📁 آحدث المقالات

رواية الراتل الفصل الثاني 2 كامل | بقلم اسماء ايهاب

رواية الراتل الفصل الثاني 2 كامل | بقلم اسماء ايهاب

تم تحديث الفصل بتاريخ 10 أبريل 2026

رواية الراتل الفصل الثاني 2 كامل | بقلم اسماء ايهاب

مقدمة رواية الراتل

للأصدقاء المهتمين بالقراءة رواية الراتل تتميز بكونها الروايات الرومانسية، والتي تدور أحداثها تجعل القارئ يعيش المشهد وتدخله في عالم الرواية فورًا تجعل الرواية تجربة لا تُنسى.

تفاصيل رواية الراتل

تأخذنا رواية الراتل في أحداث مشوقة تتناول موضوع قصص متعددة الشخصيات تمر بتحولات مفاجئة، مع كل فصل تتكشف أسرار جديدة تتضح الأسرار تدريجيًا ويحس وكأنه جزء من الأحداث ويغوص في تفاصيل القصة.

مميزات رواية الراتل

تقدم رواية الراتل تجربة قراءة رائعة بحبكة قوية ومترابطة تأسر القارئ من أول فصل، إلى جانب ذلك تصف تجارب إنسانية متنوعة وتشد اهتمام القارئ بشكل مستمر وتضيف طابعًا مميزًا على الرواية.

ابدأ قراءة الراتل الآن

لا تفوت الفرصة وابدأ قراءة رواية الراتل للكاتبة اسماء ايهاب من أي مكان لتعيش كل لحظة من أحداثها ولتجعل القراءة تجربة ممتعة لا تُنسى.

كيف تصل الينا

للعثور على الرواية بسرعة على جوجل: "رواية الراتل حكايتنا حكاية"

