رواية حسن ودنيا الفصل الثاني 2 كاملة | بقلم هاله القمر
— كفاية علينا لحد كدا. بنتي عانس جنبك، وكل اللي ييجي يمشي من بابنا عشانك. روحي لحالك بعيد عننا.
دنيا اتجمدت، الغسيل وقع من إيدها: “طب أروح فين؟”
ام نعيمة بصت الناحية التانية: “ربنا يسهلك، دوري على أهلك”.
لمّت دنيا طرحتين وحاجاتها في كيس بلاستيك، ونزلت السلم قبل ما أبو نعيمة يرجع من القهوة عشان ما تبصش في وشه.
الشارع استقبلها تاني، بس المرادي مافيش حسن يمسك إيدها.
مشيت لحد ما رجليها وجعوها، قعدت على رصيف محطة ، حـ,ـضنت ركبها، وجواها صوت واحد بيتكرر: “حسن… لو لقيتك بس”.
الليل كان بارد، والطرحة على راسها قديمة، بس الحلم اللي شايلاه جديد ومضواي: تلف المدن لحد ما تلاقي اسم اخوها على يافطة، أو تسمع حد بينده على واحد اسمه حسن، ويطلع هو.
نامت على الكرسي وهي حاطة الكيس تحت راسها، وعينيها مقفولة على خيال ولد صغير ماسك إيدها وبيعدّي بيها من الشارع للمحطة، زي زمان.
دنيا فضلت ماشية في شارع ضلمة، حواري أضيق من صوتها.
راجل طالع من خمارة سدّ عليها الطريق، عينه حمرا وريحة بقه عفنة، ومَد إيده.
دنيا رجعت خطوة، وهو قرب، إيدها لمست قالب طوب جنب حيطة.
لما هجم، ضـ,ـربته على دماغه بكل الرعـ,ـب اللي فيها، وقع سايح في دـ,ـمه، وهي جريت.
الراجل دخل المستشفى بين الحياة والمـ,ـوت، والشرطة جابتها من كاميرا محل.
في القسم، دنيا بتحكي: “حاول يلمسني”، والمحضر مكتوب سـ,ـرقة.
الضابط بيبص لقيد التعريف: لا شهادة، لا أهل، لا عنوان.
اتحبست احتياطي.
جوه الحجز، السقف عالي واللمبة بتطن.
دنيا على بلاط بارد، بتفتكر إيد حسن وهي بتعدّيها الشارع.
بتنام على صوت مفتاح الزنزانة، وتصحى على اسمها وهى نازلة تحقيق.
كل مرة تقول: “ما سـ,ـرقتوش… ده كان هيإذيني”، بس الورقة ما بتتغيرش.
في ليلة هادية، همست لنفسها: “يا رب ألاقي أخويا حسن أنا محتاجاه آوي دلوقتي “، وما عرفتش إن اخوها اللي بيدوّر من سنين بقى محامي، وإن اسمه اتردد الأسبوع اللي فات في نيابة جنب زنزانتها، من غير ما الجدران تقول.
اليوم بتاع الجلسة جه، دنيا وقفت في القفص، إيدها ماسكة حديدة باردة.
قبل قضيتها كان في مرافعة تانية؛ محامي شاب واقف ببدلة غامقة، صوته هادي وواضح: “التهمة بلا دليل، والشهود ما شافوش حاجة، ونطلب براءة”.
القاعة ساكتة، والكل مركز معاه.
دنيا عينيها عليه، قلبها بيدق بسرعة مش فاهمة ليه: الملامح، الوقفة، النبرة فيها حاجة مألوفة، كأنها شافت هذا الشاب زمان، صغير، وهو يشدها بعيد عن الازاز قدام مطعم.
حاولت تركز في الكلام، بس دماغها بتعيد ملامحه: الخط حوالين العين، الحركة وهو بيشاور للقاضي، الضغطة الخفيفة على سنانه لما بيتضايق.
همست لنفسها: “حِسن؟
” الكلمة وقعت جوه قلبها قبل ما عقلها يصدق.
القاضي خبط بالجلسة اللي بعدها، دنيا رجعت خطوة لورا، عينيها عليه وهو بيجمع ورقه، مستنية أي لمحة تقولها إن الحدس ده صح، أو إن التعب خَلاها تشوف اللي هي عايزاه في أي شاب مألوف.
القاعة فضيت شوية، والقاضي طلع يراجع الأحكام.
المحامي الشاب قرب من موكلته في القفص يطمنها ويوعدها بالبراءة.
دنيا، إيدها متعلقة بالقفص، نادت عليه بصوت مبحوح:
— حضرتك… ممكن تترافع عني؟ أنا مظلومة، ومليش حد.
لفّ لها. عينه وقعت على وشها المجهد، ملامحها شبهت خيال قديم في دماغه. سألها بهدوء، كأنه بيختبر نفسه:
— اسمك ايه؟
ردت، والحروف طلعت خفيفة: “دنيا”.
سكت، عينه ثبتت عليها ثانية زيادة، سأل تاني:
— اسمك بالكامل؟
قالت: “دنيا مصطفي عماره ” اهلي ماتو وانا صغيرة ومليش غير اخ واحد إسمه حسن ومعرفش طريقه فين.
