رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم نيفين ابو غنيم

عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية مش بتتحكي… دي بتتفكك قدامك!

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم نيفين ابو غنيم

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم نيفين ابو غنيم
فصل التاسع والعشرون
استيقظ يوسف من النّوم عندما شعر بالفراغ الذي يملأ ذراعيه فخرج من الغرفة ليبحث عنها متوجّسا وكما توقّع وجدها تجلس على طاولة صغيرة تتوسّط مطبخهم تضع عليها كتبها وتفتحها أمامها عبثا فيما عيناها ترتكزان على
نقطة محدّدة في صفحة كتابٍ مفتوح يجزم أنّها لا ترى فيها إلّا السواد
اقترب منها رويدا رويدا فهاله منظر الدموع التي كانت عالقة بين أجفانها تأبى النزول فعلم حينها أنّها تتألّم وبجزع أدخل أصابع يده بين خصلات شعرها ليوقفها على قدميها ويقرّبها منه مقبّلا صدغها هامسا بقلق:
شو في حبيبتي مالك؟
عاجزة عن الرد هزّت زاكية رأسها بأن لا شيء ليحتضنها بحنان قائلا:
كيف ولا شي؟
نظرت له زاكية قليلا وهمست بتحشرج:
حاسّة حالي مخنوقة شوي
مداعبا قال لها يوسف:
معناها لازمك أكيد تنفّس صناعي
ضحكت زاكية وضربت كتفه قبل أن تعاود دفن رأسها بصدره بقوّة كما طفلة صغيرة تبحث عن الحنان فابتسم بشجن عالما ما بها فحالها منذ سمعت بوفاة والد رحيق لم يكن خافيا عليه فابتدأ بتمسيد فروة
رأسها لكي تسترخي كما يعلم أنّها تحبّ أن يفعل ليهمس من بعدها قائلا برويّة محاولا اختراق حصونها التي لا تزال موصدة حول روحها بحرص مغيظ:
احكيلي عن أهلك
صمتت زاكية قليلا قبل أن تقول بجمود:
عادي
صمت يوسف قليلا وقال بشجن:
بتعرفي إنّه بابا مات وهو لوحده؟
رفعت زوزو رأسها ونظرت إليه باهتمام لتبتعد عنه وتجلس على حفّة الطاولة وتهمس متسائلة:
كيف يعني لوحده؟
عاد يوسف بذاكرته بحزن لتلك الليلة قبل حوالي ثماني سنوات ونظر لها قائلا:
بتعرفي بابا كان يكره كتير يفضى البيت يعني لو صدف إنّه أنا وأخواني كلنا طلعنا من البيت كان يتدايق كتير وكان يحكي بدّي أسكّنكم كلكم عندي لحتّى ما ييجي اليوم اللي يخلا في البيت إلّا
منّي ومن إمكم وفعلا بنى لأحمد وكرم شقتين هون من دون حتّى ما يخبرهم كل ما يبعتوله فلوس عأساس مصروف ياخده ويشتغل بشققهم لحتّى جهزهم بالكامل
ابتسمت زوزو بحنان منتظرة بشوق لسماع بقيّة كلماته فهذه كانت المرة الأولى التي يتحدّث فيها يوسف عن والده أمامها بتلك الطريقة
متأمّلا تعابيرها المهتمة وغارقا بفكره في تفاصيل الماضي أكمل يوسف مبتسما بحنين:
كان يوم عرس أحمد لو شفتيه كيف كان فرحان تحمّم وحلق ولبس بدلته كان هيك مصحصح ووجهه منوّر صار يتمشّى قدّامنا ويقولنا أنا عريس الليلة وصرنا نغنّيله أنا وإخواني وقعدنا نزفّه
ابتسمت زاكية وقلبها يلتهم كلماته بنهم وراقبت الحزن يكسو ملامحه بينما يكمل:
تعب قبل ما نطلع بشوي وقال اسبقوني ما راح أقدر عالفاردة موكب العرس والزفّة أنا راح أرتاح شوي وأطلع عالقاعة عطول وهاي خالكم بيضلّ معي
أخذ يوسف نفسا عميقا وقال بألم:
وخلص العرس وهو ما إجا
همست زاكية تتساءل بصدمة:
ماااات؟
هزّ يوسف رأسه يخفّة وقال بهمس مماثل وصوت متحشرج:
ماااات بعد ما وصّى خالي لو صار في اشي ما يحكيلنا لحتّى ما يعكّر علينا فرحتنا وينغّص عأحمد وسراب بليلة عمرهم
نظرت زاكية ليوسف بصدمة تتأمّل عيونه المحتقنة فتتشوّش عينيها وتمدّ له ذراعها ليتلقّفها فتحتضنه وحرقة شديدة موجعة تتزايد في حلقها أجبرتها على سكب بضعة دمعات طفحت من كيل تحمّلها الذي امتلأ عند رؤيتها لنظرة اليتم
والضعف على وجه رحيق اليوم وفاضت الآن بينما تسمعه يبوح لها بما يعتمل في نفسها هي من شوق وألم فيتمتم هو في أذنها مهدئا وكأنّه مدرك لما يجيش في صدرها ليسألها من بعدها في تردّد
وترقّب:
بتعرفي إنّك ولا مرة حكيتيلي كيف أهلك توفّوا؟
تشنّج جسدها أخبره أنّها لن تحكي كما يريدها أن تفعل وكما توقّع وجدها تبتعد عنه وتقول بينما تمسح دموعها:
حادث سيّارة
نظر يوسف لعينيها وحاول محاصرتها سائلا:
كيف؟
فأجابته قائلة في هزء:
ما بعرف قالولنا الحق على بابا واحنا تلقائيا عرفنا إنّه بشكل ما الحق على ماما لإنّه أكيد كالعادة كانوا يتقاتلوا
فتح يوسف فمه يريد استغلال الفرصة السانحة ليتعمّق في روحها ويخترق الصدفة الصلبة التي تحيط فيها نفسها لكنّها باغتته إذ تضع يدها على فمه وتبتسم بطريقة أرادتها مغوية وظهرت يائسة:
ما بدنا انّام؟
فجاراها مشفقا وقال غامزا:
انّام انّام ولا اناّم بس
ضحكت زاكية وقالت:
وشو بتفرق انّام انّام عن انّام
هزّ يوسف كتفيه وكأنّه أمر بديهي وقال:
الأولى من دون غمزة والتانية بغمزة
قهقهت زاكية وقالت:
فإذا إنّام إنّام
لينظر لها هو محبطا وسألها متأكّدا:
يعني بغمزة ولا من دون غمزة
فقالت بابتسامة بينما تنزل عن الطاولة:
من دون غمزة
فاقترب منها ليميل عليها بحماس فأوقفته واضعة يدها على صدره تقول معترضة:
شو عم تعمل بالزبط؟
لينظر إليها ببراءة ويقول:
ببوسك
فرفعت له حاجبها قائلة:
ليش من دون غمزة شو يعني؟
فأجابها بلهجة المعلّم العارف:
أبوسك
فتابعت هي بارتياب:
وبغمزة؟
فأجابها بشكل بديهي:
تبوسيني!