أوقف داوود السيارة في النقطة المتفق عليها لتسليم شحنة الأسلحة النارية.
يتسلل ضوء مصباح السيارة الأمامي يشق ظلمة الصحراء من حوله ، ينتظر أن يأتي الطرف الآخر ، في حين كان شقيقه يتلفت حوله ليرى أي شيء غريب قد يثير ريبته.
انحنى داوود يأخذ سلاحه الناري بحذر من أسفل المقعد بينما عينه تمسح الزوايا ، يحاول أن يأمن غدر أعدائه حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه.
التفت برأسه نحو شقيقه الذي يتواصل مع بعض رجالهم متسائلًا :
_ العربية التانية وصلت؟
أومأ إليه إلياس ، ثم أغلق الهاتف مشيرًا نحو الخلف ، قائلًا :
_ على بعد كام كليو بس من هنا ، اي إشارة مننا هتلاقيهم جنبنا
ليعود داوود لمراقبة الطريقة بعيون تتربص أي خطر ، بينما مال حمزة الذي يجلس بالمقعد الخلفي اتجاههما ، قائلًا بضيق :
_ هو انا مقدر طبعًا التوتر اللي انتم فيه ، بس لية تختروني اجي معاكم و تسيبه عزيز يروح!
صك داوود على أسنانه بغيظ ، و أشار بسبابته بتحذير دون أن يلتفت ، قائلًا :
_ مسمعش نفسك لحد ما نخلص
التفت إليه إلياس يرمقه بنظرات غاضبة ، ليعود حمزة يجلس بهدوء على مقعده يخرج هاتفه من جيب بنطاله ليبعث بعض الرسائل لزوجته ، حينها.
رأى داوود ضوء مصباح سيارة ياتي اتجاههم ، اعتدل داوود بجلسته وتحفزت كل خلية في جسده ، يلقي بنظرة ذات مغزى نحو شقيقه الذي أومأ إليه بهدوء ، ثم التفت إلياس نحو حمزة الذي ترك الهاتف ينظر باهتمام نحو السيارة التي تتقدم بهدوء نحوهم ، قائلًا بجدية :
_ تعالى معايا يا حمزة ننزل الشنطة من العربية
أطاعه حمزة ودقات قلبه تتواثب داخل صدره من شدة القلق ، نزل داوود من السيارة بعد أن وضع السلاح بخصره يغطيه بسترته الكلاسيكية السوداء.
وقف في المنتصف بين السيارتين حين تقدم نحوه شاب فارع الطول ضخم الجثمان يمسك بيده حقيبة جلدية سوداء كبيرة ، وقف أمام داوود مباشرةً يرفع الحقيبة أمام عينيه قائلًا بصوت غليظ يليق بهيئته المخيفة :
_ الفلوس يا راتل فين الحاجة؟
حينها وقف إلياس جوار شقيقه وبيده حقيبة مماثلة الأخرى ، يقول بهدوء :
_ الحاجة موجودة كلها زي ما طلبت بس حمزة هيتأكد من الفلوس قبل ما تستلم
وبالفعل تقدم حمزة ليأخذ الحقيبة من ذلك الشاب ، لكنه منعه بهجوم يدفعه بكتفه ليبتعد عنه قائلًا :
_ هي جاية معاك بغدر يا داوود و لا اية
ذلك الهجوم الذي ليس له داعى دفع الشك في قلب داوود نحو نيته ، فتقدم منه يأخذ الحقيبة عنوة دافعًا إياه بعيدًا عنه.
فتح الحقيبة ليجد الأموال بالفعل ترتص بشكل رتيب داخل الحقيبة ، مد يده يأخذ حزمة من الاوراق النقدية يتفحصها ، تغضنت ملامحه حين وجد منتصفها أوراق بيضاء والظاهر منها فقط هي الأموال الحقيقية ، ألقى الحقيبة على الأرض وأخرج سلاحه الناري من خصره يشهره بوجه الآخر ، يهتف بغضب :
_ جاي تلعب علينا يالا!
حين أنحصر الشاب في الزاوية ، خرج آخر كان معه من السيارة يشهر سلاحه يوجه نحو حمزة الذي لم يكن منتبه له ، و علي حين غرة أصاب ذراع حمزة الأيمن بطلق ناري.
صرخ حمزة وتأوه بألم مبرح يغزو ذراعه ، أقترب منه إلياس على الفور يسانده ليبتعد نحو السيارة.
