رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع 9 بقلم نيفين ابو غنيم

لو فاكر إنك فهمت عندما يعشقون صغارا… راجع نفسك على حكايتنا حكاية 📖

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع 9 بقلم نيفين ابو غنيم

رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع 9 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع 9 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل التاسع 9 بقلم نيفين ابو غنيم
لفصل التاسع
حالة من الانسلاخ عن الواقع الانسلاخ عن الوجود تهيمن عليه منذ أيّام يشعر أنّ روحه معلّقة بنقطة ما فوق سطح الأرض ترقب كلّ شئ بما فيها هو شخصيّا دون أدنى فهم أو شعور لما يحدث
حقيقة بل لما يريد!
أيّام مضت مذ كان بالمقبرة يحضر جنازة لآخر شخص في الدنيا توقّع أن يذهب لجنازته يوما هو لا يعرف ما الذي أخذه هناك وما كان حافزه لكن ربّما ربّما كان يريد أن يتأكّد أنّه مات
حقا بأنّ حبل المشنقة الذي كان مربوطا على قلبه قد أزيح بأنّ قلبه سيستطيع التنفس بحريّة أخيرا
ذلك المخنث كان جرعة سامّة تهدّده دوما بالموت والغريب أنّه كلّما حاول تناسيه فتناسيها بالمقابل كان هو فادي من يقترب كم أحسّ معتز بغرابته بخروجه من طابور المعايير الشرقيّة لأيّ رجل كم كان يتعجب منه
عندما كان يتقرّب ويتودّد منه بكلّ لطف دون أيّ غيرة رجولية متناسيا كونه زوج زوجته الأوّل في حين كان هو بنفسه يمسك أعصابه قسرا من أن يقتلعه من الأرض ممسكا بمطلع روحه فيعتصرها حدّ الاختناق
فادي شخصيّة غريبة أثارت غضبه واستفزازه و ريبته تلك الكلمات التي ألقاها عليه يوما ابن جيرانه لم تلق في عقله سوى الشماتة شماتة طفوليّة بكون غريمه برجولة مشكوك بها ولكنّه وللواقع لم يصدّق ما قيل
له أبدا عقله رفض تلك الفكرة رغم ما بها من ثقوب تنفّس عبرها لافظا بعض الألم فكيف كيف لفادي أن يكون حقّا شاذا رغم زواجه من مي لقد عاشت معه خمسا من السنوات خمسا جلدنه
حدّ البكاء قهرا
لكن رؤية ذلك الشاب بالمقبرة بذات المواصفات التي سمعها منه صعقت دماغة قدومه متأخرا ورؤيته باكيا نشيجه وكلماته التي لم يسمع منها شيئا أثارتا شكوكه فجعل من التحقّق عنه والبحث عن تفاصيل حياته القذرة بالأيّام
الفائتة همّه الشاغل وهكذا فقد عرف ما عرف فادي قد كان حقّا شاذا!
غمرة الراحة التي سكنت فؤاده المتلظّي بنار الغيرة ما إن زالت صدمة استيعاب تلك التفاصيل القذرة التي سمعها من أحد الشباب الذين يسكنون بذات الحيّ الذي يقطن فيه ذلك الحقير سرعان ما بدأت بالتململ
صحيح أنّ وجع الرجولة النازفة فيه قد سكن قليلا وقد علم أنّ كلّ خيالاته النائحة لها بين ذراعي فادي قد كانت مجرّد كوابيس صحيح أنّ قلبه قد هدأت نيرانه وقد أيقن أنّها لم تكن يوما
لغيره ولكن ماذا بعد ماذا بعد يا الله أما كان هناك للرجل عقوبة لرعونة لسانه أقلّ قسوة بقليل قليل فقط من أن تكون زوجته لآخر فعليّا لآخر!
ماذا الآن أعليه أن يراها من جديد تزفّ لآخر رجل حقيقي هذه المرة أم أم ربّما قد تقرّر هي هذه المرة أن تشاركه النسك ويبقيا معا يتغذيان على ذكريات ماضية هذا إن كانت أبقت لنفسها
منها شيئا!
دقائق قليلة وسمع طرقا خفيفا على باب غرفته ليصرخ ادخل بنزق لكنّه ما إن رأى رأس شقيقته يطلّ عليه حتّى وقف بسرعة مبتعدا عن سريره الذي كان مرتميا عليه واقترب منها سائلا بلهفة:
شو ليش رجعتي بسرعة كيفها طمنيني عنها هي منيحة؟
نظرت له شقيقته والتي كانت قد ذهبت قبل وقت قصير لبيت جيرانهم أهل مي للإطمئنان عليها وتعزيتها ولو متأخرا بوفاة زوجها بتشجيع منه وعدم رضى من والدتها وقالت بتهرب:
ما بعرف ما شفتها
هفتت لهفته قليلا وقال بدهشة:
ليش ما شفتيها؟
تعبانة يعني؟
ارتبكت نظراتها وقالت تتهرب من وضوح الإجابة:
لأ يعني ممما كانت بالبيت
نظرات استغرابه اتسعت أكثر قبل أن يستوضحها:
كيف ما كانت بالبيت؟
شو بتتخوتي تسخرين انتي؟
ناسية إنها بالعدّة؟
تهرّبت بنظراتها منه وقالت بتلكؤ بدا لعينيه واضحا:
مااا هي اضطرت يعنيي قصدييي اضطروا يوخدوها على المستشفى
بخطوات نمرية مفترسة اقترب منها يقبض على كتفيها بعنف فاضحا لهفة كانت تعرف عنها كما ويعرفون جميعا جميعهم يعرفون بحبٍّ مجنون لطالما حمله لمي وما انتهى بانتهاء طلاقهم:
ليييش مالها ليش المستشفى شو صارلها؟
أكيد فيها اشي احكي يلا بسرعة شو مالها!
هذه المرة قرّرت أخته مواجهته بنظراتها تسبقها دموعها تدرك صعوبة ما ستقوله له ومدى قسوته عليه فهل للحياة أن تكون أكثر قسوة!
هل من الممكن للحياة أن تكون أكثر قسوة؟
المصائب لا تأتي فرادى عرفت ذلك منذ زمن ولكنّها أيضا لم تئتها سرايا بل جيشا كاملا مكتسحا حياتها مزلزلا ناسفا إيّاها عن بكرة أبيها
طفل!
حامل!
أتكون نهاية مأساة حياتها مع فادي ليست إلّا بداية لجزء آخر من مسلسل حياتها الدرامي حامل تكاد لا تصدّق ولا تريد التصديق طفل له ينمو بين أحشاءها بذرة مشوّهةً منه قد نُسيت عَرَضا في قرار
رحمها لا تدري أيّ زرعة مائلة ستنبت!
