأنا وياك
وبقول للدنيا بحالها إن أنا بهواك
وإن إنت حبيبي وقلبي وروحي معاك
قربني ليك سيبني أعيش إحساس هواك
صوت مراد يطلب من أحلام الانتهاء بسرعة وإغلاق الضوء قطع عليها الاسترسال في تتبع كلّ التفاصيل التي أشعلت نيران غيرتها اليوم فتضحك من بعدها ساخرة بينما تنظر لزوجها يخلع ملابسه ويرتمي على السرير متلحّفا بالغطاء
جيّدا كعذراء خجول بينما يتمسّك بهاتفه يلهث عليه بنظراته وتستمرّ أصابعه بالنقر على مفاتيحه بشغف يظنّ بأنّها لا تلحظه بينما في الحقيقة هي تلحظ وتعلم جيّدا ومنذ سنوات عن علاقاته الكثيرة مع الجنس الآخر والتي
يقيمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي مدّعيا معهنّ فحولة وشغفا ليسا فيه يظنّ بحمق بأنّها لا تعلم وهي التي تعلم ولا تهتمّ فتكتفي بشعور تأنيب الضمير الذي يحرّكه اتجاهها فيحوّله لتلبية خنوعة لجميع أوامرها وطلباتها مغطّيا
على خياناته تلك ومعوّضا عن تقصيره الزوجيّ وهو الذي لا يقربها ومنذ زواجهم إلّا كلّ عدّة شهور مرّة فزوجها كما اكتشفت بعد زواجهم مباشرة يعاني من برود ناحية العلاقة الحميمة وذلك كما عرفت لاحقا بسبب
اعتياده على العلاقات الهاتفية الرخيصة والتي لم يكن يثير غرائزه المتدنية سواها
تذكر جيّدا كيف أنّها وبعد عام كامل من الزواج ذهبت لبيت أهلها وقد يئست منه واشتكت لوالدتها بروده فاتهمتها بالكذب فكيف يكون زوجها عاجزا وهي التي تحمل في رحمها بضعة منه وفي ذات اليوم أعادها
والدها لزوجها بعد أن ضربها متّهما إيّاها إمّا بالكذب وإمّا بالفجور وحين تجاسرت ووضّحت له كيف أنّ زوجها لا يعاشرها إلّا نادرا شتمها وأهانها متّهما إيّاها بكونها امرأة شبقة لا تشبع ومن يومها تعلّمت أن
ترضى بنصيبها بل وأن تستغلّ نقص زوجها لما فيه مصلحتها فتبتزّه وتحصل منه على كلّ ما تريد وظلّت كذلك قانعة حتّى عرفت معتز فبهرها برجولته الصارخة وشغفه الصريح فتفتّق عنها ثوب الرضا وارتدت بدلا منه
ثوبا حالك السواد حوّلها إلى امرأة حقودة حاسدة أمّا زوجها فقد كان يعلم سبب عصبيتها الدائمة بالفترة الأخيرة فهي تنظر لما تلقاه مي من دلال على يد زوجها فتتألّب عليها المواجع ولأجل هذا كان هو
حاقد جدا على شقيقته لكونها قد أعادت ذلك المجنون بها إلى عائلتهم فماذا لو أنّها كانت قد قبلت بذلك العريس الذي كانت أحلام قد جلبته لها ألم يكن ذلك ليكون أفضل للجميع!
ترتدي أسدال صلاتها تصلّي خلفه فيسجد وتسجد ويطيل فتطيل ففي قلب كلّ منهما أماني كثيرة تستحقّ أن يطيل سجوده لأجلها شاكران هما لله الذي منّ عليهما بأن جمعهما حلالا من جديد حامدان له وقد سخّر
لهما من الأسباب ما جمع بينهما على خير بعد أن ظنّ كلاهما أن لا سبيل لحياة جديدة تجمعهما يدعوانه ويرجوانه البركة والتوفيق ويسألونه الرزق بذريّة صالحة تغلظ من الميثاق الذي بينهم ويتوسّلونه العوض عن سنين
عمرهم التي فاتت بسعادة بينهم لا مقطوعة ولا منقوصة
سلّم معتز فسلّمت من وراءه ومن دون أن تحسّ مسح من جانب عينه طرف دمعة قبل أن يلتفت إليها بوجهه السمح ووسامته الخشنة وضع يده على رأسها فأجفلت كما فتاة غرّة في ليلة زفافها الأولى
ليبتدئ هو دعاءه ينطقه بقلبه ويلهج به بلسانه
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ
أنهى معتز دعاءه وأمسك يدها ينظر لها بوجل قبل أن يقرّبها من وجنته ويمرّ بها عليها ومن ثمّ يدفن فمها فيها متنشّقا إيّاها بعمق ويهمس بصوت مرتعش:
الحمد لله اللي أعطاني العمر لأعيش هاللحظة الحمد لله اللي وهبني إيّاك زوجة بالدنيا وزوجة بالآخرة يا الله يا مي يا الله شو بحبّك يا الله شو كنت بتعذّب وإنت بعيدة عنّي
اقترب معتز منها مسيّرا فقبّل جبينها قبلة رغم براءتها إلّا أنّها هزّت أعماق كليهما فسارع هو بالوقوف كما لو كان ملدوغا قبل أن يقول لها بصوت مهتزّ:
طالع عالبلكونة أدخّن.