أشتدت أعصاب داوود كالوتر وشعر بالغضب يتفاقم داخل صدره ، وبدون تردد أخذ بثأر ابن عمه مصوبًا على كتف المهاجم وساقه ، فسقط الأخير أرضًا يتلوى.
في اللحظة ة ، صدح في الفضاء صوت صرخة أنثوية حادة ، مزقت صمت اللحظة ، وجعلت داوود يلتفت نحو مصدر الصوت بحدة.
أسرع خلفها حتى اقترب منها وأضواء الطريق العام تكشف عن ملامحها المرتجفة ، فمد يده يجذب خصلات شعرها الغجرية بقسوة ، لتتوقف عن الركض تصرخ بألم قبل أن يدفعها بعنف لتسقط على الأرض.
أشهر سلاحه في وجهها ، بينما هي ترفع رأسها ببطء تطلع إلى مهاجمها.
اتسعت عيناها بصدمة وانحسرت أنفاسها داخل صدرها ، لم تستوعب ما تراه وكأنها داخل كابوس مزعج.
رجل أحلامها الوردية يظهر أمامها من جديد شاهرًا سلاحه في وجهها ، يهاجمها لأنها رأته يصيب شخصًا آخر!
كان يتحدث بلهجة متفجرة بالغضب لكن ذهولها حجب عنها السمع ، فلم تلتقط من كلماته سوى صوته الغاضب يتردد كصدى بعيد.
ظلت شاخصة البصر إليه ودموعها تنساب على وجنتيها دون وعي منها قبل أن يصرخ بها فجأة ، بصوت غليظ دب الرعب في قلبها الذي يخفق بقوة بين جنبات صدرها ، انتفض جسدها بقوة وأهتز صوتها تهمس بتلعثم :
_ كأني مشوفتش حاجة صدقني.
كأني مشوفتش أي حاجة حصلت ، أنا بس.
عايزة أمشي من هنا
لم تهتز له شعرة تأثرًا بحديثها ، عيناه قاسيتان كصخر أسود ، و سلاحه لا يزال مصوبًا نحوها ، وكأنه مستعد أن يُسكتها إلى الأبد.
شهقت بحدة تحاول التقاط أنفاسها قبل أن تردف بصوت مختنق يمتزج به الرجاء :
_ انا هربانة من عشيرتي.
و اكيد مش هسببلك اي خطر لو سبتني أمشي
تحرك عينيه على ثيابها المتعارف عليها ليعلم أنها من منطقة قريبة يتجمع بها الغجر ، أنزل سلاحه ببطء يسأل بحدة :
_ هربانة لية؟
ابتلعت ريقها بصعوبة واستندت على كفيها لترفع جسدها المرتجف عن الأرض ، تجيب بصوت راجي حتى يفرج عنها هذا الحصار و يتركها ترحل من هنا في أسرع وقت :
_ هتجوز غصب ، و انا اوهن عليا الموت
تقلصت ملامحه بألم نابع من داخله ، و تردد صوت نحيب نسائي داخل أذنه بذات الجملة "أهون عليا الموت"
أدار وجهه عنها ، يركل الرمال بقدمه بغضب مكتوم ، بينما أغمض عينيه بقوة وكأنه يطرد هذه الذكرى من عقله.
ثوانٍ استجمع بها شتات نفسه والتفت إليها مجددًا ، باغتها بالامساك بذراعها بقوة يجذبها معه نحو السيارة ، يهتف بصوته الأجش :
_ تعالي
اوجست في نفسها خيفة مما قد يفعله بها ، فتشبثت بالارض متسائلة بنبرة مليئة بالخوف :
_ فين؟
جذبها بقوة أكبر حتى يصل أسرع إلى السيارة قائلًا بنبرة حادة :
_ مش عايزة تهربي؟
هوديكي أي حتة انتي عايزاها
انفرجت أسارير وجهها وتبعته طواعية حتى وصلا إلى السيارة ، ليبلغه أحد رجاله أن إلياس أخذ السيارة ليسعف حمزة سريعًا ، وأن الأخرى قادها صديقه ليتصرف مع من تبقى.
أومأ داوود برأسه ثم أشار إليه بالصعود إلى السيارة وتولي القيادة.
فتح باب السيارة الخلفي وأشار إلى رحيل ، فصعدت بسرعة ، و عيناه لا تفارقان الطريق ، ثم جلس هو بالمقعد الأمامي المجاور للسائق ، يأمره أن ينطلق ، ثم التفت إليها يسألها اين تريد أن تذهب ، لكنها صمتت بحيرة لا تعلم اين يمكنها أن تذهب ، فأهلها وكل من تعرف تركتهم خلف ظهرها للتو ،