لا بدّ أنّها ليست إلّا كذبة أو وهم ففادي صفحة من حياتها تمزّقت تماما بفعل القدر ولو لم يفعل لكانت مزّقتها بيديها لفتات صغير
تشوّهات صورته التي اغبشّت قليلا بموته قد باتت الآن أشدّ وضوحا ووهج الخبر يزيد الصورة دقّة مركزا الضوء على أدقّ التفاصيل فيها فهل تريد الآن سببا إضافيا يزيده في قلبها نفورا تريد أن تترحّم عليه
والله تريد ولكن الحقد عليه يزاحم الشفقة الآن فما فعله لا يغتفر لِم نجّس جسدها بلمساته القذرة؟
لِم وضعها في كفّة واحدة مع أكوام ذنبه؟
لِم لَم يعُفّها من قربه وقد وجد أن لا استعفاف له في قربها
تعلم يقينا أنّها لم تكن سوى ضغوطات أهله من كانت السبب الأساسيّ بتقرّبه منها فبعد تلك الليلة الأولى بينهما والتي استطاع بها نحر معتز من جسدها لم يكن بينهما أي تقارب يذكر
شهور مضت كان التهرّب بينهما مشتعلا من كلا الطرفين كان يقدّم لها الأعذار الواهية وتقبلها عن طيب خاطر براحة فكم كرهت تلك الحالة من الانفصال التي شعرت بها في تلك الليلة الأولى لا سيّما وقد
كانت تبكي في قلبها ذلك المجنون الذي اضطرت أن تقطع شرايين قلبها كي تستطيع أن تعيده لبعض من صوابه وتلهيه عن جنون خيالاته عندما اتصلت بوقتها بالشرطة وأبلغتهم عن ازعاجه لها
لم تكن سوى بعد عدّة شهور عندما بدأت التلميحات من أهله عن طفل من المفترض به أن يكون بالطريق إليهم فبدأت من بعدها المحاولات محاولات لم تكن تؤتي ثمارها ولم تكن سوى تعذيبا نفسيا لكليهما
إلى أن انعدمت تقريبا وقد أيقن جميع من حولهم أنّ زوجها ربّما يعاني من بعض الصعوبات بالانجاب حتّى تلك الليلة
لم تدرِ ليلتها أيّ شيطان تلبّسه حتّى يكون بتلك القسوة وبذلك الإصرار لقد كان وكأنّه داخلا في حرب سيخرج منها قاتلا أو مقتولا وقد كان له ما كان قتلها وليتها ماتت ولكنّه كان من انتصر
بالنهاية وحظي بالموت مخلّفا إيّاها وراءه تحصي المخاسر فكانت لا تعدّ بالنسبة إليها ولا تحصى وها إنّ آخرها طفل منه يسدّ جميع منافذ العبور نحو مستقبل محتمل جديد
طفل لا تدري ما الذي ستخبره به عن أباه إن سألها عنه يوما إن أراد أن يعلم أيّ رجل عظيم كان ليتشبّه به متشبثا بأذياله أو ربما طفلة طفلة يحقّ لها أن تُعجب بأبيها كسائر
الفتيات.
هذا إن لم تعلم عنه شيئا طبعا
آآآآه أيّ تاريخ أسود قد خلّفت يا فادي إرثا لنسلك من بعدك!
آه عميقة خرجت من صدرها نازفة تتلوّى فتزيد من أوجاعها وتقطّع شهقاتها المتعالية والمتزايدة فتهشّ على النار الحارقة في صدرها والتي كلّما حاولت ردمها بزفراتها ازدادت اشتعالا
طرقات خفيفة على باب غرفتها الضيّقة بالمستشفى انتشلتها من هوّة الإنكار التي تخنقها ليفتح من بعدها الباب فيطلّ شقيقها الأصغر عليها بجسده يبتسم مرغما علّه يضفي على وضعها الحاليّ حتميّة سعيدة يجب الاحتفاء بها وليست
مصيبة كاذبة يجب نكرانها ورفضها بل والتخلص منها أيضا كما كانت ردّة فعلها الأوليّة قبل أن تبدأ بحالة القبول الحزين التي بدأت تنغمس بها الآن
جلس بقربها متعاميا عن دموعها و صامّا أذنيه عن شهقاتها لا سيّما وكلمات المواساة تتعثّر بين شفتيه ولا تخرج وقال:
كيف حال ماما مي ان شاء الله أحسن؟
لفّت مي رأسها جانبا برفض لواقع يتبناه شقيقها بأريحية زائفة.
شقيقها الأصغر زياد والأقرب إلى قلبها لطالما كان المفضّل عندها ربما لقرب سنوات عمره من عمرها وهو الذي يصغرها بعام واحد فقط لا غير وربّما لطريقة تفكيره المنفتحة التي لا تتشابه مع مجتمع تحيا فيه
وربّما لكونه ببساطة مهتمّ مهتمّ دون سلبيىة تشابه سلبية شقيقها الأكبر والذي رغم محبّته الأبوية لها إلّا أنّه لا يغادر جانب الحياد أبدا بكلّ ما لا يتعلق مباشرة به مختلف هو باهتمامه عن شقيقها الثاني
الذي لا يفهم دلاله لها سوى ببضعة جنيهات يرسلها إليها بكلّ مناسبة من دولة الاغتراب التي اختارها له كمستقرّ دائم لحياته حيث اختار لنفسه منها زوجة وأنشأ حياة كاملة لا وصل بينها وبين حياته السابقة
هنا في الوطن سوى حبل ماديّ يرخيه لهم والصدق يقال بوفرة وبالتأكيد لا يشابه زياد شقيقها الثالث مراد والذي يكبرها بخمسة من الأعوام لا غير والذي تميل درجة اهتمامه وكيفيته بميلان زوجته وابنة خالتها ورضاها
عليها هي شخصيا والذي بالطبع نادرا ما يكون بسبب ما تحمله لها من غلّ وغيرة لأسباب تافهة ترافقت معها منذ الصغر
رجاء شقيقها لها للتجاوب معه قاطعه طرقة حادّة على الباب ومن ثمّ دخول متلهف عاصف صادم لكلّ خلاياها التكوينية المستنفرة والنافرة حاليا
شقيقها الذي كان قد وقف غاضبا متهيئا لهجوم تأديبيّ عنيف لذلك الشخص الذي اقتحم عليهم خلوتهم دون انتظارٍ لإذن خاص لا سيّما وشقيقته في فترة عدّة وجب على الجميع احترامها وقف مبهوتا ينظر لمن دخل
الغرفة بشكلّ متحمّس غريب عن مظهره المتيبس الذي رافقه طوال أيّام العزاء الطويلة وكأنّ قالب الجبس الذي صُبّ فوقه بوفاة ابنه مشكلا عليه طبقة صلبة يصعب كسرها قد تكسّر فعلا بل ومتفتتا أيضا!
