بنات قلبي انجي الخطيب
انقظت خياطة شابة طفلتين تؤام مرمين في عز البرد مكنش حيلتها حاجة غير مكنة الخياطة اللي اشتغلت عليها عشان تجبلهم اللبن و حنيتها وحبها ليهم ربتهم وبعد تسع سنين ابوهم الحقيقي ظهر...
من تسع سنين، وفي ليل كانت برد جدا الشتا فيها كان بيقرص العضم، لقت خياطة شابة طفلتين توأم حديثي الولادة مرميين في عز البرد.
نادية شالتهم بأيديها اللي كانت متلجة، وكأنها بتديهم من دفا روحها، وطلعت تجري بيهم زي المجنونة.
مكنش حيلتها من الدنيا غير مكنة الخياطة بتاعتها؛ لا زوج يسند، ولا قرش أبيض متشال لليوم الأسود، ولا عيلة كبيرة تروح تتحامى فيها..
بس كان عندها قلب يساع الدنيا، ومكنتش تعرف وهي شايلة الرزقين دول وبتجري بيهم في عز المطر، إن البنات دول هما اللي هيرجعوا لها مليونير لحد باب بيتها.
وقتها نادية كان عندها 22 سنة، عايشة في أوضة وصالة فوق محل خياطة صغير في الدرب الأحمر، مكان ضيق لدرجة إن كل مليم كان بيفرق معاها، وكل نسمة هوا شتوية بتدخل من شقوق الخشب القديم كانت بتحسسها بالخوف.
المحل كان اسمه غرزة حب، وكان فعلاً مكان الناس بتحبه لأنه معمول بروح حلوة مش عشان الفلوس؛ يافطة مدهونة بالإيد، نور دافي في الواجهة، وتواب الستان والدانتيل مرصوصة بنظام..
حتة جنة في وسط حياة صعبة.
نادية كانت بتقضي نهارها في تظبيط فساتين الزبائن، وليلها في الخياطة لحد ما عينيها تزغلل عشان توفر تمن الإيجار والأكل وأي مصيبة تانية الدنيا تقرر تبعتها لها.
بس اللي خلى نادية مختلفة مكنش بس شطارتها في الخياطة، كان قلبها؛ لأنها في الليلة اللي الشتا فيها كان بيقرص العضم، سمعت حاجة غيرها كتير مكنش هيلاحظها..
صرخة ضعيفة، مخنوقة، كادت
تضيع في صوت الريح.
في الأول افتكرت إنها بتهيألها، بس شافت السبت؛ كان مرمي جنب سور جامع قديم في آخر الشارع، متغطي ببطانية خفيفة ومبلولة.
جوا السبت كانت لجين وليلى، لسه لحمة حمرا، لازقين في بعض وكأن أجسامهم الصغيرة بتحاول تخطف آخر شوية دفا.
واحدة كانت لسه بتصرخ، والتانية كان صوتها راح من التعب.
نادية فهمت في لحظتها إنها لو مخدتهمش حالا، الصبح مش هيطلع عليهم.
شالتهم وجريت بيهم على أقرب مستشفى حكومي.
الدكاترة قالوا لها يا أبلة نادية، البنات دول مولودين قبل ميعادهم وحالتهم صعبة، احتمال يكملوا ضعيف.
نادية مسبتهمش لحظة، فضلت جنب الحضانات، بتصلي وتدعي وتشتغل لحد الفجر عشان تدفع المصاريف.
حاربت الروتين ووقفت قدام المحاكم لحد ما قدرت تاخد الوصاية عليهم وتبنتهم رسمي.
الناس قالوا لها أنتي مجنونة؟
واحدة عزباء ودخلها على قدها تشيل شيلة زي دي؟
بس نادية عمرها ما ندمت، ولا مرة.
السنين اللي بعدها كانت طحن؛ كانت بتفصل للبنات لبسهم من بقايا القماش، وتقعد تعد الفكة على الطبلية عشان تقرر نجيب لبن ولا ندفع وصل الكهرباء؟
كانت بتعيط لوحدها من التهديد بالليل، وتصحى الصبح تضحك في وش الزبائن.
دلوقتي، وبعد تسع سنين، المطر كان بيغرق الشوارع تاني.
نادية قاعدة تحت اللمبة السهاري بتفنش فستان فرح، وفي الركن لجين وليلى بيلعبوا بقصاصات القماش.
لجين الهادية اللي بتفهم كل حاجة من نظرة، وليلى اللي شقاوة الدنيا فيها.
الدنيا كانت دافية، أمان، السلام اللي نادية حاربت عشانه بإيديها وسنانها.