بعد حوالي نصف ساعة خرجت مي من غرفة نومهم بعد أن خلعت فستانها ذهبيّ اللون كلاسيكيّ التفصيل والذي كانت ترتديه الليلة احتفاءا بزفافها الميمون وقد كانت أخذت حمّاما سريعا قبل أن تمشّط شعرها الحريريّ الأسود
الطويل وترفعه بذيل فرس وترتدي بيجاما حريرية سوداء بدوائر فوشيّة صغيرة وقبل أن تخرج لم تنس أن تتعطّر بأحد أخفّ عطوراتها اغراءا مراعية بذلك مشاعر معتز التي تقف على حافّة اللهيب
علمت مي أنّ معتز لا يزال يقف بالشرفة في الخارج عندما رأت بابها المشقوق واشتمّت رائحة سجائره التي تسلّلت إليها بالداخل
ذهبت لترتدي أسدال صلاتها من جديد عندما شعرت به يدخل ويغلق باب الشرفة بحرص وعندما لاحظ ما تفعل سألها:
بتحبّي تطلعي شوي برّة؟
ابتسمت مي بتوتّر وقالت:
لأ.
قصدي يعني أنا كنت طالعة مشان أشوفك
لاحظت مي كيف تتجوّل عيون معتز بشوق ولهفة على محيّاها ملاحظا زينة وجهها الخفيفة والطريقة التي بدت عليها كما لو أنّها ببساطة مظهرها وزينتها تريد أن تخفّف من اضطراب مشاعره نحوها وتخفّف من شدّة جمالها
بعينيه كأنّها ستقدر!
ابتلع معتز ريقه وابتسم بوجهها باضطراب وقال هامسا:
زي القمر
تضرّجت وجنتي مي وابتسمت بخفّة وقالت:
شكرا
امتدّت يده دون تخطّيط لتلامس وجهها ولكنّها وقبل حتّى أن تصل إليها أبعدها وهرب من أمام وجهها من جديد بينما يتمتم:
رايح أتحمم وأغيّر.
كانت مي تبحث في خزائن المطبخ الحديثة عن فناجين للقهوة التي أعدّتها لهما لعلمها كم هو مدمن على شربها وكانت قد وجدتها فعلا عندما التفّت بجسدها تريد وضعها على الطاولة من خلفها وإذ بها ترتطم
بجسده المبلّل إذ كان يقف خلفها يريد أخذ كوب لشرب الماء بعد أن خرج من الحمام عطشا فجاء ليشرب قبل أن يذهب لغرفة النوم ويغيّر ملابسه
شهقت مي بينما تشعر بخدّها يرتطم بصدره ورائحته تتخلّل خياشيمها فوضعت كفّيها الناعمين على صدره تريد إبعاده ولكنّها بدلا من أن تفعل تراخت فوقه وقد شعرت بارتعادة عنيفة تضرب جسده وتنتقل عبرهما فتضرب جسدها هي
فهمست قائلة بصوت مرتجف متوسّل:
معتز!