ذهوله قاسمته به شقيقته التي قالت بصوتٍ بدى لمسامعه جافّا:
عمّي أبو فادي؟
تنهدت آنجلا تغمض عينيها وراحة كبيرة تغمرها فها إنّ عجلات الطائرة تتراكض بجنون على اسفلت المطار تتهيّأ أخيرا للإقلاع لالمانيا حيث ينتظر ابنها علاجا قد يطول أو قد يقصر
أسابيع طويلة أمضتها على أعصابها تستشعر بها تمدّد تلك الخلايا السراطانية تتغذى على شرايين ولدها شهر ونصف فقط هو ما أعطاها إيّاه الطبيب حتّى تعود بابنها بنفسيّة ممتازة جاهزا ومستعدّا للعمليّة الأخرى
لن تنسى أبدا تلك الحالة من الانهيار التي أصابت عبدالله حين استيقظ من العملية عالما أنّه فقد النظر بعينه أيّام طويلة أمضاها رافضا حتّى الحديث إليها أو إلى الطبيب
بقي حاجز صمته صامدا إلى أن جاءت الخالة أم محمد وهي سيّدة تعرّفت عليها منذ سنوات عن طريق عماد لتبقى علاقتها بها وطيدة دون انقطاع وكم كان لها فضلا عليها هي وولدها محمّد بمساعدتها بتنشئها
لعبدالله كي يكون بالصورة التي هو عليها الآن
بوقتها جاءته محدّثة إيّاه عن فضل الصابرين عمّا أعدّه الله لهم بالجنة تلك الجنة التي كان يتشوق إليها دائما يبحر في الأسئلة عنها حدّثته عن قصّة النبيّ أيّوب وعمّا لاقاه في حياته من مرض وشظف
من العيش عدّدت له النعم التي أنعم الله بها عليه أخبرته أنّ هناك في الدنيا من ولد ضريرا فلا يعرف فيها لونا ولا شمس بوقتها فقط بكى بكى وبكى حتّى جاء إليها معتذرا عن جفاءه
وقسوته التي لاقتها منه وحينها احتضنته بقوّة تشاركه البكاء وسألته متذكرة نصيحة الطبيب إليها أن تجعل في حياته ما يحفز لديه الرغبة بالعيش بالمقاومة بالإرادة:
والآن حبيبي هيّا أخبرني ما أكثر شئ تتمنى فعله فأفعله لك أو ربّما نفعله معك ما رأيك؟
هيّا فكّر وأخبرني ريثما أجهّز الغداء لي ولك وللخالة أم محمد
لكنّ الأمر لم يحتج منه ذلك الوقت من التفكير فقبل حتّى أن تلتفّ بطرفها كان قد أخبرها مصمما بصوت مهتزّ بانفعال:
أتمنّى أن أرى أبي!
ربّما في حينها لو لم يقل كلمة أرى بالذات لكانت تردّدت أو حتّى أعطت لنفسها مجالا للتفكير ولكنّها تلك الكلمة هي ما جعلت كلّ ما هو دون قلب الأم الملتاع على بصر مهدّد بالفقد لولدها
يتلاشى فتهمس له قبل أن تلتفّ مبتعدة عنه متداركة دمعات لم ترد له أن يراها فليكن ذلك إذا
طلب عبدالله بقدر ما كان موجعا كان متوقعا عندها فإن لم يكن في حينها لكان في المستقبل والذنب بذلك ذنبها ألم تكن هي من اعتادت أن تحدّثه عن عماد؟
ألم تكن هي من أحيت بقلبه حبّا لأبٍ لم يعرفه حقّا يوما؟
ألم تكن هي من أخبرته عن قوّته حنانه غيرته ورجولته؟
مذ تركها عماد منذ سبعة من الأعوام انفصلت لفترة طويلة عن العالم الخارجي فلم يكن لها إلّاه هو لتتحدّث إليه فكان لها صديقا وولدا وأبا وكلّ شئ فكانت النتيجة نضوجا له جدّ مبكّر ولكن كانت
تأتي تلك اللحظات التي تقف فيها أمام تساؤلاته عاجزة حائرة لم تركها والده؟
سؤال عذّبها كثيرا البحث عن إجابة له لا تنكر أنّ مشاجراتهما كانت قد كثرت حينها لا سيّما وتقلبات الحمل وتعبه المبكر جدا والذي لم يكن يعلم عنه شيئا قد جعلا أعصابها على المحكّ فتشتعل غاضبة
ثائرة عند أتفه الأسباب كما وأنّ نفورها من أيّ تقارب بينهما قد أشعل نيران غيرته فشكوكه التي كانت تتزايد بشكل خانق وكلّ هذا وذاك كان ذلك القرار المصيريّ بحياتها والذي كانت تسعى لتحقيقه ارضاءا له
فهي دوما كانت ترى بعينيه أنّها بعيدة بطريقة أو بأخرى عن جوهره عن عماد الحقيقي وعالمه في كلّ مرة كانت تسأله فيها عن وطنه كانت ترى تيها يموج في عينيه أمّا حين تقوم بسؤاله عن
أهله فكان حاجز من ستار أسود يسدل عليهما محتجزا روحه بعيدا عنها وحتّى حين كانت تسأله عن كوابيسه تلك التي كانت تراوده كان يعاقبها باحتجاب نفسه بعيدا عنها لأيّام كان عماد ببساطة انسانا معقدا وكانت
↚
تعشقه بعقده تلك ان لم يكن لأجلها
أجل عشقته بكلّ أنوثتها وعنفوانها بكلّ قلبها وروحها وكيانها فكان ارضاءه غاية مناها ولذلك حين فتح لها قلبه مرة بعد ليلة عاصفة بحبّ متأجج غير منطوق منه مفضوحا منها وأخبرها قليلا عن عائلته قرأت شوقه
وحنينه لأخواته رأت عيناه تغرقان ذنبا عندما تكلّم عن أمّه بكلمات قليلة غير مفهومة وأخيرا قرأت حبّا لوالده واحتراما كبيرين وفخرا وحينها تجاسرت بسؤالها عنه فأخبرها.