ففتحت عينيها قائلة باعتراض:
بالله شووو يوووسف بدّي أنام لا تبوسني ولا أبوسك الله يرضى عليك هلكانة
أمسك يوسف يدها وقبّلها بإغواء بينما يقول لها بإقناع:
حبيبتي والله هاد اللي راح يصير لمصلحتك
نظرت له زاكية بارتياب وسألته بشكّ:
كيف بالله فهّمني بما إنّك عارف وفاهم كل شي؟
فأجابها بأسلوب جادّ ومقنع:
إنتي مش بتقولي نعسانة وبدّك تنامي؟
فأجابته يتوجّس:
امممم
فأكمل:
ومن مصلحلتك طبعا عشان تعرفي تنامي من دون إزعاجي اللي بدايقك كل ليلة إنّي أنام أنا كمان مزبوط؟
فهزّت رأسه مجيبة:
مزبوط
فقال بسعادة كمن توصّل لحلّ معضلة صعبة:
ما هو أنا عشان أنام لازم أعمل هيك
رغما عنها قهقهت منبهرة كما دوما بطرقه الملتوية جدا التي يتّبعها للوصول لما يريد ودون أن تدري وجدت زاكية نفسها مستلقية على طاولة المطبخ غارقة في دوّامة عاطفية عنيفة وفي عمق دوّامتهما أرّقهما صوت هاتفها
يرنّ في إلحاح متواصل حتّى بات رنينه مشتّتا لمشاعرها وموقظا لمخاوفها فمن الذي من الممكن أن يتّصل بها في هذه الساعة المتأخّرة جدّا من الليل بل إنّها تكاد تقارب الفجر!
بعد مقاومة كبيرة استطاعت ابعاد يوسف الساخط عن جسدها فتمسك الهاتف في يد بينما تغطّي عريّ جسدها خجلا في اليدّ الأخرى ليختطفه هو منها شاتما غاضبا قبل أن يقطّب جبينه وينظر لوجهها المتورّد وشعرها المنكوش
بينما يسألها مستغربا:
رقم غريب
فسألت بلهفة لم تستطع اخفاءها:
خارجي؟
فنفى قائلا:
لأ من هون
وبينما يتكّلمان سرعان ما عاود الهاتف الذي ما انتبهوا أنّه صمت أصلا للرنين فيرفعه هو لأذنه مسرعا ويجيب بخشونة واضحة
زاكية المترقّبة لملامح وجهه والتي كانت انقباضة صدرها المؤلمة تخبرها أنّ الأمر ليس خيرا لاحظت اهتمامه الذي تضاعف بينما يقول:
↚
لأ زوجها
ويصمت قليلا بينما يشحب وجهه ويقول:
أي مستشفى؟
أمسكت زاكية بذراعه بسرعة تريد أن تفهم فأمسك هو بيدها مطمئنا إيّاها كذبا ليكمل قائلا:
نص ساعة بالكتير وبنكون عندكم!
بعد يومين
تأمّلت مي ملابسها بتركيز ناقدة نفسها بحزم وحيادية حسنا أنيقة نعم لكنّها أيضا محتشمة جدا فبلوزتها البنية طويلة تغطّي أردافها بالكامل وبنظالها السكريّ كذلك واسع لا يلتصق بجسدها كما تفعل بناطيل الجينز عادة أمّا وجهها
فخالٍ إلّا من بعض الكحل وملمّع شفاه فاهي اللون يكاد لا يُرى
زفرت مي بضيق وقلب مقبوض فاليوم من المفترض بمعتز أن يأتي لزيارتها بموعده المعتاد وها قد تفاجأت قبل نصف ساعة فقط أنّ بيت عمّها سيأتون لزيارتهم أيضا وكم هي متخوّفة من تصرّفات ابن عمّها السمجة
ومن جنون معتز وغيرته
وضعت مي حجابها على رأسها متأكّدة من مظهرها للمرّة الألف وخرجت من غرفتها بينما تهمس لنفسها الله يستر
بعد بعض الوقت
حملت مي صينية الشاي متوتّرة بينما تدعو الله أن يتوقّف ابن عمّها عن مزاحه الكثير وغير المبرّر معها وكأنّه به يتعمّد استفزاز معتز الذي وحتّى اللحظة ولمفاجأتها لازال يتمالك نفسه رغم تلك الحرائق التي بدأت
بالانتشار في غابات عينيه مذ جاء ليجد بيت عمّها عندهم
ما إن دخلت مي غرفة الضيوف حتّى هبّ معتز واقفا ليأخذ الصينية منها ويقدّم لهم هو كؤوس الشّاي حتّى انتهى وما بقي فيها إلّا كأسان فتناولت مي منه كلاهما عندما قرّب منها الصينية وهمست له
بحلاوة متعمّدة علّها تمدّه بطاقة اضافية للصبر:
من ايد ما أعدمها
رأت مي اختلاجة تنبض واضحة على جبينه رفعت من حرارة جسدها بينما انهياره بين ذراعيها في يوم عقد قرانهما لا زال ينبض حيّا في كلّ كيانها وكأن ما حصل قد حصل توّا وما حصل وإن
اندرج تحت مسمّى احتضان ولكنّه في الواقع كان أكثر من ذلك بكثير ما حصل كان انصهار تلك اللحظة التي ضمّها فيها لصدره كانت رائعة حدّ الألم لم تعلم يوما أنّ الأرواح من الممكن أن تنصهر
فتمتزج لتصبح روحا واحدة في قمّة الكمال وآه كان ما أصعب الابتعاد بل ربّما كان انفطار تلك اللحظة التي اضطرت أن تبعده عنها اكتشفت أنّها في لحظة ما كانت هي التي تحتويه في لحظة ما
تحوّل ليكون ابنا لها يؤلمها فراقه ويضنيها
غارقا في ذكرياته هو الآخر بينما أنفاسه تبدأ بالعلوّ معلنة عن فضيحة وشيكة وصلها صوت ابن عمّها الدبق يقول:
افففف حلو الشاي زيادة يا بنت عمّي عن المعتاد شو كأنّه المرة هاي محركيته بأصبعين بدل الأصبع؟
نظرة معتز المجنونة المتوعّدة تزامنت من شحوب مي التي تصرّفت بسرعة وتلقائية ممسكة بكفّ معتز قبل أن تقول وتهتف لوالدها قائلة:
عن اذنكم راح نطلع أنا ومعتز على البلكونة برّة نشرب الشاي شو رأيك حـ معتز؟
ليهمس هو قائلا كازّا على أسنانه بغضب ما خفّف منه سوى حرف الحاء ذاك الذي انزلق من بين شفتيها كقبس نور في نهاية ليلة مظلمة:
بكون أحسن لإنّه الجوّ هون صار خنيق
قالها معتز متلطّفا ورجاء عينيها اللوزيتين يمتصّ بعضا من نيران غضبه.
