رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثلاثون 30 بقلم نيفين ابو غنيم

كل فصل من عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية بيقربك من حقيقة… وبيبعدك عنها!

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثلاثون 30 بقلم نيفين ابو غنيم

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثلاثون 30 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثلاثون 30 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثلاثون 30 بقلم نيفين ابو غنيم
لفصل الثلاثون
ابتعد يوسف عنها ذاهلا ونظر إليها بانشداه ليدرك حينها حالتها غير الطبيعية خاصّة وهي تنقضّ عليه وتضرب صدره بلكماتها الغاضبة:
حكيتلك كلّه إلّا الماضي وإنت قبلت بس إنت كذاب الماضي لأ اشترطت عليك وإنت كذبت إنت كذبت يا يوسف خدعتني أنا خلص خلص ما بدّي إيّاك طلّقـ.
طلبها للطلاق كان يوشك على الخروج من فمها حين كتمه هو بفمه بجنون ليسحبها معه حاشرا إيّاها بإحدى الزوايا المخفية حيث القسم شبه فارغ تقريبا
طعم الشوق وطعم الغضب وطعم الدموع شكّلا بالنسبة إليه وصفة للجنون جنون مطبق أفقده عقله بينما كلمة الطلاق التي أوشكت على الخروج من فمها كانت كما راية حمراء في حضرة ثور هائج فكيف كيف تجرّأت
على التفوّه بها وهو الذي لا يحيا إلّا من بين أنفاسها كيف من بعد تلك السعادة الغامرة التي عاشا بها تسهل عليها كلمة كتلك بكلّ تلك البساطة كيف من بعد كلّ الحبّ الذي أحبّها به
ترمي به تلك الرصاصة غير مبالية به إن مات بعدها أو عاش
أمّا هي فتلك الاستجابة العنيفة التي ضربت جسدها اثر ملامسة شفتيه لشفتيها امتزجت مع غضبها وأذابته ليشكّلا معا شغفا مجنونا أوهن مقاومتها وزاد من ارتجافة جسدها وضعضع واجهتها الصلبة التي كانت تحاول التمسّك بها منذ
أيّام أمامه
ذائبان غائبان في دنيا أخرى أفزعهما صوت صراخ قويّ متألّم لإحدى المصابين بالقسم فابتعدا عن بعضهما ينظران إلى بعضهما في ذهول وصوت لهاثهما يملأ من حولهما المكان
بنظرات مهزوزة محمّلة بالذنب راقبت زاكية الشغف يختفي من عيون يوسف فلا يخلّف من وراءه إلّا الغضب فهربت منه بعينيها وهمست بتردّد:
يوسف
فقال لها يوسف بصوت مخشوشن من اثر العاطفة التي كانت وقال:
يبدو لي إنّه يوسف غلط بطريقة تعامله معك
وضعت زاكية يدا مرتعشة على مقدّمة قميصه وهمست:
كل بلايزي المستّرات المحتشمات يا بدهم غسيل يا كوي خلصوا أواعيي اللي تركتهم ببيت عمّي ولبست هاي البلوزة من دون ما أركّز فيها
كازّا على أسنانه قال يوسف وكأنّما لم تقاطعه أصلا:
غلطت بدلالي إلك غلطت لمّا حبّيتك لهالدرجة من دون ما أطالبك تحبّيني بالمقابل والنتيجة هيها ها هي رخّصتيني وبدّك ببساطة تلغيني من حياتك وكإنّي ما كنت
كانت كلمات يوسف كما ضربات قويّة تنزل على رأسها واحدة تلو الأخرى تنغرس في قلبها فتدميه بقوّة فقالت بصوت شاحب مهزوز:
أنا كمان بحبّك بس بس إنت إنت
فقاطعها ناهرا:
لو كنتي حبيتيني يا زوزو ما كان طلعت منّك كلمة الطلاق بكلّ هالبساطة وكإنّه اللي بيناتنا اشي تافه وضحل وسخيف بدّك تنهيه هيك بس عشان غرت عليكي بس لإنّي ما احتملت واحد حقير يتطلعلك تطليعة
واطية زيّه بسبب طريقة لبسك المستهترة أنا يا زوزو هيك لهون قدّمت كل شي عندي أمّا الباقي فصار عندك
قال يوسف كلماته هذه وتركها وراءه تنظر في أثره واسم زوزو ينطلق من بين شفتيه بذلك الغضب والخيبة والخذلان يبدو كما حبل مشنقة بشع ومخيف يتأرجح أمام عينيها!
في اليوم التالي
متمدّدا على سريره يحمل بيد سيجارة مشتعلة أمّا الأخرى فتحمل جهازه النقّال يضعه تحت أذنه يرقد عليه فيما عيناه مغمضتان يرسم في لوحتهما السوداء صورة لها يسبغها على صوتها الذي يتسلّل عبر مسامعه فتصبح في
خياله حيّة مغوية مهلكة كما هي في الواقع
وصله صوتها يسأله برقّة:
ليش ما إجيت اليوم عالغدا مو خبّرتني مبارح راح تيجي؟
تشنّج جسد معتز وقال بتوتّر:
معلش حبيبتي خيرها بغيرها بس إجا عندي يوسف وكان شكله متدايق فطلعنا مشينا شوي بالسيّارة وحكينا وما حبّيت أحكي معك أخبركم حتّى ما ينحرج لهيك بعتلك الرسالة
كان معتز ينتظر من مي كلمات عتب أو حنق إلّا أنّها لسعادته خالفت ظنّه وتساءلت باهتمام:
خير ان شاء الله ماله ما به يوسف؟
ليكون مشان أخت مرته؟
تنهّد معتز براحة وقد استرخت أعصابه وأجابها قائلا:
يعني هيك شي مرته من وقت حادث أختها مستقرة عند بيت عمها
قالت مي متعاطفة معه ومع زوجته:
حرام يوسف بس إنت كمان صبّره يعني أكيد الموضوع مو هيّن عليها إنتو الرجال بتفترضوا إنّه النساء قويّات وصبورات وبيتحمّلوا وهالشي صحيح ولا غبار عليه بس كمان هالشي بيصير على حساب أرواحهم من جوّاهم من
كتر الوجع بيتغيّروا وما بيضلّوا على حالهم لهيك بيحتاجوا الاحتواء مهما شاف الرجل الشي هاد تافه وما إله معنى!
