كل فصل من عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية بيكسر قاعدة كنت فاكرها ثابتة! 📖
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الخامس 5 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الخامس 5 بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الخامس 5 بقلم نيفين ابو غنيم
الفصل الخامس
صوت تكبيرات العيد وتهليلاته كما دوما أيقظت بداخلها تلك الطفلة التي دوما ما كانت تستيقظ منذ ما قبل بزوغ الفجر توقظ والديها بضوضائها مهدية إيّاهما باقة ضخمة من القبل وأخرى من المعايدات والتبريكات لتذهب بعدها
فتقف أمام نافذة غرفتها تراقب الأفق تترقب بزوغ الشمس وما إن تطلّ عليها بثوبها الذهبيّ المحمرّ حتّى تدخل بنوبة أخرى من التجهيزات وتدخل والديها بها ولا يهنأ لها حال إلّا وقد وصلوا إلى حيث يتجمع
من الناس زمرا لأداء صلاة العيد
الحقيقة هي أن ليس صباحاتها فقط في العيد هي ما كانت صاخبة إنّما كل ساعاته وفي كلّ أيّامه العيد كان بهجة قصوى لها حيث كانت تشعر أنّها ليست سوى أميرة وما عليها سوى أن تطلب
لتطاع خروجات وزيارات وألعاب ومطاعم ونزهات سعادة في سعادة
تنهدت رحيق بينما تتقلب في فراشها تسمع صخب الصغار في الخارج جاؤوا ليعايدوا جدّتهم قبل الذهاب لصلاة العيد وربما أيضا ليستلموا أولى عيدياتهم فتبتسم في شجن.
محتاجة مشتاقة مفجوعة مسحت رحيق دمعة استقرّت على خدّها فيما تتنهد من جديد بألم دوما دوما في صباحات العيد خاصة تتذكر أنّها يتيمة لو كانت تعلم فقط لزادت من قبلها والصخب رحم الله والديها وأنار
قبورا تحتضنهم
أغمضت عينيها تعتصر ذاكرتها تحاول استرجاع ملامحهما التي تشعر أحيانا بخشية أنّها قد تكون ضيّعت بعضا من تفاصيلها فإن نسيت فمن أين لها أن تتذكر ولا صورة معها لتذكّرها فالصور قد كانت آخر همهم عندما
كانت الأرواح على المحكّ
لم تكن رحيق تدرك في خضم بؤسها وتحسّرها على صورة أنّها قد تكون أكثر حظا من غيرها فغيرها وإن ملك ألبوما من الصور فلا ذكريات يؤسف عليها لكي يستعيدها بالضبط كحال تلك الأخرى التي استيقظت
منذ ما قبل الفجر وشعور عارم بالفراغ يلفّها شعور بالانفصال وكأنّ تلك البهجة وذلك الجنون اللذين ينتابان الناس من حولها في خضم تحضيراتهم للعيد بل واستقبالهم له غير مفهومين بالنسبة لها
في كلّ عيد تأخذ بمراقبة بيت عمها سراب وأولادها ومجد وأطفاله فتستغرب وتسأل ما الشئ المختلف بالعيد كي يكون يوما مميزا في كلّ مرة تشاهدهم يحييون بعضهم في يوم العيد بحفاوة شديدة وكأنّهم لم يروا
بعضهم منذ يوم أو يومين تكاد تضحك عليهم تكاد ولا تفعلها فطفلة متوارية بزاوية باردة مظلمة ومهجورة داخل قلبها تراقبهم أيضا بعين دامعة وبعض الحسد!
لطالما كان العيد بالنسبة لها وللميس إجازة مدرسية مسرحيات تلفزيونية وملابس جديدة الكثير منها وعيدية مالية لا فائدة منها توضع في حصالاتهم فبم سيصرفونها إن كان الخروج شبه معدوم عيدية حرموا منها أيضا ما إن
كبرن قليلا ليستعاض عنها بكثير من الهدايا فكثرة المال ليست إلا مفسدة أخلاقية!
ما كان يخفف عنهن وطأة الكآبة في العيد أنّ والديهما كانا يعلنانه كهدنة فيما بينهما فيتوقفان عن الشجار إلّا بالطبع إذا قرّر والدهم التفريج عليهم وإخراجهم لتناول وجبة طعام خارج البيت في مطعم ما حينها
فقط تنتهي تلك الهدنة كلّها وكأنّها لم تكن فاتهامات والدها وشكوكه وتأويله لكلّ حركة ونظرة وهمسة من والدتها كانت تعيد اشعال فتيل الحرب بينهما من جديد ولهذا السبب بعد أن كبرن قليلا بتن هنّ بأنفسهنّ
يرفضن ذلك الإمتياز بالخروج فلا هنّ على استعداد لاهدار تلك الهدنة السلمية ولا راغبات بالخروج كما العساكر خلف ضابط فلا همسة ولا ابتسامة ولا نظرة فإن كان الهدف من الخروج هو الأكل فقط فخدمات التوصيل
للمنازل أكثر من كافية أما والدهنّ فقد وجد باعفاءهنّ هذا له فرصة في بعض الأحيان لزيارة الأردن حيث أهله ووالدته فيقضي بعضا من أيام إجازة العيد معها جدّتها زاكية!
آآآه كم تكره هذا الاسم سامح الله والدها الذي اختاره لها ارضاءا لوالدته التي غضبت منه بعد أن تجاهل تسمية لميس بذلك الاسم ليكون من نصيبها هي وما ذنبها هي لتحمله طيلة حياتها فتمضي سنينها
في المدرسة متعرضة لاستهزاء زميلاتها فهناك لقب زوزو لم ينفعها لا سيما أنّها كانت دوما من المتميزات في المدرسة واسمها كثيرا ما كان يتردد على ألسنة المعلمات
تذكر جيّدا أول دخولها للجامعة كم كان الأمر محرجا عندما ترى نظرة الصدمة على وجوه زملاءها والاحراج الشديد الذي يربك ألسنتهم عندما يودون مخاطبتها ولكنّهم ولله الحمد مع الوقت اعتادوا الأمر فما عاد الأمر مربكا
لها ولهم ولكنّ تلك اليافطة التي ستعلقها يوما على باب عيادتها لا زالت تؤرقها الدكتورة زاكية يا للسخرية!