ينظر إليها والشفقة والألم يحرقان قلبه عليها كم تبدو ضعيفة هشّة رغم ادّعائها العكس بينما تجلس على كرسيّ المستشفى وحيدة بجانب قسم العناية المشدّدة حيث ترقد أختها وتنأى بنفسها عن عمّها وعمّته و عنه هو
شخصيّا
ترك يوسف عمّته أم مجد وزوجها بعد أن سألهم عن أي تطوّر في حالة لميس وتقدّم من زوجته مقاوما شرارة صغير من الغضب والخيبة تقدح بشكل مزعج داخله دون أن تترك عليه اثر
شعرت زاكية بمجيئه فنظرت له بطرف عينها وردّت عليه سلامه بصوت خافت قبل أن تدير عنه وجهها وتتجاهله من جديد وكما لا تفتأ تفعل منذ استوعبت صدمة الخبر الذي نزل عليهما كما الصاعقة قبل يومين
لا زال يذكر كيف خارت قواها رافضة تصديق ما قاله لهم الطبيب والشرطة أوّل ما وصلوا للمستشفى وهو والله لا يلومها فما قالوه يكاد يكون من قصص الحكايات التي تقرأها في الجرائد المحليّة فتتعاطف أو
تستهجن ولكنّك بالتأكيد تستنكر
مرغما إيّاها على التجاوب معه والاعتراف بوجوده سألها يوسف:
كيفها اليوم؟
مصمّمة على التباعد صمتت زاكية قليلا قبل أن تجيبه ياختصار:
على حالها
فهمس سائلا باهتمام:
شفتيها؟
بعد تردّد هزّت زاكية رأسها بالإيجاب وهمست:
ويا ريتني ما شفتها
بالطبع لم يكن على يوسف أن يسألها عمّا تعنيه فما الذي من الممكن أن يتوقّعه عندما ترى شخصا غطّت الحروق أكثر من ثلاثين بالمئة من جسده!
يا الله كيف جرؤ زوجها على فعل ذلك بأيّ حالٍ كان ليتجرّأ على ارتكاب هكذا جرم بحقّها و بحقّه لا يملك إلّا أن يتساءل تُرى أكان انسانا سويّا الصورة التي أراهم إيّاها الشرطيّ له لتتعرّف
عليه زاكية توحي بشخصيّة جذّابة قويّة ليس وكأنّها ستتعرّف عليها بحاله الذي وصل عليها متفحّما ميتا ولكنّها ستؤكّد هويّته التي عرّف عنها مسؤول الxxxxات الذي استأجر منه الشقّة التي كانا يقيمان فيها هنا بعمّان منذ
حوالي الشهرين!
نعم لقد مات بل إنّه قد وصل ميتا وقد تآكلت جسده النّار بالكامل ونعم قد كانا هنا بعمّان يوما زفافه وزاكية وكم كانت صدمتها عندما علمت ذلك ولكنّ ما زعزعها بالكامل لم يكن أيّ من
كلّ هذا ولكن معرفتها بأنّ الحريق كان مفتعلا ومتعمّدا من أحدهما والذي على الغالب أنّه هو والحقيقة لم تبان تفاصيلها بالكامل بعد ولن تفعل إلّا عندما تستيقظ هي وتخبرهم ما الذي حدث فعلا لكنّ كلّ
هذا الغموض وكلّ تلك التفاصيل تتضاءل أهمّيتها لديه أمام موقفها هي زوجته زاكية والتي ما إن انهالت عليها كلّ تلك التفاصيل ومن بعد انهيارها الأوّل بنت حول نفسها شرنقة محكمة النسيج تفصل نفسها بها عن
كلّ ما عداها وهذا يؤلمه بشدّة
زفر يوسف بضيق وقبض على يدها قائلا:
ربنا يجيب اللي فيه الخير
دقائق صمت أخرى مضت قبل أن يسألها يوسف من جديد:
حد من أهل المرحوم ظهر
قسى وجه زاكية قليلا قبل أن تقول بجمود أكبر:
لأ إمّه وأبوه متوفيين وإخوانه كل واحد منهم ببلد!
هزَ يوسف رأسه قبل أن يتثاءب ويمطّ جسده في مكانه بتعب فتنظر إليه هي وتقول ببرود:
واضح إنّك تعبان روح عالبيت نام وارتاح قعدتك هون ما إلها داعي
فنظر إليها ونبرة صوتها لا تعجبه ليقول:
وإنتي كمان تعبانة إلك يومين ما نمتي بنقعد كمان ساعة وبنروّح مع بعض بترتاحي الليلة عشان لو بكرة صحيت تكوني قوّية ومصحصحة
فتجيبه هي بينما تغمض عينيها وتتكئ برأسها على الحائط وراءها:
لأ معلش روح إنت هلأ
ضيّق يوسف عينيه مستشعرا أمرا غير مستساغ في لهجتها وقال:
وإنتي؟
فقالت بثبات وهدوء:
راح أروّح مع دار عمّي وأنام عندهم!