كان معتز يرتشف كلماتها ارتشاف ظمآن وقد شعر أنّها بطريقة أو بأخرى تتحدّث عن نفسها فهمس تلقائيا ما إن صمتت:
أغبياء الزلام
سمع معتز عبر أثير الهاتف ضحكة صغيرة أفلتت منها كانت وكأنّها عزفت على أوتار جسده جميعها استجابة لها فتأوّه لا إراديا بصوت مختنق هتفت له هي:
معتز شو صارلك؟
فابتسم بانشراح شديد وقال كمن لا يصدّق بينما يشعر بكلّ قطرة دماء تجري بداخل جسده النابض:
صارلي إنّي عايش!
صمتت مي ولم تقل له شيئا ولكنّها أنفاسها المتعالية أخبرته بمدى تأثّرها فأكمل قائلا:
أنا من دونك كنت ميّت يا مي
فهمست حينها هي بصوت مبحوح مختنق بغصّة بكاء:
وأنا من دونك تمنّيت الموت يا معتز!
كلماتها صعقت قلبه بقوّة جعلت أنفاسه تتسارع تحاول مجاراة نبضاته الضاربة بصخب فجلس على سريره بتحفّز وقال بجيشان عاطفي:
من غير شرّ عنّك يا روح وقلب وحياة معتز مي أنا بحبّك بحبّك وما عندي استعداد أرجع أفقدك مرة تانية تأكدي حبّي إلك هو الضمان الأكيد اللي إنتي نفسك فيه لا الجاهة اللي جبتلك إيّاها
بس لحتّى أثبتلك مدى حبّي وتقديري إلك ولا شروطك الهبلة اللي حطيتيها عليّ قدام العالم والنّاس مع إنّك عارفة إنّي بنص عقل وكل هالحكي ما بينفع معي وكمان ما قبلت فيه إلّا لحتّى أريحك انتي
الإشي الوحيد اللي بينفعك معي هو حبّي الكبير إلك مش أي شي تاني لهيك اطمني وارتاحي
باكية تساءلت مي وكأنّما بكلماته يفتح قيح جراحها:
ليش من قبل ما كنت تحبني؟
هزّ معتز رأسه وقال مؤكدا:
كنت أموت عليكي كمان بس بوقتها ما كنت فاهم شو يعني حب ما كنت عارف جحيم الحياة من دون مي معي وإلي ما كنت فاهم الدنيا صح ولا حاسبها منيح ما كنت أعرف إنّه خسارتك
يعني الموت ومين بيحبّ الموت يا مي احكيلي مين؟
هتفت حينها مي متنشّقة:
أنا أنا تمنّيت الموت وبدل المرّة مرّااات فكرك سهلة عليّ أتزوّج غيرك وقلبي معك سهلة إنّي ما ألاقي طريقة أحميك فيها من حالك غير بإنّي أشتكي عليك وأحبسك سهلة إنّي أكون بعيون حالي خاينة سهلة
أعرف إنّك من بعد ما بعدت رجعت قريب قريب كتير وأنا عاجزة أتنفّس وجودك سهلة سهلة إنّي –ذوت كلمات مي على شواطئ شفتيها مخفية إيّاها بصدرها حفاظا على من حملت اسمه يوما وأنهت كلامها بقولها-
شوف إنت شوف كيف الموت بالنسبة لوحدة بمكاني أهون ألف مرة من عيشة المرار اللي كنت عايشتها!
ما إن انتهت مي من كلماتها التي بدت له مقطّرة بالعلقم حتّى أجهشت بالبكاء واغلقت الجهاز منهية المكالمة سريعا.
كانت مي تنشج باكية منهارة بعد مكالمتها مع معتز تبكي ألمه وألمها قهره وانكسارها تنوح مخرجة كلّ ما في قلبها من ذكريات موجعة وفجأة سمعت باب غرفتها يطرق ويدخل من خلفه بسرعة دون انتظار الاستئذان
مسحت دموعها بسرعة كي لا تفتح لها أحلام تحقيقا ولكنّها بالطبع التقطت بكاءها سريعا وسألتها بفضول ومباشرة وكأنّما تحاصرها فلا تترك لها مجالا كي تهرب بالإجابة:
مالك ليش عم تبكي؟
كإنّه معتز رجع لعادته القديمة وزعلك؟
تجاهلتها مي وذهبت لحوض الاغتسال وغسلت وجهها بتأنّي وببرود حارق لأعصاب زوجة أخيها التي كانت تلحق بها قبل أن تقول:
معتز حبيبي مو عارف كيف بدّه يرضيني ولو بطلع بإيده يجيبلي الشمس والنجوم ما بقصّر
نظرت لها أحلام بقهر وسألتها بإلحاح:
ليش طيب كنت بتبكي؟
أبعدتها مي بطرف كفّها وأزاحتها جانبا لتتعدّاها بينما تقول:
بطني ماغصني
كانت مي توشك على مغادرة المكان حين جاءت والدتها تستعجلها قائلة باهتمام:
شو ليش تأخّرتي يا ماما عيب طوّل جوزك على الباب واقف برة ومو قابل يدخل قال مستعجل
نظرت لها مي متفاجئة وسألتها:
جوزي؟
حينها حدجت الأم أحلام بنظرتها قبل أن تقول لمي:
ليش ما حكتلك إنّه معتز جوزك برة قال جاي بدّه يخبرك شغلة مهمّة وموبايلك مغلق
قطّبت مي مستغربة ألم يكونا يتحدّثان توّا قبل أن تغلق السمّاعة وتنهار باكية شهقت مي بإدراك وهمست لنفسها المجنون!
دخلت بسرعة لغرفتها تنظر إلى المرآة وترتّب نفسها فتغادر أحلام المكان بعد نظرات حماتها الزاجرة لها أمّا والدتها فاقتربت منها قائلة:
ماما الله يرضى عليكي العين حق وهاي مرة أخوكي بتعرفيها حسودة يعني لمّا تسألك عنّك وعن معتز ما في داعي عشان تقهريها تحكيلها بحبني وبموت فيي سألتك كيفكم بتقوليلها الحمدلله كويسين وبس مو ناقصنا همّ
كلمات أمّها كانت كمفتاح يفتح أمامها باب آخر من الفهم والإدراك لم تلجه يوما من قبل فتوقّفت قليلا تتأمّل بكلماتها قبل أن تقترب منها وتقبّلها على خدّها وتقول لها:
خلص فهمت ماما نصيحتك هاي راح أخلّيها زي الحلقة بداني الله يخليلي إيّاكي وما يحرمني منّك ومن نصائحك الدهبية يا ست الكلّ
خرجت مي من بعد هذه الكلمات مخلّفة والدتها وراءها تضع يدها على خدّها وتبتسم بسعادة ورضى وانشراح.