أخبرها كيف أنّه أبا عظيما عادلا مثقفا منفتحا بأفكاره أخبرها عن مبادئه وقيمه عن التزامه الشديد بالدين وتعاليمه الدين الحقّ وليس ذلك المشوّه الذين يريدونهم أن يظنّوه أخبرها كيف أنّ جلّ أمنيته أن يجعله فخورا
به وأن لا يخذله أبدا قال بيومها عماد ما قال وانتهى به الأمر من بعدها صامتا لأيّام فكان صمته في مكانه بالنسبة إليها فقد ساهم في صفاء أفكارها فالتصميم بقراراتها عليها أن تسلم لتكون له
زوجة يفخر بها حين يقرّر العودة بيوم لوطنه فلا تكون سببا لخذلانه لهم وهذا ما كان أسلمت ولكنّه لم يأخذها!
للأسف لقد أسلمت حينها للأسباب الخطأ فلم يمسّ الاسلام منها سوى اللسان والشفتين لم تكن سوى كلمات ردّدتها في مركز اسلاميّ هناك استخرجت منه شهادة موثقة بكونها مسلمة فكانت كلمة مسلمة مرافقة لبطاقة تعريفها ولمدّة
سبع من السنوات!
شعرت آنجلا برأسٍ صغيرة تندسّ تحت ابطها وبذراع صغيرة تلتفّ حول جيدها تحتضنها فابتسمت بحنان وتنهدت براحة واطمئنان ودعت الله الواحد الأحد بقلب مطمئن مصدّق أن يحفظ لها ابنها ويحميه من كلّ شرّ وعلى هذا
غفت عيناها الغافلتان عن عينان تتأججان ألما وندما فتفوران بصمت حارق!
ذلك التجهم الذي كان محفورا بعمق على تقاسيم وجهه الرجولية الخشنة كان يبدوا غريبا ومتناقضا مع طبيعته المرحة كان يعمل بتركيز شديد على بعض الحسابات الضخمة التي تتعلق بأحد المشاريع الكبيرة داخل مكتبه في شركة
كرم والتي أصبح هو مساهما فيها منذ حوالي السنتين حين قاطعه رنين هاتفه مقاطعا تركيزه عن العمل وأفكاره من الدوران فعقله كان ولا يزال قادرا على العمل في اتجاهات مختلفة حتّى وإن تناقضت!
اسم معتز الذي كان يومض على شاشة هاتفه زاد من تجهم ملامحه ليسارع بلمس الزاوية الخضراء من الشاشة بادئا المكالمة عالما بالوضع النفسيّ والتشتت العاطفي والفكري الذي يعيشه صديقه الآن في هذه الفترة فالخيارات الآن
أمامه رغم وضوحها وتباعدها إلّا أنّها لا زالت كالحبل الطويل تشتدّ حول رقبته ومن الاتجاهين
ما إن نطق بكلمة آلو حتّى جاءه صوت ذلك خشنا متقطعا شاهقا:
يوسف قريبتكم لميس هي طالبة طب صح؟
قطّب يوسف جبينه وذكر اسمها يزيد من اعتصارات قلبه التي لا تهدأ لقاءهم فينفس عن كبته بقوله النازق:
شو انت غبي ما أنا حكيتلك انها طلعت مش لميس ونعم طالبة طب هي خير ليش بتسأل عنها؟
زفر معتز بقلّة صبر وبعض من تفاصيل الماضي ما بين يوسف ومليكته مخزّنه عنده بالذاكرة وقال:
طيب يا سيدي ولا يهمك نسينا ومنّك السماح المهم أكيد هي بتداوم بمستشفى الجامعة بدّي تسأللي على مي لأنها أكيد هناك عندهم
قطب يوسف جبينه وقال متسائلا:
ليش مالها مي بعدين ليش بمستشفى الجامعة يعني؟
أغمض معتز عينيه بقهر عاجزا عن النطق بما يرفض العقل تصديقه وقال:
مستشفى الجامعة قريب من منطقتنا بعدين مي طالبة بالجامعة هناك يعني مأمنة صحيا بمستشفى الجامعة
نبرات صوت معتز الهائجة المرتعشة أنبأت يوسف أنّ الأمر ليس بسيطا فقال مستوضحا من جديد:
مالها مي؟
ابتلع معتز ريقه يقبض على رقبته يحاول التهدئة من نار تكاد تحرق جوفه وقال هامسا بخشونة:
انت خلّيها تسأل عنها ولوقتها بتعرف شو مالها مش يمكن يكون الموضوع كلله كذبة؟
أكيد كذبة!
كذب ومي ومستشفى؟
ما هو الموضوع بالضبط؟
ما إن فتح يوسف فاه للسؤال حتّى وصله صوت معتز ملتاعا راجفا:
يوسف من شان الله مش وقت أسئلتك وخفة دمك اعمل بس زي ما حكيتلك اتصل فيها خلّيها تسأل عن مي مي محمود سالم
صمت يوسف قليلا مضطربا حائرا فكيف سيتصل بها الآن بعدما حدث مسح على وجهه وزفر هواءا ساخنا ملفوحا بحمم كلماتها التي رشقتها في وجهه ظهرا غافلةً عن تلك السياط التي عاودت سلخ ضميره من جديد
وقال بهمس:
بس يا معتز أنا هي صعب
قاطعه معتز من جديد وقال برجاء:
يوووسف ما في اشي صعب عليك دبرها من عندك!