فجأة..
جرس المحل رن.
نادية استغربت، الوقت اتأخر أوي.
نزلت تفتح وهي بتمسح إيدها في مريلتها.
أول ما فتحت الباب، لقت راجل واقف
ببالطو شيك جداً وغرقان مطر؛ طويل، هيبته تخوف، ومن النوع اللي صوره بتنزل في مجلات رجال الأعمال..
وراه عربية سودة فخمة وسواقها مستني.
الراجل فضل باصص لنادية ثواني، وبعدين عينيه راحت للسلم، لمكان ما صوت ضحك البنات طالع من فوق.
ملامحه اتخطفت، نوع من الذهول خلى نادية تحس بقبضة في قلبها.
أي خدمة يا أستاذ؟
سألته بحذر وهي بتلم طرحتها.
الراجل بلع ريقه بصعوبة وسألها بصوت واطي ومبحوح البنتين اللي فوق دول..
عندهم كام سنة؟
نادية قبضت إيدها على طرف الباب وردت بريبة عندهم تسع سنين..
ليه؟
فيه حاجة؟
الراجل جسمه اتهز وكأن الأرض مالت بيه، مد إيده في جيبه وطلع محفظة جلد غالية، وطلع منها صورة قديمة باهتة، ومعاها غويشة بلاستيك بتاعة مستشفيات الولادة.
نادية حست إن الدنيا وقفت.
الغريب ده مكنش جاي صدفة.
وو..........
الراجل كان بيترعش لدرجة إن الصورة وقعت من إيده على الأرض المبلولة، نادية وطت بسرعة جابتها، وشافت فيها ست جميلة جداً بملامح هادية بس عينيها حزينة، والست دي كانت حاضنة بيبي صغير، ووراها نفس الراجل ده بس وهو أصغر سناً بكتير.
نادية حست إن ركبها مش شايلاها، ريحة الماضي فاحت في المكان مع ريحة المطر، والراجل نطق أخيراً وصوته طالع بالعافية أنا اسمي سليم الشافعي..
والبنات دول بناتي، بناتي اللي سرقوهم مني ومن أمهم وهي بتولد في المستشفى، وقالوا لنا إنهم ماتوا.
نادية رجعت خطوة لورا، ووشها بقى لونه أبيض زي القماش الستان اللي كانت بتخيطه، صرخت فيه بصوت مكتوم بنات مين؟
أنت بتقول إيه؟
دول بناتي أنا، أنا اللي شيلتهم من البرد، أنا اللي سهرت الليالي بيهم وهما بيموتوا من السخونية، أنا اللي مكنتش باكل عشان
أجيب لهم اللبن..
جاي دلوقتي بعد تسع سنين تقول بناتي؟.
سليم قرب منها وعينيه مليانة دموع، حاول يلمس طرف الباب بس نادية قفلته في وشه نص قفلة وهي بتنهج اسمعيني يا ست نادية..
أبوس إيدك اسمعيني، أنا قلبت الدنيا عليهم، اكتشفت الحقيقة متأخر، الممرضة اللي سرقتهم اعترفت وهي بتموت، وقالت إنها خافت من الحكومة و رمتهم قدام الجامع اللي في آخر الشارع ده..
أنا بقالي سنة بلف في المنطقة دي، بسأل في كل الدفاتر، وبدور على أي خيط..
لغاية ما وصلت ليكي.
في اللحظة دي، ليلى ولجين نزلوا من على السلم وهما بيجروا، ليلى كانت ماسكة عروسة قماش نادية مخيطاها ليها، ولجين ماسكة كتاب المدرسة.
البنات وقفوا ورا نادية، وبصوا للراجل الغريب بدهشة.
سليم أول ما شافهم، نزل على ركبه في الطين والمطر، وبدأ يشهق من العياط وهو باصص لملامحهم اللي هي نسخة طبق الأصل من صورة أمهم اللي في إيد نادية.
لجين سألت بصوت واطي ماما نادية..
هو عمو ده بيعيط ليه؟
هو ضيع حاجة؟.
نادية لفت ليهم وحاولت تبتسم بس شفايفها كانت بتترعش، كأنها بتحاول تخبيهم جوه جسمها، وبصت لسليم بنظرة فيها خوف وكسرة وتحدي في نفس الوقت وقالت له امشي من هنا يا أستاذ..
البنات دول متعرفش عنهم حاجة، وملهمش أب غير مكنة الخياطة دي..
امشي قبل ما ألم عليك الحتة.