لم تعرف لا هي ولا معتز ما الذي تتوسّل إليه ولكنّه رغم ذلك زمجر قائلا:
معتز خَلص عِجز مش عارف شو اللي ممكن يعمله عشان يقدر يصبر ويتحمّل مي بترجّاكي
كانت نظراته وهمساته ولهفته وقلّة صبره تحرث في صدرها أرضا ظّنتها قد جفّت وأصبحت بورا يداها اللتان كانتا مرتاحتان على صدره لم تنفرا وعيونها لم تهرب وجسدها لم يقشعرّ على الأقل ليس قرفا فمعتز على
ما يبدو كان بالنسبة لجسدها لا يزال هو معتز زوجها الذي لطالما تفتّح له وأزهر على يديه الذي لطالما هلّل له استجابة ودون أن تشعر كانت كفّاها تسرحان على صدره فزمجر من جديد قبل أن
ينقضّ عليها مفترسا منها القبلة افتراسا قبلة طال انتظاره لها لست سنوات ست سنوات يتخيّلها ستّ سنوات يتغذّى على خيالات لها ستّ سنوات ما استذاق بطعم قبلة لغيرها وهي التي استنزفت منه كلّ مشاعر الرغبة
فجعلت منه رجلا بلا رغبات إلّا لجسدها
لم تعرف مي متى أصبحت في غرفة النوم ومتى وضعها على السرير ولا حتّى متّى تعرّت ولا كيف فعنف قبلاته ودوّامة عواطفه كانت قد دوّختها فضيّعت منها المنطق وجعلتها لا شيء إلّا كتلة من المشاعر
المتأجّجة مشاعر عاصفة ما عرفت أنّها لا تزال تمتلك منها شيئا
طريقة انتقامية عنيفة تلك التي كان يشقّ بها طريقه عبر جسدها وكأنّما هو بحرب حلف أن لا يخرج منها إلّا منتصرا بعد أن يحتلّ كلّ شبر منها ويضع عليها علامات نصره فيما ينتزع منها استجابات
عاطفية قويّة ترضي رجولته الجريحة بينما يهمس من بين القبل والغزوات بكلمات حبّ رقيقة دافئة يسترضي بها أنوثتها
لم تعرف مي إن كان عليها أن توقف اجتياحه لها ولكنّها غريزة الأنثى بها من جعلتها تصمت وتسلّم وتشعر وتبكي.
فقط تبكي قبلاته لمساته كانت صيبا نافعا يسقي بها جسدها فيزهر من جديد على يديه أمّا هو فلم يكن يعرف إلّا أنّه يريد أن يزيل عن جسدها أي آثار لأيادٍ ولمساتٍ غاشمة قد احتلّته تفاصيله
يوما وبالطبع لم يعلم كلاهما أنّ الله من يحسن التدبير هو من سخّرهما لبعضهما هذه الليلة وسهّل لهما القرب بفضل دعاء تفوّها به معا بلحظة كانت فيها أبواب السماء مفتوحة وأنّ ما ظنّته هي أرضا
بورا كانت في الواقع أرضا خصبة جاهزة تماما لتلقّي بذرته الناضجة.
بعد شهور
ينظر إليها والغيظ يتآكله ترتّب المكان من حوله ببطنها المتكوّرة الكبيرة وبشعرها المتهدّل حول وجهها والهارب من العقدة المرفوعة على قمّة رأسها بهيئة باتت سمة دائمة من سماتها في الفترة الأخيرة تقاوم الحرّ الخانق والذي
يتزايد عليها بتأثير الحمل المنهك رغم المكيّف الذي يعمل طوال الوقت
كانت كلمات الغضب والتبرّم لا تتوقّف من الانطلاق من بين شفتيها فدلع لا تهدأ وهو غير متعاون ولا يهتمّ أمّا هو فكان مدرك أنّها إنّما كالقنفذ تبرز أشواكها حتّى لا يقترب منها لا سيّما وأنّه
له كلّ الحقّ بفعل ذلك اليوم بالذّات!
تبسّم كرم رغما عنه بينما يتخيّل ردّة فعلها إن علمت بتشبيهه ذاك حسنا هو يعلم أنّها متعبة وأنّ الحمل بات عبئا ثقيلا عليها ولكن إنّها ذكرى زواجهم ذكرى زواجهم الذي لا يعرف بموعده غيرهما والذي
كان منذ حوالي ثمانية سنوات فقط وهو قد صبر كثيرا لقد مرّت ثلاثة أسابيع بحقّ الله منذ آخر مرّة وأيضا ابنتهم ليست هنا!