مغمضة عينيها بإحكام كانت رحيق تدّعي النوم فيما تسمع خطواته المكتومة على سجّادة الغرفة بينما يغلق أبواب الخزانة والجرّارات بهدوء خشية من ازعاجها لا يدري أنّها شعرت به منذ غادر الفراش وذهب كي يستحمّ استعدادا
لذهابه للجامعة فاليوم هو أوّل يوم دوام له بعد الزفاف والواقع أنّها من المفترض بها أن ترافقه أيضا إلّا أنّها فضّلت البقاء في المنزل علّها تجد لنفسها المساحة الكافية كي تختلي بنفسها وتنظّم أفكارها التي
تبعثرت جدا في الأيّام الماضية فما بين موت والدها الذي رغم أنّها توقّعته كثيرا مع ازدياد أيّام الفراق إلّا أنّ انطفاء شعلة الأمل بالاجتماع به يوما كانت جدّا موجعة وما بين تلك الكلمات التي ألقاها
العمّ على مسامعها أمام عمر قبل أن يغادر
تشنّجت رحيق وادّعت الاسترخاء عندما شعرت به يقترب منها فيغمرها برائحة عطره الذي يوقظ حواسها بنهم ما إن تتنشّقه بينما يميل عليها مقبّلا جبينها فشفتيها برقّة قبل أن يداعب شعرها قائلا وكأنّما استشعر يقظتها:
اعملي حسابك بكرة تداومي يا كسولة
ما إن ابتعد حتّى وضعت رحيق يدها على شفتيها بحبّ يا الله كم تحبّه عمر فارسها وحبيبها الذي لطالما كان لها السند والأمان في حضوره وفي غيابه
رفعت رحيق جسدها واستندت على ظهر السرير لتطالعها صورتها على مرآة الحزانة الطويلة أمامها بينما تبعد شلّالات شعرها الخروبيّ عن وجهها فينكشف أمامها ما ظهر من جسدها والذي لم يستره قميص نومها الأسود وهو كثير
تأمّلت رحيق نفسها وابتسمت بحياء ووله فمظهرها يشي بالمعمعة العاطفية العنيفة التي خاضت غمارها وعمر بعد صلاة الفجر قبل سويعات يا الهي إنّه لا يشبع أبدا بل على العكس فقد ازداد تطلّبا عاطفيا وشغفا بالأيّام
الماضية بشكل ملحوظ
أغمضت رحيق عينيها بينما تعود بعقلها لتلك الأيّام الأولى التي تزوّجته بها وكيف تعلّقت به وقد بات أهلها وسندها لم تكن تفهم تباعده بوقتها أليس هو زوجها فلماذا ينأى بنفسه عنها تباعده كان يشوّشها ويؤلمها
حتّى جاء أمر سفره ليزلزل مشاعر أمنها وانتماءها لهذه العائلة ولكنّ الحقّ يقال أنّهم جميعا احتضنوها وكأنّما هي واحدة منهم بحقّ ولكنّه رغم ذلك ورغم بعده وسفره ظلّ هو صمّام أمانها وسببا لوجودها ظلّ رضاه
أقصى أمانيها وضحكته أعذب أحلامها أحبّته نعم أحبّته أوليس هو الشاب الصغير الذي أخذ على عاتقه أمر حمايتها ورعايتها عشقته حتّى في جفوته وجموده وكم كانت ترتعد خشية من غضبه تخاف أن يعيدها حيث كانت
وأكثر تخاف أن ينفيها من جنّة قربه
ليالٍ طويلة حلمت وخطّطت كيف ستكسبه وتجعله يحبّها كيف سيأتي يوم يكون فيه عاجز عن الاستغناء عنها وقد ظنّت أنّ هذا حصل لهفته عليها شوقه الذي لا يفتر إليها جعلاها تظنّ أنّه يحبّها وأنّ الزمن
مهما عاد به مرّات ومرّات لن يختار غيرها فما الذي حصل يا عمر لماذا قتلتها وصمت!
قامت رحيق من فراشها والشكوك والمخاوف تثور في روحها تطالبها بخلع ثوب الرضى الكاذب والخنوع الممجوج فهي ما عادت مضطرة للقبول بأنصاف الحلول وهو من حقّه أن يمتلك الخيار
التمعت نظرة تصميم في عيون رحيق ومسحت دمعة مسكوبة قبل أن تغتسل وترتدي ملابس مناسبة وتتجّه نحو خالتها أم أحمد فهي لطالما كانت لها أمّا من حقّها أن تعرف وهي واثقة أنّها ستفهم.
بعد أيّام أربع
تجلس على كنبتها المريحة المفضّلة في غرفة المعيشة والتي اختصّتها لنفسها منذ حوالي ثماني سنوات منذ مات صاحبها عنها مخلّفا إيّاها لها لتحتضنها يوما بعد يوم وليلة بعد ليلة تبحث في حضنها عن دفء له
تشرّبته عبر سنوات طويلة جدا احتوته فيها أبو كرم
وضعت أم أحمد فنجان القهوة من يدها وتنهّدت هامسة في صدرها حروف اسمه أبو كرم أين أنت تأتي فترى ما حلّ بصغيريك اللذين كبرا وكبرت معهما همومهما
نظرت أم أحمد لولديها تبتلع غصّة ألم على حالهما الذي أصبحا عليه منذ أيّام والذي لا يسرّ عدوّا ولا حبيبا من بعد تلك السعادة التي كانت تصرخ مهلّلة من ملامحهما منذ أسابيع وكأنّما عين أصابتهما
ولم تصلّ على النبيّ ولكنّها هي تعلم أنّ العين المسكينة المظلومة والتي يعلّق الناس على شمّاعتها جميع خيباتهم وأحزانهم لا علاقة لها حقّا بالأمر فالأمر فقط يُختصر بكلمة واحدة زوجتيهما!
تنهّدت من جديد تدعو بنفسها لزاكية ورحيق بالهدايةقبل أن تتجاهل ذلك المصمّم على صمته الغاضب وتنادي على أخيه المستلقي أمامها على الكنبة الثلاثية الطويلة مرتديا بيجاما بيتية خفيفة يضع ذراعا تحت رأسه والآخر فوق عينيه
محتضنا ألمه متقوقعا على نفسه فتسأله باهتمام حقيقي:
إجوا أهله للمرحوم اليوم؟
بصوت مختنق مكتوم من تحت ذراعه أجابها:
إجت أخته وواحد من إخوانه اليوم من الفجر كانوا محتاسين مرتبكين مو عارفين يعملوا إشي ساعدتهم خلّصوا إجراءات الدفن اللي راح يكون بكرة على صلاة الضهر وراح يستنوا تلات أيّام لتخلص أيّام العزا وليشوفوا لميس
شو صار معها ويخلصوا أمورهم مع الشرطة ويسافروا
سألته أمّه مستغربة:
هيك بسرعة؟
هزّ يوسف كتفيه وقال:
شو بدهم يضلّوا يعملوا؟
↚
الهم سنين بأوروبا ما بعرفوا هون شي ولا الهم حد وأقوال لميس ما بتهمهم بشي لإنه بجميع الأحوال أخوهم مات يعني الحق عليه ولا عليها ما بتفرق معهم عدى إنّه حسب كلام الشرطة الإثباتات كلها
بتدلّ إنّه هو الفاعل وبصماته موجوده على قنينة قارورة الكاز اللي لاقوه اثر منها باقي بالبيت غير أدلة تانية ما أفصحوا عنها بعدين غير هيك الأخوة أساسا الهم سنوات كتيرة مو شايفين بعض يعني مو
كتير فارقين مع بعض!