ما إن خرجت مي لباحة المنزل ترتدي أسدال الصلاة ذات اللون والأسود والورود البيضاء حتّى استأذن منهما زياد الذي كان يقف مع معتز ودخل المنزل
نظرت مي إلى معتز بابتسامة متوتّرة فرأته كيف يناظر عينيها فهربت بهما منه حياءا فاحتضن يدها قائلا:
مي أنا ما راح أطالبك بتفاصيل عن اللي قُلتيه رغم إنّي نفسي أفهم بس مش مهم المهم إنتي المهم عيونك هاي ما ترجع تبكي مرة تانية بدنا ننسى الماضي احنا ولاد اليوم
هزّت مي رأسها بصمت قبل أن تنظر إليه متسائلة:
ليش ما دخلت عالبيت؟
هزّ معتز رأسه برفض وقال:
أوّلا أنا جاي من دون موعد واخوانك ونسوانهم زوجاتهم موجودين بعدين
صمت معتز فنظرت إليه مي مستفهمة فتنحنح مكملا:
ما راح أتحمّل!
نظرت له مستفهمة وتساءلت:
ما راح تتحمّل وجود أخواني ونسوانهم؟
فقال بصدق ارتسم متوهّجا بعينيه باحتياج وجوع حقيقيّ:
↚
ما راح أتحمّلك إنتي أو بالأحرى ما راح أتحمّل قربك ما راح أصبر إنتي ما بدّك مش مستعدّة لشي وأنا أنا أنا ما راح أكتفي اللي بيرضي أي خطيب من خطيبته ما راح يرضيني أنا
أو بالأحرى ما راح يكفّيني!
حسنا هذا هو إذا السبب هذا السبب لعدم ممانعته اختيار أماكن غير معزولة بالكامل دوما هذا السبب أنّ ذلك الطلب اليتيم بقربها لم يتكرّر صحيح أنّ ذلك أراحها من جهة لكنّه من جهة أخرى جعلها
عرضة للتساؤلات التي تركتها كلّها عرضة لإجابة واحدة فمعتز لم يستطع التكيّف بعد مع فكرة أنّها كانت لغيرة وهو أيضا يحتاج وقتا ولكن كلماته الآن لا تنكر أنّها قد أنعشت قلبها وأحيت أنوثتها فمعتز الحبيب
إنّما يمنع نفسه عنها لإنّه يريد منها أكثر ممّا تريد ويحتمل حاليا وهذا السبب في تباعده عنها جسديا!
هائمة في أفكارها رأت مي باب المنزل الداخليّ يفتح ليخرج منه شقيقها مراد فينظر لهما مراقبا ويتأمّل يدها في يد معتز والتي حاولت سحبها حرجا دون أن يقبل هو إفلاتها قبل أن يقول:
شو نسيب مش لو تدخل عالبيت أحسن من قعدة المراهقين هاي؟
شهقت مي بإحراج وقهر فيما احتدّت نظرة معتز قبل أن يقول:
لا معلش نسيب هاي القعدة عاجبتني وما ظنّيت قعدتنا فيها شبهة وإذا على ايدها اللي بإيدي فالحارة اللي مش شايفتنا كلها بتعرف إنّه مي مرتي فممكن تحط ايديك ورجليك بمي باردة وإنت متطمن ومرتاح!
بعد يومين
يقفون معا خارج حدود الغرفة هو وعمّه أبو مجد ومجد وأخوته كرم وأحمد بالإضافة لمعتز ينتظرون زوجاتهم اللاتي قد جئن اليوم لزيارة لميس التي قد تمّ نقلها صباحا إلى هذه الغرفة بعد أن زال عنها
الخطر
نبضات قلبه تلهث شوقا لرؤية ظلّا لها وقد احتجبت عنه بالغرفة ما بين الشوق والغضب يتلوّى ألما ثمانية أيّام منذ اجتمعا منفردين تحت سقف واحد منذ احتوتها ذراعيه وضمّها صدره وثلاثة منذ انجرفا معا بذلك
العناق المجنون القبلة العاصفة والكلمة القاتلة تلك الكلمة التي كلّما اشتاق إليها وأشفق عليها وأوشك أن يتخاذل بموقفه الذي يتّخذه ضدّها تأتي فتنفض تهاونه وتصلب من طول صبره منتظرا أن تأتيه معترفة بذنبها وتائبة ولكنّ
ذلك لم يحدث ما أقسى قلبها!
صوت أخوته يطلبون منه استدعاء زوجاتهم من داخل الغرفة كان بالنسبة إليه الحجّة المناسبة كي يراها فطرق الباب واللهفة في قلبه تشتعل لمرآها وإن كان بصمت غاضب ولكن ولخيبته كانت عمّته أم مجد هي من
فتحت له الباب فأخبرها ما يريد والخيبة تذيّل نبضاته المتقهقرة
أقلّ من دقيقة وخرجت النساء جميعهنّ من الغرفة وبدأت نبضاته تهلّل من جديد بمرأى قمرهنّ تخرج برفقتهنّ ولفرحة قلبه وجدها ترميه بنظرة عتب طويلة وقد هجر عينيها لوقت طويل بعد أن توقّفت حتّى زياراته عن
المستشفى دون حتّى أن يبالي بموقفها المحرج أمام بيت عمّها والذي لم تعرفه طبعا أنّ حوارا قصيرا كان قد دار بينه وبين عمّها في ذات الليلة التي تخاصما بها عندما ذهب لبيتهم ليلا يحمل بيده
حقيبة ممتلئة بالملابس لها غير ناسٍ أنّها أخبرته بقلّة ما تحمله معها من ثياب هناك حينها شحب وجه أبي مجد وقد ظنّ بأنّ يوسف قد ملّ من تصرّفات ابنة أخيه المتطرّفة بحزنها على أختها وقرّر
أنّه ما عاد يريدها ولكنّه بوقتها طمأنه أنّه فقط يعطيها المساحة التي تحتاج إليها بالوقت الحاليّ حينها اعتذر منه أبو مجد نيابة عن ابنة أخيه وطلب منه أن يصبر عليها وأخبره أنّه بالفترة الحالية لا
يستطيع أن يطلب منها صراحة العودة إلي بيتها حتّى لا تفهم أنّه متضايق من وجودها في بيته لا سيّما وهي بهذه الظروف الضاغطة على نفسيتها ولكنّه ما إن تستقرّ أمور لميس حتّى يكون له حوار
طويل معها
غارقا بأفكاره لم ينتبه يوسف لاقترابها منه ووقوفها بجانبه إلّا حين سمعها تقول بصوت خافت:
كيف حالك؟
عيونه بتمرّد ناظرتها بلهفة تأمّلت تفاصيلها تفقّدت قامتها والتي يا لهف قلبه وجدها قد نحلت فهمس بتعب وعتب:
حالي من حالك
فهمست زاكية وقد ترقرقت الدموع في عينيها:
أنا تعبانة
فتنهّد قائلا:
وأنا تعبان أكتر منّك
نظرت إليه بألم وقالت:
يووسف إنت مش فاهم
فأجابّها بحدّة غير مقصودة:
المصيبة إنّي مش فاهم بس مستنّي أفهم نفسي أفهم من يوم ما ارتبطنا ما جبرتك تحكيلي إشي وكنت صابر عليكي وأقول معلش بكرة بتعرفك منيح وبتيجي تحكيلك بس لمّا الموضوع يوصل للجنان اللي كنت بدّك
تجبرينا نعمله فصبري هون بيخلص فاهمة شو يعني بيخلص يا زاكية يعني تلات أيّام بالكتير بتكوني رجعتي لبيتك ولجوزك الي إنتي عارفة قديش بحبّك وما بيستغني عنّك وما عنده استعداد يجاريكي بالهبل اللي إنت عايشة
فيه فاهمة يا ماجيستي عن إذنك!