عند هذه النقطة تحفّزت الخلايا في جسد كرم جميعها وقرّر أنّه لن يتنازل عن حقّه وأنّه سيناله بالمهادنة أو بالحيلة
ذهب إليها وأخذ دمية دلع من بين يديها وقال لها بصوت متعاطف:
حبيبتي خلص بكفّيكي شغل تعالي ارتاحي
نظرت له بضعف وكأنّها تحتاج حقّا إلى تلك الراحة ولكنّها سرعان ما عاودت أخذها منه وقالت:
لا لا كرم ما بصير شوف البيت
نظر كرم حوله وما لاحظ في البيت شيئا يستحقّ جلّ اهتمامها ذاك ولكنّها للأسف طباعها الهلوسيّة بالنطافة والتي تزداد بازدياد توتّرها فقال لها بينما يعاود أخذ الدمية من بين يديها:
طيب تعالي ارتاحي شوي بس الدنيا ما راح تطير
نظراتها ازدادت لينا ولكنّ المقاومة كانت لا تزال تبدو في عينيها بينما تقول:
كرم افرض اجاني طلق هلّأ بدّك أروح عالمستشفى وأترك البيت هيك؟
كزّ كرم على أسنانه غيظا وقال:
لأ حبيبتي وقتها يتعزلي البيت كلله وبتروحي عمهلك غزل إنتي كل يوم بتهلكي شغل وبتحكي نفس الحكي
نظراتها الحانقة زادت من متعته فاقترب منها أكثر حتّى أمسك بعضديها وقرّب رأسه من أذنها وقال:
↚
غزوووول كل عام وإنت بألف خير حبيبتي
تنحنحت غزل وابتدأت تتهرّب منه بنظراتها وقالت:
وإنت بخير حبيبي للمرّة العاشرة اليوم!
أمسك كرم يدها وجرّها معه نحو الأريكة وقال:
اليوم عيد زواجنا حبيبتي ولازم تتدلّلي
نظر له غزل بطرف عينها وقالت:
أنا ولّا إنت؟
رفع كرم حاجبه ببراءة وقال:
إنتي طبعا حبيبتي
أجلسها كرم على الأريكة بوضعية الاستلقاء فحاولت الوقوف ولكنّها فشلت ببطنها تلك وقالت متذمّرة:
يا الله يا كرم والله تعبانة وبعدين هلأ بأي لحظة دلع بتيجي
أمسك كرم كفّها وقبّلها قائلا:
دلع عند عمر ورحيق
قالت غزل ممانعة:
ليش تودّيها عندهم حبيبي هدول عرسان ما بصير
نظر لها كرم بغيظ وقال بغيرة:
لا مو عرسان حبيبتي الهم خمس شهور متزوجين خلص بكفّيهم
ابتسمت غزل وناظرته مغيظة وقالت:
كأنّك غيران من عوومااار قالتها مقلّدة طريقة رحيق بمناداته
حسنا في الحقيقة ليس هو فقط من يغار منه فكّر كرم بل هو وأخويه الآخرين أيضا فأحمد ما بين عمله وأطفاله لا يكاد يجد متسعا من الوقت له ولسراب وفي الحقيقة هذه الإجازة التي يقضيانها
الآن معا في تركيا كانا بحاجة إليها جدّا أمّا يوسف المسكين فالحرمان والكبت يبدوان ظاهرين في عينيه مذ بدأت زوجته فترة امتحاناتها النهائية أمّا هو فغزل منذ بدأت بشهرها السابع من الحمل وهي تتباعد عنه
وكأنّها حين غمرته بكلّ تلك العاطفة ببداية حملها قد كانت تهيّئه لحرمان طويل لا أحد منهم سوى عمر من يبدو متخما بالعاطفة دوما هانئا كما قطّ قد التهم قطعة كاملة من اللحم وينام قرير العين
على وسادة حريرية بجانب المدفأة بيوم عاصف ابن المحظوظة ألا يكفي أنّه وحده فيهم من تدلّله زوجته كلّ ذلك الدلال وليس ذلك فقط ولكنّها لا تتوقّف عن مناداته ابن عمي وتقبر قلبي ترى متى سيجدون
قدميه مغطّستين بدلو من الماء الدافئ وزوجته تفركهما له!
نظر كرم لزوجته فرقّ قلبه لها كم كانت تبدو شهيّة بخدودها المتورّدة وقميص نومها البيتي ذاك بقماشه القطنيّ ولونه الورديّ ورسوماته الطفولية المضحكة والذي هي متشبثة به منذ بدأ الصيف ودخل الحرّ قبل شهر فهو
على حدّ قولها باردا ومريحا حسنا فلتلد فقط وسيصنع منه فوطة مذهلة لمسح بلاط البيت فلتلد فقط!
بشكل مناقض لأفكاره تلك ابتسم لها بحنان وغواية وقال بينما يجلس بأسفل الأريكة واضعا قدميها على حضنه:
بتتذكري وإحنا عرسان؟
رغما عنها ابتسمت غزل بينما تتأوّه ويداه تدعكان قدميها المنتفختين برقّة وقالت بصوت ناعم خفيض:
قصدك أوّل شهر ولّا أوّل تلات سنين!
قهقه كرم وقال لها غامزا:
أوّل تلات سنين طبعا ابتداءا من أوّل ليلة دخّلتك فيها دنيا لغاية ما بديتي وحام.
اييييييه كانت إيّام لا تعوّض أيّام ما كنتي تحبّيني!