سليم وقف ومسح وشه، وبص لها بنظرة غريبة، مش نظرة تهديد، لكن نظرة واحد لقى روحه بعد ما ضاعت، وقال بلهجة فيها وجع مش همشي..
مش عشان آخدهم منك، أنا عارف إنك أنقذتيهم..
أنا جاي عشان أشكرك، وعشان أقولك إن القصر اللي أنا عايش فيه ميسواش ضفر واحدة فيهم..
أنتي ملكيش ذنب، وهما ملهمش ذنب..
بس أنا مش هتحرك من هنا إلا وهما
نادية
حست
↚
إن الحيطان بتلف بيها، والدنيا اللي كانت فاكرة إنها رتبتها بالخيط والإبرة، اتكعبلت خيوطها كلها في ثانية واحدة.
فجأة، البرق نور السما، وصوت الرعد زلزل المحل، ونادية لقت نفسها بتشد البنات لجوه وبتقول لسليم بحدة ادخل..
ادخل من المطر ده، والكلمتين اللي عندك قولهم جوه، بس وحياة غلاوتهم عندي، لو حاولت تلمس واحدة فيهم، هكون أنا والزمن عليك.
سليم دخل المحل بخطوات مهزوزة، وعينيه مش مفارقة البنات اللي مستخبيين في لبس نادية، والمحل الصغير اللي كان دافي بالستر، بقى فجأة مسرح لأصعب مواجهة ممكن نادية تعيشها في حياتها.
سليم دخل المحل وراسه خابطة في السقف من طوله وهيبته، المكان اللي كان ضيق بس دافي، فجأة بقى خانق ونسمة الهوا فيه تقيلة.
قعد على كرسي خشب قديم من بتاع الزبائن، والكرسي صر تحت حمله وكأنه بيشتكي.
نادية وقفت قدامه زي الأسد اللي بيحرس ضناه، مربعة إيدها والشريط المازورة لسه ملفوف حول رقبتها، وعينيها منزلتش من عليه لحظة.
ليلى ولجين كانوا واقفين ورا نادية، بيطلوا من ورا ضهرها بفضول طفولي ممزوج بخوف.
سليم مد إيده الرعاشة وطلع علبة قطيفة من جيب البالطو، فتحها فبان فيها عقد دهب رقيق أوي فيه فصين لؤلؤ، وقال بصوت مهزوز ده كان مجهز ليهم من قبل ما يتولدوا..
أمهم، الله يرحمها، كانت بتقول لي ليلى ولجين هيبقوا أجمل بنتين في الدنيا.
مكنتش أعرف إن القدر هيخليني أشوفهم وهما شباك وسقف لبيت حد غيري.
نادية أول ما سمعت الله يرحمها، قلبها رق لثانية بس سرعان ما قست ملامحها تاني الدهب والقصور مبيعملوش أهل يا أستاذ سليم.
البنات دول كبروا على صوت المكنة دي، وشربوا حنيتي مع اللبن اللي كنت
بجيبه بشقايا.
هما ميعرفوش غيري، وميعرفوش يعني إيه أب سابهم تسع سنين للريح.
سليم قام وقف، وقرب خطوة، نادية رجعت البنات لورا أكتر، بس هو وقف مكانه وقال بحرقة أنا متخلوش عنهم!
أنا اتنصب عليا في أغلى ما أملك!
المستشفى اللي ولدوا فيها كانت بتتاجر في الأطفال، والمدير بتاعها اتقبض عليه في قضية تانية واعترف بكل حاجة قبل ما يموت.
أنا بقالي سنين عايش ميت، بشتغل زي المكنة عشان أنسى وجعي، لحد ما الخيط وصلني لهنا.
أنا مش جاي أهد بيتك يا نادية، أنا جاي أقولك إنك عملتي اللي أنا مقدرتش أعمله..
أنتي اللي بقيتي الأصل وهم الفروع.
في اللحظة دي، لجين، البنت الهادية اللي بتفهم من عينين الأم، سابت لبس نادية وقربت من سليم بخطوات بطيئة.
نادية شهقت تعالي هنا يا لجين!، بس البنت مسمعتش، وقفت قدام سليم وبصت في عينيه الغرقانة دموع وسألته ببراءة تقطع القلب هو أنت كنت بتدور علينا كتير؟.
سليم انهار، نزل على الأرض تاني وبقى مستواهم، وبدأ يهز راسه وهو مش قادر ينطق، لجين مدت إيدها الصغيرة ومسحت دمعة نازلة على خده، وقالت له متحيطش..
ماما نادية بتقول إن اللي بيضيع ربنا بيرجعه لو هو طيب.
