رواية عندما يعشقون صغارا على حكايتنا حكاية لن تمنحك ما تتوقعه… كل شيء قابل للانقلاب! 📖
رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الأول 1 بقلم نيفين ابو غنيم
0
رواية عندما يعشقون صغارا كامله وحصريه بقلم نيفين ابو غنيم
رواية عندما يعشقون صغارا كامله وحصريه بقلم نيفين ابو غنيم
المقدمة
دخل إلى غرفة أمّه بخطواته الهادئة الرزينة وانتظر قليلا حتّى تتمّ صلاتها وما إن ألقت سلامها ذات اليمين وذات الشمال حتّى نظرت له بقلب متقطّع تكاد تقرأ ما سينطق به بعيون قلبها واضحا في عينيه
مدّت له ذراعها فتلقفها وانحنى لها مقبّلا بينما يجلس بجانبها تكاد دموع القهر والألم تتفطّر من عينيه مدّت كفّها تداعب وجنته الخشنة:
شو خلص حجزت وعزمت النيّة على السفر؟
أمسك عمر كفّيها وقال بصوت متحشرج:
سامحيني يا ست الحبايب بس خلص مش قادر أنا بموت بموت كلّ ما ألمحها قدامي أنا قدّامي دراسة ومستقبل قدّامي كتييير لحتّى أقدر أفتح بيت وأستقرّ كيف كيف متزوج ولسّة بمد إيدي إلكم آخد منكم
مصروفي كيف بدّي أكون زوج وأنا ما معي أأمنلها أبسط مطالبها
بكت عندها أم أحمد مشفقة على حال ابنها وآخر العنقود وقالت تحاول ثنيه عن قبول تلك المنحة التي سعى لها ولأشهر طوال:
بس يا ماما أنا وإخوانك
قاطعها عمر قائلا:
بعرف والله بعرف إنكم مش مقصرين ولا راح تقصروا بس وين احترامها إلي راح يكون ولا حتّى احترامي أنا لنفسي صعب صعب كتير بعدين أنا أنا طول عمري عندي طموح علمي بدّي أحققه وإنتي ماما
أعلم الناس بهالإشي الله يخليكي لا تزعلي مني وسامحيني بعدين شو نسيتي إنّه يوسف لاحقني أوّل ما تزبط الفيزا تبعته؟
هزّت أم أحمد رأسها تندب حالها وأولادها عفاريت الهجرة تلاحقهم وكأنّها قدر كتب على كلّ أولاد أبو كرم احتضنته أمّه بشوق مبكّر وأجهشت بالبكاء فوصايه أبيه قد كبر وقرّر مفارقة السرب وقطع الحبل السريّ الذي
استطال بينهما حتّى بلغ من الطول ثمانية عشر عاما.
شارك عمر أمّه البكاء وعقل حاله بتمتم الله يسامحك يا أبوفيّاض الله يسامحك يا أبو فيّاض
وفيما كلاهما مشتاقان قبل الفراق كلٌ في حضن الآخر كانت روح أخرى ترقبهما تائهة تبكي والذنب يثقل قلبها لكنّها لا تدري أيّ خطأ ذاك الذي ارتكبته.
