قصة صاحبة البيت كاملة من الفصل الأول للاخير | بقلم منال على

صاحبـه البيـت..

بقلم منــال عـلـي


نورا خلاص جابت آخرها..

حست إنها في بيتها مجرد "إيد بتنفذ"، مش ست بيت ليها رأي وكيان.

بقلم منــال عـلـي

مارس السنة دي كان بوشين؛ يوم تلاقي الدنيا صهد والشمس حامية، واليوم اللي بعده تكتكة وساقعة تقرص العضم، كأن الجو نفسه مش عارف هو عايز إيه.

وقفت نورا عند الشباك، بتبص على السايس تحت وهو بيحاول يكسر حتة رصيف قديمة عشان يسوي الأرض، وحست إنها فاهماه أوي؛ أوقات مابيبقاش قدامك غير إنك تمسكي "شاكوش" وتدشدشي الحاجز اللي بقاله سنين واقفلِك في الزور.

بقلم منال علي

موبايلها كان مرمي على الرخامة..

الرسالة جت مع أول ضوء للنهار.

قريتها وهي لسه بروب البيت وفنجان القهوة في إيدها، بس فجأة القهوة بقى طعمها زي المية بملح.

الحماة، "الست نفيسة"، بعتت ملف

العنوان كان مكتوب ببرود مستفز: "طلبات يوم ٨ .

فتحت نورا الملف، لقت ٣ صفحات محشورين كلام؛ منيو كامل بالأصناف، وتعليمات تفصيلية، ولينكات لفيديوهات يوتيوب لطباخين هي بتحبهم،

ده غير الملاحظات اللي بين قوسين:

"أحمد مابيحبش التوم الكتير، حطي فص واحد بس."

"اتأكدي إنك حطيتي معلقة خل في عجينة الفطائر عشان تطلع هشة."

* "السلطة الخضراء لازم تتقطع بالترتيب اللي قولتلك عليه، مش أي كلام وخلاص.

نورا رزعت المج..

وقعدت.

قرأت الكلام تاني..

وبعدين بعتت لأحمد: "مامتك بعتت لستة الأكل."

رد بعد ثواني: "أيوة عرفت..

مشيها يا نورا، هي قصدها تساعد مش أكتر."

تساعد!

قفلت الموبايل وفضلت باصة للحيطة كتير..

سرحت في يوم ما عرفوا بعض من ٥ سنين، في خطوبة واحدة صاحبتها، القاعة كانت زحمة ودوشة والأغاني صوتها عالي.

وقتها أحمد خطفها بهدوئه، كان باين عليه "راجل" بجد، عريض المنكبين وقليل الكلام وبيعرف يسمع.

سنتين خطوبة خلوها تحبه وتحب "الحلم" اللي هيبنوه سوا؛ شقة يرتبوها بمزاجهم، فطار هادي، قرارات بياخدوها وهما باصين في عين بعض.


طبعاً كانت عارفة إن "الست نفيسة" ست شديدة وبتحب تمشي كلمتها،

وأحمد كان دايمًا يطمنها: "ماما نيتها كويسة، هي بس بتحب تبقى مسيطرة عشان خايفة علينا."

في الأول نورا حاولت تساير..

كانت لسه طالعة من بيت أهلها وخبرتها في المطبخ وإدارة البيت على قدها، والست نفيسة لقطت ده، وقررت إن واجبها "الوطني" إنها تنقل لها خبرتها كلها مرة واحدة، بالذوق أو بالعافية.

أول "منيو" ظهر كان في أول رأس سنة ليهم سوا..

الست نفيسة اتصلت بيها مخصوص وقعدت تمليها الأصناف صنف صنف، وتشرح لها ليه الأصناف دي تحديداً؛ "عشان أحمد بيحبها من صغره"، و"عشان السفرة ماتبقاش ناقصة"، و"عشان إنتي لسه صغيرة وماتعرفيش الأصول".

بقلم منــال عـلـي

نورا وقتها سكتت..

وكتبت..

وطبخت كل حاجة بالحرف.

في العيد الصغير، المنيو بقى رسالة واتساب عشان "ماتنساش".