تغضن جبين زوزو بينما تذكر صوتا لضحكة لازال يتردد في ذهنها باستفزاز منهك لكلّ تجاهل وبرود تدربت عليه عند مواجهة أي سخرية أو ردة فعل تلاقيها عند ذكر اسمها لكن الحقيقة أنّ كلمات الاحراج كلّها
والسخرية والصدمات التي مرّت عليها عبر سنوات حياتها كانت لاشئ وتلاشت تماما في ذلك اليوم عندما تعالت ضحكات ذلك المغرور تملأ المكان حولها ساخرا مستهزءا منها!
تذكر جيّدا استغراقه التام بالضحك ما إن نطق ابن أخيه الكريه اسمها فتثور بداخلها براكين من الغضب فتنهال عليه بمجموعة ضخمة من الاهانات التي على الأغلب لم تطرق أبواب سمعه ولا حتى شبابيكها فكيف ستفعل
وصوت ضحكته كاد يصمّ آذانها
ما ان انتهت جعبتها من جميع كلمات الـ سخيف صفيق كريه وقح تافه وكلمات أخرى مشابهة حتّى أحسّت بكمية هائلة من الدموع تتكاتف وتهدد بالانهمار لتتركه لسخافته وتتحرّك مبتعدة عنه تداري ضعفها ودموعها سمعته ينادي
عليها يطلب منها الانتظار ولكنها ببساطة تجاهلته وانطلقت بسرعة طلقة تبحث عن مخبأ ما ومن حسن حظها أنّ ابنة أخيه استوقفته لتطلب منه شيئا ما!
كان بعض الوقت قبل أن تخرج من الحمّام بعد أن تأكّدت من أنّ وجهها قد أصبح على ما يرام ولا آثار لدموع ضعف كريهة تبدوا واضحة في عينيها ولكنّها ولسوء حظها ما ان خرجت حتّى
وجدته واقفا مرتكزا على الجدار أمام باب الحمام في انتظارها
التقت عيناهما لثوان قبل تستدير عنه بوجهها بسرعة تدّعي التجاهل قبل أن تتصدّع بعض من أسوارها المزججة العالية أمام نظرات عينيه الـ الماذا هي حقا لا تفهم
ما إن مشت بشبه خطوة حتّى أحسّت به بجانبها:
أنا آسف
نظرت له بطرف عينها واستمرّت بالسير دون حتّى أن تعبّره بنصف كلمة لكنّه وللأسف لم يبادلها الصمت:
والله ما كان قصدي أجرحك ولا حتّى أحرجك بس الموضوع الفكرة إنّه كتير فكرت شو ممكن يكون اسمك بس أبدا أبدا ما خطرلي هالاسم.
هو غريب بصراحة بس
توقفت خطواتها رغما عنها تحاول السيطرة على انفعالاتها وجعله يصمت فرشقته بنظرات ثلجية ممتلئة حقدا ولكنّه ببساطة تابع بينما نظرات عينيه يتمازج فيها التلاعب مع الأسف حتّى يطغى عليه ويخفيه:
بس لابقلك يعني شو بدّي أحكي الاسم مفصّل تفصيل الك!
بينما كانت زوزو تقنع النيران التي بداخلها أن تخمد قليلا نظرت إليه وقالت ببرود:
بما إنّك خلصت عن إذنك!
مشت بخطوات متسارعة لتسمعه من وراءها ينادي:
زاكية!
زاااكية!
راقب خطواتها المنفعلة تتجمّد بشكل مفاجئ لتستدير إليه وتعاود خطواتها حيث هو ونظرات عينيها ترسل نحوه كراتها الثلجية الملتهبة كمن مسّها ضرب من الجنون اثر انسكاب دلو من الماء المثلج على جسدها توقفت أمامه مباشرة
وقالت بينما ترفع يدها في وجهه وتشير فيها بتساؤل وتهديد:
شو قلت؟
استمتاع هائل ملأه وبارادة من حديد حاول السيطرة على اندفاع الأدرينالين في دمه وقال بادعاء ثعلبي أصفر:
اووبس آسف قصدي الدكتورة زاكية!
كزّت زوزو على أسنانها وقالت بغيظ شديد بينما تحاول السيطرة على انفعالاتها فلا تفقد هيبتها أمامه اكثر من ذلك:
سيّد يوسف الرجاء التعامل بيني وبينك يحافظ على المسافة المفروضة بينا واللي ما بيلطفها غير علاقة القرابة غير المباشرة واللي بتفرضها علينا علاقتنا المشتركة مع بيت عمي أبو مجد
كان يوسف في هذه الأثناء صامتا يتأمل كلماتها بل يتأمل ما وراءها وما وراء صاحبتها من خفايا وأسرار وفي خضم تعمقه ذاك غادرته بخطوات واثقة أكثر هدوءا وسيطرة لا سيما وقد ظنت أنّها قد وضعته
عند حدّه ولكن ذلك بالطبع كان قبل أن ينادي عليها هذه المرة قائلا بتأكيد:
دكتورة الاسم اسمك وأنا مش مضطر أدلعك لا سيّما والعلاقة بينا شبه رسمية والمسافة بينا من المفروض نحافظ عليها!
وهذا ما كان فقد حافظ طوال تلك السهرة على المسافة وعلى الاسم أيضا فمرّة الكبّة كانت اليوم كتييير زاكية ومرة جربوا الكنافة عندهم هون زاكية ومن مثل هذا كان هناك الكثير!
تأففت زوزو بقهر لادراكها أنّ يوسف بات فعليا يشغل أو بالأحرى عاد يشغل الكثير من أفكارها فقامت عن السرير تريد غسل جسدها وأفكارها أيضا مما بهما من تلوثات والتركيز على أهم ما في حياتها وما
بذلت لأجله الكثير دراسة الطب!
كانت تتهرّب منه بمراوغة طفولية تتلاهى بأولادها مشاكسات راشد واستفزازات رشيد الباردة لقد كانت خجلة فما فعلته البارحة كان مخزيا مخزيا لتاريخهم الزوجيّ الحافل!
علمت أنّه قد أصبح عندهم في غرفة الأولاد من رائحة عطره التي ملأت أنفاسها مأججه شوقا إليه لا ينضب شوق يكاد لا ينفعها في شئ يثيرها نهارا فتقدم له الوعود تلو الأخرى تعده بليالي خاصة
تمنّي نفسه فنفسها وحين يحين الليل لا شئ تشتاقه أكثر من غفوة سريعة تسرقها من الليل قبل استيقاظ رضيعهم الذي لا تحلو له اليقظة سوى في سواد الليل الحالك وليلة البارحة لم تختلف عن سابقاتها
سوى أنّها رفعت من سقف أحلامه أكثر فليلة العيد دوما ما كانت بينهما احتفالية عن جدارة!