تتزايد نبضات قلبها ارتفاعا مع كلّ رنّة تصدر من هاتفها القابع في حقيبتها الفضية الصغيرة المرمية بإهمال على سرير زوجيّتها الجديد تخشى إخراجه من مكمنه فيخرج لها عفريت صاحب المكالمة الذي ينبئها حدس قلبها أنّه
هو
بيدين مرتجفتين بدأت بخلع ثوب زفافها بينما تحمد الله أنّها تركت عريسها خارجا لتستعد لليلة عزاءها القادمة وإلّا لكان لاحظ إلحاح الرنين في هاتفها ذلك الرنين الذي يكاد يخلع قلبها هلعا على نفسها و حزنا
على صاحبه
قرّرت مي في لحظة تصميم أن تقتل كلّ مخاوفها وتغلق هاتفها في وجهه معينة نفسها على إخلاص مفروض عليها ابتداءا من الليلة وبدايته إغلاق كلّ مصاريع ذاكرة قلبها على معتز بكلّ صخبه وجنونه وكلّ ما
كان
ولكنّه الجسد الذي لطالما كان مسيّرا بهوى قلبه من عصاها كما اعتاد دوما أن يفعل عند أوّل إشارة منه فتحرّك أصبعها دون حتّى أن يحذّرها فما إن أمسكت الهاتف بيدها حتّى تحرّك أصبعها نحو اللون
الأخضر في يسار الشاشة بدلا من ضغظ زر الإغلاق ولم تدرك ميّ حقا ما فعلت حتى سمعت هدير صوته يكاد يصعق قلبها في جوّ الغرفة المشحون
ارتجفت يدها هلعا ووضعت الجهاز النقال على أذنها تكاد تلصقه وصوت القرع في يسار صدرها يعوّق من عمل جهازها السمعي وما كادت أنفاسها تصله حتّى هدر بصوته قائلا والمعاناة والرجاء تتقطران من صوته:
مي لا تخلّي يلمسك مي انتي مرتي انتي الي
قاطعته بصوت هامس والرعب والألم يتنازعان بينهما أيّهما سيحمل الراية أطول مدّة ممكنة:
معتز يا مجنون شو بدّك منّي إنت بدّك تخرب بيتي؟
انتفض معتز هائجا يقاوم تلك اليدين اللتين تكبّلانه بقوّة فيضعفهما:
بيتك بيتي بيتك أنا اطلعي مي اطلعي حبيبتي من بيته أنا هيني برة واقف بستناكي قبال البناية اطلعي ولا تخافي
شهقت مي بصدمة وامتصّ الخوف منها دماءها كلّها دفعة واحدة وركضت إلى حيث النافذة الوحيدة بالغرفة لتجد معتز يقف أمام سيّارته مهتاجا يتحرّك بعشوائية عنيفة بينما يحاول يوسف تكبيله والحدّ من جنونه والتي هي أدرى
الناس بمدى استحالة ذلك
نفضت مي عنها صمتها الشاحب وهمست بإرتعاش:
معتز مش وقت جنونك هلأ وين بدّك إيّاني أطلع؟
بيت شو اللي بيتي أنا من اليوم صار هون بيتي وفادي جوزي أمّا إنت إنت الحرمة بيني وبينك صارت أبدية
شاهدته يتحرّك بخطوات هائجة ويلوّح بذراعيه بعنف بينما نظراته تمسح نوافذ الطابق الثاني بجنون علّه يلمح ظلّا لها فيثور لها قلبه:
راح ألاقيلها فتوة بس ميّ الله يخليكي اطلعي لا تخلّي يلمسك إنتي إلي
شهقت مي وقطرات المرارة باتت تدغدغ طرفيها تهدّد بالإنفلات والإعلان عن فضيحة:
أي فتوة معتز أي فتوة ما ملّيت من كتر الفتاوي اللي طلّعتها خلال سنة ونص زواج معتز طلاقنا المرة هاي كان باااائن بينونة كبرى فاهم شو يعني بينونة كبرى؟
بعدين فتوة شو وإنت ناوي تتزوج وبتدور على عرو
انتفضت مي قاطعة جملتها وانتفض معها قلب ذلك الواقف بالأسفل يتتبع ظلّا لها على اثر فتح باب الغرفة بشكل عنيف ومن بين نبضات قلبها المتقافزة خوفا بفعل اقتراب خطوات زوجها المهدّدة سمعت ذلك الصوت يأتيها
من بعيد صارخا:
مي لا تخلّي يلمسك مي اتركها يا حقيير
صرخ بها معتز بينما يسمع الصوت الرجولي الآخر الخشن يهدر فيها ببرود قبل أن يرى ظلّها ينتزع بعنف من خلف الستائر تحجب عنه الرؤيا تماما وطبقة جديدة كثيفة تنسدل على النافذة ليبدأ الصراخ بألم وتخيّل
ما يحصل داخلا تقمع كلّ ما لديه من تعقل أو شبه تعقل اتجه بخطواته المجنونة نحو البناية ليقوفه يوسف بعنف وويباغته بضربة على معدته علّها توقف جنونه بينما يصرخ به:
حلّ عنها اتقي الله فيها وخلّيها تعيش حياتها زي الخلق مش بكفي إنت جنّنتها
شدّه معتز من قميصه بعنف وقال بعيون محمرّة متفجرة:
مرتي يا يوسف حرام عليكم مرتي
أبعد يوسف ذراعيه عنه بعنف وصرخ به:
جاي هسة تحكي مرتي بعد تلات طلقات مي هسة عذمة زلمة تاني برضاك أو غصب عنّك حلّ عنها وخليها تعيش حياتها بعيد عنك وعن جنونك
اهتاج معتز اكثر وبدأ بضرب يوسف بشكل عشوائي ويصرخ به قائلا:
تحكيش عذمة زلمة تاني هاي مرتي مرتي غصبن عنكم كلكم مرتي مي مي!