وفي عيد ميلاد أحمد، الموضوع اتطور لجدول بعمودين: "هنطبخ إيه" و "الطريقة الصح إيه".

والآن..

٣ صفحات كاملة لعزومة يوم المرأة!

و "أماني" أخت أحمد مكنتش بعيدة عن الصورة..

هي الأخت

الكبيرة، المتجوزة وعندها عيال، وشايفة نفسها "خبير عالمي" في الشؤون المنزلية.

كانت بتبعت لنورا فيديوهات عن "إتيكيت" المسح والكنس، ومرة في زيارة، فتحت درف المطبخ ورصت الحلل "بالصح" من وجهة نظرها - من الكبيرة للصغيرة - زي ما مامتها معوداها.

بقلم منــال عـلـي

بعد ما مشيوا، نورا رجعت كل حاجة لمكانها في سكات..

بس ده كان انتصار صغير ومستخبى..

والوقفة الحقيقية كانت لسه متأجلة.

قبل العزومة بكام يوم، نورا قالت لأحمد وهي قاعدة معاه بليل:

* "أحمد."

* "نعم يا حبيبتي؟"

* "أنا مش هطبخ من لستة مامتك."

أحمد رفع عينه من الموبايل وبصلها باستغراب..

استنى تكمل.

قالت ببرود وثبات: "بكرة ده يوم يخصني أنا كمان كست بيت..

أنا اللي هقرر السفرة هيكون عليها إيه، مش لستة أوامر من قرايبك..

مفهوم؟"

سكت لحظة، كأنها شايفاه بيوزن الأمور بين عادته إنه يرضي أمه وبين شرارة القوة اللي شافها في عين نورا.

قال أخيراً: "ماما هتزعل وتعمل قصة."

ردت: "ما تزعل.

* "وأماني هتبدأ تلقح كلام.."

صاحبـه البيـت..

بقلم منــال عـلـي

صاحبـه البيـت..

بقلم منــال عـلـي

قاطعته بهدوء: "وعارفة أماني هتقول إيه وهترد تقول إيه."

وبعدين كملت بقوة: "بقالي ٣ سنين بطبخ بلسانهم..

٣ سنين مأكلتش صنف واحد أنا بحبه على سفرتي..

مابعملش حاجة بمزاجي.

بكرة يوم المرأة، مش كده؟

أهو أنا بقى قررت أبقى (المرأة) اللي في البيت ده."

فهم الرسالة، وظهر ده على وشه..

اتنهد وقال: "خلاص..

اعملي اللي إنتي عايزاه."

* "شكراً."

* "بس أنا مش هبرر لها حاجة."


* "ماتشغلش بالك..

أنا اللي هقوم بالواجب."

قضت اليوم اللي قبل العزومة كله في المطبخ..

بس الروح كانت تانية خالص.

مكنش فيه قلق ولا إحساس بإنها في امتحان.

المرة دي كانت بتلعب في ملعبها شغلت أغانيها المفضلة، فتحت الشباك ودخل هوا مارس الساقع بريحة الندى والربيع اللي قرب يهل.

كانت بتقطع وتتبل وتدوق..

ولأول مرة من وقت طويل، حست إنها بتطبخ بجد عشان هي "عايزة"، مش عشان "لازم".

السفرة مكنش ليها أي علاقة بملف الست نفيسة.

مفيش مكرونة بشاميل غرقانة سمنة..

بدالها عملت "سلطة خضار مشوي بدبس الرمان وجبنة كيري".

مفيش الأصناف

التقيلة اللي بتفرضها عليها..

بدالها عملت "ستيك مشوي بصوص المشروم" و "رز بالخلطة" يجنن.

وفي نص السفرة، حطت بطه كبيرة، مدهونة بالخردل والعسل والتوم.

لما أحمد دخل المطبخ، وقف مبهور: "إنتي عملتي كل ده لوحدك؟"

ابتسمت: "أمال مين؟"

قال لها: "الريحة بجد مش طبيعية..

تجوع!"

قالت له بكل ثقة: "عارفة."

وصلت الست نفيسة ومعاها أماني، والعيال جروا على التلفزيون..