نطقت والدته هامسة بابتهال:
اللهم عافينا ممّا ابتليت به غيرنا
لتكمل من بعدها بصوت متعاطف حانٍ:
وزاكية كيفها شافت أختها صاحية حكت معها اشي؟
نظرات متوترة قلقة غلّفت صمت يوسف لبرهة طويلة بينما يستذكر بعقله المرّة الأولى التي رأتها فيها وكان ذلك في اليوم الثاني من دخول أختها المستشفى عندما صمّمت أن تدخل وتراها مهما بلغت نسبة الحروق في
جسدها والتي والحمد لله لم تكن ستون بالمئة كما تصوروا بادئ الأمر بل ثلاثون ما بين درجة ثالثة وثانية
دقائق قليلة فقط قضتها هناك بالغرفة بعيدا عن ناظريه لتخرج منها لا لون لها ذاهلة لا حياة فيها مزغولة العينين فيتلقّفها على صدره يتمنّى أن يهزّها أو يصفعها علّها فقط تبكي فترتاح وتريحه ولكنّها أبت
إلّا الصمت المطبق الذي ترافق مع ارتعاشات برد ضربت جسدها لم تستطع السيطرة عليها
زافرا بضيق ردّ يوسف على سؤال أمّه بصوت مشدود:
صحصحت لميس اليوم شوي وخفّفوا عنها المخدّر من بعد ما خفّت الانتفاخات اللي موجودة بوجهها وحكت معها زاكية وعمّي أبو مجد بس على خفيف لإنها مسكينة بمجرّد ما يروح تأثير المخدّر ببدأ وجع الحرق الموجودة
بمناطق الحروق اللي من الدرجة التانية
قالت أم أحمد متأثّرة:
ربنا يعينها ويصبّرها اللهمّ أجرنا من النّاروزاكية كيفها؟
لمّا رحت عالمستشفى أوّل مبارح كانت نفسيتها سيئة
هذه المرّة لم يستطع يوسف البقاء على وضعه وبداخله شرارات من نار لا تفتأ تقدح خيبة وألما وخذلان يحاول السيطرة عليها جاهدا فيبرّر لها تباعدها المجحف بحقّه حتّى لا تتحوّل على غفلة منه إلى غضب
نعم فهو لا يريد لغضبه السيطرة عليه وافقاده رشده ليس الآن على الأقل
محاولا السيطرة على نبرات صوته أجابها بتعب:
تعبانة
نعم هي متعبة نفسيا ومنهكة جسديا ما بين الركض بين المستشفيات تارة فمن حيث ترقد أختها صباحا إلى مستشفى الجامعي ومن هناك مساءا إلى حيث ترقد أختها ومن هناك إلى بيت عمّه أبي مجد إلى
حيث بعيدا جدا عن ذراعيه وحضنه حيث أمانها ووطنها الذي تأبى الاعتراف به حاليا فتنأى بنفسها بعيدا عنه بشكل موجع جدا له!
يقتله إقصاءها له بطريقة غير مباشرة عن تفاصيل حياتها المربكة أما أخبرها أحدٌ أنّ الزواج ليس سريرا وفراشا فقط ليس سعادة ورخاء دائما لماذا إذا تصرّ منذ تلك الليلة البقاء في بيت عمّها فتحرمه دفء
وجودها وأمان وجوده قرارها كان طعنة موجعة لكنّه رغم ذلك صمت وآثر عدم مناقشتها في قرارها الذي أخذته مراعيا صدمتها وذهولها لم يشأ أن يعارضها فيزيد من الضعط النفسي الشديد الذي ترزح تحته متعاملا مع
الأمر أمامها بمرونة لم يشعر بها حقّا إلّا أنّه بذات الوقت رفض التنحّي جانبا كما أرادت منه أن بفعل فلم ينقطع عن الذهاب للمستشفى يوميا رغم اعتراضها مصرّا على أخذ عشاء لها معه في كلّ
مرة مجبرا إيّاها على الأكل عالما أنّه إن لم يفعل فلن تفعل فيغادر بعد ساعات وحيدا لينام في منزل أهله لا بشقّته رافضا النوم على سرير جمعه بها لا تكون فيه
من بين أفكاره الكئيبة تلك وصله صوت والدته واعية لما يعاني منه ابنها فتقول بحكمة من خبر من الحياة الكثير:
ماما الله يرضى عليك طوّل بالك على مرتك أعطيها فرصة تستوعب اللي بصير حواليها وبعدين بس تطلع من هاي المحنة اقعد معها وافهم منها وفهّمها كيف الحياة مشاركة بحلوها وبمرها إنتو بعدكم ببداية الحياة الزوجية
يعني سوء الفهم والاشكاليات العارضة واردة وطبيعية كتير!
ابتسم يوسف لوالدته ووقف ليقبّل يدها ممتنّا لكلماتها وفي قلبه يشكر الله أنّه على الرغم من كلّ شيء مطمئنا أن زاكية آمنة في بيت عمّها وأنّ مكانها ليس مجهولا بالنسبة إليه
نظر يوسف بتعاطف نحو عمر وتأمّل الحال التي كان يبدو عليها حاضر بينهم غائب عنهم يجلس بينهم دون أن يكون حقّا معهم ثابت مكانه وكأنّما هو تمثال شمعيّ يستند بذقنه على أصابعه المتشابكة فيما ذراعيه
ثابتان لا يتزحزحان عن فخديه أمّا عيونه فشاردة زائغة تحكي عن قصّة فقد مؤلمة فقد لم يكن عمر بقادر يوما على التأقلم معه وتقبّله بسهولة ولا زال يذكر هو حتّى اليوم تلك الحالة التائهة التي
كان عليها بعد فقدهم لوالدهم وكيف عجز عن التكيّف مع الأمر ليدفن نفسه بين كتبه ودروسه إلى أن انتهت امتحاناته وظهرت نتيجته وابتدأ مرحلة دراسته الجامعية والتي ابتدأ على اثرها يخرج ببطء من داخل قوقعته
الخاصّة التي حبس نفسه بداخلها
هزّ يوسف رأسه مشفقا على حال شقيقه فمن يراه لن يظنّ أبدا أنّه من سعى وعلى مدى سنوات سبع أن يكون في أقصى مكان قد يقرّبه من زوجته لا يخمّن قط أنّ هذا العمر التائه
هو ذاته الذي كان يقف متململا ضجرا في كلّ مرّة أرادت بها رحيق استرضاءه والتقرّب منه ولن يتوقّع أبدا أنّ قرار اتمام زواجه منها قد أخذ منه سنوات طويلة لكي يخرج إلى النور!