ما إن أحسّ الأولاد بدخول أبيهم حتّى ركضوا نحوه يقبلون يده مهنئينه بقدوم العيد للمرّة الثانية اليوم فيما ادّعت هي الانشغال بلملمة كلّ ما هو مبعثر حولهم في الغرفة
راقبها أحمد متسليا فيما كان راشد يتحدّث إليه في حماس شديد حول موضوع ما ما إن انتهت سراب مما كانت تدّعي أنّها تفعله وأوشكت على مغادرة الغرفة حتّى أمسكها بسرعة من مرفقها وقرّبها منه بينما
ينظر إليها ببعض العبوس قائلا:
شو ما بدّك تعايدي عليّ؟
اقتربت منه سراب وابتسمت له بتوتر وقبّلت وجنته هامسة بـكل عام وأنت بألف خير حبيبي
حاولت الابتعاد إلّا أنّه زاد من تمسّكه بها وقال هامسا بينما يقبّل أذنها شو بشوف صايرة بخيلة بالليل والنهار أم راشد!
هاي المعايدة مش محسوبة
نظر أحمد لأولاده وقال لهم:
اطلعوا شوي بابا بدّي أحكي مع ماما بموضوع
خرج رشيد فيما بقي راشد ليقول:
ليش يعني نطلع من غرفتنا هاي عندكم غرفتكم احكوا فيها براحتكم!
نظر أحمد لسراب المبتسمة على فلسفة ابنها وقال بهمس:
ما في وقت نوخد راحتنا!
ضربته سراب على صدره تشيرنحو ابنه فأكمل بينما ينظر له:
اطلع خلصنا مستعجل عمامك بستنوني ينتظرونني تحت بعدين أنا حر بوخد راحتي وين ما بدّي
زفر راشد بحنق ومدّ يده لوالده يعايده للمرة الثالثة:
طيب كل سنة وانت سالم سيّد بابا!
رفع أحمد حاجبيه ومدّ يده وقال بملل:
وأنت سالم سيّد راشد خلصنا اطلع برّة!
زفر راشد بحنق وقبل أن يخرج من الغرفة سمع والده يأمره:
سكّر الباب وراك
نظر لوالده بغيظ وقال قبل أن يغلق الباب خلفه بقوّة:
كماااان
حرّك أحمد رأسه يمينا ويسارا قائلا:
جييل اللهم عافينا
ضحكت سراب بخفّة وقالت:
عشان تشوف معاناتي طول اليوم
نظر لها أحمد وقال هامسا:
هسة اتركينا من راشد وخلينا في أم راشد
سرعان ما اختفت البسمة عن شفاهها وقالت:
أحمد لا تزعل منّي بس
قاطعها أحمد وقال فيما يحاول أن يداري حنقا وخيبة وكبتا طالا بداخله:
بس شو سراب من وقت ما خلّصتي الأربعين لأ ولا ليش من وقت خلّصتي الأربعين من وانتي حامل ما تهنينا بليلة زي العالم والناس طول شهور الحمل وأنا مراعيكي ومطوّل بالي وبحكي وحام وتعب الله
يعينها
↚
نظرت له سراب وقالت بغضب:
اللي بسمعك بحكي كنت محروم ولا مانعتك عنّي
همس أحمد قائلا:
اه محروم محروم منك يا ست سراب.
ليش من متى العلاقة بينا كانت اشباع حاجة وبس ومع ذلك صبرت وما كنت أحكي عشان ما أدايقك بس هلأ شو
نظرت له سراب تدرك تقصيرها به فمنذ أن أنهت أربعينها لم يتقاربا سوى مرتين وفي كليهما كانت عنصرا غير فعالا بتاتا ولكنّها حقّا منهكة إنّها تشعر بأنّها تتلاشى:
أحمد انا تعبانة
قالتها وبدأت بالبكاء ليحتضنها أحمد ويقول:
حبيبتي طيب ليش البكى بصير هيك الواحد يعيط بالعيد.
يا عمري أنا عارف انّك بتتعبي الله يعطيكي العافية بس أنا مشتاقلك وهاد ابنك رشاد آخرتي أروح أبيعه بسوق المستعمل
ضحكت سراب وأرادت مسح دموعها لكن أحمد سبقها فكفكف دموعها بكفّيه قبل أن ينظر لعينيها مقبلا جبينها وما إن أوشك على تقبيل شفتيها حتّى تعالت طرقات الباب من خلفهم وصوت راشد يصيح قائلا:
بابااااا عيد مبارك
ابتعد عنها أحمد ساخطا متأففا فيما قهقهت هي قااائلة:
بتعرف إنّه ما راح يحلّ عنّك إلّا إذا أعطيته العيدية الولد صار معيّد عليك بكل العبارات وانت مطنشه!
ضحك أحمد وقال:
لسّة بدّي أطلّع عينه وأخلّي يحكيها بالهندي كمان عشان يتربى وما يقطع علي بوسة مصيرية مرة تانية
اقتربت منه سراب بدلال وقالت:
طيب وأنا مووودي ما بدّك تعيّدني ولا معاقبة زي ابني!
هزّ احمد رأسه موافقا وقال ضاحكا:
انتي كمان معاقبة ما حد بستاهل بالبيت هاد إلّا رشيد حبيب أبوه
ابتعدت عنه سراب وقالت:
ماااشي يا أحمد انا بورّيك سأريك
نظر لها أحمد وقال بينما ينظر لمناطق محدّدة بجسدها بطريقة مضحكة:
يا ريييت أساسا أنا نفسي تورّيني
دقائق قليلة وكان أحمد وعصبته يغادرون المنزل فيما يتساومون على مقدار العيديّة التي من المفروض أن يدفعها لهم
دخلت سراب غرفتها بحذر خشية من ايقاظ صغيرها المزعج لتجد على السرير علبة صغيرة وبجانبها ورقة ابتسمت وفتحتها بينما تهمس بداخلها الله ما يحرمني منّك يا عمري فتحت العلبة لتجدها اسوارة ذهبية رقيقة بفراشات صغيرة
مختلفة الألوان معلقة بها أمسكت الورقة وفتحتها ينعاد عليكي وما يحرمني منّك يا فراشتي لكنّها كلمة فراشتي كانت ملغية بخط رفيع فوقها ومكتوب بجانبها آسف قصدي يا دجاجتي!
