📁 آحدث المقالات

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثامن عشر 18 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثامن عشر 18 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

تم تحديث الفصل بتاريخ 4 مارس 2026

رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثامن عشر 18 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين
الثامن عشر
قد كنتُ أحسبُ أن الشوقَ يُرجِعُهُ
وأنّ دمعَ المآقي سوف يُرضيهِ
لكنّهُ صدّ عن قلبي فأوجَعهُ
ياليتهُ قد درى عمّا أقاسيهِ
وليت عينيهِ من بعد الجفاء ترى
تقلُّب الروحِ من تيهٍ إلى تيهِ
أمسك بيدين معروقتين الهاتف الصغير الذي ابتاعه له هشام وتركه له حتى يسهل إيجاده والاطمئنان عليه.
ضغط ببطء الأرقام الخاصة بهاتف أخته منى حتى انتهى من صفها ثم راجعها جيدًا بصوت مسموع، حين تيقن من صحتها ضغط زر الاتصال منتظرًا بلهفة قبولها.
(الووو السلام عليكم)
صمت دقائق يستمع لصوتها بحنين وتعطش شديد قبل أن يهتف بنبرة مرتجفة (كيفك يا أم إبراهيم.؟)
صمتت دقائق تستوعب نبرة الصوت الخشنة الممزوجة بحشرجة، مررتها على عقلها تصفيها لتتبين هوية صاحبها، لكنها أجابت مرتجفة لا تصدق ما توصل إليه عقلها:
(مين معاي..؟)
ضحك حسان ضحكة خشنة وهو يُجيبها : (لساتك غشيمة ومُخك ضِلم)
فغرت فمها بعدم تصديق، وهي تردد بذهول: (حسان)
أصابتها البلاهة، وتلقفتها رحى المفاجآة لاتعرف ترد أم لا،تسأله عن حاله أم تصمت حتى ييأس ويُنهي الاتصال وحينها يكون رحمها من الحيرة التي تنشب مخالبها في صدرها، فطلب منها حسان بتوسل (جوليلي عنوانك)
جلست صامتة، تتلقى كلماته بصبر، ليرجوها (طيب تعالي إنتِ)
سألته بتلعثم ونظرات زائغة (إنت فين.؟)
تطلّع حوله، مُفتشًا عمن يسأله حتى وجد رجلًا كبيرًا بالسن فسأله (ياعمي المكان الي أنا واجف فيه دِه فين.؟)
رمقه الرجل بإستنكار قبل أن يُجيبه بسلاسة متخطيًا، شكره حسان وعاد لأخته مُلقيًا على مسامعها مكان وقوفه كما أخبره الرجل.
قالت بلهفة (استنى أنا جياك)
أنهت الاتصال واندفعت للداخل ترتدب ملابسها السوداء، لن تستطيع السماح له بالمجيء هنا
لن تجلب غضب حمزة ولن تُحزن ورد بفعلة كتلك، وحتى ابنها إن فعلت لن يمرر لها الأمر وقد يثور عليها، لذا ستخرج وتقابله، هي أيضا اشتاقت له ولرؤيته والاطمئنان عليه فعلى أي حال هو شقيقها.
بعد مرور ساعة كانت تجاوره أمام النيل، ترفع نظراتها تتأمله بتعجب غير مصدقةً حاله.
هل هذا هو حسان.؟ شديد البأس.؟
تبدل حاله كليًا وكأنه واحدًا غيره جديدًا عليها لا تعرفه... ملامحه المستكينة ونظراته المنطفئة وكأنه لا يرى العالم من حوله، أنامله التي تعبث بحبات مسبحة طويلة.
أدار لها رأسه ضاحكًا يسألها (بلمتي ليه ياحزينة)
أجابت بمصمصة شفاة متعجبة (كنه واحد تاني جدامي مش حسان)
اعتذرت له بآسف (متزعلش يا أخوي مجدرش أجولك اتفضل عندي)
تجاهل كلماتها غير عابيء سوى بإجابة سؤاله ورد فين.؟)
ازدردت ريقها وسألته بدهشة (واه مالك بيها يا حسان؟)
تبدلت ملامحه لأخرى وهو يرجوها (عايز أشوفها)
انتفضت من جلستها مستنكرة (لو جاي عشان كِده روّح يا حسان مش هتجابلك)
رفع لها نظرات مثقلة بالهم وهو يرجوها بدموع أربكتها(جوليلي فين وهروح استنى تحت بيتها يمكن ألمحها، مش هجابلها بس عايز أشوفها)
عادت لجلستها مكانها مشفقةً عليه، تهمس وهي تربت بكفها فوق كتفه المتهدل (هيفيد بإيه يا واد أبوي، روّح جنا أحنا منقصينش مرار)
رفع نظراته الحزينة يرجوها لتضم شفتيها مُفكرة ثم تنطق بكارثتها(ورد سافرت السعودية يا حسان)
ابتسم بخشونة قائلًا بتنهيدة بائسة(كل ما أجرب تبعد، مِتى تلتجي الطرق يابت عمي)
ربتت فوق كتفه بمواساة، وهي تهمس له (هتبيت فين دلوك..؟)
قال بيأس (أي ملجه مش هتفرج)
أوضحت بحزن وأسف حقيقي(سامحني يا واد أبوي، إبراهيم الي مربيه حمزة لو جيت عندي الواد هيجرسني ومش هيوافج)
تنفس حسان قائلًا وهو ينهض مستندًا على عصاه (زين ما ربى واد ورد، حج ولدك يعمل كِده وإلا ميبجاش واد أصول وصاين العيش والملح)
ضمت شفتيها بأسف وهي تشيع مغادرته ورحيله بوهن أمام عينيها.
**********
أسبوع وهي تتخذ المندرة الصغيرة سكنًا لها، تُقيم فيها رافضة الإرتقاء للدور العلوي، تشاركها راضية الحجرة خوفًا عليها من وحدتها، وتعبها الذي زاد مؤخرًا، حررت أصفاد قلبها وسألت بحذر(حمزة وخالتي ورد مكلموكيش يا أما.