لطمه هذه المرة يوسف على وجهه ليخرجه من أزمة الجنون التي حلّت به ويتوقف عن فضح مي في مكان سكنها الجديد وقبل أن يردّ له معتز الضربة كانت سيّارة الشرطة قد توقفت عندهما وسألت:
مين فيكم معتز؟
نظر له كلاهما وقال معتز:
أنا خير شو في شو صار مشتكي عليّ الـ***
نظر لهما الشرطيّ يحاول تقدير الأمور بينهما وقال:
لا والله طليقتك اتصلت واشتكت عليك
طعنة شقّت صدره توغّلت فيه لينظر للأرض لا يرى منها شيئا وتشوّش يمنع عنه الرؤية
نظر له يوسف بأسى وبتعاطف فهو خير من يفهمه فلا أقسى من زواج فتاة داعبت أحلامك يوما فكيف إن كانت زوجة عشقتها حدّ الألم وامتلكتها حدّ الجنون وخسرتها حدّ التمزق قهرا مدّ يوسف كفّه وشدّ
على كتف معتز وقال ناظرا للشرطة:
طيب شو بتستنوا عشان توخدونا؟
نظر له الشرطيّ وقال:
ليش إنت شو دخلك الشكوى عليه هو لحاله؟
أجابهم يوسف بابتسامة بينما التقطيبة تزداد رغما عنه على جبينه وغصّات الألم تتوالى على قلبه مع الذكرى ذكرى دموعها التي دوما ما تزوره مباغتة في أحلك الأوقات وأكثرها تعرجا:
ضربته صح أنا ضربتك يا معتز وبدّك تشتكي عليّ؟
ابتسم معتز ومعه الشرطي وقال:
طيّب إذا هيك تفضلوا انتوا التنين شرفونا عالنضارة
ضحك من بعدها معتز بل قهقه ودموع القهر تنزف من عيونه رغما عن أنف كبريائه فيتجاهلها كلاهما ويدّعيان العمى يوسف والشرطي!
بعد أعوام
تجولوا ثلاثتهم في أروقة مطار الملكة علياء الدولي يبتسمون في هدوء يتمزقون في جنون ينهون معاملات دخولهم إلى حيث الوطن الأم والأهل و الحبيب
خرجوا متفرقين بالأعوام وإن اجتمعوا في ميعاد الرجوع لكنها سبعة من حيث بدأ كلّ شئ سبعة من الأعوام مذ عاد صغيرهم يمسك في يده دمية بل زوجة سبعة منذ اجتمع بميّ برباط مقدّس واكتشف أنّه
لم يكن حقّا وطيدا كما يظنّون سبعة منذ تركها على طاولة المقهى تبكي لتبكيه من بعدها دما يتجرّعه في أقداح الندم المريرة
وفي ذات الوقت في مطار مختلف بذات البلد فاتنة بشعرها القمحيّ وعيونها السماوية تجرّ في يدها طفلا يبلغ من العمر ست ومن بوابتة خرجت تلفحها شمس العقبة الحارقة المحملة بنسائم البحر المالحة بذات هدوءهم وذات
الصخب لا عجب فهذا ما يحدث عندما يعشقون صغار!