مستمتعة بما يفعل إلى أقصى درجة نظرت له بحبّ فائض وقالت:
قد ما كنت أحبّك زمان هلّأ بحبّك أكتر بكتيييييـ.
شو بتعمل!
نظر لها كرم ببراءة وقال:
بدلّكلك رجليكي حبيبتي كملي كملي شو كنتي تحكي؟
راقبته غزل بتوجّس ولكنّها سرعان ما استرخت من جديد فهي لم تقاوم الاستمتاع بيديه اللتين كانت تضغطان على منتصف ساقيها من الخلف يرفق وقوّة بذات الوقت ومرّ بعض الوقت قبل أن تتساءل بحنان:
فكرك اللي ببطني ولد ولا بنت؟
نظر لها كرم مبتسما باحتواء فهو يعلم كم يغيظها أنّها حتّى الآن لا تعرف إن كان ما تحمل به ولدا أم بنتا فعلى ما يبدو أنّ طفلهم مصرّا على معاكستهم وإثبات نفسه منذ الآن
سمعها تهمس كما لو كانت تحادث نفسها:
يا رب يكون ولد يمكن الله ما يقدّرلي أخلّف كمان مرّة
مدركا أنّ هذا ليس فقط سبب رغبتها بإنجاب طفل ذكر وأنّ هناك نقطة سوداء في داخل عقلها تحاول هي التغلّب عليها بقوّة وتنجح معظم الوقت ولكنّها لا تفتأ تؤرقها في لحظات ضعفها هي السبب الحقيقي
لمخاوفها فهمس لها قائلا:
حبيبتي كل شي منّك حلو ولد أو بنت كلّه من عند ربنا وكلّه خييير
تنهّدت غزل وقالت سارحة:
ونعم بالله الله يخلّيلي إيّاك حبيبي وما يحرمني منككك آه كرم شو بتعمل كرم!
غارقا في شعوره الرائع بملامستها كانت يداه تتطاولا أكثر بينما يجيبها بصوت متحشرج خشن تعرفه جيّدا:
مسسساااج
كان جسد غزل يفقد دفاعاته مقاوما تعبه فتنهّدت من جديد قائلة بصوت مبحوح:
حبيبييبـ
لا تعرف كيف ولا متى ولكنّها وجدته فجأة جالسا بجانبها على الأرض يميل عليها يبتلع تتمّة كلمتها ويداها تتخلّلان شعره تتعلّقان برقبته وهكذا رويدا رويدا كانا يحلّقان في غيمتهما الخاصّة منفصلان عن الدنيا كانا حتى
كرم آآآه كرم بطني ضهري كرم قووووم شكلي بدّي أولد
كمن أيقظوه من نوم عميق أو من غيبوبة طويلة نظر إليها كرم بعدم فهم يحاول استدراك حواسه حتّى أبعدته عن جسدها بقوّة قائلة:
آآآآه كرم موجوعة!
مشدوها مكبوتا سألها بصوت متحشرج مخنوق:
متأكدة حبيبتي إنّه طَلِق طَلِق يعني هاي مش لعبة هاي ولادة مش حكي فاضي هدول أربعين يوم تأكدي!
موجوعة خائفة إلّا أنّها رغما عنها أفلتت من بين الألم ضحكة مقبّلة يده ماسحة على شعره حبيبها المسكين كم عانى معها ولا يزال ولكنّه سيصبر وسيحتويها كما يفعل دائما وكما لطالما فعل مهما بدى لها
الآن كما طفل مدلّل غاضب عاقبته والدته وأخذت منه لعبته المفضّلة!
+
قراءة ممتعة.
يتبع مع الخاتمة
الثاني والثلاثون والاخير من هنا
نزّل تطبيق حكايتنا حكاية لقراءة عندما يعشقون صغارا بدون انقطاع

لو بتحب تتابع عندما يعشقون صغارا أول بأول، تنزيل تطبيق حكايتنا حكاية هيوفرلك ده بضغطة واحدة.

قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثاني والثلاثون والأخير 32 بقلم نيفين ابو غنيم

هناك سر مخفي داخل رواية عندما يعشقون صغارا سيظهر قريبًا جدًا!

جميع فصول عندما يعشقون صغارا مرتبة وسهلة الوصول

يمكنك قراءة رواية عندما يعشقون صغارا كاملة بدون حذف أو اختصار، جميع الفصول مرتبة وسهلة التصفح في صفحة واحدة.

روايات نيفين ابو غنيم بدون اختصار

اكتشف عالم الروايات مع جميع أعمال نيفين ابو غنيم الكاملة.

إرسال تعليق