ضحكت سراب رغما عنها وتوعدته بداخلها مقرّرة الليلة أن تكون خفاشا لا ينام أبدا في الظلام!
كان يراقبها من بعيد محمرّة خجلا بينما عمّو كرم وعمّو أحمد يقومون بإعطاءها العيديّة فتأخذها منهم بحرج شديد يبدّدونه هم بمزاح رقيق تبسّم عمر رغما عنه عندما سمع كرم يقول لها:
شو رأيك تنسي موضوع عمّو وبضاعفلك العيدية على الأقل قدام غزل!
أحسّ بأحد يقف خلفه يتأمّل ذات الموقف فعلم أنّه ليس سوى يوسف وتأكد عندما همس له قائلا:
بفكّر أروح أعيّدها أنا كمان بلكي صارت تحكيلي عمّو شو رأيك تيجي تعمل زيّي أنت كمان آآآه صح ولّا أنت ابن عمّو ما بزبط تحكيلك عمّو يا مسكين يعني بجميع الأحوال العيديّة لابستك لابستك!
نظر له عمر بضجر فقال له يوسف بينما يربّت على ربطة عنقه خمرية اللون والتي تناسقت بشكل جذاب مع قميصه الأزرق وطقمه الكحليّ:
مالك بتطّلع عليّ هيك ليكون مش ناوي تعيّدها؟
نظر له عمر بارتباك وقال:
لأ كيف أكيد بدّي
ما كان بالطبع ليخبره أنّ والدته قد أكّدت عليه وجوب فعل ذلك كما أكّدت عليه الأسبوع الفائت وعلى غير العادة على ضرورة اختصاص رحيق بمبلغ من المال كي تشتري كل ما يلزمها للعيد ما أثار
استغرابه لا ممانعته فكرم وأحمد كانا قد أصرّا قبل سنوات على اعفاءه كليّا من تحمّل مصاريفها والتي كان هو واقعيا عاجزا عن تلبية أيّ منها وحتّى بعد أن وجد لنفسه عملا بوقت جزئي هناك أصرّا
على ذلك الرفض معفينه من أيّ من مسؤولياته نحوها ليكتفي هو بارسال مبلغ من المال لأمّه وإن قلّ دون أي تحديد لوجهته
طلب والدته الذي جاء مباغتا له تقبّله هو دون أدنى نقاش إلّا أنّه طلب منها أن تقوم هي بإعطاءها المال كما تفعل فيما يختصها به أخوته منعا لاحراجها فيما هو في الحقيقة كان يحمي نفسه
أيضا من حرج مماثل لكنّه تحذيرها النهائي هو ما تسبب له بأرق منذ وقتها وحتّى اللحظة
بس إيّاك حتّى تفكّر مجرد تفكير الأسبوع الجاي إنّي ممكن أوصللها عيديتك
وهذا كان تنبيها مبطنا منها بأنّ عليه ان لا يتناسى موضوع العيدية.
لا كلمة في معجم لغاته المتعدّدة ما بين عربية وشيشانية انجليزية والمانية قد يصف روعة شعوره بينما كان يقف بجانبه ابنه اليوم يؤدّي معه صلاة العيد كم كان فخورا واثقا بينما يعرّف كلّ من يسأله
عنه بأنّه ابنه وكيف لا يفخر بينما يراه يتفوق على كلّ أبناء جيله ومن يكبرونه أيضا باتزانه وأدبه يا إلهي كم أحسنت آنجلا وأجادت بتربيته
آآآه آنجلا شرخ عميق في قلبه فجوة في عقله وفراغ في روحه
أسابيع مرّت على وجودها في العقبة في كلّ يوم يراها فلا تكلّمه ولا يكلّمها تنظر له بعيون صامتة كسماء المانيا في يوم ربيعي مشمس لكنّه هناك تعلّم بأن لا يثق بسماءهم إذ قد تخدعك وتصبح
ضبابية غائمة ماطرة وبشكل مفاجئ فهل سيأتي وقت وتهطل فيه مقلها قلتبرق وترعد أيضا علّ احتراقاته تخفف أوجاعها قليلا!
لقد اعتاد في الأسابيع الماضية وفي كلّ صباح أن يذهب لأخذ ابنه لمنزل أهله فيقضي اليوم معهم ويرافقه أحيانا في المساء إلى عمله وهناك لا يفتأ عبدالله يستغرب ويستعجب فأين الحجاب وأين اللحى لم لا
يذهبون للصلاة أوليس هذه أواخر رمضان فلم لا يكونون في المساجد متى يقرؤون القرآن ومتى يصلّون ملاحظات كثيرة تشعر عماد بالخجل ولكنّه رغم ذلك يكون مع ابنه صريحا بالضبط كما كان مع أمّه منذ سنوات
مضت فليس الجميع مقدّرا لنعمة الاسلام وليس الجميع قويا ليهزم الشيطان المسلمون ليسوا جميعهم صالحين بعضهم عاصي وبعضهم غافل كلّ هذا ليس مهما المهم كيف سيريد هو أن يكون!
استفاق عماد من شروده على صوت عبدالله يتضاحك بصوت عال وكأنّه يغيظ أحدهم وحيث أنّه واثق من يكون هذا الأحدهم فقد ابتسم تلقائيا متوجها نحو المطبخ حيث من المتوقع لعبدالله وجدّته أن يكونان
تبادل للثقافات واللغات هذا ما كان عبدالله وجدّته يقضيان أغلب أوقاتهم فيه إذ كانت أم عماد رافضة لجهل حفيدها باللغة العربية المتداولة والمحكية هنا في الأردن وأصرّت على تعليمه إياها فيما أصرّ هو في المقابل
أن يعلّم جدّته الالمانية لتكون العربية الفصحى والتي يتقنها عبدالله الوسيط بينهما
في الحقيقة عماد لم يتوقع أبدا أن تكون علاقة أمّه بابنه بتلك القوّة لم يتوقع منها ذلك القبول لم يتوقع أن تمنحه ذلك التقبّل وذلك الاحتواء بل بالحقيقة إنّها تكاد لا تفارقه إلّا بساعات مرافقته
لجدّه للمسجد أو حتّى حين يريدان هو أو والده محادثته وتوسيع آفاقه حول ثقاقتهم ودينهم وعاداتهم وتقاليدهم وهناك كثيرا ما يكتفي هو عماد نفسه بالاستماع فقط لما يقوله والده فعن أيّ ثقافة سيحدّثه وعن أيّ
عادات أهي الأردنية أم الشيشانية أم حتّى العربية
تبسّم عماد رغما عنه عندما تذكّر كم كانت صدمة ابنه عندما أخبره أنّه ليس عربيا في الأصل وأنّ اصوله شيشانية كم شعر بوقتها بالخيبة قبل أن يسارع بالذهاب لجهازه الآي بود ليعمل بحثا سريعا عن
الشيشان وينهال عليهم من بعدها بمزيد من أسئلته الفضولية التي لا تنتهي
يا ربّي دوم هالضحكة
توسعت ابتسامة عماد واقترب من والدته مقبلا يدها وقال:
بوجودك يا غالية
ابتسم عبدالله وقلّد والده مقبلا يدها فتداعب شعره الأشقر وتقول:
ما شاء الله عنه ابنك شو ذكي وشاطر نسخة عنك وانت صغير حتى بالشكل شكلها المضروبة كاينة بتحبك بقولوا إذا الولد بشبه أمّه بكون جوزها بحبها أكتر وإذا بشبه أبوه بتكون هي بتحبه أكتر!