الفصل الأول
جرس الباب قاطع عملهما المنهك في إعداد الفطور لا سيّما في هذا الحرّ الذي يكاد بستنفذ كلّ ما يملكنه في أجسادهنّ الرقيقة من طاقة متبقية لم يستهلكها الصيام حتّى الآن بالفعل
أسبوع قد مضى من شهر رمضان الفضيل وأسبوع مذ عاد الغائبون المغتربون لا زالت غزل تذكر ذلك اليوم الذي فاجؤوهم فيه بعودتهم بعد أذان المغرب بقليل وقد كانوا لا يزالون يرتشفون من أطباق الحساء التي
لا تستوي سفرة الطعام إلّا بها في رمضان حين فاجأتهم طرقات قويّة عنيفة على باب البيت تنخلع لشدّتها القلوب
وما هي إلا دقائق حتّى كان الهرج والمرج يعمّ البيت احتفاءا بصغارها العائدون من غربتهم الاختيارية فيكون وجودهم كما السحر ناثرا البهجة على وجوههم لا سيّما وجه أمّهم الذي بات الحزن جزءا من صفاتها التي
يكاد يخالها من لا يعرفها قبل سبع من السنوات جزءا من ملامح تكوينها التي جبلت عليها
عاود القرع إزعاجه فبادرت للطلب من رحيق فتح الباب نظرت لها رحيق باستغراب قبل أن تتجه بسرعة منفذة طلبها لا سيّما أنّ غزل بالعادة تفضل أن تفتح هي لزوجها الباب دون غيرها
دخل كرم المطبخ وحيدا وقد تأخرت رحيق من بعده تتلاهى بعمل ما كي لا تتطفل عليهما كانت إمارات الإنهاك تبدوا واضحة عليه بوجهه المحمرّ وجبينه المتعرق من شدّة حرارة الجو الخانقة في الخارج
نظرت له غزل بشفقه وكادت تتناسى مشاجرتهم التي حصلت في الصباح لكنّها سرعان ما قرّرت أنّ الصمت أسلم فبعد سنوات من الزواج باتت تعلم أنّ مزاج زوجها غير موثوق دائما أثناء الصيام
تناولت من بين يديه أكياس عصائر التمر الهندي والليمون التي لا شئ يسعدهم كما ارتشافها من بعد ساعات الظمأ الطويلة وكيس القطايف ومكونات حشواته المختلفة من الجوز والزبيب والقشطة والذي لا تستغني عنه أيّ أسرة
في الأردن كتحلية طوال الشهر الفضيل
وضعت غزل الأكياس على الطاولة خلفها وقبل أن تدخلها البراد كما كانت تنتوي اختطفتها يد زوجها يسحبها معيدا إيّاها واقفة أمامه ليحاوطها بذراعه الآخر قائلا:
شو ما في يعطيك العافية حبيبي يسلّم ايديك حياتي اشتقتلك كرومتي؟
نظرت له غزل بعتب وبعض العجب فهي وإن كانت تتوقع منه بعض الندم على صراخه غير المبرر بها صباحا سوى لافتقاده لسيجارته الصباحية إلّا أنّها لم تتوقعه الآن وقبل الإفطار وقبل التشبع بكميات مهولة من
سمّ النيكوتين والذي لا غنى له عنه
قاومت اشتياق عينيها وهربت بنظراتها منه خوفا من أن تضيّع على نفسها متعة التمنّع والتدلّل أمّا هو فقد كان بداخله يلوم نفسه على انفلاتات أعصابه التي لا سيطرة له عليها فهو وكما تقول زوجته حينما
يغضب يعود الغول النازق من جديد وتكون أعصابه رهنا لعفاريته:
حبيبتي والله آسف ما كان قصدي أعصب عليكي بس والله الفترة هاي مرهق جدا وتعبان من السهر وقلة النوم واللف الطويل بالسيارة تحت الشمس
نظرت له رغما عن إرادتها تتبع الإرهاق يترك آثاره العميقة على ملامح وجهه الحبيب وتتبعت بعض حبّات العرق تلتمع على جبينه المتغضن فرفعت يدها تلقائيا تمسح عليه ليتلقف يدها سريعا ويضغها على فمه ويقبلها بعمق
وامتنان وبقول:
يسعدلي الحنوون أنا!