نادية حست بخنجر دخل في قلبها، الجملة اللي كانت بتحفظها للبنات عشان تصبرهم على قسوة الدنيا، هي هي اللي دلوقتي بتفتح الباب للراجل ده عشان ياخدهم منها.
ليلى كمان جريت على أختها، وبقوا هما التلاتة في كادر واحد تحت نور اللمبة السهاري الضعيف، سليم وبناته اللي من صلبه، ونادية واقفة بعيد، حاسة لأول مرة إن غرزة حب اللي خيطتها السنين دي كلها، ممكن تتكرج في ثانية.
سليم بص لنادية وقال وهو لسه على الأرض أنا مش هاخدهم غصب، ولا
هحرمك منهم..
بس أنا عايزهم يعرفوا إن ليهم ضهر، وإنهم مش لوحدهم في الدنيا.
أنا عايز أعوضك وأعوضهم عن كل يوم برد عدى عليهم.
نادية ضحكت بوجع وقالت له تعوض مين يا أستاذ؟
تعوضني عن قعدتي للفجر بصلح فساتين ناس عشان أجيب لهم طقم العيد؟
ولا تعوضني عن الخوف اللي كنت بحسه كل ما واحدة فيهم تسخن وأنا معاييش تمن الكشف؟
التعويض ده كلمة متقالش للي زيي..
بناتي مش للبيع، ولا بالفلوس ولا بالدهب.
سليم لسه هيرد، لقى تليفونه رن بصوت عالي، بص في الشاشة واتخطف لونه، وبص لنادية برعب وقال الحكاية لسه مخلصتش..
فيه حد تاني عرف بوجودهم، وحد مش عايزهم يظهروا أبداً يا نادية.
نادية برقت عينيها وحست بخطر حقيقي لأول مرة قصدك إيه؟
مين دول؟.
سليم وهو بيبص للشارع من ورا إزاز المحل اللي المطر مغطيه أهلي..
عيلة الشافعي.
الميراث اللي هيتقسم الشهر الجاي لو البنات دول ظهروا، هيقلب كيان الكل..
والعربية السودة اللي ركنت ورا عربيتي دي مش تبعي!.
نادية قلبت قفل الباب بسرعة وهي بتنهج، وبصت لمكنة الخياطة بتاعتها وكأنها بتستنجد بيها، وبصت للبنات وقالت بصوت واطي ومرعوب اطلعوا فوق استخبوا تحت السرير ومحدش يطلع صوت واصل..
فاهمين؟
البنات جفوا في مكانهم، ليلى مسكت في أيد لجين وهما باصين لنادية ببربشة وخوف، لأول مرة يشوفوا ماما نادية مهزوزة كدا.
نادية زعقت بوشوشة وهي بتزقهم ناحية السلم الخشب بسرعة!
مسمعش نفس واحدة فيكم..
مهما حصل متنزلوش!.
البنات طلعوا يجري ونادية وقفت ورا الباب، قلبها بيدق زي المكنة السنجر اللي قدامها، وسليم واقف مشلول، عينيه على العربية السودة اللي نزل منها تلات رجالة ببدل غامقة، ملامحهم زي الحجر،
والمطر نازل على وشوشهم مبيخليهمش يرمشوا.
سليم قرب من نادية وهمس في ودنها معاكي مفتاح لباب القبو أو مخرج خلفي؟
الناس دول مش جايين يتفاوضوا، دول ولاد عمي..
الحقد والميراث عماهم، ولو عرفوا إن البنات هنا مش هيسيبونا نطلع من الحتة دي.
نادية بصت له بصه كلها غضب وقالت له بصوت محشرج محل نادية ملهوش مخارج خلفية، اللي يدخل من الباب يخرج منه..
بس المحل ده فيه عرضي وشرفي، ومحدش هيدوس عتبته طول ما فيا روح.
نادية مدت إيدها تحت الترابيزة الكبيرة اللي بتقص عليها القماش، وطلعت مقص عقلة كبير، من اللي بيقصوا بيه الجوخ التقيل، وسندت ضهرها على الباب بكل قوتها.
فجأة، خبطة رزينة وقوية هزت الخشب القديم، وصوت رخيم من بره نادى يا ست يا اللي جوه..
افتحي بالذوق، إحنا عارفين إن سليم بيه عندك، وعارفين الأمانة اللي شايلها..
ملوش لزمة الشوشرة في وسط الحارة.
سليم قرب من الباب وصاح فيهم يا عاصم!
ارجع مكانك، البنات ملهومش دعوة بيك، الميراث كله خدوه، أنا مش عايز مليم..
سيبوهم في حالهم!.