قالها معتز وأغلق الخطّ قاطعا على يوسف أيّة أعذار محتملة رمى يوسف رأسه على الكرسيّ خلفه وأغمض عينيه متنهدا بينما يتلاعب بهاتفه بين أصابعه برتابة ودقّة يتسائل بينه وبين نفسه هل سيتصل بها أم لن
يفعل بل الأهم هل ستقبل هي منه مكالمة أخرى معها بعد الانفلاتة الغبية التي زلقت من لسانه اليوم ظهرا ولكن هل زلقت حقّا يا يوسف أم أنّك أنت من أفسحت لها الطريق كي تنفلت منك
فتنحر شريان التعقل في دماغ تلك المسكينة التي تناقض شحوب وجهها مع الجنون الذي عصف بعينيها والذي ترافق مع قنابل لفظية انثالت عليه موقظة إيّاه بقسوة من دوامة الأفكار والظنون
*
*
كان يتأملها منبهرا بحياة كانت قد بدأت تدبّ بها فعلا وقد صدمها وأغضبها بموضوع لون السيّارة الزهري والذي كان قد انتقاه رغم يقينه لرفضها له ولكنه ببساطة لم يقاوم لم يقاوم وذكرى ذلك اللون ذكّره
بها فتاة بريئة تنبض بالحياة ترتدي قيمصا ضيقا ورديّا وحقيبة تماثله لونا
كان ينظر إليها وشعور بالفقد داخله يتجدّد مذكرا إيّاه بشعور مشابه قديم انتابه بعد أن اكتملت لعبته التي لعبها عليها والتي انتهت بأن تحوّلت إلى درس تأديبيّ كان قد أدمنها بوقتها وعلى ما يبدو أنّه
قد أدمنها الآن ولم يعرف كيف وجد نفسه ينطق بما بدأ فعليا بقضّ مضجعه
كيف بدّي أسمع صوتك وحجّة السيّارة خلصت؟
سرعان ما أدرك يوسف سوء ما نطق عندما لاحظ اختفاء اللون تدريجيا من وجهها والذي ترافق مع التماعات ادراك متألمة لما ألمح إليه لا بل صرّح به بوقاحة لتفتح فمها عدّة مرات تحاول التقاط حبل
كلماتها فأفكارها فتبدأ بلفّه حول عنقه بقسوة استحقّها بينما تقول:
ليش مين قال إنّه لازم ترجع تسمع صوتي أو حتّى إنّي راح أرجع أحكي معك؟
إذا مفكّر إنّه لأنّي كنت جاهلة من سبع سنين وسمحت لنفسي أنزل لهيك مستوى إنّي راح أرجع أعمل هيك مرة تانية فراجع نفسك أحسنلك
لسانه الذي كان معقودا ذاهلا بمراقبة ذلك القهر يكاد يمزّق عينيها لشدّة ما جحظتا سرعان ما شلّ تماما مبهوتا بينما يسمعها تكمل:
أو ليكون مفكّر إنّي حكيت معك بوقتها حبيتك وكنت ميتة فيك عنجد؟
لااا انتبه أنا ما قبلت أحكي معك إلّا لأنّي فكّرتك فعلا غني متل ما أوهمتني وقلت خلص بس هاد هو العريس اللي راح يحققلي طموحي بدراسة الطب اللي بابا كان رافض تماما إنّي أسجّل فيه
أو حتّى إنّي أدخل الجامعة من أساسه
صمتت زوزو قليلا تستوعب ما تفوهت به من كلمات فترى نظراته الضيّقة المبهوتة والتي يحاول بها تسجيل كلّ انفعالاتها كي يسترجعها لاحقا محاولا فكّ شيفرات كلماتها التي رغم ما بها من وضوح إلّا أنّها حملت
بين طيّاتها طلاسما أوقفته أمامها عاجزا
نظرت له زوزو وأكملت بتأكيد:
صدقني لو كنت أعرف إنّه مشكلة بابا كانت بتنتهي بس بتزويجي وإنّه مستعد يدرسني على حسابه ومن ماله الخاص لو كنت فعليا على ذمة زلمة لكانت الأمور بوقتها اختلفت كتيييير
صمت مهيب فرض نفسه عليهما بينما يقفان متواجهين وقد هدأت في عيونها العواصف الرعدية واكتنف نظراته ظلمة وغموض لتبتسم بعدها هي بقليل من الهزء وتقول بصوت بحّ من شدّة الانفعال:
شايف كيف دروسك ما راحت على الفاضي زي ما حكيتلك مرة أنا طالبة نجيبة
توسعت ابتسامة زوزو الساخرة التي كانت تستر ما وراءها من مرارة وأكملت تهزّ كتفها باستخفاف كاذب:
وإذا عالأواعي الملابس اللي انت شايفها وراح تطلع عينك عليها فبحب أخيّب أملك وأحكيلك انها أبدا مش دعوة صريحة إلك أو لغيرك وسكوتي على نظراتك مو لأنها عاجبتني.
أبدا إنّما لأنها ببساطة ما بتعنيلي شي ما بتهزّ منّي شعرة إنت ممكن تتفرّج قد ما بتحب لكن بالنهاية غير النظرات ما راح يطلعلك معي وعشان هيك إيّاك يا يوسف إيّاك تفكّر إنّك ممكن ترجّع
الماضي زوزو اليوم غير زوزو مبارح!
*
*
أولا يعلم ذلك يعلم بالتأكيد وهذا ما يقتله.
إنّها ما عادت هي أبدا!
رفع يوسف كفيه كلاهما يشدّ بهما شعره قبل أن تومض نظراته تلك بتصميم مؤكدا لنفسه أنّه ليس من المتخاذلين أبدا معتز يحتاجه الآن أما هي فعليه أن يتغلغل في تفاصيلها أكثر فاليوم رأى أمام واجهتها
الصامدة بأنفة دوما فتاة هشّة اليوم عرف أنّ زوزو الحالية ليست نتاجا لحادث واحد فقط ربطها سوء حظها به هو زوزو كتلة من التعقيدات والمتناقضات يكاد يموت شوقا لسبر أغوارها وبلسمة تشابكاتها ولكن إنّ الله
يحبّ الصابرين
ردّدها يوسف في نفسه مقرّرا أن يضع نفسه مشاعره وأفكاره اعتقاداته ورجولته تحت المجهر أمام عينيه ولكن عليه أن ينتهي من موضوع معتز أوّلا وليفعل ذلك عليه أن يطلب مساعدتها أولا بل الأصح أن يرجوها
وليعنه الله على ذلك!
في شقّته كان كرم وأحمد وعمر ووالدتهم جالسين بترقب صامت وضعت لهم غزل أكواب العصير قبل أن تتأمّل عمر ببعض الشفقة فمنظرهم الآن ذكرها بشكل ما بجلسة أخرى قبل سنوات اجتمعوا فيها ذاتهم في ما
خلا عمر ليكون أبو كرم بوقتها على رؤرسهم رحمة الله عليه لقد كانوا بالضبط يبدون كما هم الآن وكأنهم في محاكمة فليكن الله في عونك يا عمر
وكأنّها استدعته بأفكارها اذ رفع لها عيناه لتغمز له مشجعة فيبتسم لها بارتباك
ما إن أنهت غزل تقديم ضيافتها واستأذنت منهم خارجة لتلتحق برحيق وسراب تين معا في شقة أحمد حتّى ازداد التوتر بالجوّ تكهربا
نظر كرم أوّلا لأحمد الذي رمش له بعينيه أن يبدأ مباشرة بالموضوع لينظر من بعدها لعمر قائلا:
شوف يا عمر رحيق من أوّل يوم دخلتها على البيت عنّا وأنا اعتبرتها زي أختي واذا بدّك حتّى زي بنتي وكذلك أحمد البنت هاي إنت جبتها أحضرتها تحت مسمّى زوجة وإحنا اعتبرناها أمانتنا حافظنا عليها
وصنّاها وإن شاء الله إنّه ما بنكون قصرنا معاها بإشي على قدر استطاعتنا طبعا بوقتها إنت كنت صغير وقدّرنا وضعك وسفرك إنت ويوسف خلّا جعل من وجودها بينا أمر عادي وما عليه كلام بس هلأ
الوضع تغيّر هلأ البيت صار في شباب تنين عزابية والحكي والتساؤلات راح تزيد وهلأ حضرتك صرت معاها بالجامعة وبتروحوا وبتيجوا مع بعض والعيون عليكم راح تكتر بتقدر تحكيلي حضرتك بأي صفة بتطلعها ويتوخدها وبتجيبها معك
هيك كل يوم من دون لا سؤال ولا جواب؟
عمر الذي كان يستمع لكلمات كرم بأذن مصغية وضمير صاح استفزّته آخر جمله فقال باعتراض:
إذن شو؟
شو ناسي إنّا متزوجين!