ثمّ غمزها بوقاحته المعتادة وسأل:
↚
هلأ بدي أسألك البوسة بتفطر برمضان؟
ابتسمت غزل رغما عنها وقالت:
يعني النا سبع سنين متزوجين ما في يوم من أيّام رمضان مرّ من دون ما تسألني هالسؤال وبكلّ مرة بقولك على حسب النية
ضحك وقال لها بخبث:
وكل مرة خلال السبع سنين كنت أجاوبك نفس الجواب نيتي من ناحيتك مش ممكن أبدا في يوم تكون سليمة
قهقهت غزل وقالت بدلال لتلهيه عن قبلته المشتهاة:
يعني ما سألتني عن دلع اليوم
أجابها ونظرة الخبث لم تفارق محيّاه:
شو بدّي بدلع وإم الدلع كلله هون عندي وبين إيداي!
تضرجت خدودها ببعض الخجل وقبل أن تجيبه بشئ كانت رحيق تصدر تمتمات اعتذار بينما تغادر المطبخ الذي كانت قد دخلته توّاً
نادتها غزل حالا وقالت:
تعالي لوين رايحة
قالت رحيق بابتسامة خجل واعتذار:
آسفة والله بس فكرت عمو طلع
حاولت غزل كتم ابتسامتها فكلمة عمو والتي كانت تطلقها رحيق على كرم وأحمد مذ دخلت بيتهم منذ سبع سنوات حين كانت ابنة الأربعة عشر ربيعا كانت تبدوا لهما مقبولة حتّى جاء يوسف ليسخر منهما فقد
شابا حسب كلامه وأصبحا عجوزين لتدعوهما شابة مثلها بذلك لا سيما وأنّها زوجة لأخيهما ربما حينها فقط انتبهوا أنها فعلا لم تعد طفلة وأصبحت شابة تضج أنوثة!
أجابتها غزل بينما تلكز كرم:
هو فعلا طالع يتحمم لأنه ما بقي لوقت الأدان اشي وصار لازم نستعجل بتحضير السفرة
ثمّ نظرت لكرم لتكمل بحزم:
وأنت يلا تفضل اطلع اتحمم وجهز حالك للفطور
ما إن خرج كرم من المطبخ حتّى سُمع صوت انصفاق باب آخر من إحدى غرف البيت تلاه سعلة زائفة يريد بها عمر دوما التنبيه لخروجه
نظرت غزل ذاهلة لرحيق التي رمت كلّ ما بيدها وركضت لتخرج من المطبخ إلى حيث هو ذهولها لم يكن لذات الفعل وإنّما لمداومة فعله فها هي رحيق ومنذ سبع سنوات تلهث خلف رضاه وكأنه أمر
برمجت على فعله رغم عدم مبالاة عمر المتزايدة حول محاولاتها الحثيثة
أما هو فما إن خرج من غرفته متجها ناحية الحمام حتّى لاح له خيالها متسارعا يلهث بدّك شي سؤال كاد يسمعه في عقله منطوقا رغم عدم نطقها به بعد!
بدّك شي؟
زفر بملل قبل أن يستغفر بهمس حانق ليقول ببرود دون حتّى أن ينظر إليها:
لأ شكرا
إجابة انتظرتها وتوقعتها هي أيضا ليدخل هو بعدها إلى الحمام وتعود هي إلى المطبخ بضمير مؤرّق ووغير مرتاح!
كانت أصوات التلاوة القرآنية تصدح من جميع مآذن عمّان تعلن قرب حلول أذان المغرب حين دخل معتز لشارع حيّهم وما إن أوشك على ركن سيّارته أمام منزلهم حيث اعتاد أن يفعل حتّى سبقته سيّارة بيضاء
وركنت في ذات المكان بكلّ صلافة وهوجائية
يطبيعته النارية العنيفة سرعان ما نزل معتزمن سيّارته ما إن أوقفها بمنتصف الشارع بعد أن صفق بابها بكلّ حدّة وتوجّه نحو السيّارة الأخرى بغية افتعال مشاجرة جاءت بالنسبة له بوقتها لتفريغ كبت طال في صدره
لما يقارب الأسبوع.
