أراد زوجها أن يهينها فكان الرد صادم
جوزي خدني معاه حفلة الشركة…
وقدام المدير عرّفني إني “المربية” عشان محدش يعرف إني مراته…
بس عمره ما كان يتخيل مين اللي فعلًا بيمضي على مرتبه…
—دي مش مراتي…
دي الشغّالة اللي عندنا.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني كأنها صفعة قدام الناس كلها، ووشوشهم اللي كانت بتبصلي باستغراب وشفقة زادت الطين بلة، بس أنا…
ما اتكلمتش، ما دافعتش عن نفسي، فضلت واقفة بنفس الابتسامة الهادية اللي اتعود يشوفها مني، وكأني فعلاً ولا حاجة، كأني مجرد حد جاي يخدم وبس، بس جوايا كان في حاجة بتتغير…
حاجة بقالها سنين مستنية اللحظة دي، اللحظة اللي كل حاجة هتتقلب فيها.
أنا سارة…
مراته بقالها ٧ سنين، اللي شالته وهو لسه بيبدأ، اللي وقفت جنبه لما ما كانش معاه غير بدلته القديمة وحلم كبير، اللي كانت بتصحى بدري تحضرله هدومه وتستناه وهو راجع متعصب من الشغل، وتسمع له وتطبطب عليه…
بس في عينه أنا ما كنتش غير "تفصيلة" في حياته، حاجة مضمونة وموجودة وخلاص، عمره ما فكر يسأل نفسه أنا بعمل إيه طول اليوم غير إني "ست بيت".
الحقيقة اللي هو عمره ما حاول يعرفها…
إني
ما كنتش بس ست بيت، أنا كنت بشتغل من وراه، ببني في عالم تاني خالص، عالم ما يعرفش عنه أي حاجة، من يوم ما جدي سابلي الورث الكبير اللي حتى أهلي نفسهم ما يعرفوش قيمته، وأنا قررت أستثمره بطريقتي، أشتري شركات واقعة وأرجعها للحياة…
واحدة واحدة لحد ما بقيت رقم صعب في السوق، بس في السر.
شركة "النخبة جروب" اللي كريم بيجري ورا رضا مديريها…
أنا اللي اشتريتها من ٦ شهور لما كانت على وشك الإفلاس، وأنا اللي رجعتها تقف على رجليها تاني، وأنا اللي براقب كل صغيرة وكبيرة فيها…
من غير ما حد يعرف أنا مين.
رجعت بذاكرتي وأنا واقفة جنبه في الحفلة، وهو بيتكلم مع المدير الكبير بثقة زايدة، بيضحك ويهزر وكأنه صاحب المكان، وكل شوية يشد دراعي كأني مجرد إكسسوار، لحد ما حصل الموقف…
لما المدير سأله:
—مدامك؟
وساعتها قالها بمنتهى البساطة:
—لا لا…
دي الشغالة.
ساعتها بس…
قلبي سكت لحظة، مش من الصدمة، لا…
من القرار.
وفي اللحظة دي بالظبط، باب القاعة اتفتح، وكل العيون اتلفتت ناحية الداخل، ودخل واحد من أهم الشخصيات في الشركة، ومعاه فريق من الإدارة،
والهمس بدأ يعلى:
—ده المستشار الخاص بصاحب الشركة…
—واضح إن في حاجة كبيرة هتحصل…
أنا سحبت إيدي من كريم بهدوء، وهو ما خدش باله في الأول، كان لسه مكمل كلامه، بس لما لقى المدير بصلي بنظرة غريبة، بدأ يستغرب، خصوصًا لما الراجل اللي دخل بصلي مباشرة، وابتسم…
ابتسامة احترام.
قرب مني وقال بصوت واضح:
—أخيرًا شرفتي يا فندم، الكل مستني حضرتك.
الصمت نزل على القاعة كلها مرة واحدة، وكريم بصلي كأنه مش فاهم…
—حضرتك؟
مستنيها؟!