دخلت الحماة وبإيدها علبة الشيكولاتة، وبصت لنورا النظرة المعتادة: نصها "أهلاً" والنص التاني "وريني بقى نفذتي اللي قولتلك عليه ولا لاء".

دخلت الست نفيسة المطبخ بخطوات واثقة، كأنها داخلة تفتش على كتيبة عسكرية.

وراها أماني كانت بتبص يمين وشمال، وعينيها بتدور على "المنيو" اللي بعتوه.

أول ما الست نفيسة وقفت قدام السفرة، ملامحها اتغيرت.

عينيها وسعت، وبصت للطباق بصدمة مكتومة، وكأنها بتدور على "المكرونة البشاميل" الضايعة وسط الأصناف الجديدة.

أماني نطقت بصوت فيه نبرة لؤم:

"إيه ده يا نورا؟

فين السلطة اللي ماما قالت لك عليها؟

وإيه الفريك ده؟

إحنا مش متعودين ناكل الأكل

ده في العزومات!"

نورا خدت نفس عميق، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقالت:

"أهلاً يا أماني..

نورتي.

والله يا حبيبتي أنا قولت أغير شوية، مش معقول كل سنة ناكل نفس الأصناف.

وبعدين النهاردة يوم مميز، وحبيت أعمل أكلات أنا متميزة فيها وبحبها..

ذوقي بس وهتدعيلي."

الست نفيسة فضلت ساكتة، وحطت إيدها على وسطها وهي بتبص لأحمد اللي كان واقف بعيد بيحاول يداري توتره في الموبايل.

قالت بصوت واطي بس حاد:

"بس أنا بعتلك ملف فيه كل حاجة يا نورا..

وتعبت نفسي وكتبت الملاحظات عشان أحمد بيحب كدة."

نورا قربت منها وبكل أدب طبطبت على كتفها:

"تسلم إيدك يا ست الكل، الملف فعلاً كان فيه مجهود كبير..

بس أنا قولت أريحك المرة دي من الحيرة، وأفاجئ أحمد وأفاجئكم بحاجة جديدة من إيدي.

أحمد داق الأكل وعجبه جداً..

مش كدة يا أحمد؟"

أحمد لقى نفسه في "زنقة" الكلاب، بس ريحة البط المشوي كانت لسه في مناخيره، فقال بسرعة:

"بصراحة يا ماما، الريحة تجوع فعلاً..

نورا تعبت النهاردة، خلينا ندوق."

قعدوا كلهم على السفرة.

الجو كان فيه "كهربا" في الأول.

الست نفيسة

خدت أول معلقة من طاجن الفريك وهي بتكتم ملامحها، لكن أول ما داقته، غصب عنها ملامحها لانت.


الطعم كان غني، والتوابل كانت مظبوطة بالملي، والبطة كانت دايبة زي الزبدة.

أماني حاولت تلاقي "غلطة" في السلطة المشوية، بس كانت بتاكل وهي ساكتة وبتاخد معلقة ورا تانية.

بعد شوية، الست نفيسة سابت الشوكة وقالت وهي بتبص لنورا بنظرة فيها "اعتراف" ضمني بالهزيمة:

"نفسك في الأكل حلو يا نورا..

مكنتش أعرف إنك بتعرفي تعملي الفريك بالطريقة دي."

نورا ردت بذكاء:

"ده من ذوقك يا ست الكل..

اتعلمت منك إن النفس هو أهم حاجة، بس المرة دي قررت أحط نفسي أنا في الأكل."

العزومة خلصت بسلام، ولأول مرة أماني ملمستش درفة في المطبخ ولا عدلت رصة كوباية.

وهي ماشية، الست نفيسة مالت على نورا وقالت لها بوشوشة:

"بقولك إيه..

ابعتيلي طريقة تتبيلة البطة دي على الواتساب..

عشان أماني عايزة تعرفها."

نورا ضحكت من قلبها وهي بتقفل الباب وراهم..

بصت لأحمد اللي كان ممدد على الكنبة وشبعان، وحست إن البيت أخيراً بقى "بيتها"، والسفرة بقت "سفرتها".

نورا كسبت المواجهة

بالذكاء والطعم الحلو، مش بالخناق.

إرسال تعليق