كان يوسف يعبر حديقة المنزل منقبض الهمّة بعد أن اضطرّ اليوم لأن يخلّف زوجته خلفه من جديد فيما يضطرّ للعودة للمنزل عالما أنّه لن يجدها تحوم فيه تحمل بيدها كتابا وقلما تضعه بفمها مغمضة عينيها
أحيانا ولسانها يتمتم بطلاسم كثيرة تكرّرها مرارا وتكرارا شارحة إيّاها لنفسها وهكذا حتّى تحفظها حتّى أنّه اضطرّ مرّة أن ينتظر لحوالي عشرة دقائق كاملة بقرب الباب رافضا مقاطعتها كي لا يشتّت تركيزها حتّى أتمّت ما
تحفط ليباغتها حينها حاملا إيّاها لغرفة النوم مطالبا بمكافأة لمراعاته العالية لها ولدراستها!
كانت خطواته قد بدأت فعلا صعود السلّم الصغير الذي يؤدّي لباب البيت الداخليّ عندما تخلّلت أنفاسه رائحة بدت مألوفة وغريبة بذات الوقت فحسب معلوماته لا يدخّن في هذا البيت الكبير سواه وكرم أمّا هو فقد
أنهى سيجارته توّا ورمى عقبها قبل أن يدخل أسوار البيت وأمّا كرم فهو وأحمد أخذا أولادهما وزوجاتهما بعد زيارة المستشفى كي يتنزّهوا سويّا
تأمّل من خلفة المكان المعتم إلّا من أضواء باهتة تنير طريقهم نحو الأبواب الداخليّة ليجد ضوء سيجارة مشتعل يلتمع بخفوت بزاوية الحديقة حيث شجرة التين
تقهقرت خطوات يوسف واتّجه ناحية الضوء بفضول وما إن اقترب قليلا حتّى توسّعت عيناه وقد ميّز عمر يجلس تحت أغصان التين المورقة يحمل بيده سيجارة ويبدو غافلا تماما عن كلّ ما حوله فيما نظراته تحدّق
بورقة صغيرة مجعّدة وشبه معتصرة في قبضته الضخمة
ناداه يوسف مرّتين دون أن يبدي أيّة ردّة فعل توحي بأنّه قد سمعه فقبض يوسف على كتفه وهزّه بقوّة بينما يهتف به:
هييييييه عمّوووور
حينها نظر عمر ليوسف مجفلا فقال ذاك مستغربا وهازئا:
افففف كلّ هاد ومش حاسس فيّي طيب الله يستر ما يكون دخل حرامي على الدار ونضّف البيوت الخمسة وخلّانا كلّنا على البلاطة!
هزّ عمر كتفه بلا مبالاة وجمود وقال:
عادي
فبحلق به يوسف وقال بانشداه:
عادي!
وطالما عادي ولهالدرجة الدنيا شايفها ما بتسوى بلا مرتك لشو قاعد بالبيت هيك إيدك على خدّك وعاملي الشب المتدمّر وماسك سيجارة ومش ضايل غير تشغل كاسيت هاني شاكر يغنّيلنا الحلم الجميل والبيت الصغيّر كلله تكسّر
كلله تدمّر!
نظر له عمر حينها بغضب متجمّد بارد رآه يوسف مستفزّا جدّا وهو الذي يكره السلبية:
شو بدّك إيّاني أعمل هي خلص ما بدها إيّاني بدها تختار عمر صار كُخ ما بينفع!
نظر له يوسف بغضب واستفزاز وقال:
يا سلام مين اللي حكالك هاد الحكي السخيف اللي ما بيدخل بعقل دلع الصغيرة!
جمدت ملامح عمر وزاد الصقيع شدّة في عيونه المتأجّجة وقال بمرارة:
هي!
فسأله يوسف بعدم فهم:
هي؟
متى وكيف اتصلت فيك يعني مثلا ولا شو؟
مدّ حينها عمر الورقة المسكينة التي كانت متهتّكة في يده ليوسف الذي التقطها من عمر بفضول وبدأ يقرأ بصوت منخفض إنّما مسموع لأذنيّ عمر الذي ابتدأت شفتاه بترديد ذات الكلمات التي حفظها غيبا لكثرة ما
قرأها إنّما بتحريك شفتيه فقط ودونما صوت
تعلم كما أعلم أنّ الاختيار من حق الجميع من حقّنا أن نرسم أحلامنا ونحدّد مصائرنا وأن نختار من نحب ومن نريد أن نشركه بحياتنا حينها تكون الحياة بطعم العسل تضفي على تفاصيلها حلاوة مبهجة إنّما
إن صودر منّا هذا الحقّ فتصبح سجنا بلا منفذ يخنق أنفاسك وفي أحسن الأحوال ستجد نفسك قد اعتدت سجنك وسلّمت لأمره لهذا ومن أجلنا معا اخترت أن أفتح باب السجن وأغادر ربّما تستطيع حينها أن
تصغي السمع فتسمع نداء قلبك لعله يقودك حيث حريّتك فتجد عصفورتك التي مهما غرّدت وحلّقت إلّا أنّها أبدا لن تبتعد عن السرب لأنّها مهما حصل ستظلّ دوما نصيبك!
أنهى يوسف قراءة الرسالة ونظر لعمر مذهولا وقال:
حافظها يا حبيبي؟
والله طول عمري بحكي عليك حافظ مش فاهم!
بمزاج سيء أجابه عمر قائلا:
يوسف مش وقت خفّة دمّك!