؟
)
تنهدت راضية وهي تتدثر بعباءة زوجها تشارك فتاتها الدفء: (لاااه بس إبراهيم بيجول وصلوا وبخير بس مكلموش حد)
اغتصبت من أوجاعها ابتسامة، ظللت بها ثغرها وهي تهمس: (ربنا يوفجه ويرجعهم بخير)
شاركتها راضية الخوف والقلق (خايفة حمزة تحلاله الجعدة وميرجعش)
أغمضت سكينة عينيها وتمددت واضعة رأسها فوق فخذ والدتها هامسةً:(ربنا يخترله الخير)
همست وهي تقبض بكفيها على عباءة والدها :(احكيلي عن أبويا وخالي يا راضية)
ملست راضية فوق خصلات سكينة بحنو هامسةً :(نامي يا دلوجت شوية)
همست بضياع وجسدها ينكمش :(أنا عايزه أروح عندهم يا راضية، مش عايزه أعيش)
فزعت راضية من كلماتها المباغته ، شعرت بقلبها يهوي من علوٍ ويتحطم، فهمست وهي تفرد كفها فوق جبهة سكينةَ:(ليه بتجولي كِده يامّي بعيد الشر عنك ..؟)
تجمعت الدموع بعينيها فأغلقتهما تمنع هبوطهما وهي تهمس: (مش بحبها الدنيا دي أنا يا راضية، ولا عيزاها.. جلبي شايل فوج طاقته ومش جادرة)
انحنت راضية تلثم رأسها وجبهتها هامسةً بحشرجة وصوت متهدج :(سلامة جلبك يا بتي، دلوجت تتجوزي وتخلفي وتفرحي)
قالت بيأس ونبرة محطمة وهي ترفع أناملها وتمسح دموعها: (حاسة إني مش هفرح ولا هرتاح جلبي مجبوض)
رفعت راضية طرف شالها بعفوية تمسح دموعها حتى لا تراها سكينة ويزداد تعبها، أغمضت عينيها مستغفرة، لتبعد الشال وتهمس: (ربنا يراضيكي يا بتي)
سألتها ومازالت منغمسة في ضياعها وتوهتها:(بتحبيني زي مودة يا راضية.؟)
تجعدت ملامح راضية بألم، قبل أن تطلق نظراتها المستنكرة تفضح شعورها بالخيبة مما نطقت سكينة: (في حد ميحبش ضناه يا سكينة.؟ هو أنا ليا غيركم ولا أملك فالدنيا غيركم)
ابتسمت سكينة برضا، قبل أن تسحب العباءة وتغطي وجهها هامسةً:(ماشي بس كلميني عن أبويا لغاية ما أنام)
مسحت راضية دموعها وابتسمت تحكي لها بشجن قصة ورد وخالها ووالدها وماحدث، تعدد مزاياهم وتبتسم لكلماتهم، اقتسما أرغفة الحنين والتهمتاه حد والشبع والتخمة،
أطلت راضية فوق وجه سكينة فوجدتها نامت، حركت رأسها ووضعته على وسادة قريبة، ثم تسطحت هي الأخرى مشغولة الفكر بما يحدث لفتاتها.
زهرة جميلة تذبل يومًا بعد يوم، تراها بحالتها تلك فيجزع قلبها، أصبحت هشة للغاية ضائعة تصمت حين وإن تكلمت تتلعثم، تجاورها في نومها ليلًا فتسمعها تهزي كالمحمومة بكلمات غير مفهومة، يتخللها اسمه الذي تنطقه فتاتها واضحًا كالشمس فتتخبط فالحيرة والشك، تتوه معها في دهاليز الوجع.
.
ليته فعلها حمزة وسكب مشاعره التي رأتها، ليته أفصح لها بمكنونات قلبه، وواجهها بحقيقة ما يحمله لصغيرتها، وحده من تطمئن عليها معه.
تذكرت راضية الليلة الماضية حين استيقظت سكينة صارخة تنادي بإسمه، حينما سألتها راضية في غمرة الوجع والضياع فأخبرتها أنها كانت في المقابر تتجول مزعورة خائفة تحيطها الأشباح، لمحت حمزة واقفًا خلف بوابة حديدية ركضت تستنجد به فاختفى وحين عاد هو مادًا لها يده لينقذها آتى أحدهم وأبعدها عنه.
وبعدها نامت نوم عميق غريب، في الصباح استيقظت فسألتها من جديد عن ذلم الحلم لكن سكينة كانت قد نسيته تماما ولم تتذكره وكأن ماحدث أيضًا كان حُلمًا.
وضعت راضية كفها فوق رأس فتاتها تردد الأذكار والرقية كما طلبت منها ورد.
********
شعرت سكينة بتحسن بعض الشيء فقررت مواصلة الدراسة، ارتدت ملابسها وخرجت تبحث عن والدتها، وجدتها أمام الفرن فضمتها من الخلف قائلة :(عايزه فلوس يا راضية هروح الدرس)
تهللت أسارير راضية وهي تراها أخيرًا رائقة، عادت لطبيعتها المشاكسة وقررت استكمال دروسها، تناولت راضية حقيبة صغيرة من فوق طاولة جانبية وفتحتها، أخرجت لها ما قد تحتاجه وأكثر وناولته لها بطيب خاطرٍ وسعادة
أخذته سكينة منها وابتعدت شاكرة :(شكرًا يا راضية يا جمر)
خرجت من باب المنزل بعدما وضعتهم في جيب حقيبة كتفها واستكملت سيرها، وقفت على رأس الطريق العمومي تنتظر سيارة أجرة تقلها لمكان الدرس،استمعت لصوت دراجة نارية من خلفها فارتجفت وقد أحست بأنه هو.