ابتلعت ريقها بتوتر قبل أن تتحدث بنبرة يشوبها الضعف :
_ وديني مكان ما هتروح
_ انا نازل القاهرة
_ ماشي ، هروح القاهرة
***********************************
فُتح الباب فصدر صوت صريره القوي يقطع الصمت الموحش داخل المكان ، و دخل ذلك الشاب طويل القامة بخطى متوجسة ، عيناه البنيتان تتفحصان المكان في قلق.
الأثاث مبعثر بعضه ملقى أرضًا ، والبعض الآخر محطم يشهد على صراع قوي لم ينتهي على خير.
خفق قلبه بقوة كلما تعثر بالأثاث المتناثر ، و ارتفعت وتيرة أنفاسه بخوف حين لمح وجود أثار دماء تسيل على الأرض ، تمتد إلى الرواق المؤدي للغرف ، تقدم بخطوات مترددة نحو غرفة يتسلل منها ضوء خافت ، ما أن وصل أمام الغرفة حتى تغير لون الإضاءة فجأة إلى حمراء قاتمة ، وظهر أمامه شخص قادم نحوه ، يشهر سكينًا حادًا في وضعية الهجوم.
شهق بحدة وانتفض من مضجعة ، يستيقظ من ذلك الكابوس المروع الذي يراوده كل ليلة على وقع طرقات متتالية على الباب ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، ومسح بكفه على وجهه المتصبب عرقًا ، و مر ببطء على لحيته الكثة قبل أن تقف عن الفراش متجهًا نحو الباب.
فتح الباب ، ففوجئ بشقيقه الأصغر حمزة يستند على كتف إلياس ، و هيئته بعثت القلق في قلبه بدا حمزة منهكًا وجهه شاحب وثيابه مبعثرة ، ذراعه الأيسر معقود برباط أبيض ملطخ بالدماء ، فيما تمزق القميص عند موضع الجرح.
تجلى القلق الذي ينهش قلبه على ملامحه المقاربة لملامح شقيقه ، و أسرع نحوه يسانده من الطرف الآخر يساعده على الدخول ، يهتف بقلق :
_ اية اللي حصلك يا حمزة؟
في اية يا إلياس؟
مدد جسد حمزة على الفراش وجلس إلى جواره ليتفحص جرحه بصفته طبيبًا ، بينما اجابه إلياس بهدوء :
_ متقلقش يا "صهيب" جت سليمة
التفت إليه "صهيب" ينظر إليه بحدة ، يشير نحو ذراع أخيه المصاب قائلًا :
_ بردو مصممين على القرف دا ، ما تروحوا تبلغه عنهم بقى و خلصونا
ظهر التهكم على وجه إلياس ، و تحرك متجهًا إلى المقعد اقصى الغرفة ليسريح عليه ، قائلًا :
_ و الله لو كان الموضوع بالبساطة دي ، كان زمان كل حاجة اتحلت ، و ان كان على القرف دا يا عم احنا بعدناك عنه يا شيخ صهيب سيبنا احنا نتصرف.
صمت صهيب ولم يجيب عن حديثه إنما سأل عن حالة أخيه ، فأجاب إلياس قائلًا بهدوء :
_ جت طلقة في دراعه و طلعت ، كلمت دكتور تبعنا قابلنا في الطريق و اسعفه و اداله مسكن.
و جيتلك عشان تشوف الجرح بردو و نطمن عليه
خرج صهيب من الغرفة ليأتي بصندوق الإسعافات الأولية يتفحص جرح شقيقه ، في حين أخرج إلياس الهاتف ليطمئن على داوود ويعلم متى ستأتي.
جلس صهيب إلى جوار شقيقه مجددًا يفك الرباط الملطخ بالدماء ليرى قطب جرحه ويضع آخر جديد ، وحين انهى عمله علق حامل قماشي على رقبة حمزة وضع به ذراعه حتى لا يتحرك.
حينها نظر حمزة إلى ذراعه قائلًا بنبرة مرهقة :
_ ما تعملوا ثواب يا بهايم و تكلموا مراتي تقولولها أن ايدي اتكسرت يمكن ترجع البيت
طرقع أصابع يده السليمة يشير إلى الهاتف بيد إلياس ، قائلًا بحماس :