فأجابه يوسف بغيظ وقال:
بس أنا ما بخفّف دمّ أنا بحكي عنجد ممكن تفهّمني يا حضرة الأستاذ الجامعي الشاطر وين بالزّبط حكت رحيق إنها بدها تختار؟
وقف عمر على قدميه ونظر ليوسف بحدّة ويأس وقال:
يوسف مش ناقص فلسفتك والله عندك كلمة منيحة تفضّل احكيها ما عندك تفضّل روح من هون!
حينها كزّ يوسف على أسنانه من شدّة الغيظ من عمر وسأله صادقا:
عمر إنت بتحبّ رحيق؟
أجابه عمر بسرعة وتلقائية:
طبعا مش مرتي!
هزّ يوسف رأسه رافضا لمنطقه وقال:
لأ لأ انسى إنها مرتك يعني لو قصّة أبو فيّاض أصلا ما صارت والتقيت فيها شي يوم من بعد ما رجعت من أميركا فلنفرض بالجامعة كطالبة عندك مثلا كان ممكن تحبّها
قطّب حينها عمر جبينه مفكّرا وهو الذي لم يسبق له التفكير في هذا الأمر لطالما فكّر برحيق على كونها جزءا من حياته وكأنّما هي ولدت معه وله لم يفكّر فيها مسبقا كأنثى لا تنتمي له
فباتت في لوحة حياته اضافة اعتيادية لا تكتمل الصورة إلّا بوجودها فهل كان ليختارها بنفسها لتكمل له تلك اللوحة بوجهها البشوش وجمالها النّاعم عيونها الكحيلة السوداء شلّالات شعرها السائحة خفّة دمها ورقّتها ودفئها كلامها المتغنّج
اللعوب عفويتها المحبّبة عاطفيتها البريئة الصريحة التي لا رياء فيها هل كان ليعجب بها لو رآها هل كان سيحبّها هل كان ليخطئ تمييز نبضات قلبه التي تعزف منادية حروف اسمها هل كان ليسيء فهم مناجاة
روحه المتلهّفة لملاقاة روحها هل كان ليكون بذلك الغباء مهما ظنّ فيه يوسف ذلك لكنّ يوسف لا يعلم أنّ النساء قبل رحيق كنّ جميعهنّ بلا ملامح ومن بعدها أصبحن كلهنّ رحيق إنّما نسخ زائفة منها
يرى وجهها في وجوههنّ لكن ينقصهنّ ذلك الوميض الذي يضرب قلبه فيختضّ فرحا حين يراها كيف ليوسف أن يدرك مدى قسوة الضربة التي تأتيك من ذاتك آه ما أقساها وما أوجعها تنهّد عمر قائلا:
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر اختلف وأنا ورحيق رواحنا نولدوا لبعض لأ انخلقوا مشان بعض تمازجوا وصاروا روح وحدة عشان هيك أنا ببعدها بموت بموت
يا يوسف وبتسألني إذا كنت بحبّها بتعرف الفترة الماضية فكّرت بقصتي أنا ورحيق كتير ببدايتها خاصّة وقلت لحالي يمكن كل المشاكل اللي صارت عنّا بالوطن العربي وبالشّام خاصّة تكون صارت بس لحتّى رحيق تصير إلي!
ابتسم يوسف وقال بتلقائية سريعا:
يخرب بيتك إذا كان هالحكي صحيح أسكت أسكت والله لو يسمعوك العالم ليضلّوا يدعوا عليك وعليها لحتّى هيك بين يوم ليلة تلاقوا حالكم متآلفين بالدار الآخرة!
نظر له عمر ونهره قائلا:
بعيد الشرّ عنها
رفع يوسف رأسه وقال له بجدّية:
طيب دخلك وبعد الوقوف عالأطلال والبكاء على ديار الحبيبة شو عملت لحتّى تلاقيها لحتّى تعرف وينها؟
نظر له عمر بقهر وقال بغضب مرير:
إنت ما قرأت شو كاتبة رحيق؟
ما فهمت شو بتحكي؟
↚
ليش أدوّر عليها لو كانت بدها إيّاني ما كان تركت البيت أصلا
هزّ يوسف كتفيه وقال ببرود:
ما هي رحيق ما طفشت هربت منّك إلّا من ورى سلبيتك هاي البنت لولا يئست منّك ما كانت اضطرت تعمل هيك أساسا
نظر له عمر بسخرية وقال هازئا:
ما إحنا شفنا أفعال حضرتك سيّد يوسف وإلحاحك المستفزّ وتفاؤلك الدائم شو عمل فيك ممكن تحكيلي حضرتك مرتك وينها إلنا أكتر من أسبوع ما شفناها؟
أجابه يوسف بينما يطالعه بطرف عينه قائلا:
مرتي بحاجة لمساحة تعيد فيها هيكلة نفسيتها وأنا سامحلها فيها لإنّي عارف إنها بحاجة لهالشيء ولإنها راح تكون آخر مرّة بسمحلها فيها تعمل بيني وبينها مساحات أمّا مرتك يا حضرة الأستاذ فتعبت وملّت من كتر
المساحات اللي حضرتك بتعطيها إيّاها رحيق من سبع سنين لهلّأ وهي بتقرّب منّك وإنت من سبع سنين لهلّأ بتبعد بتفكّر إنّك هيك بتعمل اللي بدها إيّاه وكيف توصّلت لهيك نتيجة أنا ما بعرف من سبع
سنين ورحيق هي اللي بتبادر وحضرتك بس بتمثّل بحياتها دور ردّة الفعل!