وقف أمامها يخلع عن رأسه الخوذة قائلًا :(هو احنا هنفضل متخاصمين كتير يا مراتي.؟)
أشاحت برأسها في رفض، وعدم قبول فاستطرد بإبتسامة :(زعلك عِفش يا سكينة )
قالت بحدة غلبتها وهي تعود بنظراتها إليه متحدية :(وإنت شايف الي عِملته ميستحجش.؟)
ترك دراجته ووقف أمامها مبتسمًا يحاول استمالتها وإرضائها :(لااه يستحج ياحبيبي ومتزعليش)
لم تلن ملامحها بل ظلت على جمودها، وبقيّ قلبها على عصيانه، يزاحم نبضها شعورها بالمهانة والهون... أقترب منها أكثر متوددًا :
(ميبجاش جلبك أسود بجا، عايزين نشوف تجهيزات الشجة والفرح)
انقبض قلبها أكثر وشعرت بأنفاسها تتمزق، تنفست بقوة ومازالت في آتون حيرتها تتقلب
خوف مجهول يسري كالدبيب بجسدها ولا يرحمها همس هشام يستعتبها :(سكينة)
وقفت سيارة أجرة قريبة فابتعدت عنه مقررةً الصعود وتركه، بقيّ مكانه يشيع تركها له بغيظ شديد، ضم قبضته بقوة مستاءًا من معاملتها ودلالها الزائد، هل تريده أن يقبّل قدمها لترتاح وتهدأ عواصفها.
؟
ابتسم بتهكم وهو يطالعها بنظراته بعدما مرت السيارة من أمامه وتجاهلته هي.
صعد دراجته البخارية وتَبِع السيارة مقررًا أن ينتهي ذلك الخصام اليوم فهو ليس لدية طاقة ولا صبر ليسايرها في تمنعها ودلالها المفرط.
هبطت من السيارة فتبعها بدراجته قائلًا
:(تعالي اركبي أوصلك)
أشاحت برأسها في كبرياء ليقف أمامها ويهبط تاركًا دراجته، تقدم منها فوقفت مكانها تخبيء خوفها منه عن عينيه حتى لا يستغله.
قال بحدة: (وأخرتها إيه.؟ إيه يرضيكِ.؟)
صمتت مُفكرة تتمنى لو تركها فطاقتها تنفذ وصبرها يقل، أجابت لتتخلص من وجوده وإلحاحه: (هشام سيبني شوية)
تأفف بحنق، ووقف لا يستجيب لرغبتها قائلًا :(مش هسيبك واديني فرصة أراضيكِ)
صمتت تفكر، فعاجلها: (ها جولتي إيه.؟)
ابتسمت وقد لانت قليلًا لينتهي هذا البؤس، ربما تحل السعادة على قلبها، إن منحته فرصة ترضيتها. هزت رأسها بالموافقة، فابتهج قائلًا: (أيوة كِده ياحبيبي فكيها)
أمسك كفها فارتجفت وأبعدتها، لكنه أعاد كفه بإصرار وقبض على كفها ساحبًا لها..
صعدت خلفه فوق الدراجة النارية، قاد بها حتى وصلا لأقرب مكان؛ ركن دراجته وترجل منها ساحبًا لها خلفه دخل بها أقرب محل لبيع الهدايا، قطبت مستفهمة فمال وهمس لها :(اختاري هدية ليكِ مني ترضيكي عني وترجعي تضحكي تاني وتكلميني)
صمتت بمشاعر متضاربة مشتتة، لا تقبض عليها فتُفسر ما تشعر به الآن، تراجعت مترددة فشجعها :(جلبك أبيض يا سكينة، يلا بجا.. واختاري الي عيزاه)
حاولت إثنائه فلا رغبة لها في الشراء :(مش مهم)
عبس هشام يعاتبها: (لاااه وإلا هفهم إنك مش جابلة تتراضي)
شدها من كفها للداخل مُحمسًا لها: (يلا علشان ورانا حاجات كتير)
سألته بتوتر: (هنعمل إيه.؟)
قال بحماس وهو يطالع توهجها وعودة الحياة لملامحها واسترخائها:(خلاص وبعدين نشوف)
جالت في المكان بنظراتها، تبحث عن شيء مميز يمكنها الاحتفاظ به، لا تعرف لماذا قفز حمزة الآن لعقلها وأفكارها وتذكرت هديته لها التي حملت جزءًا من روحه وعبق حنانه واهتمامه، كانت بسيطة تشبهه لكنها تركت بقلبها الكثير
رفعت أناملها بتلقائية تتحسس ندوب وجهها التي خبأها الكريم الذي أهداه لها فابتسمت داعية له بالتوفيق وإن يلاقي من تشبهه وتقدّر جمال قلبه، نفضت أفكارها
وعادت إليه بعد دقائق هامسةً: (طيب اختار معايا يا هشام محتارة)
ابتسم لها بتقدير، وتقدم هامسًا وهو يمسك بكفها: (عنيا يا جلب هشام يلا)
شاركها الاختيار والإنتقاء كانت بسيطة غير متكلفة، اختارت بحذر خوفًا من أن تثقل عليه.