_ قولها كنت بنقذ قطة وقعت على دراعي اتكسرت ، هي بتحب الحالات الإنسانية دي اوي
نظر إليه إلياس بغيظ قبل أن يضع الهاتف بجيب سترته مجيبًا :
_ تصدق بالله انها في نعمة بعيد عنك
أشار صهيب بسبابته نحو ساعة الحائط التي تشير إلى الثالثة والنصف فجرًا ، يهتف بضيق :
_ انت يا بني دماغك رايحة منك ، احنا بقينا الفجر تجيلك فين دلوقتي ، نام يا حمزة الله يهديك.
تأفف حمزة بضيق ، وتسطح على الفراش لكى ينعم ببعض الراحة ، ليقف إلياس عن مقعده يخرج من الغرفة ينتظر أن يمر عليه داوود.
كانت شاردة ، تستند برأسها على زجاج السيارة تتذكر حين رأته للمرة الأولى ، كان غائبًا عن الوعي ، ملقى في قلب الصحراء ، ينزف بغزارة من طلق ناري أصاب صدره.
بدا وحيدًا متروكًا للموت في ذات المكان الذي أصبحت تجد فيه راحتها لاحقًا.
عاونته مع والدتها ، بكل ما أوتيتا من قوة ، حتى تمكنتا من نقله إلى "دار الريس عمران" طلبًا للعلاج.
وهناك تولت هي مهمة مداواته بنفسها ، بما امتلكته من مهارة نادرة في التداوي بالأعشاب ، مهارة ورثتها عن والدها رحمه الله ، وصقلتها بالخبرة والصبر.
وحين استفاق منعتها والدتها من الذهاب إليه ورؤيته ، وتولى بعدها سعدون مهمة استكمال علاجه ، لم يراها ، ولكنه لم يغب يومًا عن بالها وجعل لنفسه مكانّا بقلبها رغم ذلك.
لم تكن تتوقع يومًا أن تلتقي به مجددًا ، كانت تحيا على أحلام تنسجها بعقلها حتى لا تمحى ذكرى قديمة معلقها بروحها ، ففاجئها القدر برؤيته مرة أخرى تختلف عن سابقتها تمامًا ، رأته يطلق عيار ناري بكل برود ليؤذي شخصًا آخر ، تحطمت صورته الملائكية بعقلها ، وامتلئ قلبها رعبًا منه.
أجفلت منتفضة حين داهمها صوته الأجش يقتحم شرودها ، بتساؤل مباغت :
_ وصلنا القاهرة ، تحبي تروحي فين؟
طال صمتها ، تتأرجح الحيرة بمقلتيها حتى همست بقلة حيلة يتقطر منها الرجاء :
_ مش عارفة.
ينفع ابات في عربيتك لحد الصبح؟
التفت ينظر إليها بتمعن ونظرات متفحصة ، عيناه السوداوان تجولان على ملامح وجهها ، تستشفان
صدق الرجاء بصوتها المختنق ، تسلط ضوء أبيض على وجهها يبرز حسنها ، وعيناها التي لفتت انتباهه بدت مألوفة له كأنما التقاها سابقًا.
قطب جبينه وضاقت عيناه يمعن النظر في عينيها الواسعتين ، كأنه يضغط على عقله ليتذكر متى رأها من قبل ، حمحم بخشونة يبعد مرمى بصره عن عينيها حين جاء صوتها المرتبك بسبب نظراته الغريبة بالنسبة لها :
_ ينفع؟
_ ملكيش حد في القاهرة خالص؟
سأل بنبرة هادئة ، لتنفي برأسها قائلة بصوت خافت يظهر ضعفها في تلك اللحظة :
_ لا ، هو بس الشمس تطلع و انا هشوف مكان.
صمت هنيهة يفكر في أمر تواجدها دون مأوى ، ثم التفت يعتدل بجلسته على المقعد ، متحدثًا بهدوء :
_ هوديكي تقعدي مع واحدة قريبتي عايشة مع أمها ، أمان متخافيش
انفرجت أسارير وجهها وارتسمت على ثغرها ابتسامة سعيدة ، تهمس له شاكرة على موقفه النبيل معها ، في حين أشار إلى السائق على الطريق يملي عليه العنوان.