الهوا في القاعة وقف. المحامي اتنفس بصعوبة، وبص لملف دماغه من سنين، للاسم اللي دَوّر عليه في كل محضر. مد إيده، نبرة صوته اتغيرت، قديمة كأنها راجعة من طفولة:
— دنيا أختي … أنا حسن اخوكي .
عينيها اتوسعت، الشـ,ـفتين رعشوا، والقفص بقى مش فاصل بين زمان وأول اللقاء دلوقتي.
دمعتها نزلت قبل ما تنطق، وهو واقف برا القفص، بس إيده اتمدت كأنها بتشدها من الازاز تاني، زي ما كانوا صغيرين.
القاضي دخل، ورق في إيده، وعين حسن لسه متعلقة بدنيا كأنه بيحميها من الحكم قبل ما يتقال.
اسامي اتندهت، وأحكام نزلت، ودنيا سمعت اسمها: “الحبس ست شهور”.
ساقها انقبض، بس عنيها ما سابتش وش حسن.
الجلسة اترفعت، وحسن قرب من القفص، كف إيده لمس الحديد جنب كفها:
— اسمعيني، أنا لما صدقت لقيتك يا دنيا ومش هسيبك تضيعي مني تآني.. هثبت إنك كنتي بتدافعي عن نفسك. وهطلعك منها.
دنيا هزت راسها، صوتها مبحوح: “وأنا صدقتك وأنا صغيرة، وبصدقك وأنا كبيرة”.
بص لها بنظرة طويلة، ودّعها بنظرة فيها وعد من عمر فات، ولف يمشي يجهز ملف البراءة، وفي نيته يسابق الساعات عشان ما تنامش ليلة زيادة وهي محسوبة على حاجة ما عملتهاش.
حسن ماسابش الورق تاني.
لف على المستشفى، جاب التقرير، لقى الكاميرا اللي تبين زاوية إيد الراجل وهي بتمد عليها ، وجمع شهود من الشارع الخلفي.
بعد أسبوعين، القاضي قرا أسباب البراءة ودنيا خرجت،
هي خرجت من باب النيابة، بتشوف حسن مستني، جريت بخطوات مترددة ومسكت إيده، نفس المسكة القديمة وهي طفلة بتعدي الشارع.
في اللحظة دي، باب جانبي اتفتح وعسكريين بيجرّوا راجل مكلبش: عمهم جابر .
دنيا اتخشبت، حسن شدّ إيده تحميها، والعم رفع عينه، شافهم، حاول يلف وشه وهو مش عارفهم لكن نظرة حسن وقفته.
عدى من جنبهم في صمت، الكلبشات بتلمع في ايديه ،
حسن نادي على عمه بصوت عالي وقفه.. إزيك يا عمي.. اوعا تكون مش فاكرني.. انا حسن ابن اخوك ودي اختي دنيا.. اللي سـ,ـرقت فلوسنا زمان وطـ,ـردتنا في الشارع.
العم وقف جنب العسكري، وبص لحسن ودنيا، صوته مبحوح ومكسور:
— حسن… دنيا… أنا غلطت، أكلت مالكم، وربنا عاقبني… خسرت كل حاجة، وقـ,ـتلت مراتي وعيالي بإيدي.
دموعه نزلت على وشه والكلبشات بتوجعه كل ما يتحرك. حسن ما ردش، ودنيا حـ,ـضنت دراع أخوها.
العسكري شده يمشي، والعم قال وهو بيرجع لورا:
— انتو الورثة دلوقتي … فلوسكم اللي خدتها منكم زمان وكل اللي جمعته طول حياتي بقى ملككم انتم.
حسن مهتمش بكلامه لانه مكنش محتاج دلوقتي غير أخته.
.
خد دنيا ومشيوا للخارج، وإيد دنيا في إيده زي زمان.
من غير كلام، عدّوا الطريق سوا، المرة دي بخطوة موزونة، والبيت قدامهم مش محطة، ولا قسم، ولا باب بيت ناس تانية… بيت هم هيفتحوه سوا.
وربنا عوضهم: رجعوا لبعض، والحق رجع لأصحابه.
حسن ودنيا عدّوا السنين بالغياب، وختموها بوعد قديم اتنفذ: إيده في إيدها، والبيت هيبقى بيت اخوات ميتفرقوش ابدا تاني ، من غير خوف ولا فراق.
الحكاية انتهت وهم واقفين سوا قدام المطعم في نفس المكان وبيبصوا علي الاكل ويضحكوا.. زي ما الطفلين زمان اتمنوا يدخلو المطعم دا يسدو جوعهم..
حسن بيفاجئ دنيا انه اشتري المطعم دا وبقى ملكهم دلوقتي.
دنيا بتمسك ايد اخوها وهو بيوعدها انه هيعوضها عن كل السنين الصعبه اللي عاشتها.
حكاية حسن ودنيا من أجمل الحكايات أتمنى تكون عجبتكم.
النهاية
انت في الصفحة 2 من 2 صفحات
48٬973
اقرأ رواية حسن ودنيا من البداية للنهاية
جميع أجزاء رواية حسن ودنيا متاحة للقراءة بسهولة.