خرجت فشبك أنامله بأناملها، أشار لها ناحية محل ملابس قائلًا: (تعالي نشتري شوية هدوم)
سارت بجانبه تتأمل محلات الملابس والمعروضات، تشاركه الاختيار والانتقاء، حين جاء دورها لتختار غمز لها بوقاحة: (ما نجيب حاجات بيتي نستفيد منها)
أصابتها البلاهة أول الأمر، كررت تستفهم :(بيتي.؟)
أشار لها ناحية القسم الخاص بالسيدات ومال يهمس بجرأة :(زي دي مثلًا)
توجهت نظراتها حيث أشار لها، تضرجت وجنتاها بحمرة شهية وأخفضت بصرها في خجل وحياء مستنكرة جرأته معها، فهمس يرضيه ما يرى منها :(ها نختار.؟)
تركته واقفًا وخرجت مهرولة من المكان كله، متضايقة منه، لحق بها ضاحكًا: (إيه.؟)
قالت بحدة :(عايزه أمشي)
أوقف سيرها ممسكًا لها من ذراعها قائلًا :(في إيه.؟ استني)
حذرته بضيق: (هشام مش بحب الطريجة دي ولا الكلام دِه)
ابتسم راضيًا يقول مهدئًا لها :(خلاص.. نأجلها لبعد الفرح ياستي وأبجا اشتريهم أنا ليكِ)
حذرته بغضب شديد: (هشام)
هادنها مقهقهًا بإستمتاع: (خلاص.. تعالي يلا نتغدى)
وقفت مكانها تضرب جبهتها متذكرة :(الدرس لازم أروح)
عاتبها وهو يمسك بكفها متخللًا أناملها :(بجالنا أسبوع متخاصمين أنا ما صدجت اتصالحنا أجليه انهردا علشان خاطري)
قدرت له صبره ومهادنته، وإصراره على ترضيتها فهزت رأسها موافقة قبل أن تهمس :(تمام يلا)
جلسا في مطعم قريب، يتناولان غدائهما بحماس، يحدثان ويشاكسان، همس لها هشام وهو ينظر لعينيها: (على فكرة وحشتيني الشوية دول، ياريت متتكررش)
قالت معاتبةً له في خجل :(ياريت إنت برضو متكررهاش)
فرد كفه مطالبًا بكفها: (هاتي إيدك)
تطلعت حولها بقلق وتردد، شاعرةً بالخجل
ليهمس لها: (يلا)
وضعت كفها فوق كفه فرفعها لشفتيه مُلثمًا بإعتذار: (معلش ساعات ببجا عصبي )
فغرت فمها مندهشةً تشعر بالخجل الشديد من فعلته، تطلعت حولها تستكشف الوجوه من حولها قبل أن تسحب كفها معاتبةً له :(هشام الناس)
قال موبخًا بنصف ضحكة :(إنتِ مراتي يا غبية)
تضايقت من توبيخه وعبست ليضم قبضته ويطلب منها: (هاتي إيدك نتصور للذكرى)
اضطربت في قلق لكنها أطاعت وضعت قبضتها بجانب قبضته مبتسمة متحمسة للفكرة.
التقط عدة صور لهما ووضعها حالة في حساباته جميعًا، همست تطلب منه: (ابعتهملي أنا كمان يا هشام)
أرسل لها الصور على الفور ففعلمت مثلما فعل هو ثم انغمسا وانشغلا بتناول طعامهما.
***'' '
يا من سقاني لذيذَ الحُب من يدهِ
إني ظمِئتُ فمَن للقلبِ يرويهِ!
قد مسّهُ منكَ داءٌ لا شفاءَ لهُ
وأنتَ وحدكَ دونَ الناسِ تشفيهِ
يا أجملَ الناس فى عينى ويا أملًا
لطالما بِتُّ في ليلي أناجيهِ
سأحفظُ العهدَ إن طالَ البعادُ بنا
وأكتمُ الشوقَ في قلبي وأخفيهِ
لأنّ روحكَ فى جنبيّ ساكنةٌ
فليحفظ اللهُ قلبي والذي فيهِ.♡
جلس حمزة مسترخيًا، ينقر فوق هاتفه في صمت، أخذه حنينة لرسائلها القديمة أعاد قرأتها متذكرًا فابتسم بمرارة وألم، انسحبت أناملة لرؤية حالتهاالشخصية ربما يستدل منها على وضعها وحالتها ويطمئن عليها، يُسكُن به قلقه الذي يعربد داخل صدره.
وجد صورة لكفها المضموم بجانب كفه، ابتسم داعيًا لها بصلاح حالها وسعادتها وأن يحفظها من كل سوء.
أعاد الهاتف لمكانه نادمًا، ليته ما فتش وبحث ولا رأى، أورثته رؤيتها الحزن والهم.. تنهد بضيق يحاول طرد أشباح الحسرة وتسكين وجع قلبه النابض، تذكر يوم قال لها: (ليس الجميع ينسى)
فهمس لنفسه بإبتسامة:(مش كل الناس تتنسي يا سكينة علمتي إنتِ فالجلب ياريتني أعرف أنساكي)
جاءت والدته مبتسمة تسأله بحنو :(الابتسامة الحلوة دي لمين يا دكتور حمزة)
شاكسها قائلًا: (ليكِ طبعًا يا ورد)
قطبت مستنكرة: (كداب يا واد ورد دي لحد غيري)
سحب كفها حين جلست بحانبه وقبلها قائلًا: (لاااه مفيش غيرك شاغل بالي)
سألته بإهتمام وهي تطالعه بتلك النظرة الثاقبة: (بجيت أحسن ياحمزة.؟)
ابتسم يطمأنها برضاه: (هبجا هنا ياوردة جلبي ومبقاش أحسن.؟)
دعت له بحرارة: (ربنا يريح جلبك ويجربلك البعيد ويصونلك الي ليك)
نهض قائلًا بفقدان ثقة وشك :(لو ليا بجا ياورد)
عاتبته بحنو وهي تشيّع ذهابه بضحكة مبتورة: (ظن فالله خير يادكتور البهايم)
تسطح فوق الفِراش داعيًا، يستدعي النوم ليرتاح قليلًا فأمامه في المساء الكثير من العمل.
************
جلست بجانب والدتها التي قامت بتشغيل الراديو المعلق بالحائط على إذاعة القرآن الكريم ككل مساء قبل النوم.. جلست راضية تستمع بخشوع حيث بدأ الشيخ تلاوة سورة الصافات
لاهية عن فتاتها التي بدأت تتململ، تعلقت نظرات سكينة بالراديو في استنجاد وفزع تود لو نهضت وحطمته ليصمت، كلما كرر الشيخ الآيات شعرت بأنفاسها تضيق وتُحبس داخل صدرها، عرج كفاها لأذناها سدتهما وأغلقت على مسامعها عبور تلك الآيات التي تؤذيها.