أنا بصيت له…
نفس الابتسامة، بس المرة دي مختلفة، وقلت بهدوء:
—أيوه…
مستنيني.
المدير نفسه وقف مرتبك وقال:
—إحنا…
إحنا ما كناش نعرف إن حضرتك هتحضري بنفسك النهارده.
بصيت حواليّا على كل الوجوه اللي من شوية كانت شايفاني "شغالة"، وقلت:
—كنت حابة أشوف الشغل ماشي إزاي…
على الطبيعة.
كريم وشه اتغير، لونه راح وجيه، وبدأ يستوعب واحدة واحدة، وقال بتوتر:
—سارة…
إنتي بتقولي إيه؟
قربت منه خطوة، وقلت بصوت واطي بس مسموع:
—بقول إن أنا…
صاحبة الشركة يا كريم…
أنا اللي بوقع على مرتبك كل شهر.
القاعة كلها انفجرت همس، والعيون
بقت علينا، وهو واقف مش قادر ينطق، كأن الأرض اتسحبت من تحته، نفس الإحساس اللي حاول يخليني أعيشه من شوية.
كملت وأنا ببص في عينه:
—بس متقلقش…
الشغالة مش هتفضل عندك كتير.
لفيت ومشيت مع الفريق الإداري، وراهيا نظرات ذهول واحترام، وسيبته واقف لوحده…
لأول مرة يحس إنه صغير وسط كل الناس اللي كان فاكر نفسه أكبر منهم.
ومن الليلة دي…
كل حاجة اتغيرت، مش بس في شغله…
لأ، في حياته كلها.
تفتكروا كريم هيحاول يصلّح اللي كسره؟
ولا في حاجات لما بتتداس…
ما بترجعش زي الأول؟
كريم فضل واقف مكانه كأنه اتحول لتمثال…
عينه بتجري بيني وبين الناس اللي حوالينا، ووشوشهم اللي اتبدلت من إعجاب ليه لنظرات شفقة عليه، نفس الشفقة اللي كان فاكرها ليا من شوية.
إيده كانت بتترعش وهو بيحاول يقول أي كلمة، بس صوته خانُه، وكل اللي طلع منه همسة مكسورة:
سارة…
استني.
بس أنا ما بصتش ورايا.
كملت طريقي بثبات، كعب الجزمة بيرن على الأرضية الرخام زي إعلان واضح إن الصفحة دي اتقفلت.
الناس كانت بتوسعلي الطريق، وفي عيونهم سؤال واحد: إزاي واحدة كانت متقدمة كـ"
شغالة" من دقايق تبقى صاحبة المكان؟
دخلت القاعة الجانبية مع الإدارة العليا، وكلهم واقفين باحترام واضح، والمدير التنفيذي قاللي وهو شبه مرتبك:
—إحنا آسفين يا فندم لو كان في أي تقصير…
قاطعته بهدوء:
—مفيش داعي للاعتذار…
بالعكس، اللي حصل مفيد.
بيكشف حاجات ما كانتش هتبان بسهولة.
قعدت على الكرسي الرئيسي، وفتحت الملف اللي كان مستنيني، بس عقلي كان في حتة تانية…
مش في الأرقام ولا العقود، في السنين اللي فاتت، في كل مرة سكتّ فيها، في كل مرة بلعت إهانة عشان "البيت يمشي".
فجأة اكتشفت إني ما كنتش بحافظ على البيت…
كنت بضيع نفسي.
بعد شوية، الباب خبط بخفة، ودخل كريم.
ملامحه كانت متلخبطة، شعره مش مظبوط زي عادته، وعينه فيها حاجة بين الندم والخوف.
بص حواليه لثواني، وبعدين ثبت عينه عليّا.
—ممكن نتكلم؟
المديرين بصوا لي، وأنا بإشارة بسيطة طلبت منهم يسيبونا.
خرجوا واحد واحد، وسابوا الجو مشحون بيني وبينه.