علّ نيران صدره تكتفي من التآكل على أضلاع صدره الحاوية لقلبه المهشّم فتصلي غيره بها
لمح امرأة تجلس في المقعد الأمامي بجانب السائق فاكتفى بضرب مقدمة السيّارة بكفّه ليلفت نظر السائق بعد لحظات كان باب السيّارة يفتح ليخرج منها رجل رقيق البنية بشعر ناعم ونظارات سوداء عاكسة تغطي عينيه
خير حبيبي في إشي
ذاك الصوت وذلك المظهر زادا معتز اشتعالا وانقبض قلبه بألم ألم شديد لم يكن ليخففه سوى التفاتة بسيطة إلى حيث المرأة بجانب السائق لا بل ازداد الجحيم المشتعل في صدره ضراوة فقد مرّت خمس سنوات
خمس سنوات مذ رآها آخر مرة عروسا زوجته وحبيبته وصغيرته هو تزف عروسا لذلك المخنث الأرعن
لم تكن إلّا طرفا عيناه ما تحرّكتا لتلمحاها ولكنّه رآها لا يدري أرآها حقا أم هي عيون قلبه من عرفتها قلبه الذي كادت أصوات تهشّمه تصمّ أذنيه مسبّبة له صداعا مؤلما محرّضا الشقيقة في رأسه
لم يكد يلمحها حتّى طار بعينيه لزوجها ينظر له بتركيز وعنف علّه يستفز فيه الذاكرة فيعرفه ويثورعليه بغيرة ويساعده في تحقيق مآربه بعمل مجزرة دموية يحكي عنها الحيّ لسنوات كما فعل كثيرا في زمان صباه
الغابر
حضرتك يا محترم صافف بالمكان اللي أنا متعود أصفّ أركن في كلّ يوم
إلّا أنّ الآخر خيّب ظنّه وقال:
آسف ما تآخذني حبيبي هلأ بغيرلك مكانها دخيل هالشوارب أنا
شاهده معتز يمدّ رأسه داخل السيّارة ويكلّمها وعلى ما يبدوا أنّ ما قاله لم يعجبها ألّا أنّها وبعد إلحاح منه هزّت رأسها موافقة أمّا هو فكأنّه يتلذذ بالألم ويشتهيه فيقوم بتحريضه بمتابعة دقيقة لكلّ ما
يحدث إلّا أنّ ما حدث كان حقا حقا فوق قدرته على الإحتمال!
بعد الإفطار وبعد أن كان كلّ من إخوته قد صعد إلى شقته ليستريح وبعد أن غادر يوسف منذ دقائق مع معتز الذي جاءهم فجأة وكان يبدو مضطربا أنهى عمر كوب الشاي ووضعه على الطاولة لينظر
إلى أمّه يقول متجاهلا رحيق:
ماما أنا داخل أتمدد شوي بغرفتي لو نمت صحيني بعد نص ساعة خلّيني ألحق صلاة التراويح
هزّت أم أحمد رأسها وغصة في قلبها تخنقها على تلك اليتيمة الجالسة بجانبها بصمت كم تشفق عليها من تجاهل عمر الكلّي لها بل كأنّه يعتبرها غير موجودة فلا يتوجه إليها بقول أو حتّى نظرة أما
كفاه هجره المجحف لها لسبعة من الأعوام أما كفته سبعة أعوام ليتقبل صدمة زواجه ويبدأ بتحمّل مسؤوليته عنها أطلب منه أحد أن يوافق على طلب والدها ويرتدي درع الفارس الشهم الشجاع ويتزوجها سامحك الله يا
أبا فيّاض أما وجدت حلّا لطفلتك لتحميها من الضياع سوى بتزويجها من طفل آخر!
وقفت أم أحمد وبدأت بجمع أكواب الشاي حين أوقفتها رحيق كالعادة طالبة منها ترك كلّ شئ لها إلّا أنّ أم أحمد تجاهلتها واتجهت للمطبخ تسألها:
شو ما عندك دروس انتي؟
ابتسمت رحيق وقالت:
الفصل ما بدى إلّا من يومين دروس شو هاي اللي عم تحكي عليها ماما!
فقالت لها أم أحمد:
طيب روحي شوفيلك شغلة اعمليها أنا بدّي أغسل هالكاسات لأني حاسة جسمي تيبس من كتر القعدة!