نهضت من مكانها منتفضة اتجهت للراديو تضربه بكفها ليخرس ربما ترتاح.
اتسعت عينا راضية على فعلتها، نهضت تمنعها وتمسك بكفها تُوقف ضربها المستمر للراديو:(بس يا سكينة)
استدارت سكينة تضغط على أذنيها متوسلة :(سكتيه يا أما مش متحملة)
أغلقت راضية الراديو وجلست بجانب فتاتها التي بدأت فالتشنج وارتفع صوتها بصريخ عالي مستمر، ترفس بقدميها، بينما باقي جسدها متيبس، عينيها تغرب بياضها يبتلع سوادها، وتغادر روحها لعالم آخر، عشرة دقائق استغرقتها بين ذراعي والدتها حتى أفاقت مرتجفة، متعرقة الجسد
تتطلع حولها بضياع همست ما إن استوعبت: (عايزه أشرب يا راضية)
تركتها راضية وهرولت تُحضر لها المياه، جلبتها لها فأمسكت بها سكينة ودفعتها لفمها بقوة.. حملقت راضية بعجز وهي ترى فتاتها بتلك الحالة، تشرب بظمأ غريب كمية ليست بقليلة.
همست سكينة وهي تلتقط أنفاسها :(عايزه أكل.. أكل يا راضية)
تخشبت راضية، مكانها لا تقوى على الحركة ولا تبرح عيناها المصدومة جسد فتاتها الواهن المبلول بفعل المياه والعرق.
أعتدلت سكينة مكانها تمرر لسانها فوق شفتيها، ونظرات فقدت لمعتها وحيويتها
لم تجد من والدتها استجابة فنهضت راكضة تجاه المطبخ، تتعثر وتسقط ثم تنهض وتواصل حتى وصلت للبراد فتحته واندفعت تأكل بشهية ما تطاله يديها من طعام، تدسه داخل فمها وتأكله غير مهتمة بشهقة والدتها المفزوعة التي تضربها من خلفها.
ضربت راضية حين أفاقت فوق فخذيها مولولة: (يا مري يا مري)
لم تلتفت لها سكينة وواصلت إلتهامها للطعام حتى انتهت، مسحت فمها بكم عباءتها وغادرت غير عابئة بإنهيار والدتها ولا سقوطها أرضًا بإنهاك ترثيها وترثي حالها
عبرت من أمامها متجهة للمندرة، ارتمت بجسدها فوق الحصير البسيط وتدثرت بعباءة والدها وبعدها نامت منهكة.
هبطت مودة درجات السلم على صوت والدتها وبكائها، جلست بجانبها تسألها بقلق: (في إيه يا أما حد جراله حاجه.؟)
مسحت راضية دموعها بأناملها الخشنة ووجهت لها نظراتها قائلة بنبرة متهدمة :(خيتك مالها يا مودة.؟)
قطبت مودة مستفهمة: (مالها ماهي زينة اهي.؟)
ضربت راضية فخذيها مولولة: (خيتك فيها حاجه كبيرة)
قلّبت مودة شفتيها مندهشة، ثم نهضت وتركت والدتها في غليانها، اتجهت للمندرة حيث تقطن سكينة مؤخرًا.
وجدتها مُلقاه أرضًا بعشوائية تتدثر بعباءة والدها كعادتها، لم تفهم ماذا تقصد والدتها، فعادت لوالدتها بعدما أغلقت الباب على أختها، أوقفتها وابتعدت عن المطبخ، جلست بها فوق الآريكة تسألها: (في إيه.
؟
حصل إيه.
؟
)
من بين شهقات بكائها وضياع حروفها وتبعثرها وسط آهات الوجع، قصت لها راضية ماحدث لسكينة وكيف تبدلت في لحظة كأنها أُخرى، ربتت مودة فوق كتف والدتها قائلة والحيرة تنهشها هي الأخرى: (والله ما عارفه يا أما بس سكينة أحوالها متبدلة)
سكبت همها فوق رأس مودة قائلة: (معرفش شيوخ أوديها ليهم)
اقترحت عليها مودة بفطنة :(شوري جدي وجدتي وشوفي يا أما يمكن عندهم حل ولو في شيخ جدي يروحله)
استحسنت راضية اقتراح مودة، هزت رأسها موافقة، نهضت على الفور قائلة: (خدي بالك على خيتك يا مودة، هلبس وأروح لأبوي وأشوف)
ارتدت راضية عباءتها ولفت طرحتها السوداء، ثم حذائها الأسود وخرجت وهي تلقي بتعليماتها لمودة :(لما يعاود عمار حضريله العشا وعينك على سكينة متهمليهاش)
هزت مودة رأسها بالموافقة قبل أن تنهض هي الأخرى وتذهب لمجاورة سكينة.
****'' ''
نهضت من نومها، تتطلع حولها بتيه، مسدت جيدها بأناملها، قبل أن تترك عباءة والدها وتمد أناملها تسحب شال والدتها، لفته حول كتفيها وخرجت.
.
شيء إلهي يدفعها لمنزل خالها دفعًا، كأن أحدهم أوقظها عن عمد وساقها تجاهه فتقبلت، للحق كانت تحتاج لدفئه وراحته.
.
تذكرت كلمات ورد لها حينما أخبرتها إن عصيّ الأمر وضاقت السبل تذهب وتنام هناك.
رأت في حُلمها مكان المفتاح الذي يرقد داخل كفها، جاءت إليه مباشرة وفتشت حتى وجدته كما رأت بالتفصيل، فتحت الباب ودخلت متنفسة براحة، تشعر هنا كأنها انتقلت لعالم آخر وابتلعتها فجوة زمنية.
تطلعت للمنزل الخاوي بأسف واشتياق تأجج بصدرها كالنيران، قبل أن تخطو ناحية المندرة الصغيرة التي كانت مستقرهم يومًا.