قرب كريم خطوة، وبصوت مهزوز قال:
—أنا…
أنا ما كنتش أقصد اللي حصل.
رفعت عيني من الملف وبصيت له بهدوء:
—بجد؟
أمال كنت تقصد إيه لما قلت إني شغالة؟
سكت لحظة، وبعدين قال بسرعة:
—كنت بخاف…
—تخاف من إيه؟
—من شكلي قدام الناس…
من إنهم يشوفوني متجوز واحدة بسيطة…
ضحكت…
ضحكة خفيفة بس مليانة وجع:
—وأنا؟
ما خفتش عليّا وأنا واقفة هناك؟
ما ردش.
سكوته كان إجابة كفاية.
كملت وأنا ثابتة:
—أنت ما غلطتش في حقي بس…
أنت كشفت نفسك.
—أنا بحبك يا سارة…
—الحب مش كلام بيتقال وقت الزنقة يا كريم.
الحب بيبان في المواقف…
وإنت موقفك كان واضح.
قرب أكتر، صوته بدأ يعلى شوية من التوتر:
—طيب إيه المطلوب دلوقتي؟
تعاقبيني؟
—أنا مش بعاقبك…
أنا باخد حقي.
وقفت من مكاني، ولفيت حوالين المكتب لحد
ما بقيت قدامه مباشرة، وقلت بنبرة هادية بس قاطعة:
—من بكرة…
هيتفتح تحقيق إداري في كل قراراتك كمدير مبيعات.
اتصدم:
—إيه؟!
—ده إجراء عادي…
خصوصًا إن في شكاوى متراكمة كنت مأجلاها.
—بس ده ظلم!
—الظلم؟…
فاكر الكلمة دي؟
سكت تاني، وبدأ يستوعب إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد خناقة جوزية.
خرج من القاعة وهو مكسور، والباب اتقفل وراه بصوت خفيف، بس أثره كان تقيل.
عدت أيام، والتحقيق بدأ، والنتايج ظهرت واحدة واحدة…
قرارات متهورة، صفقات خسرانة، علاقات مبنية على مجاملة مش كفاءة.
الصورة اللي كان راسمها لنفسه قدام الكل بدأت تقع.
وفي نفس الوقت، حياتنا الشخصية كانت بتتفك.
رجع البيت مرة، لقاني قاعدة بهدوء بكتب، قاللي:
—مش هتدي لنفسك فرصة تفكري؟
قلت من غير ما أبص له:
—أنا فكرت…
كتير.
فضل واقف شوية، مستني رد أطول، بس ما جاش.
في الليلة دي، نامنا في أوضتين منفصلتين لأول مرة من سنين.
الأيام عدت، وكريم حاول يقرب…
مرة بكلمة، مرة بهدية، مرة باعتذار، بس كل مرة كان بيقابل نفس الهدوء…
نفس المسافة.
وفي يوم، اتبلغ رسميًا بقرار مجلس الإدارة…
إعفاءه من منصبه.
دخل عليّا المكتب بعدها بيوم، عينه حمرا من السهر، وصوته مبحوح:
—خلاص…
كل حاجة راحت.
بصيت له بهدوء وقلت:
—مش كل حاجة…
لسه عندك نفسك.
—وانتي؟
سكت لحظة، وبعدين قلت:
—أنا بقيت ليا نفسي أخيرًا.
خرج وهو فاهم…
فاهم إن الخسارة دي مش شغل بس.
وقفت لوحدي في المكتب، بصيت من الشباك على القاهرة والزحمة تحت، وحسيت بحاجة غريبة…
مزيج من الراحة والوجع.
يمكن النهاية دي كانت ضرورية…
يمكن اللي اتكسر ما ينفعش يتصلح، أو يمكن كان لازم يتكسر عشان يتبني من جديد…
بس المرة دي، بشروطي أنا.
تفتكروا لو الزمن
رجع…
كريم كان هيختار نفس الكلمة؟
ولا كلمة واحدة كانت كفيلة تغيّر كل حاجة؟