اقترب يوسف من شقيقه ووضع يده على كتفه مؤازرا ومتعاطفا وقال له بقوّة:
ايييييه عمووور وحّدووه
مجفلا وكأنّما قد كان فعلا في مكان آخر أجاب عمر زافرا بضيق:
لا إله إلّا الله
قالها وقام من مكانه ليغادرهم مستأذنا بينما يزمّ فمه والغضب البادر يطلّ واضحا من بين مقلتيه
متفكّرا نظر يوسف لوالدته بحيرة فهزّت كتفيها بأسف قبل أن تضع يدها على وجنتها وتدعو بصدق:
الله يهدّي بالكم يا ولادي ويا بناتي!
ما إن ولج عمر لجناحه حتّى تخلّلت أنفاسه رائحة الياسمين التي عوّدته رحيق أن تكون البصمة الخاصّة لروحها في هذا المكان والتي كانت تعشقها لأنّها على حسب قولها تذكّرها ببيتهم بالشام والتي قام هو بنفسه
بكسر زجاجة عطرها قبل أربعة أيّام بالضبط
بخطوات جامدة وأنفاس مختنقة اتجّه عمر بتصميم نحو الغرفة مدركا بالضبط للمظهر الذي سيجده عليها شظايا زجاج متكسّر منتشر فوق سجّادة الغرفة الجديدة كان ينتمي يوما لمرآة طاولة الزينة بضعة زجاجات من العطر وأدوات زينة
لم تُمسّ يبدو واضحا أنّها لم تكن مفضّلة لديها لتخلّفها من وراءها ككلّ ما لم يعنِ لها شيئا وتركته
قدماه خطتا ببطء على شرشف سرير تلوّى جسدها عليه يوما وعلى بطّانية احتضنتها عارية إلّا من ذراعيه وأخيرا وعلى ذات السجّادة قصاصات صغيرة حريرية سوداء معبّقة برائحة صاحبتها تحمل ذكرى آخر ليلة قضتها بين ذراعيه
كانت يوما تسمّى قميص نوم مزّقه هو بيديه دمّرها من ضمن ما دمّر!
بخطوات متهالكة اتّجه عمر نحو السرير ليرتمي بجسده المنهك عليه بعد أن خفّف عن جسده بعضا من ملابسه بضيق وهبوب الأفكار العاصفة في رأسه يشتدّ جنونا
أكان هذا كلّ ما يلزمها لتحلّ نفسها من التزامها معه؟
أهذا ما كان هو عليه بالنسبة إليها؟
طريقا اجباريا تسلكه لطالما انعدمت سبلها وما إن تجد له بديلا حتّى تسلك غيره مديرة له ظهرها دون ندم أو أسف دون شيء إلّا بضعة كلمات لا معنى لها ترميها له عبر ورقة ملاحظات صغيرة؟
كان ظهر السرير يئنّ اثر خبطات رأسه القوّية عليه مع كلّ فكرة تعبر خياله فالصدمة رغم مرور أيّام أربع لا زالت قويّة لم يستطع تجرّعها حتّى الآن منذ عاد من الجامعة يحمله شوقه المشتعل إليها
بعد أن غاب ساعات طوال ساعات كانت الأطول في حياته يمنّي نفسه أن تكون حيث تركها مهما بلغت استحالة ذلك دافئة جميلة مغرية فيبثّها اشتياقا أهلكه برودة اكتنفته بعيدا عنها ليتفاجأ بأن يجد المكان خاليا
إلّا من بعض آثارها!
صباح اليوم التالي
كانت زاكية تقطع ممرّات المستشفى هرولة -حيث ترقد أختها في وحدة الحروق- تلهث من شدّة التوتّر وجبينها يتندّى عن قطرات من العرق حيث أنّها قد جاءت من المستشفى حيث تعمل مسرعة مخلّفة كلّ شيء وراءها
لتقود سيّارتها إلى هنا عالقة بالزحمة الخانقة في ساعة الذروة فلا يتوقّف لسانها عن التذمّر والسباب بينما نبضات قلبها ترتفع عن معدّلها الطبيعي بشكل خانق ومتعب منذ أعلمتها ممرّضة تتواصل معها هنا أنّ الشرطة قد
جاءت لتستكمل التحقيق مع لميس بعد أن أخطروا من قبل المستشفى أنّ وضعها اليوم أصبح أفضل وأنّها قد أصبحت قادرة على الكلام
مقطوعة الأنفاس وصلت زاكية إلى حيث غرفة شقيقتها إلّا أنّ شرطيّ رابض بجانب الباب منعها من الدخول لتقف من بعدها لحوالي دقيقة كاملة تحاول فيها أن تلتقط أنفاسها وتنتظر لدقائق اضافية بقلّة صبر وتوتّر والحقيقة
هي أنّها لا تعلم ما الذي يخيفها بالضبط ويوتّرها لهذه الدرجة فكلّ الأدلّة تقول أنّ إياد زوج شقيقتها هو من فعلها بالإضافة إلى ما هذت به لميس نفسها بالأمس لها ولعمّها أبو مجد بكون إياد
قام بحرقها فعلا كما كان دائما يتوعّدها!
أفكار زاكية حول زواج شقيقتها لم تكن قد بدأت بعد بتحليلها عندما فتح باب الغرفة ليخرج منها شرطيان مرتديان الزيّ المعقّم الخاص بالدخول لوحدات الحروق حيث مصابين كشقيقتها بحروق من الدرجة الثالثة بلا جلد يغطّي
لحمهم يكونون معرّضون بشكل خطير جدا لأنواع الالتهاب المختلفة والخطيرة
اقتربت منهم زاكية بلهفة بينما كانا يخلعان عنهما بضيق القفّازات والكمّامات التي كانت تغطّي وجوههم لتسألهم باهتمام كبير:
شو سيادة الضابط شو حكت أختي؟
نظر الضابطان لبعضهما الأوّل بتوتّر والثاني بغلّ ونفور قبل أن يتنحنح أحدهما ويقول:
ما في إشي ما كنّا عارفينه زوجها هو اللي افتعل الحريق
فهتفت هي دون شعور بأسى وبغضب:
طيب ليييش؟
تبادل الضابطان النظرات من جديد قبل أن يجيبها ذاته من جديد:
احم على حسب كلام الضحية كان عنده مشاكل بالـ ثقة
هزّت زاكية رأسها مؤكدة بقوّة وبحقد:
فعلا كان شكّاك كتير
ومن ثمّ نظرت لهما بيأس وتساءلت:
طيب وهلأ شو؟
فهزّ كتفيه وقال:
ولا إشي المحضر راح يتسكّر الفاعل مات وما في شي بإيدنا ممكن نعمله
أطرقت زاكية رأسها بقنوط وقالت هامسة:
هيييك؟
بكل هالبساطة؟
فيردّ عليها هو ذاته من جديد ويقول يتأنّي وكأنّه ينتقي كلماته:
ربّك ما بضيّع حق حد وراح ييجي وقت يحاسب فيه الجميع
هتفت عندها زاكية بقهر:
الله ينتقم منّه
عندها اقترب منها الضابط الآخر صاحب العيون المغتاظة بينما تنتقل نظراته على جسدها الذي انتبهت توّا مدى انكشافه أمام نظراته المستهينة الرخيصة لاسيّما وقد ارتدت اليوم إحدى بلائزها القديمة التي كانت تركتها في بيت عمّها
من دون أن تنتبه لتفاصيلها وسمعته يقول بما يشبه الإهانة:
الله ينتقم من اللي كان السبب!