هتف به كرم غاضبا:
بأمارة شو؟
بأمارة ورقة الزواج اللي التراب تكوم عليها من سبع سنين ما تحركت من مكانها بخزانة إمك ولّا بأمارة العرس اللي صار ولا بأمارة الدبلة اللي لابستها بأصبعها
صمت عمر كازّا على أسنانه فيتدخل حينها أحمد ملطفا الأجواء وقال بعقلانية هادئة:
يا عمر طلعتكم ودخلتكم مع بعض مش منيحة لسمعة البنت الناس ما بتعرف إنكم متزوجين وإنت إنت ما بتعمل إشي ما عم تتحرّك شو مستني ما بعرف!
نظر له عمر وصمت قليلا قبل أن يقول:
وأنا كمان ما بعرف!
ضرب كرم كفّا بكفّ وزفر قائلا:
لااا حول ولا قوّة إلّا بالله
هنا وجدت أم أحمد نفسها تتدخل مدركة خجل عمر من جهة وتشتت أفكاره من جهة أخرى فقالت:
يا ماما يا ماما يعني إنت بدّك إيّاها للبنت ولّا لأ؟
نظرات عمر سارعت بالقفز لوالدته فيها كلام متخبط كثير وتساؤلات حيرى تدرك جيّدا أنّ عمر يحتاج أن يشعر بأنّه من اختار رحيق وبأنّها من اختارته تدرك أيضا أنّ بداخله تخوفات تراكمت عبر السنوات حتّى أثقلت
عليه فما عاد بقادر على تحديد حجم أيّ منها يشعر بها كبيرة وليست إلّا أكوام متفتتة من تخوفات حمقاء تكاتفت معا لتصبح لعينيه واحدة متشابكة كبيرة
↚
ربّما لو لم تجرّ منه كلمة مرتي تلك الليلة رغما عن أنفه لانتاب روحها اليأس من أن يكون صغيرها متقبلا حقا لتلك الطفلة
بس رحيق مش خدامة ماما مش خدامة!
ولّا شو ياعمر شووو؟
بوقتها كانت كلمة مرتي رحيق مرتي هي ما اقتلعت جذور يأس وخوف كانت قد بدأت تتغلغ في عقلها كلّ ما يحتاجه عمر هو القبول وكي يحصل على القبول عليه أن يشعر أنّ الخيارات والبدائل موجودة
وحينها سيبدأ هو بذكاء تفكيك التعقيدات التي تكبّله!
نظرت له والدته بعد أن تبادلت نظرات متعمقة قصير مع كرم وأحمد لتقول له:
ماما هاي البنت إنت كنت شهم معها لمّا قبلت إنّك تتزوجها وتطلعها من الجحيم اللي كانت عايشة فيه فالله يرضى عليك حبيبي كمّل جميلك معها إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
نظرات كرم وأحمد الذاهلة لم تفتها رغم تمتعها باضطراب النظرات التي تقافزت بصدمة من عيني عمر الذي همس قائلا:
شو يعني؟
أجابته أمّه ببساطة ظاهرية:
يعني إنتَ طلّعتها من هناك وعملت اللي عليك
فتح عمر عينيه مذهولا وتساءل:
وهي؟
هزّت والدته كتفها قائلة:
هي صغيرة وحلوة وبابنا ما بطّل دق من أول ما رحيق تفتحت وحلوّت كل مين بدّها إياها لابنها وأنا عجزت أرد الناس بتحجج إنها بعدها صغيرة وإنها لسّة بتدرس بس خلص حجتنا هلأ بطلت
ابتلع عمر ريقه وقال بتشوش:
كيف يعني؟
نظرت له والدته في عينيه وقالت:
يعني رحيق هالسنة بتتخرج وبصراحة يا ابني حرام هيك العمر بضيع منها وهي بتستنى فيك
هنا تدخّل أحمد سعيدا جدا وراضيا بالمنحى الذي أدخلتهم به والدته حفظها الله والذي ما كان ليخطر له أو لكرم على بال فقال يجاريها:
مزبوط كلامك ماما وبيني وبينك من فترة اجاني دكتور صاحبي وبدور على عروس لأخوه متخرج جديد وكتير حابب تكون زوجته سورية وسألني عن رحيق لأنه كان سبق وشافتها إمّه عنّا بالبيت وقت زارتك وأنا بصراحة
انحرجت وما عرفت شو أحكيله!
التفت كرم لأحمد بتجاهل صريح لعمر وقال:
حتّى غزل دائما بتحكيلي عن العرسان اللي بييجوا لرحيق بعد أكتر المناسبات اللي بتحضرها و
كلماتهم واقتراحاتهم هزّت رجولته فانتفضت بضيق فمن يتحدّثون عنها الآن باحثين عن عريس لها هي زوجته فوقف أمامهم وقال غاضبا:
خلص صار الشاطر فيكم اللي بدّه يتبرع يجيبلها عريس هكلان همها مهتمّ بها بدّه يجوزها متناسيين إنها فعلا متجوزة وعلى ذمة زلمة بس الظاهر إنّه هالزلمة مش معبّي عينيكم
نظر له كرم وأجابه بسخرية:
عسلامتك بتعبّي عين الشمس مش بس عيونا بس حضرتك سيّد عمر بتفكّر العرسان بستنوا فينا حتّى ييجوها؟
رحيق مش بنتنا والناس بتعرف هالحكي يعني العريس لما بدّه ييجي ما بستنا رأينا والله أعلم لسّة هي بالجامعة شو بتشوف كمان!