رد عليه عاصم بضحكة باردة زي تلج المطر المسألة مش مسألة مليم يا سليم، المسألة إن مفيش حد من ريحة الشافعي يعيش بره طوعنا..
افتح الباب بدل ما نفتحه إحنا وبطريقتنا.
نادية بصت لسليم وقالت له بلهجة ولاد البلد ابعد أنت عن السكة..
اللي يجي في ملعبي يستحمل.
نادية لفت لفة سريعة وشالت العروسة القماش اللي كانت ليلى سايباها، وبصت لمكنة الخياطة بحسرة، وبعدين وبحركة سريعة، زقت طاولات القماش والمانيكان الخشب ورا الباب عشان تسده تماماً.
فجأة، الإزاز بتاع الواجهة اتدشدش بمية حتة بصوت زي الرصاص، وطوبة كبيرة وقعت وسط المحل.
نادية
صرخت، وسليم رمى
↚
نفسه عليها عشان يحميها من الإزاز المتطاير.
الحارة كانت فاضية والمطر مغطي على أي صوت استغاثة، والرجالة بدأوا يزقوا الباب بكل قوتهم لحد ما الخشب بدأ يتشرخ.
في اللحظة دي، نادية لمحت زيت المكنة اللي محطوط في إزازة جنب السنجر، ونظرة عينيها اتغيرت من الخوف لذكاء مبيطلعش غير وقت المصايب.
بصت لسليم وقالت له شد السجادة دي معايا بسرعة، واقلب الزيت ده على عتبة الباب من تحت!.
سليم فهم دماغها، وفي ثواني كان الزيت مغرق الأرضية البلاط الناعمة قدام الباب والمدخل، ونادية شالت توب ستان تقيل كان لسه مخلصش، وربطته في إيد المقبض بتاع الباب وشدته لورا في رجل مكنة الخياطة الحديد اللي متثبتة في الأرض بمسامير غشيمة.
الباب بدأ يتفتح سنتيمترات، وواحد من الرجالة دخل رجله وإيده عشان يزيح العوائق، بس نادية من غير ما تفكر، نزلت بالمقص التقيل على إيده، الراجل صرخ واتسحب لورا، وفي اللحظة اللي حاولوا فيها يندفعوا سوا عشان يكسروا الباب، رجليهم خانتهم على الزيت والستان، واتزحلقوا فوق بعض بره وجوه المحل وسط بركة المطر والزيت.
نادية وقفت فوقيهم وهي ماسكة المقص، وشعرها اللي كان ملموم بدأ يتنكش من المطر اللي داخل من الإزاز المكسور، وصاحت فيهم بصوت هز الحارة وحياة اللي رزقني بيهم من غير حول ولا قوة، اللي هيقرب من السلم ده هخيطه في الأرض!
يا سليم..
اتصل بالشرطة حالا، المحل ده فيه كاميرات، وكل اللي بيحصل ده متسجل!.
سليم طلع تليفونه وإيده بتترعش، بس عاصم، اللي كان واقف بعيد بيراقب، طلع مسدس من جيبه ووجهه ناحية نادية، وقال ببرود خلصنا بقى من تمثيلية بنت البلد دي..
ابعدي عن الباب يا شاطرة، وإلا المرة دي
مش هتبقى طوبة.
نادية ثبتت مكانها، قلبها كان هيقف بس عينها جت على السلم، شافت خيال لجين وهي بتبص من فوق، لجين كانت ماسكة في إيدها مكوة قديمة تقيلة، ومن نظرة عين البنت، نادية فهمت إنها هترميها على عاصم لو قرب.
نادية بلعت ريقها وبصت لعاصم وقالت له اضرب يا بيه..
بس لو قتلتني، الحارة كلها هتصحى، وساعتها مش هتخرج منها حي..
الدرب الأحمر مبيفرطش في ولاياه.
وقبل ما عاصم يضغط على الزناد، نور كشافات عربية تانية ظهر في أول الشارع، وصوت سارينة البوليس بدأ يملى المكان، سليم ضحك بوجع وقال اتأخرت يا عاصم..
السواق بتاعي مبلغ من أول ما شاف عربيتكم.
عاصم والرجالة ركبوا عربيتهم وطاروا قبل ما البوليس يوصل، والهدوء رجع تاني للمحل، بس هدوء مشبع بريحة البارود والزيت والمطر.
سليم بص لنادية اللي كانت لسه ماسكة المقص وواقفة زي الصنم، وقرب منها بالراحة نادية..
أنتي كويسة؟.