تغضن جبين عماد وشرد في أفكاره المكبّلة بقسوة بلى كانت تحبّه وجدا ولكن نظريتهم لو تعلمين أماه لازالت مخطئة فهي إن كانت تحبه فقد ذاب بها عشقا ولا زال!
من هيجان المشاعر أنقذته أمّه تسأل بفضول:
حلوة؟
ما الذي عليه أن يقوله لها حاليا ويصفها فيه؟
أيقول أن ليس بجمالها أحد فتنكشف لأمّه بعضا من مشاعره ومما يعانيه أم يصفها لها ببساطة فينسى نفسه ويذكر التفاصيل فتعلم أنّها وان ادّعى العكس لم تفارق أفكاره يوما ولم تخرج من بين حيطان قلبه
ولكنّه ببساطة أخفاها حتّى عن نفسه!
نظر لعبد الله -الذي كان يحاول أن يفهم ما يقولان بفضول كبير لا سيّما أنّ الموضوع من الواضح أنّه يخصه- وابتسم له قائلا:
جدّتك تريد أن تعرف كيف تبدو أمّك عبدالله
ابتسم عبدالله بحماس ونظر لجدّته ليقول لها والفخر والحبّ يكاد ينطق في عينيه:
هل رأيت يوما كيف تبدو الشمس عند التقاءها بالبحر؟
هكذا هي امي!
ابتسم عماد بدفء دفء توهج خارجا من حيث القلب مباشرة
التفّت أمّه نحوه وقالت متسائلة:
عنجد هيك حلوة؟
نظر لها عماد وقال بتأكيد:
وأحلى كمان
صمتت أمّه قليلا وقالت:
أحلى من رولا؟
تافف عماد داخليا وقال لها بصوت مغتاظ:
هلأ احنا شو بدنا برولا مش خلص راحت بطريقها الله يسهللها؟
وقفت والدته كي تبدأ بالتجهيز لأكلة المقلوبة كانت قد ستطبخها اليوم بناءا على طلب خاص من عبدالله نفسه وقالت:
يا حبيبي أنا بس بسأل طيب مين أحلى هي ولا غزل!
وقف عماد غاضبا وقد أوشك على فقدان أعصابه من مواويل أمّه المتكررة التي لا تملّها وقال:
لا حول ولا قوة الا بالله
توجه عماد نحو باب المطبخ يستغفر داخله له ولأمه سامحها الله ما اصعب برّها!
ما إن خرج عماد حتّى دخل والده المطبخ ونظر لزوجته بغيظ قائلا:
ريحي حالك ووفري أسئلتك راح نطلع احنا هلأ وبس نرجع بتشوفي المخلوقة بعينك وبتقرري لحالك أحلى من مين وأبشع من مين
فغرت أم عماد فاها وسألت بعدم فهم:
مخلوقة مين؟
نظر لها زوجها وقال ببرود:
آنجلا!
أخيرا وحدها
هذا ما كان يفكر به عمر بينما يشاهد رحيق تدخل المطبخ تحمل بيدها أكواب الشاي التي تناولوها بعد إفطار جماعي اعتادوا عليه دوما من بعد صوم رمضان مكون بشكل أساسي من سمك مملح صغير فسيخ
يهيء المعدة بملوحته الشديدة لاحتمال الكثير من كعكٍ وقهوةٍ وشوكولا خاصين بالعيد مما لا بدّ سيقدّم إليهم أثناء زيارتهم التي سيقومون بها توا للكثير من أقرباءهم وبشكل خاص قريباتهم زيارات يقوم بها هم الرجال وحدهم
أول أيام العيد لتتحول بقية أيامه لزيارات عائلية اجتماعية
لحق بها بصمت وراقبها تضع الأكواب داخل الحوض ملاحظا بنطالها الجينز وبلوزتها الزيتيتة بزهراتها الذهبية الناعمة أتراهم مما اشترت من ماله؟
↚
لاحظ عمر تدقيقه بها فخجل من نفسه وغضّ من بصره مبتلعا ريقه واقترب منها بهدوء مخفيا ارتباكه الشديد حائرا كيف سيعطيها المال أو ما الذي سيقوله لها الموقف محرج.
جدا
أنهت رحيق ما كانت تفعل فاستدارت بسرعة متلهفة لكأس من الماء واذ بها تفاجأ بمن يقف وراءها مباشرة فشهت شبه صارخة بخوف فابتعد عمر بسرعة وهتف بها قائلا:
اسم الله عليكي اسم الله عليكي شو مالك أنا عمر اسف ما طلعت صوت
قالت رحيق هاتفة فيما تضع يدها بخفة على صدرها تحاول إعادة نبضاته لانضباطها الأول:
لأ مو مشكلة أنا اللي آسفة بس كنت سرحانة شوي ما حسيت فيك وأنت عم بتدخل
صمت عمر قليلا حائرا ما الذي سيفعله الآن فيما كانت هي تنظر له بخجل تحاول تجاوز ما حصل وتحاول التصرف بشكل أنضج من ذلك الذي كان منها قبل فترة عندما طلب منها وبطريقة غير مباشرة
مناداته ابن عمي حسنا هي لم تفعل فبعد أن هزّت رأسها بخجل أهوج سارعت بالخروج لتتجنب الانفراد به ولا بدّ أنّه كان يفعل المثل فالاختلاء بينهما من وقتها لم يتكرّر أبدا
شاهدته رحيق بوجهه المحمر يتراجع بخطوة غير ملحوظة فيما يده بجيب بنطاله الرصاصيّ الأنيق تتكور وتشتد بتوتر واضح فسارعت للقول مستغلة الفرصة كي تعيد ربط ذلك الخيط الرفيع الذي بدأ بالتكون بينهما:
احم كنت بدّك شي؟
هزّ عمر رأسه بصمت ولسانه لا زال معقودا حائرا بما يبدأ الكلام فبادرت هي من جديد:
رايحين عالمقبرة هلأ؟
رفع عمر عينيه لها سريعا سعيدا بالحبل الذي مدّته إليه فتلقفه بامتنان وقال:
لأ بدنا نأجلها لبكرة أفضل حتى ما نكون بنمشي وراء بدعة زيارة القبور بأوّل يوم العيد
هزّت رأسها وقالت بصوت شجيّ:
مو مهم المهم انكن تزوروه نيالكن!