بعد أكثر من نصف ساعة توقفت سيارة داوود أمام منزل يبدو أنه حديث البناء مكون من طابقين ، رن الجرس الخارجي ، والتفت ليراها تقف جوار السيارة لم تتحرك ، تقبض على حقيبتها بقوة كأنها تحتمي بها من أي خطر قد يحدث في تلك اللحظة ، في النهاية وجدته ليس بالبراءة التي رسمتها في ذهنها له لمدة عام ، و يجب عليها توخي الحذر منه.
فتحت كنزي الباب يظهر على وجهها النعاس ، ولكن حين وجدت داوود أمامها ، اختفى النعاس ورمقته بقلق ، تسأل بتوتر :
_ خير يا داوود ، حمزة جراله حاجة؟
لم يخبرها بما أصاب زوجها حتى لا تفزع ، لينفي برأسه مشيرًا إلى رحيل التي تقف بعيد تنظر إليهما بارتباك :
_ أهدي مفيش حاجة ، انا بس جاي اسيب البنت دي عندك الليلة دي ملهاش حد في القاهرة ، تمام و لا في مشكلة
ألقت كنزي نظرة على رحيل متعجبة من طبيعة ملابسها الغجرية ، ثم نظرت من جديد نحو داوود ، قائلة بهدوء :
_ مفيش مشكلة نادي عليها.
بس هو انت تعرفها منين شكلها مش من هنا؟
لم يجيبها داوود إنما تركها مقتربًا من رحيل ، وقف أمامها يشير نحو كنزي ، متحدثًا بهدوء :
_ كنزي هتستقبلك في بيتها ، متتكلميش معاها في اي حاجة حصلت في الفيوم ، تمام؟
أومأت بإيجاب على الفور ، تهمس :
_ أطمن كأنك مكنتش في الفيوم اصلًا ، كفاية انك ساعدتني
توجهت بعد حديثها نحو كنزي التي رحبت بها بابتسامة لطيفة بعثت في قلبها الراحة والاطمئنان ، وتوجه هو إلى السيارة ليصل إلى وجهته.
طرق داوود باب الشقة قبل أن يفتح له إلياس ، أفسح له الطريق للدخول في حين تحدث داوود وعيناه تجولان بالأرجاء بحثًا عن ابن عمه :
_ حمزة عامل اية؟
أشار إلياس نحو الغرفة المغلقة جواره ، قائلًا بهدوء :
_ تمام ، الحمد لله جت سليمة و عدت على خير
فتح داوود باب الغرفة ، فوجد حمزة يغط في النوم بسلام وإلى جوار الفراش يجلس صهيب اتجاه القبلة ويمسك بالمصحف الشريف يقرأ القرآن بصوت هادئ ، ليغلق الباب مجددًا حين تحدث شقيقه متسائلًا عما حدث معه بعد رحيله مع حمزة :
_ انت احكيلي اية اللي حصل؟
تنهد داوود بعمق ، وجلس على الأريكة يتكأ بظهره إلى الخلف ، ثم بدأ بسرد ما حدث منذ أن ركض خلف تلك الفتاة حتى الآن.
اتسعت أعين إلياس بدهشة ، متعجبًا من تصرف أخيه اتجاه الفتاة التي لا يعلم عنها شيئًا لذا هتف بضيق :
_ انت ازاي تصدقها بسهولة كدا!
و هو انت فاكر كل البنات "دهب" يا داوود؟
عند سماع داوود هذا الأسم احتد فكه بغضب ، وقبض على كف يده حين لاحت أمامه ذكرى سوداوية لن تزول عن عقله ابدًا ، ذكرى مشؤومة قلبت حياته رأسًا على عقب ، حفرت داخل عقله بالدم.
حمحم بخشونة يحاول استعادة رباطة جأشه ، ثم تحدث بهدوء :
_ البت فعلًا هربانة و ملهاش حد هنا ودتها عند كنزي
أنفعل إلياس وهب واقفًا من مقعده ، يهتف بغضب :
_ ممكن تكون اصلًا كدابة و لا سارقة منهم حاجة و هربانة بيها!
أشهر إلياس سبابته أمام وجه أخيه ، واردف بغيظ :
_ متخليش اللي حصل لدهب يأثر عليك بالشكل دا ، مش كل البنات زي دهب.
تفاقم الغضب داخل داوود ، وازدادت عيناه قتامة ، يصر شقيقه على التوغل داخل حادث قديم يحضر الآلام إلى صدره كخناجر مسمومة لا نجاة منها ، وقف أمامه مباشرةً ينظر إليه بنظرات غاضبة ، يهتف بنبرة حادة :
_ كفاية يا إلياس ، موضوع دهب حاجة تانية و انت عارف.