نادية بصت له وعينيها غرقانة دموع، وسابت المقص من إيدها ووقعت على ركبها وهي بتشهق من العياط، مش خوفاً من اللي حصل، لكن خوفاً من اللي جاي.
البنات نزلوا يجري، ليلى ولجين ، وهما بيعيطوا معاها، وسليم واقف بعيد، حاسس إنه غريب وسطهم، بس في نفس الوقت حاسس بامتنان لو اتقسم على أهل الأرض مخلصش.
نادية رفعت راسها وبصت لسليم وقالت له بلهجة قاطعة دلوقتي عرفت إنك مش كداب..
وعرفت إن البنات دول في خطر طول ما هما بعيد عنك، وطول ما هما معاك..
هنعمل إيه يا سليم بيه؟.
سليم قعد جنبها على الأرض، في وسط المحل المتدمر، وقال بكلمة واحدة هنتحامى في بعض..
أنتي ليكي فيهم أكتر مني، وأنا ليا فيهم اللي يخليني أحميهم بدمي.
المحل ده ميعتبوش راجل تاني من
النهاردة، وإحنا الأربعة هنخرج من هنا سوا، بس مش كأغراب..
كعيلة واحدة.
نادية بصت ل غرزة حب، اليافطة اللي اتكسرت، وقالت له العيلة مبتبدأش بفلوس، بتبدأ بدم وأصل..
وأنا أهلي ماتوا، والبنات دول أهلي..
لو عايزنا معاك، يبقى نادية الخياطة هي اللي هتفضل تدير حياتهم، لا قصرك ولا خدمك يمشوا عليهم، موافق؟.
سليم مد إيده وحطها فوق إيد نادية والبنات، وقال بتصميم موافق..
بس الخيط المرة دي لازم يبقى من حديد.
وو........
نادية بصت للمحل بصه أخيرة، المكان اللي كان شاهد على شقاها وضحك البنات، الخشب المكسور، وفساتين الزبائن اللي غرقانة مطر..
حست إن فيه حتة من قلبها اتخلعت، بس نظرة الخوف في عين ليلى وهي ماسكة في طرف مريلتها خلتها تقوى.
لمت هدوم البنات في شنطة قماش قديمة، وشالت المكوك بتاع مكنتها، الحتة الوحيدة اللي قدرت تاخدها من ريحة السنين، وركبت العربية السودة الفخمة وهي حاسة إنها رايحة لدنيا غريبة عنها.
طول الطريق، سليم كان ساكت، بس عينيه مش مفارقة البنات، كأنه بيحاول يشبع منهم ومن ملامحهم اللي سرقتها منه السنين.
العربية وقفت قدام بوابة حديد عملاقة، ووراها قصر زي اللي نادية كانت بتشوفه في المجلات وهي بتنقي موديلات الفساتين.
دخلوا القصر، والخدم واقفين صفين، بس نادية مدخلتش برجل مهزوزة؛ رفعت راسها وشدت البنات لقلبها، ومشت بخطوة واثقة وسط الرخام والنجف اللي يخطف العين.
سليم شاور لمديرة المنزل وقال بلهجة آمرة الست نادية هي صاحبة البيت ده، كلمتها تمشي على الكبير قبل الصغير، والجناح اليمين كله يبقى تحت أمرها هي والبنات..
وممنوع مخلوق يقرب منهم من غير إذنها.
نادية بصت له بامتنان، بس لسه
جواها ريبة من عاصم ومن الغدر اللي ممكن يجي من ورا الحيطان العالية دي.
عدى أول أسبوع، ونادية كانت زي السمكة اللي طلعت من المية، القصر هادي زيادة عن اللزوم، ومفيش صوت زنة المكنة اللي كانت بتونسها.
البنات بدأوا يتأقلموا، سليم جاب لهم مدرسين ولعب، بس هما كانوا دايما بيهربوا ويروحوا أوضة نادية، يقعدوا على الأرض حواليها وهي بتصلح لهم لبسهم بالإبرة والفتلة، كأن ريحتها هي الأمان الوحيد في المكان الواسع ده.
في ليلة، سليم كان قاعد مع نادية في المكتب، والورق مالي التربيزة، سليم قال لها بضيق عاصم قدم ورق للمحكمة بيطعن في نسب البنات، بيقول إنهم ممكن يكونوا أي أطفال تانين وأني اشتريت ذمة الممرضة..
هو عايز يوقف إجراءات الميراث بأي شكل.
نادية سابت الإبرة من إيدها وبصت له بحدة والعمل؟
هنسيب العيل ده يلوث سمعة البنات؟.
سليم رد بتصميم التحليل بتاع ال DNA هيطلع بكرة، وده اللي هيقطم رقبته..