نظر لها عمر متأملا ذلك الحزن الدفين في عينيها والذي كانت تحاول مداراته منذ الصباح ليتجلّى واضحا الآن أمام ناظريه فصمت يتتبع تساؤلا في عينيها يحتضنه الأمل فابتسم لها قائلا:
نيالنا بدنا نروح عالمقبرة؟
تعي معنا إذا بدّك
نظرت له رحيق متفاجئة من عرضه ومن بداياته الغريبة معها فأول ما قدّمه لها شخصيا كان فوطا نسائية وأول عرض للخروج بينهما هو المقبرة!
كانت رحيق تحاول كتم غيظها منه عندما لاحظت الاستمتاع بدأ يظهر في عينيه ويحاول مداراته على شفتيه فعرفت أنّه إنّما يريد اغاظتها فقالت مبتسمة:
ايه مو غلط أساسا كتير متشوقة اتعرف عليه على قد مو غزولة وماما بيجيبوا بسيرته بقولوا كان رجال عن حق صاحب مبدأ وأب حنون وعطوف
ابتسم عمر وسرح بفكره قليلا يتذكر والده بشدّته وحنانه بقوته وضعفه بغضبه ورضاه كم اشتاقه وكم يحتاجه
وكأنّ رحيق كانت تحوم معه حول نفس الأفكار فقد سمعها تقول بصوت خافت رقيق:
بقولوا كنت دلوع البابا
حسنا لقد كان فعلا كذلك ولكن طريقة نطقها لتلك الحقيقة أشعرته بسخافة اللقب فنظر إليها صامتا بعيون باردة ليجدها تبتسم ببعض الخبث فعرف أنّها إنّما أرادت اغاظته أيضا فابتسم قائلا:
مزبوط لإني بستاهل الدلال
ابتسمت رحيق وذلك الطلب الخاص بالدلال والذي طلبه منها سابقا لازال يتلاعب في خيالها فتحمرّ خجلا من مجرّد فكرة مناداته بـابن عمّي لا سيّما وأنّ اللقب نفسه بات غريبا حتى على آذانها هي فسبع سنوات
هنا وبعيدا عن الوطن كفيلة بان تجعل لسانها معوجا ما بين سوري وأردني لكن اللقب بحدّ ذاته يوحي بحميمية كانت تراها مفقودة بينهما حتّى الآن لكنّه رغم ذلك محق فهو يستحق الدلال فمن مثله بهذه
الأيام باتوا كالعملة النادرة بالضبط كما وصفه أبوها يوما كم تشتاقه!
لاحظ عمر ذبول النظرة في عينيها بعد أن كانت قد أشرقت من جديد كما وتوهجت في عينيها التماعة خاصة فيما ترفعهما إليه وتهمس له بصوت مختنق مبحوح:
فكرك بكون عايش؟
بالرغم من أنّه قرأ السؤال بعينيها ومذ أوّل نظرة ألقته عليها في الصباح إلّا أنّه ادّعى عدم الفهم واستمرّ يتهرب من السؤال يفكّر حائرا في الجواب فهل من الممكن أن يكون لا يزال على قيد
الحياة أمن الممكن أن يأتي يوما مطالبا بأمانته
لاحظ عمر محاولتها المرتعشة لإخفاء دمعة قفزت من عينيها فتكبّل عاجزا لا يعلم ما عليه أن يقول كي تنجلي تلك التعاسة من عينيها كيف سيستطيع تحجيم ذلك الأمل في قلبها دون أن يفجعها
تنحنح واقترب منها خطوات ليقف أمامها مباشرة فتنظر له بأمل كما طفلة صغيرة تائهة خائفة تتمسك بيد الشرطي بعد أن أخبرها بأنّه سيستطيع ايصالها لوالديها الذين تاهت عنهما وفعلا لاحظ عمر يدها تمتد نحوه بارتعاش
وتردد وكأنّها لا تدرك حقا ما تفعل فما كانت إلّا لحظات حتى كانت تسحبها بخجل بعد أن هربت منه بعينيها بحياء
ولكونها لم تكن أمامه الآن سوى تلك الطفلة الصغيرة التي رآها تتعلق برقبة والدها بشدّة أوجعته تودعه وتبكي ترجوه إمّا البقاء أو حتى أخذها معه لكونها ستفتقده لا بدّ فقد سارع هو بالتمسك بيدها تلك
واحتضانها بكلّ كفّه ليتكلم معها بذات المنطق الذي حاورها به والدها بذلك اليوم:
رحيق إنت انسانة واعية ومؤمنة بقضاء الله وقدره وبتعرفي إنّه كل انسان إله أجل محدد ما بينقص ولا بيزيد مهما عيطنا ومهما دعينا ومهما ترجينا.