راقبت زاكية الضابطان وذاك العسكريّ الذي كان يحرس الباب يغادرون مقطّبة الحاجبين تحاول فهم ما كان يجري بينهما عندما لمحت يوسف يقاطعهما وعلامات غضب ترتسم على محيّاه البشوش عادة بوضوح
هاربة منه ومن نبضات قلبها التي ثارت عليها وعلى اجحافها في حقّها فيه ارتدت زوزو الزيّ الخاص بالدخول لوحدة العناية بعد أن عقّمت يداها ودخلت غرفة شقيقتها بعد أن ارتدت قفازاتها والكمّامات وبعد أن ميّزتها
الممرضة المسؤولة هناك فحيّتها مرحبة ومبتسمة
كما المرّات القليلة السابقة ثقل مريع حطّ في قلب زاكية عندما لمحت شقيقتها ليسقط من بين قفص الضلوع ويهوي إلى حيث منطقة الرحم فيتقلّص بشكل موجع
مظهر شقيقتها كان مؤلما جدا وقد تحوّلت إلى كتلة لحميّة حيّة بلا تفاصيل ولا ملامح حيث كانت بعض المناطق في جسدها مغطّاة بالشّاش الأبيض فيما أخرى حمراء مكشوفة ومشقوقة بمشرط جرّاح بانتظار أن تتفرّغ السوائل
والانتفاخات منها بالكامل
رائحة الدواء الكريهة التي توضع على الحروق اخترقت خياشيم زاكية فنبّهتها على ضرورة التحرّك اتجهت نحو سرير شقيقتها التي كانت تغمض عينيها فيما بعض الدموع تتساقط منهما وأنين موجع يخترق صمت الغرفة
شهقة أوشكت على الانفلات منها شقّت صدرها ولكنّها قمعتها على أعتاب شفتيها قسرا يا الله هي لا تستطيع حتّى أن تتخيّل الألم الذي تعاني منه شقيقتها فتلك الحروق من الدرجة الثالثة يعدّ أمرها سهلا فالجِلد
فيها قد مات والميت لا يشعر بالألم أمّا تلك الأخرى تلك التي تركت جلدها مسودّا ومنكمشا وذائبا يكاد يتمزّق هي هي ما لا يستطيع عقلها استيعابه يا إلهي هي حتّى لا تستطيع احتمال الاستحمام بماء
تعدّى مرحلة الدفء بقليل هي هي حتّى الآن تتذكّر ذلك الألم الهائل الذي شعرت به قبل أيّام عندما سهت عن غلّاية القهوة فكادت محتوياتها تنسكب على موقد الغاز فتهوّرت وأمسكتها بسرعة تحاول تفادي الأمر فلسعتها
↚
صاعقة كل خلاياها الحسيّة وتصرخ ألما فترمي الغلّاية دون وعي من شدّة الوجع
شحبت زاكية بينما تتخيّل شعور أختها ليس الآن فقط بل كيف شعرت بينما النيران تنتشر في المكان بسرعة تأكل كلّ ما حولها ولا تكتفي فتقرّر أن تجهز عليها هي أيضا أيّ نوع من الفزع احتملت
بينما تنتظر أن يأتي دورها لتلفحها النيران بغضب أعمى وأيّ ألم احتملته قبل أن تسقط مغشيّا عليها لتجد نفسها تستيقظ في مكان مجهول أرملة بلا ملامح تعرفها وأوجاع كثيرة.
أغمضت زاكية عينيها وأخذت أنفاسا عميقة قبل أن تقترب من لميس وتنادي اسمها بهمس رأت أثر استجابتها له على جسدها الذي تشنّج قبل أن تتنشّق بعض الهواء وتفتح عينيها فتنصعق زاكية من جديد بينما تتساءل
كيف للعيون أن تتغيّر أيضا بتلك الصورة فتصبح غريبة غير مألوفة هي الأخرى أهي الحواجب والرموش الذائبة ما غيّرتها أم الجلد المشدود حولها ما غيّر تفاصيلها هل العيون مخلوقات متغيّرة أيضا كما الحرباء تتلوّن وتتغيّر
حسب التفاصيل التي تحيط بها؟
أليس من المفترض بهما أن تكونا الشيء الثابت الوحيد في جسم الانسان؟
ألا يقال أنّهما نافذة للروح ومنهما تعرف كذب الانسان من صدقه وتدرك جوهر روحه لماذا اذا هي ما عادت تتعرّف على شقيقتها ولا حتّى تميّز روحها
تنبّهت زاكية من حالة الضياع التي كانت تجرفها على صوت لميس تتساءل هامسة بألم:
دفنوه؟
دعوة قاسية أوشكت زاكية على التفوّه بها قبل أن تبتلعها مذكّرة نفسها أنّه قد مات وأصبح بين يدي الله الآن فتجيب أختها بجمود:
أعتقد لإنّي لسّة شايفة يوسف هلأ بيحكي مع الشرطة قبل ما أدخل يعني أكيد خلّصوا هو وعمّو أبو مجد
نظرات لميس اضطربت وسألت أختها باضطراب:
بيحكي معهم؟
شو بحكوا؟
هزّت زاكية كتفيها وقالت:
ما بعرف بس يعني أكيد بيسألهم عن مجريات التحقيق
هزّت لميس رأسها وعيونها تلتفت بعيدا عن شقيقتها بينما تلمس الغطاء الذي ترقد فوقه بكفّها التي نجت من الحريق بمعجزة إلهية
أمسكت زاكية التقارير المعلّقة أمام السرير لتضطلع عليها وتلاحظ تخفيفهم لجرعات الدواء المخدّر اليوم فتسأل لميس باهتمام:
موجوعة؟
أجابتها لميس بألم وقهر:
الوجع ما بروح
اختضّ قلب زاكية وهمست لأختها مصبّرة:
هاد لإنهم خفّفوا جرعة المخدّر شوي اليوم هيك أنواع من الأدوية خطيرة وبتسبّب نوع من الإدمان لهيك ما بقدروا يعطوها كل ما المصاب انوجع
صمتت لميس قليلا قبل أن تغمض عينيها من جديد وتقول بصوت مرير:
الوجع اللي بحكي عنّه أدوية الدنيا كلها ما بتنفع فيه وجع هون –قالتها بينما تشير لصدرها- بصدري و بروحي زوزو أنا تعبانة بدّي أنااام!