هتف عمر معترضا:
مش صحيح
فبادره يوسف منفعلا ومستفزّا:
لأ صحيح بتقدر تحكيلي حضرتك لمّا قريبها طلب منها تسافر معهم إنت شو عملت؟
سكتت سكتت يا عمر بكلّ سلبية بدل ما توقّف إله وإلها وتفهّمهم إنّه هي مرتك وإلك وما بحقّ لحد بالدنيا يوخدها منّك فكرك شو كان ممكن رحيق تفهم من سكوتك هاد آه طول عمرها النّاس
بتقول السكوت علامة الرضا بلاش هاي لمّن عرفت إنها مش موجودة وإنها تركتلك البيت شو عملت؟
كمان سكتت وقعدت تندب حظّك زي الولايا بدل ما تقوم تقلب الدنيا لحتّى تلاقيها
مبهوتا بكلمات يوسف التي كانت تنهال
على رأسه كصفعات متوالية توقظه من غيبوبة شبه دائمة كان يوشك على الوقوع بها:
بس هي الرسالة
فقاطعه يوسف بذات الغضب الهادر قائلا:
الرسالة اللي حضرتك هريتها وإنت بتقرأ فيها ورغم هيك ما فهمت منها ولا حرف
نظر له عمر وسأله بتسليم كمن يتعلّق بقشّة:
ليش إنت شو فهمت؟
رفع له يوسف الورقة بوجهه وقال:
ما بدها ذكاء خارق الشغلة البنت كلا مها واضح –وأخذ يقرأ برسالتها بصوت مرتفع من جديد- تعلم كما أعلم أنّ الاختيار من حق الجميع من حقّنا أن نرسم أحلامنا ونحدّد مصائرنا وأن نختار من نحب
ومن نريد أن نشركه بحياتنا حينها تكون الحياة بطعم العسل تضفي على تفاصيلها حلاوة مبهجة إنّما إن صودر منّا هذا الحقّ فتصبح سجنا بلا منفذ يخنق أنفاسـ(ك) وفي أحسن الأحوال ستجد نفسـ(ك) قد اعتدت سجنك
وسلّمت لأمره لهذا ومن أجلنا معا اخترت أن أفتح باب السجن وأغادر ربّما تستطيع (أنت) حينها أن تصخي السمع فتصغي نداء قلبك لعله يقودك حيث حريّتك فتجد عصفورتك التي مهما غرّدت وحلّقت إلّا أنّها أبدا
لن تبتعد عن السرب لإنّها مهما حصل ستظلّ دوما نصيبك بكلّ هالرسالة ما في مرّة رحيق لمّحت إنها بدها تدوّر على نصيب تاني غيرك وإلّا كانت راح تطلب الطلاق بالعكس هي متمسكة فيك لدرجة إنّه
حتّى وهي بتعطيك الحريّة ما حاولت تحلّ ارتباطها فيك ارجع اقرأ الرسالة يا عمر اقرأها بقلبك وعقلك وروحك ولا تخلّي غضبك يعمي بصيرتك اقرأها منيح لآخر حرف يمكن يمكن تلاقي كلّ الإجابات لأسئلتك موجودة فيها!
مذهولا غارقا بذلك الصمت الذي عمّ بداخله مردّدا صدى لكلمات يوسف ينتشر بجوانحه مرارا وتكرارا أخذ الورقة من يوسف بيد مرتعشة فيبتسم له شقيقه مؤكدا:
أعتقد هيك بكيت الدخّان اللي كنت عم بتدخنه بعيد عن عيون إمّك زي المراهقين ما عاد ينفعك أعطيني إيّاه تعويضا عن احتمالي لغباءك هاي المدّة كلّها
أخذ يوسف سجائر شقيقه وهامت عيناه على طوابق البيت جميعها قبل أن تلتمع عيناه ويبتسم بإعجاب أما ذاك المصدوم فكان لا يزال يقف مكانه يقاوم حرقة في مقلتيه تشوّش عليه بصره غافلا عن روح قريبة
جدا تناجيه تناشده ترجو له الهداية!
في اليوم التالي عصرا
دخلت زاكية غرفة لميس بينما لا تزال تستمع لكلمات حماتها النّاصحة على الهاتف تصف لها حال يوسف الذي انقلب من الخيبة والحزن إلى البرود تحذّرها من طول البعد والهجران فهو يولّد الجفاء وربّما الاعتياد تذكّرها
بأنّهما لازالا عروسان وبأنّ الحياة لا تزال تحمل لهما الكثير من العثرات ولكنّها جميعها تحلّ مهما بلغت شدّتها ستحلّ مالم ييأس أحدهما من إمكانية الإصلاح تخبرها بأنّ يوسف يحبّها وبأنّه أكثر إخوته مرونة وأكثرهم سعةً
للصدر وبأنّه سيكون دوما جاهزا للوقوف بجانبها والاستماع لجميع شكاويها دون ملل أو ضيق
كانت زاكية تستمع لحماتها بقلبها كلّ كلمة كانت تقولها كانت تضفي لونا على ملامح روحها فيزهو أملا لكنّها نقطة سوداء صغيرة كانت تعكّر على زاكية صفاء نفسها لا يفتأ مظهر لميس المحروق يذكّرها بها
لم تكن هذه المكالمة الأولى التي تجري بين زاكية وأم أحمد بل على العكس فبالإضافة للزيارات العديدة التي قامت بها لها ولأختها هنا بالمستشفى كانت تتّصل بها أيضا كلّ يوم تطمئنّ على حالها ولكنّها كانت
المرّة الأولى التي تحادثها بها حول علاقتها بيوسف ممّا أعطى زاكية تلميحا أنّها قد ملأت دفتر حساباتها معه فما عاد يتّسع للمزيد
أغلقت زاكية الهاتف بعد أن وعدت حماتها أنّها ستحسن التصرّف وتعدّل الأمور ما ان تستقرّ أمور شقيقتها وتخرج من المستشفى
نظرت زاكية للميس وابتسمت قائلة بصدق:
ما شاء الله صحتك كتير أحسن اليوم والحروق كتير خفّت عن أوّل ورجيني رجلك لأشوف؟
اقتربت منها زاكية تتأمّل قدمها وتسألها:
كيف حاسّة حالك اليوم؟
أجابتها لميس بصدق موجع:
بخلاف إنّي حاسّة حالي بشعة كتير وحضراتكم مو قبلانين تعطوني مراي أشوف حالي وبخلاف إنّه ما عم بعرف أنام من كتر التفكير فالحمد لله بخير
ابتسمت لها زاكية مشجّعة وقالت:
الحمد لله رجلك كمان صارت كتير أحسن بس مفروض تشدّي همتك معنا وتركزي على أكل البروتينات حتّى جسمك يبدأ يبني جلد من جديد ولك ان تتخيّلي جلد جديد كيف حيكون أحلى من جلد الأطفال
فسألتها لميس بقلق وقد كانت هذه المرّة الاولى التي تجرؤ ان تسأل فيها:
والجلد اللي تشوّه
ابتسمت لها زاكية قائلة:
عمليات التجميل ما في أسهل منها صار هلّا وبالفلوس كل شي بصير وأظن انتي ما بينقصك فلوس هلّأ
فهمت بالطبع لميس أنّ ارثها من إياد هو ما تشير له شقيقتها فتجاهلت عامدة الدخول في موضوع يشمله عالمة بفضول زاكية لمعرفة كافّة التفاصيل التي تخصّ علاقتها بزوجها الراحل فسألته عامدة:
مع مين كنت تحكي؟
حماتك؟
شكلها كويسة
هزّت زاكية رأسها وابتسمت تقول في حنان:
اممم بصراحة ما في أطيب ولا أحنّ منها بتعاملنا كإنّا بناتها مو كناينها
ابتسمت لميس بسعادة وراحة قبل ان تهمس قائلة:
كان نفسي أحضر عرسك
فنظرت لها بعيون تحمل عتبا وجرحا:
كنتي بالأردن لو بدّك تيجي كان إجيتي
صمتت لميس وسرحت بعينيها بعيدا وقالت بألم:
تأكّدي ما منعني غير
قاطعتها زاكية قائلة بحقد:
جوزك المتخلّف
نظرت لها لميس عاتبة وقالت:
إياد مات وما بتجوز عليه غير الرحمة
مصدومة ومستغربة من تهاون أختها بحقّ نفسها أمام جبروت زوجها الظالم القاتل وإن كان ميتا فأغضبها ذلك وقالت:
لسّة بتدافعي عنّه!