أبوكي هلأ محتاج منّك الدعاء وين ما كان وكيف ما كان حاله إنتي بنته الوحيدة ادعيله بالرحمة لأنه الرحمة بتجوز على الحيّ والميت والبرّ اتجاهه واتجاه والدتك الله يرحمها ما لازم تنسيه ادعيلهم تصدقي عنهم
وكوني الانسانة اللي كانوا بدهم إيّاكي تكونيها صدقيني راح يكونوا مبسوطين منك كتير أبوكي حكالي عنّك إنّك قوية وذكية وشاطرة لا تخيبي أمله فيكي
كان يتكلم وكانت تنظر إليه كما المسحورة دون أن تهتز منها شعرة سوى تلك الشعيرات الصغيرة الحمراء والتي كانت تتمدد بشكل واضح فتطغى على البياض في عينيها وبعد أن أنهى كلامه بقيت على صمتها تنظر
إليه عاجزة عن قول شئ فيما استمرّ هو بالتحديق مبهورا ودفء عجيب يكاد يتلحّفه عاجزا عن تحديد كنهه ليقطع عليهم فجأة تواصلهم غير المفهوم هذا صوت تراكض أقدام متسارع ليدخل عليهم المطبخ فجأة راشد يصرخ:
عمو عمر عمو عمر يلا الكل طلع وبنستنا فيك بالسيارة
تحرّك عمر بسرعة مجفلا ليدرك أنّ يده كانت لا تزال تحتضن يدها فتركها بعجل وارتباك فيما هالة من الحياء المتوهج تلتفّ حول كليهما فيغادر هو المكان سريعا يكاد يتعثر بنبضات قلبه التي تتقافز أمامه بهوجائية
مغيظة
ما إن خرج عمر من المطبخ حتى وجد يوسف يسرع أمامه متجها نحو باب الخروج فنظر إليه الأخير قائلا بخبث:
شو كنت تسلّمها إيّاهم قرش قرش؟
توقفت خطوات عمر بسرعة وقد ذكّرته كلمات يوسف بما غفل عنه فعاود الدخول بسرعة للمطبخ من جديد فوجدها حيث تركها بالضبط تخفي وجهها بيدها وكأنّها تبكي فاقترب منها بسرعة وتصميم ليمسك بذات اليد يبعدها عن
وجهها ويقطع شهقتها من مباغتته لها بتلك الطريقة فيضع في كفها العيدية ويغلق أصابعها عليها ويهمس لها قائلا:
كل سنة وانتي سالمة رحيق
ما ان أنهى عمر كلماته حتى سارع بالخروج ولكنّه وقبل أن يصل الباب نظر إليها وقال:
البكا أحيانا بريح عيطي رحيق بس لا تخلي الحزن ينسيكي دائما أنه الأمل في الله كبير
ابتسمت رحيق وبدأت دموعها بالسيلان للتو فهي ما كانت تبكي عند دخوله كما ظنّ إنّما كانت تتشمم تلك اليد التي نالت شرف احتضانها من يده الدافئة القوية التي عرفت أخيرا معنى الانتماء لم تقاوم قدماها
اللحاق به فتبعته حتى باب البيت وهمست له منادية بينما يوشك على على إغلاقه:
عمر
نظر لها عمر متسائلا فابتسمت له وقالت بصوت محرج مخنوق:
وإنت سالم ابن عمي!
ابن عمي نطقتها الشفاه ولم تتجاوز الحنجرة فاحمرار الوجه الذي بات قانيا كالجورية الحمراء أعاق عمل الأوتار الصوتية واللسان ولكنّه ورغم كلّ ذلك قد سمعها!
لقمة وراء لقمة كان الطعام ينزل في معدة عماد متجاهلا جميع الأجزاء الحسية التي يعبر خلالها فيستقر مكانه دون أدنى شعور بطعم أو برائحة فهو ما زال حتى الآن لم يستطع استيعاب فكرة تواجد آنجلا
هنا في بيتهم أمامه على سفرة واحدة مع والده و والدته
ورغم كلّ ما تسبّب به وجود آنجلا المفاجئ لهم -له ولأمه على الأقل- من ارتباك فقد كان فخورا من لباقة استقبال أهله لها فهو لطالما أخبرها عن كرمهم وجودهم وبـهم هو لم يكن حقا يعلم
من يقصد بالضبط الشيشان أم الأردن حتّى أنّه في خضم حديثة عن هم كان قد نسي أن يخبرها أنّه ليس حتّى بعربي!
أكثر ما كان عماد سعيدا لأجله هو حسن استضافة امّه لآنجلا فأمه وبرغم كونها كانت دوماً مضيفة هائلة إلّا أنّه كان يخشى أن تصبّ بعضا من سخطها منه عليها هي في الحقيقة هو لا يدري
حقا كيف تقبّلت أمه وجود عبدالله المفاجئ بل وكيف لم تحاسبه صراحة على زواجه غير المعلوم بالنسبة إليهم
كانت أم عماد في ذلك الوقت تتأمل آنجلا بفضول شديد تتمنى لو تعرف عنها المزيد لو تفهم من تصرفاتها شيئا مما تريد هي لا بدّ جميلة ولن يختلف اثنين على ذلك وقد عرفت الآن أنّ
عبدالله لم يكن يبالغ عندما وصف جمال أمّه ولكن ما بات محيّرا بالنسبة لها الآن هو السبب الذي جعل عماد ابنها يتركها
لاحظت أم عماد بعاطفة الأمومة القوية لديها كيف تنظر آنجلا في كل وقت نحو عبدالله بتدقيق واضح فيه كثير من حنان صادق كيف تحتضنه وتقبله وتهمس له بالكثير في أذنه تحيط وجهه بكلا كفيها تتأمل
عيناه بطريقة لم تستطع تفسير كنهها ولكن ربما هي فقط تودّعه لا بدّ أنّها تفعل أم تراها تنتوي البقاء هنا في الأردن إلى الأبد وان فعلت فهل ستشكل خطرا خاصا على قلب ابنها واستقراره الخاص
ما إن خطرت لها هذ الفكرة حتى نظرت لزوجها وكأنها تحاول أن تتأكد أنه لم يتسلل بطريقة ما إلى أفكارها وبدأ بقراءتها كعادته تخشى أن يعاود تذكيرها بكونها أيضا كانت بالنسبة لأهله غريبة بأنها كانت
بينهم أيضا مرفوضة منبوذة وبأنها لا زالت كذلك وبأنّه هو شخصيا اختار الابتعاد والرحيل إلى العقبة بعد أن وجد لنفسه فرصة عمل مناسبة لنفسه هناك تخفيفا مما لاقاه من أهله عليه من ضغوط كي يطلقها!