زاحمتها رحيق على حوض غسل المواعين وقالت:
لا والله ما بتصيبيهن هلأ أنا تكّة وبكون غاسلتهن روحي انتي ارتاحي شوي قبل ما تروحي على صلاة التراويح
نظرت لها أم أحمد بامتنان داخلي وترضّت عليها بينما كانت تحمد الله وتشكره على نعمة وجود رحيق في حياتها فلولاها لكانت عانت من فراغ كبير بعد زواج الكبار وهجرة الصغار صحيح أنّ غزل تقضي أغلب
أوقاتها معهم وصحيح أنّ البيت لا يخلو تقريبا من وجود أحد أحفادها الصغار سواء دلع ابنة كرم ذات الثلاث سنوات والتي هي اسم على مسمّى بسبب دلال والدها الشديد لها لا سيّما وقد أنجبتها غزل
بعد حوالي أربع سنوات من زواجهم زواجهم الحقيقي أو حتّى أحد أولاد أحمد الثلاث راشد ذو الستة سنوات ونصف أو رشيد ذو الخمس سنوات أو حتّى رشاد والذي لا يكاد يتجاوز عمره الشهر والنصف والذي
يضطرون أحيانا لأخذه من سراب بسبب بكاءه المتواصل تخفيفا عنها كي تنام ولو حتّى لساعات قلائل
رغم كلّ هذا هناك تلك الأوقات والتي كان يخلو البيت فيها من الجميع ولا يبقى فيه إلّا هي وتلك الذكريات الذكريات حيث كان لها زوجا شابا صاخبا متطلبا وأطفال أربعة وابنة عمهم ضاجين صاخبين يملؤون
عليها البيت فلا تكاد تجد لنفسها متنفسا فتتحسّر باكية على تلك الأيّام وترى أن لم يعد لها فائدة ترجى بعد الآن حتّى تتذكر تتذكّر أنّ هناك يتيمة أخرى تشاركها هذا البيت تشاركها ذات الفراغ وذات
الشعور بالفقد والعجز فتقوّي نفسها حتّى تقوى تلك!
*
*
بعد حوالي الأربعين دقيقة كانت رحيق تقطع الطريق للمرة العاشرة ما بين غرفة عمر ويوسف وغرفة حماتها حائرة لا تعرف ماذا تفعل فها قد انقضت الدقائق الثلاثين التي أوصى عمر أن يوقظ بعدها وانقضى فوقهم
عشر ولا حماتها خرجت من غرفتها لتوقظه ولا هو قد استيقظ من نفسه
طرقت على باب غرفة أم أحمد عدة مرات ولكنّها لم تسمع صوتا ففتحت الباب بهدوء لتشاهدها مستلقية على السرير مغمضة العينين فاقتربت منها وربتت عليها قليلا إلّا أنّها تململت قليلا فقط وانقلبت إلى الجهة الأخرى
فهزتها رحيق برقة وقالت:
ماما خير فيك شي؟
شو ما بدّك تروحي على التراويح معهم؟
فقالت أم أحمد:
بلى حبيبتي هيني قايمة
هزّت رحيق رأسها وأوشكت على مغادرة الغرفة حين استوقفتها أم أحمد تسألها:
عمر صحي؟
هزّت رأسها مرة أخرى وقالت لها بينما تشعر ببعض الارتياح لأنّها تذكرته:
لأ
قالت لها أم أحمد بينما تنزل قدميها عن السرير بوهن وارتخاء يسببه لها مرض السكّر الذي سكنها وقد تكالبت عليها الصدمات والمواجع:
ما عليكي أمر حبيبتي روحي صحيه بلاش يتأخر عالصلاة بتعرفي موته ولا يتأخر عصلاة الجماعة
اتجهت أم أحمد إلى الحمام غافلة أو متغافلة عن تلك التي تقف في مكانها بصدمة سببها بعض من الخجل وكثير من الإثارة!