دس داوود كفيه بجيب بنطاله ، يردف بنبرة يشوبها الحسرة :
_ و لو شايف اني ساعدتها عشان متبقاش زي دهب ، فانا هساعد اي بنت تهرب من جوازة غصب و ميبقاش مصيرها يشبه مصير دهب في النهاية
تبددت ملامح الحدة عن وجه إلياس وحل محلها الحزن الشديد ، وأخذ يلوم نفسه على حديثه الذي يعلم أنه يضغط على جرح أخيه الذي لم يندمل بعد ، كاد يعتذر منه إلا أنه وجده يتوجه إلى المرحاض بخطى سريعة ، يحاول أن يختفي بحزنه بعيد عن الأنظار ، وكأن إظهار حزنه سيسبب له المزيد من الألم.
فتحت عيناها البندقيتان حين اخترق نومها الهادئ صوت صياح عالي اعتادت عليه ، لكنه اليوم بدا أكثر شراسة ، زفرت بضيق شديد يعتصر صدرها ، وجلست ببطء على طرف الفراش حتى تستفيق ، مررت راحتي يدها على وجهها تطرد بقايا النوم ، ثم ارتفعت يدها ترتب خصلات شعرها المجعدة.
وقعت عيناها على الحذاء الطبي الأسود الخاص بها ، لتتسلل تلك الغصة المريرة إلى حلقها كلما رأت الحذاء الذي يذكرها بعجزها ، كانت ارادة الله أن تولد ولديها ساق أطول من الأخرى ، ليكون هذا الحذاء الطبي مرافقًا لها في كل مراحل حياتها.
عاد الصوت الغليظ يخترق مسامعها أشد وقعًا وأكثر قسوة ، جعلها تتعجل وترتدي حذائها سريعًا ، اندفعت بجسدها النحيف إلى الخارج ، و عرجتها تكشف ما تكنه داخل قلبه ولا تستطع البوح به.
وقفت على أعتاب الغرفة تراقب بعينين متعبتين ، متخمتين بالحزن ، مشهد والدها الذي يصرخ بغضب بوجه أخيها الأصغر موبخًا إياه :
_ تاكل رغفين لوحدك لية؟
محدش عايش معاك؟
اغرورقت عيناها بالدموع حين دفع والدها شقيقها إلى الخلف بعنف ، هذا المشهد اعتادت تكراره باستمرار ، كان والدهما يبخل عليهما حتى بالخبز ، ويبحث ورائهما في كل ما يأكلان او يدخران من مال ، حتى صار المنزل بالنسبة لهما سجنًا ، قضبانه من فولاذ يتمنى كلًا منهما الهروب منه بأي وقت.
تقدمت بخطوات متعجلة اتجاه شقيقها ، واحتضنت كتفه بحنو ، تهمس بصوت مختنق :
_ خلاص يا بابا ، حقك عليا ، اعتبر اني انا كمان فطرت.
ظهر التهكم جليًا على ملامح وجهه القاسية ، وهتف بغضب :
_ اه ، و تروحي بقى تاكلي مع زملاتك في الشغل و تضيعي المرتب مش كدا؟
انسابت دموعها على وجنتيها ، و نفت برأسها مرارًا ، قبل أن تتحدث بهدوء :
_ و مش هجيب أكل مع اصحابي في الشغل اطمن ، المرتب هديهولك كامل.
رمقها بغيظ وتركها مغادرًا الردهة ، بينما التفتت هي إلى أخيها ، تمرر يدها على لحيته النامية برفق ، و تهمس في محاولة للتهوين عنه :
_ متزعلش يا عمر ، انت اكيد اتعودت ، فكبر دماغك.
تنهد "عمر" بقوة يستند برأسه على رأس شقيقته ، متحدثًا بضجر :
_ و الله العظيم انا تعبت يا "مايان"
ضمت "مايان" شفتيها تكبح شهقتها من الخروج ، بينما دموعها تنساب بغزارة على وجنتيها ، ليرفع عمر رأسه يقبل جبهتها بحب جعلها تبتسم تمرر يدها على كتفيه ، قائلة بهدوء :
_ استهدي بالله كدا و روح غير هدومك عشان تروح شغلك
أومأ إليه ، وانحنى يهمس بجوار أذنها :
_ هعدي عليكي الضهر في الشغل و اجبلك معايا فطار ملوكي بس اما اخد القبض
ضحكت بخفة ، وأشارت إليه أن يذهب لتغيير ملابسها ، قائلة بصوت خافت :