شاهدت كيف ينظر الولد لأمه مبتسما متمتما في أذنها بكلمات تبدوا لها مطمئنة أعادت أم عماد النظر هذه المرة لولدها هي وكأنها تنتظر منه تطيمنا هي الأخرى من نوع خاص فأجنبية ما كانت أبدا لتكون
من ضمن طموحاتها لابنها فابنها يستحق أكثر من ذلك يستحق من هي أكثر دفئا وطهرا وبراءة ولكنها للأسف لم تجد لديه ما يطمئن وخاصة أنّ التعامل بينه وبين آنجلا لا يبدو فيه شيئا من العدائية
المتوقعة ما بين اثنين بحالهما إنّما فقط الاحترام والرسمية الباردين حتّى أنّه من غير الممكن ولا بأي حال من الأحوال أن تتكهنّ أنّهما قد كانا زوجين يوما!
هذا بالضبط ما كان يفكر به أيضا عماد إذ كان يشعر أنّ هناك آلافا من الخيوط تلفّه وتكبّله فلا يستطيع إلّا أن يكون مقيّدا بعيدا عن كلّ من حوله بآلاف الأميال
باستمتاع حميميّ خاص مخفي في زوايا قلبه هناك مع ذكريات مشابهة شاهد عبدالله يضع في فم أمّه لقمة من ملعقتها الخاصة فتأكلها من يده بحنان شديد وتهديه قبلة قبلة كاد يستشعر رقتها على خدّه هو
قبل أن يراها توشك أن تغصّ بلقمة شربتها من الماء عندما سألها عبدالله بضحكة:
أهذه المقلوبة أشهى أم تلك التي اعتاد والدي صنعها لك سابقا!
صمت مشحون حلّق في الأجواء فالأب يتلاهى بكوب من الماء يسكبه وما له به من حاجة والأمّ بفمّ يتراقص تارة يمينا وتارة شمال وطفل يتضاحك سعيدا بانجازه الملغوم فيما هما حول الآخرين على ذات الطاولة
بأجسادهم لكنّ العين في العين تحكي وللقلب تشتكي وبفقاعة الذكريات تحلق تبتعد عنهم وتطير.
صداع وارهاق شديدن كادا يستنزفان مي اليوم ببيت أهلها حيث يجتمع أخوتها جميعا هناك إلّا أنّها لم تكن في مزاج مناسب للسهرة فوكأنّ تعب رمضان كلّه والارهاق النفسي الذي كانت تشعر به طوال الأسابيع الماضية
قد أوصلاها لأقصى حدودها فما عادت بقادرة على المجاملة أو الابتسام بوجه أحد وحيث أنّ فادي الذي كان قد أوصلها من بعد العصر وغادر لم يجب على اتصالاتها كي يأتي ويأخذها فقد طلبت من أخاها
أن يقوم هو بأخذها للمنزل
غادرت سيّارة أخيها وجرّت قدميها جرّا تسحبهما على درجات السلّم المؤدّي إلى شقتها في الطابق الثالث فيما تلميحات إحدى زوجات أخوتها تطرق مسامعها من جديد بسخافات قولها فقد تعمدت الليلة ذكر معتز عرضا ولعدّة مرات
بسبب ومن دون سبب حتّى أنّها قد سألتها بالنهاية وأمام أمّها:
يعني بدّك تقنعيني إنّه ولا مرّة لمحتيه وإنتي جاية لعند أهلك لهون؟
نظرت مي إليها بوقتها بغيظ وقالت:
والله أنا مو مضطرة أقنعك بأيّ شي ومعتز كلله على بعضه موضوعه ما بهمني فلو سمحتي احترمي كوني مرة متجوزة هلأ وعيب عليكي تجيبي سيرة زلمة غريب عني قدامي
تلميحات زوجة أخيها رغم أنها لم تصبها إلّا أنّها ارتجّت بصخب في دماغ أمّها فنظرت لها بتدقيق وقالت:
مي مرة عاقلة هلأ وبتعرف إنّه أي بلبلة حواليها مهما كانت بسيطة بتأثر على سمعتها وخاصة إنها مطلقة تلات مرات وكل همها حاليا هو بيتها وزوجها وبس مزبوط مي؟
حسنا لقد كان في كلمات أمّها حسما لأفكار تفاضلية حول احتمالية انفصالها عن فادي ولكن بكلمات أمها الواضحة فالنتيجة كانت لا بدّ سلبية!
أدخلت مي المفتاح بقفل الباب وفتحته بهدوء خوفا من ازعاج زوجها والذي لمحت سيّارته مصطفة في الخارج وحيث أنّه لم يجب على اتصالاتها فلا بدّ أنّه نائما إذا
أغلقت الباب خلفها بهدوء وتسحبت على أطراف أصابعها قبل أن ترى ضوءا خافتا يتسلل من أسفل باب غرفة المكتب فقررت تجاهله والتوجه مباشرة نحو سريرها خاصة وأنّ لغة الحوار شبه مقطوعة فيما بينهما منذ تلك
الليلة الفظيعة
صوت غريب أثار استغرابها تبعته همهمات أوقف خطواتها وأشعل فضولها فمن الواضح أنّ زوجها ليس وحيدا في البيت فكيف يحضر ضيفا معه دون إعلامها!
ذلك الصوت الغريب مرة أخرى استفزّ جسدها فسارعت نحو الباب تضع أذنها خلفه تحاول معرفة سببه فهل هو متألم من أمر ما أتراه قد تعب وأحضر لنفسه طبيبا فما تسمع لابدّ أنّها صوت تأوهات ولكن
مهلا فالتأوهات لا تخصه وحده بل هي لشخصين اثنين
وضعت مي عينها في ثقب الباب ودقّات قلبها تتبعثر بتعثّر ولكنّها لم تر سوى خيالات متحركة وأصوات مريبة طرقت الباب بخفّة وفتحته بهدوء بينما تشدّ الحجاب حول رأسها بتوتر واضح وليتها ما فعلت ويا لهول
ما رأت!
↚
+
قراءة ممتعة.
يتبع
السادس من هنا
حمّل تطبيق حكايتنا حكاية دلوقتي وكمّل قراءة عندما يعشقون صغارا 📖
القراءة على تطبيق حكايتنا حكاية بتخليك تعيش أحداث عندما يعشقون صغارا بتركيز أكبر وبدون مقاطعات. 📖
قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل السادس 6 بقلم نيفين ابو غنيم
كل شيء في رواية عندما يعشقون صغارا على وشك الانهيار… أو البداية من جديد! 📖
كل فصول رواية عندما يعشقون صغارا في مكان واحد 📖
جميع أجزاء رواية عندما يعشقون صغارا متاحة للقراءة بسهولة. 📖
روايات نيفين ابو غنيم كاملة
اقرأ كل ما كتبه نيفين ابو غنيم من روايات وقصص كاملة.