أمواج هادرة كانت تتخطّف أفكاره وخيالاته الآن تتقاذفه من قمّة اليقين إلى قيعان الشكّ فينظر إليهم بقهر عارم وغضب شديد فيبادر لتركهم مغادرا متجاهلا إيّاهم قبل أن تتفجّر فيهم مراجل غضبه فيوقفه كرم بصوته الفظّ
قائلا له:
عمر معك تلات شهور حتّى يخلص الفصل الأول لرحيق تكون قرّرت شو بدّك وخلال هالفترة ممكن تتقرّب منها تتعرّف عليها منيح تفهمها وتفهمك اعتبرها فترة خطبة خطبة وبسسس!
تململ رأسها الملقى بثقله على كتفه منذ ساعات أنبأه بقرب انتهاء لحظات تنعمه بدفء قربها دفءٌ افتقده ولفترة طويلة جدّا دون حتّى أن يشعر فثلوج قلبه كانت تتجمّع بشكل تدريجيّ حتّى أفسدت آلية عمل القلب
عنده على غفلة منه وإلّا كيف استطاع عقله إيهامه أنّه قد يكون حقّا نسيها؟
رفعت آنجلا رأسها مخلفة الحسرة وراءها تئنّ شاهقة على كتفه وجودها بذلك القرب منه تحتضن عبدالله على حجرها كان مثاليا حدّ الألم كم تمنّى لو تطول بهم المسافات وتطول فتظلّ بلا نهاية ويظلّ حينها الأمل
محتضنا بين أضلعه سابقا وقائع الألم التي تكاد لا تفارقه كحبيبة مهووسة
رؤيتها بحجابها اليوم كانت صادمة جدا له بطريقة عجيبة وبقدر ما كانت مفاجئة بقدر ما كانت مألوفة بشكل ما لقلبه كم تمنّاها في زمن آخر أن تكون على دينه كم حدّثها عن الاسلام الحقّ وعن
المسلمين ذوي السريرة النقية حقّا وليسوا مدّعين الدين أولئك الذي لا يفعلون شيئا سوى تشويه جمال الاسلام وجوهر روحه لكنّه أبدا بيوم لم يطالبها بذلك فلا فائدة ترجى منه إن لم تفعله لنفسها ولقناعاتها الشخصية
في اللحظة التي دخلت فيها منزل أهله شعر وكأنّ مجموعة لها من الصور قد مُزّقت و رُميت متناثرة في وجهه بعشوائية مشوّشة عليه الفهم والادراك قد كان في يوم مضى اشترى لها وشاحا جميلا مورّدا
بالأحمر أبدت إعجابه بها بينما يتمشيّان معا في أحد البازارات الشعبية التي تقام هناك في فترات متفاوتة من العام وحين أخذته منه وأوشكت على لفّه حول رقبتها سبقتها يداه ليأخذه منها من جديد ويرفعه على
رأسها مغطيا به خصلات شعرها الذهبية فتصدم هي وتنظر له في ذهول كان غافلا عنه غارقا في ذهوله الخاص بروحانية مظهرها فتسأله بلهفة:
كيف أبدو؟
فيجيبها هو:
كاملة كما ملاك!
كم بدا ذلك اليوم قريبا اليوم وكم بدت الصور متشابهة وكم شعر للحظة بالفخر وكأنّه هو من فعلها وألبسها وشاحها وكم شعر بالأسف حين أدرك أنّه هو بالذات كان الآن خارج إطار الصورة تماما!
رآها عماد تنفض ارتباكات فوضى عاثت في تفاصيلها اضطرابا لتنهيها بشجاعة حين قرّرت المواجهة لتنظر إليه وتقول بجمود حازم:
لماذا لم توقظني كي أعدّل من وضعية نومي؟
إن كنت لا تخشى على نفسك من حرام قد يطالك فأنا أفعل
ابتسم عماد دون شعور منه ليقول بادّعاء لعدم الفهم كاذب:
تخشين عليّ من الحرام؟
نظرت له بحنق وأجابت بغيظ:
بل على نفسي!
أجابها عماد ببرود أثار المزيد من حنقها:
لا تقلقي ليس على النائم حرج
قطبت آنجلا جبينها وقالت بانكار:
ولكنّك لم تكن نائما!
نظر لها عماد من طرف عينه ليقول بلامبالاة أراد بها الزيادة من حنقها فالتمتع بفتنة لطالما تأججت عند غضبها:
ولا تزر وازرة وزر أخرى!
نظرت له آنجلا بغضب لتتكتف وتبتعد قليلا بجسدها عنه وتستدير بوجهها بطريقة طفولية أثارت فيه حنينا جارفا لتفاصيلها جميعها فينكّس هو رايات قلبه بحَرَم الذكريات التي تفرض على عقله صمتا حدادا على ما كان
كانت آنجلا تداعب شعر عبدالله الذي كان لا يزال مستغرقا في نومه رغم إعلان كابتن الطائرة قرب وصولهم لبرلين طالبا منهم الإستعداد للهبوط حين وصلها صوته أجشّا قريبا وبعيدا في ذات الوقت:
محظوظة أنتِ إذ تبدأين صفحة من حياتك بيضاء جديدة تخطّين عليها بنضوج دون ارتكابٍ لهفوات وسقطات يفرضها عليك الجهل وحميّة الشباب الأرعن الغرّ!
