📁 آحدث المقالات

رواية السجادة – الفصل الرابع4 – بقلم بيبو هشام

رواية السجادة – الفصل الرابع4 – بقلم بيبو هشام

🖊️ بقلم: بيبو هشام – الأديب المبدع لدى موقع حكايتنا

رواية السجادة – الفصل الرابع4 – بقلم بيبو هشام

 


 روايةالسجادة الفصل الرابع بقلم بيبو هشام



كان قد تأخر على ميعاد العمل بسبب سهرة الليلة الماضية .. فأسرع الخطوات نحو الطريق العمومي ليستقل سيارة أجرة.. لكنه لمح على ناصية الشارع المقابل رجلا يحمل سجاجيد ، إنه البائع الذي اشترى منه السجادة.. أسرع نحوه وحياه.. استقبله الرجل بترحاب عارضا عليه سجاجيده الجديدة ومذكرا إياه بأنه باع له في المرة السابقة سجادة مميزة. فقال "فؤاد" عندئذ :" هذا ما جئت لك من أجله ، كنت أريد أن أسألك من أي منزل أشتريت هذه السجادة التي بعتها لي من قبل ؟" ، بدأ الضيق على الرجل وحاول انكار أنه يبيع سجاجيد مستعملة ، وعاد يكرر حكاية شركة السجاد التي يعمل بها كمندوب مبيعات !

قال "فؤاد" : "اسمعني جيدا ، ساعطيك ثمن السجادة مرة أخرى لو أخبرتني من أين أخذتها ، أي بيت باعها لك ؟ إنه ليس بعيدا عن هنا بالتأكيد فأنت لن تقدر على حمل السجاد لمسافة كبيرة دون سيارة"

رد البائع وهو بين الرجاء في الانتفاع بالمال من "فؤاد" وبين الخوف على سمعته إن اعترف بأن سجاده مستعمل :"أنا لم يسألني أحد من قبل هذا السؤال رغم أني أعمل في بيع السجاد منذ كنت طفلا.. لم يطلب أحد أن يعرف أين كانت سجادته قبل أن تصل إليه .. إن هذا سيسبب لي مشكلة مع أصحابها الأولين ولن يفيد صاحبها الجديد.."

قال "فؤاد" : "الجميع يعلم أن سجادك مستعمل وأنك تأتي به من المنازل ، لا تضيع وقتي من فضلك وأعطني عنوان المنزل الذي اشتريت منه السجادة ، إن السجادة تعجبني وأريد أن أعرف من أي مصنع حصلوا عليها وبكم ، لن يسبب لك هذا أية مشاكل .." ، وأخرج من جيبه بعض النقود ليعدها أمامه ..

قال البائع وعينه على النقود التي تتحرك في يد "فؤاد" : "لقد نسيت العنوان يا سيدي ، إن هذا الأمر كان من فترة طويلة".

ولكن النقود التي يعدها "فؤاد" وصلت إلى ما يساوي ثمن السجادة مرة ونصف ، وهو مبلغ لا يكسبه البائع إن عمل أسبوعا متواصلا خاصة في هذه الأيام التي ليس فيها بيع ولا شراء ..

قال البائع :"حسنا ، لقد تذكرت .. إن أصحاب هذه السجادة ليسوا هنا .. إنهم في حي (..) ، شارع (..) ، تدخل يمينا إلى شارع صغير ، ستجد محلا اسمه (..) وعلى الجهة المقابلة ستجد سيدة جالسة على كرسيها في الشارع ، اسألها عن منزل الأستاذ (..) ، وحاول أن تخبرها في البداية أنك لست من الحكومة لأن مظهرك يوحي بأنك موظف ، وهي تبيع الدجاجات المذبوحة بطريقة لا تخضع لرقابة "الصحة" ، اذهب إلى المنزل واصعد الدور الثالث ، أول شقة على يمينك هي التي أخذت منها السجادة "

اختطف البائع النقود من يد "فؤاد" ، واستدار راجعا للشارع الرئيسي وهو ينوي ألا يبيع أو يشتري اليوم احتفالا بهذه المكسب.. رفع هاتفه المحمول إلى أذنه وتحدث إلى أحدهم طالبا منه أن يحضر السيارة.. هنا فهم "فؤاد" كيف وصلت السجادة من ذلك الحي البعيد إلى هنا ، إن هناك سيارة ربما لصديق أو شريك للبائع تحمل السجاد من منطقة لأخرى .. بدا هذا منطقيا ، إذ لا يصح أن يبيع السجاد المستعمل لجيران في نفس المنطقة فيزور بعضهم بعضا ويشاهدون سجادهم ، وينكشف أمره ويعرف الناس أن السجاد كله مستعمل.