دخلتها وأغلقت خلفها، أنارت مصباحها الكهربائي وجلست فوق الفِراش متدثرة تلك المرة بعباءته هو، تشممتها مبتسمة وقد عادت إليها ذكرياتهما سويًا تركض في حقول أفكارها المشتتة..
تنفست ببطء مستشعرة الراحة في قلبها والعافية في جسدها، لا تشعر بالخوف هنا مطلقًا رغم الظلام والوحدة بل بالأمانِ والراحة..
تمددت واضعة رأسها فوق وسادة تحمل بقايا من عطرة وإرثًا من أنفاسه.
تدثرت بالعباءة مُفكرة حتى غلبها النوم فارتقت لأحلامها منتعشة بشعور فريد.
*********
دخلت راضية منزل والديها بخطى متثاقلة، يغلب في نفسها التراجع لكنها مرغمة، تدعو الله ألا تصطدم بسخافات نفيسة ولا تقريع والدتها ولا جفاء أخيها..
وجدتهم جالسون فأطلقت عليهم سلامها المرتبك (امسيتوا...)
أجابها والدتها بحنو وهو يراقب وقفتها المضطربة بعين خبير (يسعد مساكي يابتي تعالي)
لاحظت راضية امتعاض وجه والدتها فانقبضت بضيق، لكن والدها شجعها وهو يربت بكفه جواره فوق الآريكة يدعوها للتقدم ومجاورته:(تعالي يا بتي)
تقدمت راضية منهما، انحنت تقبل كف والدتها متسائلة:(كيفك يا أما)
سحبت الأم كفها قائلة بفم ملتوي: (زينة يا أختي)
وبعدها كف والدها الذي ربت فوق رأسها بحنو شديد ماسحًا آثار سخافة زوجته وجفائها غير المحتمل،
جاورتهما في صمت وهي توجّه تحيتها لنفيسة :(كيفك يامرات أخوي.؟)
أشاحت نفيسة ترد بضجر: (زينة يا راضية)
انتظرت راضية بصبر مُغادرة نفيسة التي طالعتها بحاجب مرفوع متسائلة: (فرح بتك مِتى يا راضية)
قالت راضية بقلق يتزاحم مع أفكارها: (جريب إن شاء الله)
مصمصت نفيسة قائلة بسخرية لاذعة: (ربنا يهني سعيد بسعيدة)
صمتت راضية لم تُجبها، فغادرت نفيسة ضائقة تطلق نفورها عبر أنفاس ملتهبة وتأفف واضح.،جلب سخط الجد فهتف بغضب :(جبر يلم العفش، غارة تاخدك وتخلصنا)
عاتبتها والدتها بحرقة :(عتجوزي بتك للي جتلوا أخوكي يا راضية.؟)
أجابت راضية مناورتها بقناعة تامة ورضا :(لجل واد أخوي اعمل أي حاجه)
قالت الجدة لائمة: (كسرتي خاطر واد أخوكي سعد الي كان رايد بتك)
تأففت راضية بضيق من كثرة عتاب والدتها وعدم تفهمها للأمر :(خلاص يا أما الي حُصل حصل بكفاية حديت وكلام فيه الموضوع دِه)
لوت سكينة رأسها لا يروقها كلام فتاتها ولا يجد صدى داخل نفسها، لكنها انتبهت حين ذُكر اسم سكينة
قالت راضية ببكاء وحسرة وهي توجه لأبيها كلماتها عله يفهمها:(البت سكينة يا بوي مخبراش مالها، بتتعب وتترمي فالأرض وتغيب)
قال الجد بإهتمام: (مودتهاش للدكتور الي جال عليه حمزة.؟)
قالت راضية بحزن: (اتشغلت بالي حصل لحمزة يا بوي واتلهيت، بس البت شكلها فيها حاجه مش بتاعة دكاترة)
سألتها والدتها التي استمعت بإنتباه لشدة محبتها لحفيدتها التي تشبهها:(جصدك إيه يا حزينة.؟)
أوضحت راضية لهما ما يحدث لفتاتها، لتهتف والدتها: (تلاجي حد عاملها حاجه ولا الواد الي خدها دِه)
استنكرت راضية قول والدتها :(وهيعملها ليه وهي مرته)
قال لها والدها بإستياء: (سيبك من أُمك الخرفانة جليلة العجل دي وخلينا نشوف هنعملوا إيه.؟)
صرخت الجدة بغيظ: (ما تتعدل يا راجل إنت وتتحدت زين أمال)
لوّح لها عامر بإستهانة، لتهتف راضية صارخة بعتابها: (يابوووي شوفولي حل فمصيبتي دي دلوك)
أحنت راضية رأسها وهي تضع كفيها فوق رأسها بإنهزام، مشتتة من شدة ما تعصف بها أفكارها:(البت فرحها جرب وأنا خايفة يا بوي)
لطمت الجدة خديها قائلة بفزع واستنكار :(حجه تبجا مصيبة بعدين يرجعوهالنا ليلة دخلتها)
زاد هم راضية أضعافًا مضاعفة حينما نطقت والدتها بمخاوفها التي تعربد داخل عقلها، لكن الجد قال بحنو وصبر :(متخافيش يابتي نشوفولنا شيخ مليح بتاع ربنا يشوفها وربنا يجيب العَدَلّ)
رفعت راضية شالها فوق رأسها وقد سقط منها أثناء حديثها، نهضت قائلة (فتكم بعافية يابوي)
قال الجد وقد تلونت ملامحه بالهم :(خليكي يابتي لسه العشا مأدنه)
قالت بحزن: (البت لازم أجعد جنبها لا تعمل فنفسها حاجه ولا يجرا حاجه)
قال الأب متلطفًا بها حزينًا لأجلها: (ربنا يجدرك يابتي ويعديها بخير)
تركتهما وغادرت، لتهمس الجدة متحسرة: (خسارة البت الزينة والله)
لم يعقب عامر علي كلمات زوجته؛ لإنشغاله بأفكاره وهمومه من ناحية ومن ناحية أخرى صدق قولها
لذلك شاركها الغم صامتًا يفكر في حل لتلك المُعضلة وكيفية الخروج من ذلك المأزق.