بعد دقائق طويلة خرجت زاكية من الغرفة بعد أن أمضت الوقت تحصي الثواني مع أنفاس أختها المتحشرجة والتي على ما يبدو لا زالت تعاني من الأدخنة الكثيرة التي استنشقتها قبل أن يأتي الدفاع المدني ويتمّ
انقاذها ثانية وراء ثانية كانت الأفكار في عقل زاكية تعصف فيها بقهر و خوف
ما الذنب الذي اقترفته أختها كي يكون هذا عقاب زوجها لها إن كان ظنّه بها سيئا لتلك الدرجة وقد عرفته وأحبّته قبل الارتباط لماذا إذا تزوّجها حسنا لتكن منصفة فلميس لم تكن بوقتها تحبّه حقّا
بقدر ما كان هو مصباح علاء الدين الذي سيحقّق لها كلّ أمنياتها ولكن لا بدّ أنّها أحبّته في مرحلة ما هذا إن كان أعطاها الفرصة لذلك ولكنّ زوج أختها للأسف جعل الشكوك وعدم الثقة تحكم
علاقته بها مضيّقا عليها الخناق ومحوّلا حياتهما إلى جحيم بالضبط كما فعل والدها مع والدتها
غضب كان قد بدأ يستعر بداخلها سخطا فلماذا يتزوّج الرجل امرأة غير راضٍ عنها ولا عن أخلاقها إن كان سيعجز عن تقبّلها أو المسامحة أهي الرغبة ما تسيّرهم فيبدؤون تلك المغامرة التي يرتكزون فيها على
الأمل فقط ليجدو نفسهم فجأة وبعد أن تزول فورة الرغبة بشخصيات مهزوزة وثقة معدومة وكثير من اليأس؟
أهذا هو؟
أهكذا هو؟
أهكذا ستكون هي؟
ارتمت زاكية على الحائط من وراءها شاحبة الوجه فضربت رأسها بذات الحائط من وراءها بينما في داخلها تشهق فزعا غبية غبية كيف سمحت لنفسك بأن تسلّميه قلبك بتلك الطريقة ليدهسه كما فعل زوج أختك ووالدك
كيف سمحت لنفسك بأن تكوني مكشوفة له لتلك الدرجة فيجد فيك مستقبلا متنفّسا لسلاطة لسانه فيعايرك بماضيك كيف كيف ستحتملين نظرات الشكّ في عينيه التي لا بدّ ستظهر يوما
غبيةغبيّة غبيّة!
شهقة فزع خرجت من فمها قاطعت أفكارها المسمومة عندما شعرت بيده تحفر عميقا في عضدها المكشوف بينما يهمس لأذنها بصوت غاضب بدى لمسامعها كالفحيح:
إنت كيف بتطلعي من البيت هيك كيييف؟
نظرت له زاكية فزعة بينما تتساءل هامسة:
يوسف؟
فغر يوسف عينيه غضبا ومنظر الشرطيّ يتملّى تفاصيلها بتلك الوقاحة لا يزال يضرب عقله بغيرة مجنونة:
آآه يوسف يوسف المنسي اللي شكلك من طول البعد عنّه نسيتيه ونسيتي اللي برضى عنّه واللي ما بيرضى
يوسف اللي شكلك ما عدتي عاملة اعتبار إله ولغيتيه من حساباتك ورجعت تلبسي وتعملي كل شي على مزاجك ومن دون اعتبار إله ولمشاعره!
فجأة وجدت مشاعر الاحباط والخذلان لها متنفّسا عبر غضبه فجأة وجد يوسف نفسه يشتعل منها غضبا لكونها استطاعت فعلا أن تقصيه عن حياتها وتعتبره كما لو أنّه لم يكن فزاكية ومنذ أن تمّت خطبتهما كانت
حريصة دوما أن ترتدي ما لا يقلّل من احترامه أمام نفسه فهي وإن لم تتحجّب إلّا أنّها راعت غيرته ومشاعره ولذلك عندما رأى بلوزتها البيضاء المكشوفة الذراعين والقصيرة جدا والتي تكاد لا تستر أردافها المفصّلة
تفصيلا من تحت بنطالها الجينز الأزرق جنّ فعلا وأوشك أن ينتزعها من أمام عيون الضابط المتفرّسة والتي كانت تظهر قلّة احترام واضحة هي لم تلحظها ولولا أنّهم كانوا قد تركوها فعلا قبل أن يصل إليهم
لكان الآن ينام بقسم الشرطة بتهمة التعرّض لضابط شرطة أثناء أداءه لعمله!
في خضم كلّ تلك الأفكار التي كانت تعميه عن كلّ منطق وتأنّي عُرف به يوما كان غافلا عن تلك الحالة من الجنون التي كانت تتلبّس زاكية فتتركها بوجه محمرّ وجبين يتفصّد عرقا ولكنّه ما كان
ليستمرّ غافلا عنها بينما هي تضع يديها على ذراعيه وتدفعه عنها بقوّة صدمته وتهمس بغضب يقارب الجنون:
ابعد عنّي –لتكرّرها بينما تراه يوشك على الإمساك بها من جديد- بقولك اتركني!
قراءة ممتعة.
يتبع
الثلاثون من هنا
اقرأ عندما يعشقون صغارا بسرعة أكبر وبدون تقطيع من تطبيق حكايتنا حكاية

استمتع بقراءة عندما يعشقون صغارا بشكل أريح وبدون إعلانات مزعجة من خلال تطبيق حكايتنا حكاية الرسمي.

قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثلاثون 30 بقلم نيفين ابو غنيم

أحداث رواية عندما يعشقون صغارا القادمة تحمل صدمة لن تُنسى!

رواية عندما يعشقون صغارا من الفصل الأول حتى الأخير

جميع فصول رواية عندما يعشقون صغارا كاملة في مكان واحد لتسهيل الوصول والقراءة.

روايات نيفين ابو غنيم بجميع الفصول

جميع روايات نيفين ابو غنيم متاحة للقراءة أون لاين بسهولة.

إرسال تعليق