_ طب يلا غير و تعالي وصلني المحل الأول
توجه عمر إلى غرفته ليستعد إلى خروجه إلى عمله حيث يعمل كمساعد في ورشة لإصلاح السيارات ، حينها.
ارتجفت شفتاها بقهر بعد موت والدتها ومن بعدها خالها ، انقلبت حياتها وحياة شقيقها رأسًا على عقب وأصبحت تشبه الجحيم ، حاصرتها الألم من جميع الاتجاهات وحجود والدها كان سببًا رئيسيًا بتلك الآلام.
استيقظت والدة رحيل قبل موعد استيقاظها المعتاد ، لتحضر نفسها وابنتها للزفاف اليوم ، ضاربة بحديث ابنتها عما فعل سعدون عرض الحائط ، مكتفية بنسب الريس عمران "كبير الغجر" بعشيرتها ، لملمت خصلات شعرها التي تشبه خصلات ابنتها وخرجت من غرفتها إلى غرفة ابنتها لتبدأ بالتجهيزات للزفاف.
لطمت خديها حين لم تجد رحيل بالغرفة وكأن الفراش لم يُمس حتى ، ابتلعت ريقها بصعوبة وتوجهت إلى المرحاض لعلها تجدها ، ولكن كان المرحاض فارغًا.
شهقت بفزع واضعة كفيها على رأسها ، تنعي حظها العاثر ، وتلك الورطة التي وضعتها وحيدتها فيها ، توجهت سريعًا نحو غرفتها لتغير ملابسها وتذهب إلى مجلس الريس عمران تبلغه بما حدث.
وقفت أمام دار الريس عمران ، ودقات قلبها تتواثب داخل صدرها بقلق بالغ ، وقبل أن تدق الباب الخشبي كان يفتح سعدون الباب يخرج بملامح واجمة ، تلعثمت بارتباك قبل أن تهمس بهدوء :
_ كويس اني لقيتك
قاطعها حين أمسك بذراعها يُبعدها عن الباب ، يهمس من بين أسنانه المطبقة بغضب :
_ عارف انها هربت
_ لازم نبلغ الريس عمران
نفى برأسه وجذبها بعيدًا حتى لا يستمع إليهما أحد :
_ مش هنبلغ حد بحاجة لحد ما الاقيها
نظرت إليه بضيق قبل أن تزفر بقوة ، متسائلة :
_ و هتلاقيها فين بس؟
نظر سعدون حوله يراقب بعض الجيران التي ترمقه بنظرات ساخطة تكاد تحرقه ، ليصك على أسنانه بغضب قد اشتعل داخله أكثر اتجاه رحيل ، هامسًا بانفعال :
_ هقلب الدنيا عليها و هلاقيها يا ست "جليلة"
نظرت إليه "جليلة" بحيرة ، تساءلت بقلق :
_ طب و هنعمل اية في الفرح؟
وضع يده على رأسه يداعب بأنامله خصلات شعره التي تكاد تنبت برأسه ، وصمت يفكر في حل لتلك المعضلة ، حتى اهتدى أن يقول :
_ هنقول لكل العشيرة ان رحيل تعبانة و انا اخدتها تتعالج في مستشفي.
ابتسم برضا حين استحسن هذه الفكرة ، ليشير إليها أن ترحل إلى منزلها ، ثم همس مؤكدًا :
_ روحي انتي بيتك و انا جاي وراكي.
الفصل الثالث من هنا
قراءة رواية الراتل الفصل الثالث 3 كامل | بقلم اسماء ايهاب

لا تتوقف هنا، تابع رواية الراتل الفصل الثاني 2 كامل في الفصل التالي الآن.

جميع فصول الراتل بدون نقص

جميع فصول الراتل متاحة للقراءة الفورية.

أعمال الكاتب اسماء ايهاب

جميع قصص وروايات اسماء ايهاب متوفرة كاملة للقراءة الآن.

حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
تنويه بخصوص حقوق النشر:
إذا كنت مالك حقوق هذه الرواية أو لديك حق طلب حذفها، يُرجى التواصل معنا لحذفها فورًا.

كما يمكنك التواصل معنا إذا كنت ترغب في نشر روايتك أو قصة من تأليفك، أو طلب رواية معينة لإضافتها إلى الموقع.

📩 التواصل عبر واتساب
📲
تطبيق حكايتنا
تحميل التطبيق الآن
تحميل
0
SHARES