عادت راضية للمنزل فاستقبلتها مودة متسائلة: (عملتي إيه يا أما)
أزاحت راضية الشال عن رأسها وعلّقته جانبًا وهي تقول:(جدك جال هيتصرف)
سألتها راضية وهي تندفع للحجرة القاطنة بها سكينة: (خيتك صحيت.؟ عمار جه واتعشا ولا لا.؟ )
قالت مودة وهي تسير خلفها: (مصحيتش وعمار أنا جهزتله الوكل وغطيته لما يرجع هحطهوله)
فتحت راضية باب الحجرة قائلة: (كتر خيرك يا بتي)
شملت راضية الحجرة تبحث عن جسد فتاتها لكنها أعادت نظراتها لمودة مزعورة: (فين أختك يا حزينة)
قطبت مودة متفاجئة، تخبرها :(معرِفش سبتها نايمة وروحت أجهز العشا)
تركت راضية مقبض الباب وتجولت في البيت باحثةً عنها مغمغمة: (استر يارب)
أشارت لمودة :(همي شوفيها فوج)
ركضت مودة تلتهم درجات السلّم وبقيت راضية تضرب بكفها فوق صدرها، عادت مودة راكضة تخبر والدتها بخوف: (ملجتهاش يا أما)
عدلت مودة حجاب رأسها وهي تقول (هشوفها بره عند البير)
غادرت وخلفها والدتها، فتشوا بنظراتهما عنها فيما حول المنزل وعند البئر، لمحت مودة إضاءة حجرة بيت خالها فتنفست الصعداء وعادت بنظراتها لوالدتها هامسةً: (سكينة فبيت خالها يا أما)
استدارت راضية غير مصدقة، لكنها هرولت تجاه المنزل، وقفت أمام الباب تطرق مناديةً بإسمها :(سكينة)
أزاحت مودة الباب الذي لم تهتم سكينة بإغلاقه جيدًا
دخلتا للبيت، تبحثان عنها، حتى وجدتاها نائمة فوق الفراش تتدثر بعباءة.
التقطت راضية أنفاسها وجلست فوق الفراش بجانب فتاتها متهالكة، تطلب من مودة بتعب:(هاتيلي شوية ميه يامودة)
راقبت راضية سكون فتاتها والابتسامة التي تعانق ملامحها النائمة، السكينة التي غمرتها فابتسمت داعية الله لها، فتحت سكينة عينيها تتطلع حولها، ببهجة خاصة وهي تهمس: (راضية)
دارت نظراتها فيما حولها بدهشة قبل أن تعتدل متسائلة ونظراتها تهبط للعباءة التي تضم جسدها، شعرت بالخجل الشديد لكونها عباءته :(جيت هِنا متى.؟)
جاءت مودة بكوب ماء لوالدتها ارتشفت منه على مضض، بينما انكمشت سكينة شاعرة بالذنب والخجل متهربة من نظرات مؤدة التي بالطبع تتهمها وتدينها كالعادة، أبعدت العباءة عن جسدها متنصلة مما فعلت.
صمتت راضية لا تجد ما تقوله، لا يسعفها لسانها الذي شلته المفاجآة وأعجزته الخيبة، لا تجد تفسيرًا لما حدث و لا مواساة تواسي بها فتاتها ونفسها الآن.
.
هبطت دموع راضية غزيرة، فارتجفت سكينة شاعرة بالذنب والندم، اقتربت تضم والدتها معتذرة: (حجك عليّ يا أما والله ما حسيت)
ربتت راضية فوق ذراعي فتاتها اللتان تضمان جسدها هامسةً:(معلهش يابتي)
استقامت سكينة واقفة، قائلة لوالدتها :(يلا بينا من هِنا)
امتثلت راضية ووقفت متحركة من الحجرة،وخلفها مودة، خرجوا وأغلقوا الباب عائدين لمنزلهم.
جلس سامي مكانه شاعرًا بالمهانة والذل بعدما أوصدت سكينة الأبواب وحظرته من حسابها الشخصي ، لن يفوت لها لعبتها ولا خدعتها، إن تأكد مما قالته سما لن ينجيها أحمد من تدابيره.
رمى نظراته في الطريق الذي يفصل منازلهم عن الطريق العمومي للقرية، ينتظر خروجها ليتحدث معها كمحاولة أخيرة ويفهم منها سبب كل ذلك،يشعر أنها اُرغمت على هذا الزواج لذلك تريث في قراره وانتظر أخّذ الحقيقة من فمها قبل أن يتهور ويهد كل شيء فوق رأسها.