وضع "فؤاد" العنوان في جيبه ، وتوجه إلى عمله وهو لا يدري لماذا أنفق هذا المبلغ الكبير على العنوان .. ربما يكون قد تسرع قليلا ، فماذا سيفيده معرفة أصحاب السجادة السابقين ؟ إن السجادة عادية تماما وليس فيها أي شيء مريب ، ماعدا شيء واحد كان قد لاحظه بالأمس لكنه لا يتذكر ما هو .. عموما العنوان لن يضر في شيء.. وأخته الآن في أمان ، فحتى لو كانت هناك وحوش تخرج من السجادة فإنها لن تغامر بالخروج في وضح النهار ..

هدأ باله وهو يدخل لمكان عمله ويجلس على مكتبه ويشعر أن الأمور كلها تحت السيطرة ، وهو لا يدري أنه قد ترك أخته التي كان يخاف عليها من نسيم الهواء وحدها في شقة صغيرة مع كائن ضخم مخيف .. كائن لا يعرف معنى الليل ولا النهار .. ولكنه يخرج من السجادة متى يحلو له ..

* * *

استيقظت "فايزة" من النوم متأخرة ، وتذكرت أحداث الليلة السابقة ولكنها لم تكن خائفة فقد كانت تحلم للتو بحلم جميل ، فيه رجل قوي يحتضنها ويأخذ بيدها ويقبلها .. بينما تراقصت على شفتيه خيوط ملونة بتناسق بديع وكانت له نفس عين رجل السجادة..

إنها تلك الأحلام المركبة ، الرغبة في الزواج تداخلت مع شكل رجل السجادة لتصنع هذا الحلم العجيب .. وانتبهت "فايزة" إلى أن رجل السجادة هذا هو أول رجل تراه في حياتها غير أخيها منذ سنوات ! خرجت إلى الصالة وجلست بالقرب من السجادة وأخذت تحدثها :"لا داعي للاختباء ، أنا وأنت نعرف أنك موجود .. اخرج وكلمني ، أنا وحيدة مثلك .. أعرف أنك لن تؤذيني ، وأنا أيضا لن أضرك في شيء .. هيا .. تكون كما تكونت بالأمس ولا تخف .. لن يعود أخي الآن"

استمرت تتكلم هكذا دون أن يحدث شيء حتى بدا لها أنها جنت .. ولكن أطراف السجادة بدأت تتحرك .. خفق قلبها وارتعدت أطرافها كطفل يقرأ في كتب الجن غير مصدق لها وفجأة يظهر له جنيا ! أعادت كلماتها ورجاءها مرات ومرات ..

إنها وحدها في المنزل وليس هناك أكثر إثارة من مداعبة هذه السجادة الغريبة .. لكن السجادة لم تكن تلعب . إن اللعب ليس موجودا في قاموس رجل السجادة ، فعندما يناديه أحد بهذه العبارات فإن هذا معناه أن يخرج .. يخرج لمهمة محددة طال انتظارها ..

* * *

فجأة وبدون مقدمات تذكر "فؤاد" وهو على مكتبه في العمل .. زخارف السجادة التي رآها بالأمس لم تكن منتظمة ! هذا ما لفت نظره قبل أن تبدأ أخته في البكاء.. فعندما عاد الرجل بسرعة إلى السجادة لم تنتظم الزخارف في نفس الأشكال بالظبط ..

إذن ربما تكون أخته على صواب .. رغم صعوبة تقبل الفكرة ، لكنه التفسير الأقرب للمنطق لما حدث لزخارف السجادة .. ليس معقولا أن أخته هي التي فككت الخيوط والوبر وفعلت هذا ..

أخرج العنوان من جيبه واستأذن من عمله ليغادر مبكرا .. سمح له مديره بصعوبة فقد جاء متأخرا أصلا ، لكنه أخبره أن اخته مريضة وهو يرجو في داخله ألا يتجاوز الأمر مسألة المرض والخيالات ..

استغرق الطريق إلى ذلك المنزل ساعتين ، لكنه وصل إلى الشقة التي كانت ترقد على أرضها تلك السجادة الرهيبة ذات يوم.. طرق الباب بحرج ، وهو يحاول أن يتذكر الكلمات التي جهزها طوال الطريق ليقولها في هذا الموقف..