طرقت باب غرفته عدّة مرات دون أن تلقى ردّا قبل أن تتجاسر وتفتحه وتسمّي بالله لتتقدّم بعدها عدّة خطوات فتقف صامتة تشعر بهيبة التواجد في مكان ذكوريّ صرف ابتداءا من عبق العطورات المتنوعة الممتزجة بالهواء
ما بين ما يستخدمه عمر وما يستخدمه يوسف وحتّى الجوارب المتناثرة هنا وهناك والتي تعلم جيدا أنّها لا بدّ ليوسف فعمر ما كان ليوصف كانسان فوضوي ابدا!
تجاهلت كلّ ما حولها لتنظر له ذلك القريب البعيد تربطهم ورقة وتفرقهم كتب ومراجع شهادات وجامعات جبال من الطموحات تفصل بينهما ففيما يركض هو في طريق العلم جسورا مبرقا ومرعدا تزحف هي وراءه كما سلحفاة
فلا تكون بطريقه سوى عثرة
اقتربت منه قليلا لتنادي اسمه بصوت مرتجف بعض الشئ إلّا أنّ تنفسه الذي ما انفكّ منتظما أنبأها بعمق غفوته تلك
أترى عليها أن تهزّه ليستيقظ؟
قد لا تبدو فكرة سيئة ولكن من أين ستهزّه والأهم هل ستجرؤ على ملامسته؟
بزاوية عينيها لاحظت أنّه لم يتبق الكثير من الوقت قبل أن يُنادى لصلاة العشاء فمدّت يدها بسرعة ووضعتها برعشة على كتفه العاري لتهزّه وتقول بصوت شبه مهزوز:
عمر يلا فيق
تململ عمر قليلا وعاودت أنفاسه الثبات فتهزّه هي من جديد تقاوم احتراق كفّها وتخبّط أنفاسها وذلك الهدير المتعاظم من حولها:
عمر يلا فيق العشا راح يأدّن!
فتح عينيه بسرعة على اتساعهما وكأنّه يحاول استيعاب فكرة وجودها هنا بجانبه وبداخل غرفته هو و يوسف!
وكما البرق التفّ برأسه سريعا لجانبه الأيسر هناك حيث يستقر سرير شقيقه ومن ثمّ عاود النظر إليها وتقطيبة كبيرة ترتسم بوضوح على ملامح وجهه الناعسة تأمّلها بعينيه الناعستين تقف باضطراب تفرك يمينها بيسارها ليقول بعدما
شعر بهواء الغرفة يزداد تلبدا:
شو بتعملي هون؟
همست بارتباك وكلّها يهفو لقطرة اهتمام قد تسقط منه سهوا تشعرها أنّها قد تعني أيّ شئ له عدى شخص لا تعدو قيمة وجوده في حياته كما الصفر في في الخانة اليسرى من أي عدد مهما
كبر أو صغر:
↚
الصلاة التراويح خالته
حرّك جسده قليلا لينهض بهمّة وبحر من الاهتمام يغرق عيناه:
وينها ماما ليش مش هي اللي صحتني؟
فيها اشي؟
حرّكت رأسها بلا وأوشكت أن تخبره أنّها قد بدأت بالتجهز للذهاب لصلاة التراويح وأنّها من أرسلتها إليه لكنّ الـلا غير المنطوقة كانت أكثر من كافية بالنسبة إليه ليغادرها دون أيّ حرف إضافيّ ويخرج من غرفته
مخلفا إيّاها وراءه كما العادة!
الثاني من هنا
استمر في متابعة عندما يعشقون صغارا من تطبيق حكايتنا حكاية مباشرة 📖
كل شخصيات عندما يعشقون صغارا وأسرارها في مكان واحد داخل تطبيق حكايتنا حكاية، جاهزة تكتشفها في أي وقت. 📖
قراءة رواية عندما يعشقون صغارا الفصل الثاني 2 بقلم نيفين ابو غنيم
لا شيء في رواية عندما يعشقون صغارا كما يبدو… الحقيقة تبدأ الآن! 📖
تابع أحداث رواية عندما يعشقون صغارا كاملة 📖
رواية عندما يعشقون صغارا كاملة بدون نقص أو حذف لأي فصل. 📖
مكتبة أعمال نيفين ابو غنيم
استمتع بقراءة أجمل قصص وروايات نيفين ابو غنيم الكاملة.