حينها باغتتها لميس بأن أمسكت بذراعها وقالت مبتسمة كما لم تفعل منذ وقت طويل:
سيبك هلّأ من المرحوم جوزي وخلّينا بجوزك
همست حينها زاكية وقالت بينما تبدأ وجنتيها بالتضرّج:
يوسف!
فهزّت لميس رأسها وقالت بينما تشدّ زاكية من ذراعها فتجلسها بجانبها قائلة:
اممم يوسف ليش في غيره كيفه معك؟
منيح؟
بعاملك كوّيس؟
بتحبّيه؟
كانت أسئلة لميس تضرب الضمير في قلب زاكية فهو رائع معها ويعاملها باحتواء وصبر ولين ونعم هي تحبّه حينها ترقرقت الدموع في عيون زاكية وهمست قائلة قبل أن تجهش بالبكاء:
بحبّه بحبّه كتير
بكاء زاكية صدم لميس فشقيقتها لم تكن يوما من النساء اللواتي يعبّرن عن مشاعرهنّ بالبكاء ودوما تباهت بكون دموعها عزيزة لا تنزل إلّا لما يستحقّ هي حتّى بيوم وفاة والدها ووالدتها لم تبك إلّا حين
رأتهم يخرجون من المستشفى أمامهم محمولين على الأكتاف بكت ساعتها كثيرا أمّا من بعدها فانحبست الدموع
ابتسمت لميس سعيدة لشقيقتها فيبدو أنّها قد وجدت أخيرا من يستحقّ دموعها فربّتت على شعرها قائلة:
طيّب ما زال بتحبّيه مفروض تنبسطي مو تبكي وتزعلي بعدين لطالما بتحبّيه ليش تاركيتله البيت
نظرت زاكية لأختها بصدمة وتساؤل فقالت لميس:
بتفكريني مو منتبهة إنّك ما عم بتروحي على بيتك وإنّك من وقت دخلت المستشفى وإنت يتنامي ببيت عمّي يوسف مزعلك شي؟
قبل أن تشهق هزّت زاكية رأسها بنفي لتقول متهتهة:
عشان ما بدّي أزعل منّه ما بدّي أكرهه ما بدّي يكرهني!
نظرت لها لميس بعدم فهم وقالت:
ليش لمّا تهجري راح يحبّك؟
أجابتها زاكية بألم بينما تحاول التوقّف عن سكب الدموع بينما تقوم بسكب ألمها ومخاوفها بين أحضان أختها:
يمكن ما راح يحبني ويمكن كمان راح يكرهني بس على الأقل أنا أنا ما راح أكرهه ما راح أحتقره وأنا عم بشوفه بيتحوّل لنسخة من إياد وبابـ.
صرخة لميس أوقت كلمتها بينما تضع يدها على فمها:
لاااا لا يا زاكية أوعك أوعك تعملي أي نوع من أنواع المقارنات بين يوسف وبينهم بتعرفي ليش لإنّك إنتي غيري أنا وغيرها!
همست زاكية بألم:
قصدك تقولي إنّه يوسف هو اللي غيرهم!
فهزّت لميس رأسها مؤكدة:
لأ إنتي اللي غيرنا أنا وإيّاها بدايتنا كانت غلط
↚
كلمات لميس رشّت ملحا على جرح زاكية الأوغل فقالت بخجل:
نفس الإشي صدقيني اللي إنتي ما بتعرفي إنّه أنا ويوسف بنعرف بعضنا من أكتر من سبع سنين وووو تقابلنا مرّة
ضحكت حينها لميس متفاجئة وقالت:
هو هاد الشب اللي كنت تحكي معه وطلعتي قابلتيه مرّة ورجعتي وجهك مقلوب قلابة ومن بعدها صرتِ أصلب وأقوى من قبل بتفكري ما كنت ملاحظة عليكي؟
كنت منتبهة وبتفكير جاهل قلت خلّيها تتعلّم من أخطاءها كنت بتمنّى تلاقي الزوج المناسب اللي يطلعك من عيشة المرار اللي احنا عايشينها ويدرسك الطب اللي
نفسك فيه بس الحمدلله قدرتي تحققيها من دون ما تعملي نفس غلطتي!
كانت زاكية مصدومة باعترافات لميس التي سرعان ما ذكّرتها بسبب بؤسها من جديد فقالت:
شفتي كيف إنّه كلنا زي بعض!
صمتت لميس تتأمّل زاكية لبعض الوقت وتفكّر مليّا وكأنّما كانت توزن بعقلها الأمور حتّى على ما يبدو رجحت كفّة في مقابل أخرى فقالت بينما تداري عينيها من شقيقتها خزيا:
إنتي بتفكري إنّه سبب تعامل أزواجنا معنا أنا وإمّك هو الطريقة اللي تجوزناهم فيها بس؟
لا يا زاكية إياد وأبوكي صحيح كانوا شكّاكين بس اللي ما بتعرفيه إنّه شكوكهم هاي ما إجت من فراغ
وقفت زاكية بصدمة ورفض قائلة:
شوووو؟
نظرت لها بينما تهمس قائلة:
اقعدي يا زاكية واسمعيني للآخر ولا تقاطعيني أبدا لغاية ما أخلّص اللي بدّي أقوله
نظرت لها زاكية بتردّد قبل أن تجلس بجانبها مخفضة رأسها فنهرتها لميس قائلة:
لا توطّي راسك يا زاكية لإنّه اللي راح أقولّك إيّاه إنتي ما إلك أي ذنب فيه!