كما توقع جاءت تتهادى بين الحقول بحيوية، حين وصلت لمكان انتظاره خرج لها من خلف الشجرة مناديًا: (سكينة)
التفتت مرتجفة من وقع المفاجآة، سألته بحدة :(إنت مين وعايز مني إيه.؟)
تفاجيء سامي بكلماتها وإنكارها معرفته فسحبها من ذراعها ناحية الشجرة الضخمة الوارفة، شهقت بفزع وهي تتملص من قبضته صارخة: (إنت اتجننت ولا إيه.؟)
قال بحدة وهو يدفع ظهرها لجذع الشجرة :(بصيلي زين ياسكينة)
طافت نظراتها على ملامحه برهبة، قبل أن تبتعد متجاهلة تخبره بصدق: ( إنت جريب سما صح.؟ عايز مني إيه.؟) هز رأسه ساخرًا منها :(جريب سما.؟)
تركته وخطت ناحية الطريق فسحبها من ذراعها بعنف وأعادها له قائلًا: (إنتِ بتتنكري مني ليه.؟مفيش حد حوالينا)
حملقت فيه صارخة: (إنت مالك بيا ياجدع إنت.؟ كل الي أعرفه عنك إنك جريب صاحبتي)
قال ساخرًا في غيظ شديد:(يا سلام..؟)
تأففت منزعجة، يتملكها الخوف من نظراته، قالت بغضب :(عايز مني إيه وموجفني بالطريجة دي ليه.؟)
سألها متجاهلًا كلماتها: (بتهربي مني ليه.؟ وعملتيلي بلوك ليه.؟ إنتِ اتغصبتي عالجوازه دي)
فغرت فمها مندهشة من كلماته وتجرأه عليها لهذا الحد، ابتعدت تحذره بغلظة: (لو مبعتش عني دلوك هصرُخ وألمّ الناس عليك)
رفع حاجبه يرمقها بإزدراء قبل أن يبصق كلماته: (كلام سما كان صُح كنتِ بتتسلي)
صاحت سكينة بجنون من كلماته غير المفهومة واتهامه لها: الواضح (إنت اتجنيت ايه الي بتجوله دِه)
هددها قائلًا بنظرات نارية حاقدة: (هدفعك أنا تمن الي عملتيه فكراني إيه إنتِ.؟)
ركضت تاركةً له عائدة للمنزل بخوفٍ وارتعاش مما لمحته في عيني هذا الغريب من قسوة وتحدي، تلفتت خوفًا من أن يكون قد لحق بها، اصطدمت بجسد جعلها تترنح، عادت لوجهه هامسةً براحة:(هشام.
.
الحمدلله)
سألها هشام وهو يرمي نظراته خلفها يتبين سبب خوفها لهذا الحد وارتعاشة جسدها: (في إيه.؟ جايه منين ورايحة فين فالوجت دِه)
فتحت فمها تحكي له عن هذا المعتوه لكن سرعان ما تداركت الأمر وابتلعت كلماتها في حذر شديد، تأمل هشام ملامحها بقلق وترددها الواضح، فالتقطت أنفاسها وهمست: (كنت رايحه الدرس وملجتش عربيات دلوجت فهرجع)
قال هشام بإستحسان رغم شعوره بأنها كاذبة وأن هناك أمرًا أكبر من ذلك كان سببًا في زعرها :(احسن برضو )
ابتلعت كلماتها وعادت معه للمنزل، تسمع ما يثرثر به دون رد أو وعي كافٍ لمناقشته منشغلة بما حدث وكلمات هذا المعتوه وهرطقاته.
بعد مرور عدة أيام
منذ ما حدث وهشام مختفي، لايرد على اتصالاتها ولا رسائلها مما أثار القلق داخلها ولعبت برأسها الهواجس.
،رفعت هاتفها مقررة الاتصال بآية لمعرفة الأخبار والسؤال عنه، معرفة سبب غيابه غير المعتاد.
_ازيك يا آية..
*ازيك يابت ياسكينة عاملة أيه.؟
_الحمدلله عمي عامل إيه.؟
*يعني مش جوي يا سكينة
_ربنا يشفية
*خلصتي شوارك ولا لسه..
_خلاص الحمدلله، هو فين هشام يا آية مختفي بجاله كام يوم.
*هو فجنا بيجهز الشجة زي ما اتفجتوا، بس هو تعب شوية وواخد دور صعب فجاعد هناك علشان أبوه ميتعديش ويتعب.
_هو كويس يعني.؟
*مكلمتوش من امبارح بس لو هتروحي جنا أبجي عدي عليه اطمني وشوفيه.
_تمام كدا كدا رايحه بعد المغرب اشتري شوية رفايع
*ماشي ياحبيبتي مع السلامة علشان شكله في ناس جايه لأبوي
_سلميلي على عمي ومرات عمي
*يوصل.
أنهت الاتصال وحاولت الاتصال به مجددًا للإطمئنان عليه فقد شغلتها آية أكثر.
باءت كل محاولتها للتواصل معه بالفشل، زفرت بضيق واضعةً الهاتف جانبًا.
بعد صلاة المغرب تواعدت هي وسما وأبرار للقاء في المحافظة لابتياع بعض الأشياء والملابس، سبقتهم في الوصول حتى تستطيع المرور عليه والاطمئنان أولًا وبعدها تنضم لصديقاتها.
وقفت أمام الشقة مترددة، تمد قبضتها للطرق ثم تسحبها وخوف غريب يسيطر عليها،التقطت عدة أنفاس متتالية تستعيد بهم ثباتها واستقرارها النفسي قبل أن تطرق عدة طرقات متتالية.
وقفت تنتظر وحينما تأخر رده تراجعت خطوة للخلف مقررة المغادرة بإرتياح.
فتح باب الشقة فاستدارت من جديد مبتسمة تهمس اسمه بلهفة مشوبة ببعض الخوف المجهول :(هشام)
تأملت ملامحه الشاحبة ووقفته المترنحة بإشفاق، ابتسم هامسًا بإرهاق (سكينة)
هتفت بقلق وهي تراه بهذا الضعف والوهن:(ازيك ياهشام جلجتني عليك)
أفسح لها قائلًا: (ادخلي ياسكينة)
وقفت متصلبة مكانها مترددة تنقّل نظراتها بينه وبين الباب مرددة :(ادخل.؟)
تأفف ضجرًا من ترددها وحيرتها، قبض على مرفقها وسحبها للداخل مُغلقًا خلفه.
التاسع عشر من هنا
قراءة رواية ملاذ قلبي سكن الفصل التاسع عشر 19 كاملة بدون حذف | بقلم عائشة حسين

استمر في أحداث رواية ملاذ قلبي سكن الفصل الثامن عشر 18 كاملة بدون حذف من خلال الفصل التالي.

اقرأ ملاذ قلبي سكن كاملة جميع الأجزاء

جميع فصول رواية ملاذ قلبي سكن كاملة في مكان واحد لتسهيل الوصول والقراءة.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
⚖️ بلاغ حقوق النشر للرواية
🏁
🏆