كم يتمنّى أن يحظى هو بفرصة أخرى فرصة يعيد فيها كتابة حياته وصفائح أعماله كلمات الشكر التي ألقتها غزل في وجهه ونظرات الامتنان التي رشقتها به رغما عن عيون زوجها المتأججة غيرة لا يلومه عليها
قد أعادت له بعضا من أنفاس خرجت منه ذات يوم دون أن تعود ولكنّها زادت من إحساسه بالخجل والنقص
هو لا يستحقّ حقا ذلك الامتنان منها فقتله لذلك الحقير لم يكن إلّا حادثا عرضيا لقد كان يلاحقه حقّا مصمما على التخلص منه تحرّكه النيران التي تأججت بداخله لرؤية غزل بذلك الشكل البشع المهين لقد
صعقته رؤيتها موقظة فيه شياطينا لم يكن يعلم حتّى بوجودها داخله رؤيتها بذلك المنظر هزّت عالمه كلّه بل كينونته وإيمانه بكل ما هو جميل لاحقه بيومها يقوده الجنون فشاء القدير الخبير بعباده أن تكون منيته
بيدي تهوره ونجاسته ولكن رغم ذلك ورغم تلك الصدمة التي أصابته اثر رؤيته للموت قريبا منه لتلك الدرجة رغم خشيته من هول ما رأى إلّا أنّه كان عليه الاقتراب أكثر وفعل وليته مافعل
المفتاح الذي رآه معه بوقتها كان أكبر همّه فهذا النكرة إن مات فما حدث عليه أن يموت معه وبقاء ذلك المفتاح معه كان شبهة بحدّ ذاته لكنّه وللأسف عندما اقترب منه وجده لا زال ينبض
بأنفاس متعثرة أنفاس راقبها هو ببرود تزداد تعثرا وتتباطأ وتتناقص قليلا قليلا حتّى تلاشت تماما بينما نظرات ذلك التي كانت تناشده الحياة لا زالت متعلقة بنظراته فيما هبطت يده التي كان يمدّها إليه برجاء مرتمية
بجانبه قريبة جدا منه هو مات ومات معه جزء منه هو جزء بريء جدا طاهر ونقيّ غادره تماما من غير رجعة آخذا معه كثيرا من انسانيته
تلك البرودة التي أحسّها عماد تسكن داخله بقيت معه بينما يمدّ يدّه يأخذ المفتاح من جيب الجثّة ليغادر من بعدها ببساطة متناسيا كلّ شئ إلّا تلك الذبيحة التي ما أراد سوى انقاذها من سوءة ما
حصل مقدّما لها حلّا لمصيبتها الزواج
في تلك الليلة نام مرتجفا يشعر بالبرودة تزحف داخله شالّة كلّ أطرافه فتغيّبه بحمّى شديدة دامت لأيّام طويلة كان يرى فيها نفسه بوجه أسود ويدين مبقعتان بدم لا يزول ويرى أحيانا تلك تنظر إليه بعيون
تتساكب على خديها دما ترفع يدها إليه فيمسكها هو كارها فتلتصق به هي الأخرى بنفور دون فكاك لتكون صورتهم النهائية معا جدّا جدّا مشوهة صورة كم كرهها وكم شعر بالراحة والانطلاق وكأنما طوقا خانقا كان
يقبض على لوزتيه يكاد يخرج بروحه قد أفلت عنهما فجأة حين علم حال استفاقته من أمّه النادبة أنّ كرم قد عقد قرانه على غزل بينما كان هو مرتميا مريضا
كم غضبت أمّه وحقدت على شقيقها وعائلته غير دارية أنّ زواجه من غزل ما كان ليكون نعمة عليه في الحقيقة لقد مرّت سنوات عليه كان يظنّ فيها أنّ زواجه لن يكون يوما وأنّ اقترابه من
أيّ أنثى لهو ضرب من المستحيل لا سيّما وصورة غزل ما كانت تفارقه أبدا حتّى جاءت تلك التي تجلس الآن بجانبه تنظر له الآن بوجع وتقريع غازية عالمه ساحبة إيّاه إلى ضفة جديدة أخرى من
الحياة لم يكن فيها عماد هو ذات العماد بل آخر منسلخ عن واقعه حيث أمه وعائلته وبلده تناساهم جميعا لفترة طويلة مدّعيا أنّه آخر فتنعّم في حبّها هانئا حتّى جاءه كرم منبها إيّاه موقظا إيّاه
من حلم جميل مذكّرا إيّاه بأمِّ له تتآكلها الحسرة على فراقه وبأب انحنت هامة سنواته منتظرا إيّاه فكان كمن أوقظ على غفلة من نوم عميق جدا وحال أن استيقظ التبس عليه الواقع بالحلم وتاهت عنه
الأيام والأوقات فتاه في الخطوات حتّى اتخذ طريقا خاطئا مخلّفا وراءه أجمل ما في الحياتين بغباء وجهل وتسرع تاركا المجال لغيرهما بتحريكه كما دمية بخيط على ما تشتهي نفسه والنتيجة أنّه فقدها وفقد الحقّ حتّى
بالاعتذار منها مخلّفا لنفسه الندم والحسرة
نظراته النادمة إليها التقطتها هي فحملت له في عينيها الكثير من اللوم والعتب مطالبة إيّاه في صمت أن ينطق.
أن يقول ما قد يبرّد القليل من نارها ولكن ماذا من الممكن أن يقال آنجلا فكلمات الاعتذرا أحيانا تجرح أكثر مما تشفي تبلّل ولا تروي فيكون بالتلفظ بها استهانة بعظم الذنب المرتكب
وكأنّها تقرأ ما في قلبه ولا يكفيها فتزيد عليه من التأنيب والحسرة والتقريع فتقول معقبة على كلامه سابقا:
صفحتي ليست حقا جديدة إيماااد بل عمرها هو سبعة من الأعوام سبعة لم أخط عليها فيها سوى شخابيط سوداء شوّهت نقاء بياضها!
يطرق المقود بأطراف أصابعه بمتابعة رتيبة يلهي بها نفسه بينما عيناه تترقبان بتدقيق شديد شاشة هاتفه المفتوح على تطبيق الواتس آب يراقب كلمات أرسلها إليها يعلم أنّها وصلتها ولم تقرأها بعد حسنا ها هي متصلة
الآن بالبرنامج كما يبدو من كلمة online التي تروّس المحادثة وها هي قد خرجت من جديد دون أن تعير رسالته أيّ اهتمام
زفر يوسف بقهر والتمعت نظرة تصميم في عينيه لقد اتصل بها لحوالي عشرة من المرات حتّى الآن وأرسل لها عدّة من الرسائل مؤكدا عليها أنّه يحتاجها في أمر ضروري يتعلق بشخص مريض عندها في المستشفى
حيث تتدرب ولكنّها لا أجابت اتصالاته ولا رأت رسائله فلم يبق أمامه خيارات أخرى إذا قالها يوسف بنفسه وحرّك سيّارته متجها بهمّة لبيت عمّته أم مجد.
+
قراءة ممتعة.
يتبع
العاشر من هنا
حمّل تطبيق حكايتنا حكاية وكمّل عندما يعشقون صغارا من مكانك

كل شخصيات عندما يعشقون صغارا وأسرارها في مكان واحد داخل تطبيق حكايتنا حكاية، جاهزة تكتشفها في أي وقت. 📖

قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل العاشر 10 بقلم نيفين ابو غنيم

قرار واحد فقط في رواية عندما يعشقون صغارا قد يقلب كل الموازين! 📖

استمتع بقراءة رواية عندما يعشقون صغارا كاملة 📖

رواية عندما يعشقون صغارا كاملة قراءة مباشرة بدون تعقيد. 📖

روايات نيفين ابو غنيم كاملة الآن

استمتع بقراءة قصص وروايات نيفين ابو غنيم كاملة بجميع الفصول.

إرسال تعليق