بعد ساعات
كانت عائلة أبو كرم ساهرون جميعهم في حديقة المنزل فيما صخب الأولاد يملأ المكان من حولهم حيث كانت غزل تدفع دلع الصارخة بحماسة على الأرجوحة بينما يلعب أحمد وكرم ويوسف مع راشد ورشيد الكرة أمّا
سراب فكانت تجلس مع حماتها يتحدّثون حول حسناء زوجة مجد التي كانت قد تحمّست من بعد ما رأت التغيّرات التي طرأت عليها هي فقرّرت أن تحذو حذوها فتنحف وتزيد من اهتمامها بنفسها وأخبرتها كم أنّ
علاقتها مع مجد أصبحت أفضل وأكثر استقرارا وسعادة وكيف أنّها ما عادت تضايق زاكية كما اعتادت أن تفعل في السّابق
صوت باب المنزل الحديديّ الخارجي يغلق بعنف أجفلهم جميعا فنظروا إلى الباب ليجدوا عمر قادم وشرارات الغضب في عينيه تمتزج مع اليأس المخيف فاليوم ولأوّل مرّة في الحياة يواجه خوفا وقلّة حيلة وضعف فعاد عمر
ذو الثمانية عشر عاما والذي وجد نفسه فجأة يتيما بلا أب فظنّ أنّه بلا سند لقد خرج اليوم صباحا بعد صلاة الفجر مباشرة نحو العنوان الذي تركه لهم قريب رحيق كي تلتحق بهم هي أو
حتّى تزورهم إن أرادت إلّا أنّه وجد أنّ البيت كان فارغا بالكامل وحين سأل أهل المنطقة عن أصحاب المكان أخبره وكيل xxxxات هناك أنّهم قد سافروا فعلا
لا يذكر يوما في حياته قدّ مرّ عليه شعر به بتلك الحاجة الملحّة إلى البكاء والصراخ والعويل بل لا يذكر أنّه يوما سمع عن شخص قد استطاع فعلا سماع صوت قلبه يتحطّم كما فعل هو
يأس مرير أحسّ به ومن ثمّ عجز فكيف يفعل الآن بعد أن أصبح مكبّلا بالحدود وتفصل فيما بينهم السماء والغيوم كيف يفعل بقلبه المعلّق بها والذي يتمزّق الآن
ساعة تقريبا قضاها في سيّارته أمام مكتب وكيل الxxxxات يقاوم دموعا تستفزّه حتّى يسكبها حائرا لا يعرف كيف يتصرّف حتّى تهيّأت له صورتها تتودّد إليه تتقرّب منه تحبّه وتبذل لأجله الكثير ثمّ جاءت كلمات يوسف
تضرب تخاذله وعجزه فوجد نفسه يحرّك السيّارة ويتّجه مباشرة نحو السفارة الألمانية وهناك أكّد له موظّف وجود معاملات باسم الرجل قريب رحيق تحوي أسمه واسم زوجته وأولاده إلّا أنّه نفى وجود معاملة باسم رحيق وأكّد
له أنّ معاملاتهم غير منتهية بعد وسفرهم لم يتحدّد حتّى الآن وكم كانت صدمة عمر قوية فوجد نفسه يعود بسيّارته من حيث جاء يسابق نبضات قلبه التي كانت تشتعل بالأمل فرحيق لم تبدأ معاملات سفرها
بعد ممّا يعني أنّ الأمل لا زال موجودا
هذه المرّة وقف على باب شقّتهم يطرق بكفّه القوية ويحرق الجرس بإلحاح مجنون إذ ربّما هم ما كانوا بالخارج حين جاء أوّل مرة وربّما الرجل لم يكن يقصدهم حين أكّد سفرهم وربّما البناية فيها سوريين
غيرهم وهم من تحدّث عنهم وكيل الxxxxات فحسب كلام السفارة هم لم يأخذوا موافقة بعد باللجوء لألمانيا والمعاملات لا تزال جارية وبينما الأفكار تتلاعب به بين الاحتمالات خرجت له امرأة تبدو خمسينية العمر بملابس صلاة
بيضاء أخبرته أنّ أهل هذه الشقّة قد سافروا منذ ثلاثة أيّام ولكنّها لا تظنّ أنّ سفرهم سيطول لأنّ حقائبهم التي كانوا يحملون صغيرة لا تكفي لأكثر من سفرة سياحية داخليه وأنّه لم يكن معهم بالإضافة
للأم إلّا فتاة مراهقة صغيرة وليس فتاتين حينها قرّر عمر أن يقطع شكوكه فقام باجراء بعض الاتصالات مع شركتي اللوفت هانزا والملكية الأردنية بعد أن أكّد عليهم أنّ الأمر يتعلّق بإرث ما واللتان نفتا سفر
أيّ من أفراد هذه العائلة إلى ألمانيا
ساعات وساعات قضاها عمر يدور بالسيّارة يزداد فيها شعوره بالعجر اتّصل بها على زاكية التي أقسمت له أنّ رحيق ليست ببيت عمّته وطلبت منه أن يتروّى ويفكّر جيّدا بالأماكن المحدودة التي من الممكن أن تكون
رحيق بها
ارتمى عمر على كرسيّ أمامهم بعد أن سلّم وعقله لا يزال يدور في ذات الدوّامات المفرغة غافلا عن نظراتهم المشفقة والمتعاطفة التي يتبادلونها فيما بينهم
أين من الممكن أنو تكون وهي التي لا تملك هنا غيرهم غيرهم؟
هم هم!
يا الله كم هو غبيّ أحمق لقد صدق يوسف والله حين قال أنّه غبيّ يوسف يوسف والرسالة يا الله
غادر عمر الكرسيّ بعنف تحت عيونهم التي تقلّصت فيها المخاوف وتمدّدت الراحة لدقائق قليلة فقط قبل أن يُسمع خارج أسوار حديقتهم من جديد صوت اصطفاف عشوائيّ لسيّارة صغيرة وردية.
+
قراءة ممتعة.
يتبع
الحادي والثلاثون من هنا
تابع رواية عندما يعشقون صغارا بسهولة أكبر عبر تطبيق حكايتنا حكاية

من أول فصل لحد آخر تحديث في عندما يعشقون صغارا، هتلاقي كل حاجة منظمة في تطبيق حكايتنا حكاية.

قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الحادي والثلاثون 31 بقلم نيفين ابو غنيم

ما يحدث الآن في رواية عندما يعشقون صغارا يتجاوز كل التوقعات تمامًا…

رواية عندما يعشقون صغارا كاملة بروابط مباشرة

رواية عندما يعشقون صغارا كاملة بدون نقص أو حذف لأي فصل.

قصص نيفين ابو غنيم الكاملة

جميع روايات نيفين ابو غنيم متوفرة كاملة للقراءة المباشرة.

إرسال تعليق