بس الخوف مش من الورق، الخوف من اللي عاصم ممكن يعمله وهو مضغوط.
مكملش سليم جملته، ولقوا صوت صريخ جاي من جنينة القصر.
نادية قلبها قبضها، طلعت تجري زي البرق، لقت ليلى واقفة بتعيط ومنهارة، ولجين مش موجودة!
سليم جرى على الأمن فين لجين؟
مين دخل هنا؟.
واحد من الحرس كان واقع على الأرض ومغمى عليه، والباب الجانبي للجنينة مفتوح.
ليلى قالت وهي بتشهق راجل ببالطو أسود شال لجين وحط إيده على بقها، وجري بيها للعربية اللي كانت واقفة بره.
نادية حست إن الدنيا اسودت في وشها، بس المرة دي مكنش فيه وقت للعياط.
بصت لسليم وقالت له بصوت يرعب أنا عارفة عاصم ده فين..
الراجل ده ملوش غير مكان واحد بيجمع فيه رجاله، المخزن القديم
اللي في طرف الحارة
↚
عندنا، هو كان بيأجره لتخزين بضاعة الموبيليا..
هو عايز يساومك على الميراث بروح بنتك!.
سليم بص لنادية بذهول وعرفتي منين؟.
نادية ردت وهي بتلم شعرها وبتلبس طرحتها بقوة أنا نادية الخياطة يا سليم بيه، أنا اللي كنت بخيط لستات الحارة كلهم وأعرف دبة النملة في الدرب الأحمر..
اركب العربية، والمرة دي أنا اللي هسوق بيك الدنيا.
وصلوا الحارة في وقت قياسي، الدنيا كانت ليل والسكوت مالي الشوارع.
نادية وسليم نزلوا ومعاهم عدد قليل من الحرس عشان ميعملوش شوشرة.
نادية مشت في السكك الضيقة اللي حافظاها زي كف إيدها، لحد ما وصلوا للمخزن.
سليم كان لسه هيهجم على الباب، بس نادية مسكت إيده وهمست لو دخلت من الباب هيخلصوا عليها..
فيه فتحة تهوية من فوق السطوح بتاع المحل بتاعي القديم، المخزن لازق فيه..
أنا هطلع، وأنت خلي رجالتك يلفوا من ورا.
سليم بص لها بخوف أنتي هتعملي إيه؟
ده خطر عليكي!.
نادية ابتسمت نص ابتسامة وقالت له دي بنتي يا سليم..
والقطة لما حد بيقرب من عيالها بتاكل عينه.
نادية طلعت السلم الخشب بتاع محلها القديم، ووصلت للسطح، ونطت بخفة لسطح المخزن.
بصت من فتحة التهوية، لقت لجين مربوطة في كرسي، وعاصم واقف قدامها بيشرب سيجارة وبكل برود بيمضي ورق على التربيزة، وبيقول لواحد من رجاله أول ما سليم يوصل ويمضي على التنازل، البنت دي تتاخد وتتسفر بره..
مش عايز أشوف وشها تاني في مصر.
نادية حست بنار في
صدرها، شافت جنبها جركن بنزين قديم كان بتاع صاحب المخزن، وحتة قماش ستان كانت مرمية من بقايا شغلها.
لفت القماش حولين سيخ حديد، وولعت فيه كبريت، ورمت الشعلة بعيد عن لجين بس ناحية الباب اللي واقف عليه الرجالة.
النار ولعت فجأة، والرجالة اتخضوا واتلبخوا، وفي اللحظة دي سليم كسر الباب ودخل هو وحرسه وسط الدخان.
نادية منزلتش من السلم، دي نطت من فوق المواسير زي التباعين الشطار، ونزلت فوق عاصم قبل ما يرفع مسدسه، غرزت مقصها الصغير اللي دايما في جيبها في كتفه، وصرخت بنتي لا يا عاصم!.
سليم خلص على الباقي وفك لجين وهي بتترعش، وعاصم وقع في الأرض وهو بيصرخ من الوجع والغل.
الشرطة وصلت وحاصرت المكان، والمرة دي عاصم ملقاش مهرب، التلبس والخطف والورق المزور كله بقى ضدك.
بعد يومين، في جنينة القصر، الشمس كانت طالعة دافية.
نادية قاعدة على كرسي هزاز، وماسكة في إيدها فستان فرح جديد بتطرزه، بس المرة دي مش عشان حد غريب، ده كان فستان صغير ل ليلى عشان حفلة المدرسة.
سليم قرب منها ومعاه كوبايتين شاي بمرامية، وقعد على الأرض تحت رجليها.