فتح الباب رجل عجوز يتحرك بصعوبة ، وإن كانت نظراته تشي بذكاء واضح .. أرتبك "فؤاد" قليلا وهو يشرح سبب حضوره :"لقد اشتريت سجادة من أحد البائعين و .." ، لم يكمل عبارته فقد قاطعه الرجل باشارة من يده داعيا إياه للدخول !

زال الارتباك عن "فؤاد" وحلت مكانه الدهشة ، فالرجل يبدو وكأنه يتوقع قدومه .. جلس "فؤاد" حيث أشار إليه الرجل وظل صامتا في انتظار أن يسمع منه شيئا عن السجادة ، لكن الرجل لم يتكلم .. فتنحنح "فؤاد" وقال :"هي سجادة جميلة ، ولكن أختي الصغيرة لديها خيال واسع ، تقول إن هناك رجل يخرج من السجادة .. طبعا أنا لم أصدق هذا الكلام لكن بالأمس فقط لاحظت أن زخارف السجادة قد تغيرت. لا أعرف إن كانت هذه تهيؤات أم حقيقة .. قررت أن أحسم الأمر وآتي إليك لتخبرني ما أمر هذه السجادة ؟"

لم يجب الرجل مباشرة ، بل التقط نفسين أو ثلاثة قبل أن يرد بهدوء :"اسمح لي أن أعرفك بنفسي في البداية ، أسمي هو "عماد" ، وأنا رجل عجوز وحيد لا يؤنس وحدتي إلا أحفادي الذين يأتون من منزلهم في الشارع الخلفي .. وفي الصيف الماضي كنت في رحلة طويلة وطلبوا مني مفتاح المنزل لكي يأتوا مع أصحابهم ويوصلوا جهاز الألعاب بالتلفزيون الجديد الذي اشتريته.. لا أحب أن يدخل أحد بيتي في غيابي ، لكن هؤلاء الأولاد كثيرا ما يسألون عني وعندما تصل إلى مثل عمري ستفهم معنى أن يسأل أحد عنك وأنت لم تعد لك فوائد كثيرة"

"لا أعرف ماذا حدث بالظبط ، لكني عندما عدت من الرحلة أخبروني أن الملل قد أصابهم قليلا فقرروا أن يخترعوا لعبة غريبة ، أنت تعرف المراهقين وجنونهم ، كانت اللعبة أن ينزف كل منهم بعضا من دمه حتى يصاب بالإغماء ، ومن يستطيع أن يصمد أكثر يكون فائزا .. نوع من اختبار القوة الاحمق"

"كانت هناك أدوات حادة لقطع الأوردة والشرايين ، وكؤوس لقياس كميات الدم ، وقطع من القطن توهموا أنها كافية لإيقاف النزيف عند الحاجة .. طبعا انتهى الأمر بطلب الإسعاف ولم يصب أحد بسوء كبير من هذه الحماقة ، إلا أنا .. فقد انسكبت كميات كبيرة من الدماء فوق سجادتي التي كانوا يلعبون عليها .."

"أعطيت السجادة لحارس العمارة ليغسلها ، وقد بذل مجهودا كبيرا حتى أعادها كما كانت تقريبا .. بعد تلك الحادثة مباشرة بدأ رجل السجادة في الخروج"

شهق "فؤاد" مفزوعا وقال :"إذن هناك رجل فعلا في السجادة .. اختي لم تكن تتخيل"

قال "عماد" وهو يهز رأسه نافيا :"لا ، أختك لم تتوهم ، لقد أدت تلك الحادثة إلى تحرير روح السجادة فتشكلت على شكل رجل ، وهو شكل مناسب لنموذج القوة التي كان الأولاد المراهقون يتخيلونها أثناء لعبتهم .. إن الأرواح ليست لها أشكال بالمعنى الخاص بنا كما تعلم"

بدا الارتياب على "فؤاد" وهو يفكر بصوت عال قائلا :"ولكن كيف يكون انسكاب الدم وحده هو الذي أتى بهذا الكائن ؟ أعطني سجادة وساسكب عليها طن من الدماء وأتحداك لو تلبس بها جني أو أي روح .. أعتقد أن هؤلاء الصبية كانوا يمارسون طقوسا سحرية أو أي شيء من هذه التخاريف التي تدعي تحضيرالجن".
تعليقات
⚖️ بلاغ حقوق النشر للرواية
🏁
🏆