سليم بص لها وقال بهدوء نتيجة التحليل طلعت..
البنات بناتي رسمي يا نادية.
نادية وقفت الإبرة وبصت له، وعينيها دمعت مبروك يا سليم بيه..
كدا أمانتي وصلت لصحابها.
سليم مسك إيدها وقال لها الأمانة عمرها ما تخرج من إيد صاحبها..
أنا كتبت القصر ده والمصنع باسمك وباسم البنات بالتساوي.
مفيش حد صاحب فضل على حد هنا، إحنا بيت واحد..
وأنا عايز أطلب منك طلب.
نادية رفعت حواجبها طلب إيه؟.
سليم ضحك عايزك تفتحي غرزة حب تاني، بس مش في الدرب الأحمر..
عايزك تفتحي أكبر دار أزياء في مصر، ويبقى شعاره الأمومة مش بس دم..
الأمومة غرزة حب بتدفي في عز البرد.
نادية ضحكت من قلبها، ولجين وليلى جريوا عليهم وهما بيضحكوا، والشمس نورت وشوشهم كلهم..
نادية بصت للسما وحمدت ربنا، لأن الخيط اللي بدأ بدمعة في ليلة برد، انتهى بتوب فرح مبيخلصش.
بعد شهر، الحلم بقى حقيقة.
يافطة ضخمة ومتعلق عليها نور أبيض هادي مكتوب عليها دار نادية غرزة حب، في أرقى شوارع القاهرة.
الافتتاح كان أسطوري، نادية واقفة في نص الصالة، لابسة فستان أسود بسيط بس شياكته تخطف العين، ملامحها اللي كانت محفورة بالشقاء بقت منورة بالراحة، والمازورة لسه حوالين رقبتها، كأنها بترفض تتنازل عن أصلها مهما الدنيا عليت بيها.
ليلى ولجين كانوا زي الملايكة بفساينهم المنفوشة، بيجروا بين المانيكانات اللي شايلة أرقى الموديلات.
وسليم واقف بعيد، باصص لنادية بفخر ملوش حدود، هو مش بس لقى بناته، هو لقى الروح اللي كانت ناقصة حياته كلها.
فجأة، وسط الزحمة والتهاني، نادية لمحت ست غلبانة واقفة بعيد، خايفة تدخل السجاد الغالي برجليها.
الست كانت شايلة طفل صغير ملفوف في بطانية مهلهلة.
نادية سابت الناس والمديرين، ومشت بكل هيبتها لحد ما وصلت للست،
مسكت إيدها بحنية وقالت لها ادخلي يا حبيبتي، مفيش حد غريب هنا.
الست قالت بصوت واطي يا ست هانم، أنا سمعت إنك طيبة وبتحسي بالناس..
أنا الخياطة بتاعتي انكسرت ومش عارفة أصلحها، ومليش رزق غيرها.
نادية ابتسمت، والدموع لمعت في عينيها لأنها شافت نفسها من عشر سنين.
نادت على سليم، وقالت له بصوت سمعه الكل
يا سليم بيه، أول غرزة في الدار دي لازم تكون للناس اللي شبهنا.
الدور التاني من الدار مش هيكون للعرض، هيكون مدرسة خياطة مجانية لكل ست عايزة تستر بيتها، وأول مكنة هدية للست دي..
عشان غرزة حب مش اسم للمحل، ده عهد بينا وبين ربنا.
سليم هز راسه بالموافقة وهو مبهور بقوة الست دي اللي الفلوس مغيرتهاش، بل زادتها معدن أصيل.
وفي ليلة الافتتاح، بعد ما الناس مشيت، نادية قعدت على الأرض في نص المحل، لمت لجين وليلى وسليم قعد جنبهم.
الدنيا بره كانت بتمطر، نفس صوت المطر اللي بدأ معاه كل حاجة.
نادية بصت لسليم وقالت له بوشوشة تفتكر هيسامحونا؟.
سليم استغرب مين دول؟.
نادية بصت للسما أبوهم وأمهم اللي في الحقيقة..
الممرضة اللي رمتهم، والظروف اللي سرقتهم.
سليم قال بيقين هما دلوقتي في أحسن مكان ممكن يكونوا فيه..
هما في قلب نادية، وده أدفى مكان في الدنيا.
نادية غمضت عينيها وهي حاسة إن الخيط كمل، وإن الغرزة اللي بدأتها في ليلة برد، قفلت النهاردة على أحلى توب..
توب العيلة اللي مبيتقطعش مهما كانت الريح قوية.
تمت.
بقلم انجي الخطيب