رواية ألم بدون صوت صرخة لم تُسمَع للكاتبة خديجة أحمد، عمل أدبي مؤلم يغوص في أعماق النفس البشرية، حيث يتحول الصمت إلى وجع، وتصبح المشاعر حبيسة القلوب.
تحكي الرواية قصة شخصيات أنهكها الألم، فعاشت بين الانكسار والحرمان، تخفي صرخاتها خلف ابتسامة زائفة. بأسلوب مشوّق ولغة مؤثرة، تنقل الكاتبة معاناة إنسانية صادقة تلامس القلب وتكشف أن أقسى الآلام هي تلك التي لا يُسمع لها صوت.
رواية رومانسية اجتماعية كاملة الفصول، مليئة بالمشاعر، مناسبة لعشاق القصص الحزينة والدراما النفسية العميقة.
البارت الأول
ضربني لحد ما حسّيت إن جسمي هيتهد بين إيده.
مسك الشنطة اللي كانت جنبي، فتحها بسرعة، وخد الفلوس.
نزل من البيت من غير حتى ما يبص وراه، ولا يشوف الضرب دا عمل فيا اي.
قمت من على الأرض بالعافية، جسمي كله بيوجعني، وعيوني كانت بتحكي اللي لساني مش قادر يقوله.
مشيت لحد أوضتي، ورميت نفسي على السرير.
وبدأت أبكي… ببكي على عمري، على وجعي، على ضربي، على كل لحظة وحشة عشتها من بعد ما ماما ماتت.
عارفين… كان في إيدي أمشي، أسيبه وأرتاح، بس هو مش وحش… والله مش وحش.
هو بس من بعد موت ماما، اتشقلب حاله.
بس أنا عارفة إنه من جواه كويس، عشان كده كل مرة أفكر أمشي وأبعد عنه، أفتكر السؤال اللي بيكسرني:
مين هيهتم بيه؟ مين هيصرف عليه؟
ومش بلاقي إجابة.
فأصبر نفسي… وأفضل معاه.
محستش بنفسي وأنا بنام من كتر الوجع، مش بس عشان جسمي تعبان… لكن عشان روحي كمان .
صحيت تاني يوم، وقلبي بيخبط من الخوف.
خرجت أشوفه رجع ولا لسه برا.
لقيته نايم على الكنبة، وإيده ماسكة صورة ماما.
ابتسمت بوجع، دمعة خفيفة نزلت مني، أخدت الصورة من إيده بهدوء، وحطّيتها على الترابيزة.
قربت منه، قلعت جزمه وعدّلته على الكنبة، وغطيته كويس.
فضلت أبص عليه لحظة… بيني وبين نفسي قلت: “هو مش وحش… بس وجعه كبر عليه.”
بعد شوية، كنت جهزت نفسي علشان أروح الجامعة.
حاولت أحط ميكاب يخفي آثار الضرب، بس كل ما أحط نقطة، أحس كأنها بتفضحني أكتر، مش بتخبي.
بصّيت لنفسي في المراية قبل ما أنزل… صورتي باهتة،
عيني مورّمة، ووشي شاحب…
اللي يشوفني دلوقتي ممكن يديني عمر أكبر بكتير من عمري الحقيقي.
الوجع والزعل… ممكن يكبّروك مية سنة لقدّام.
أخدت شنطتي ونزلت، بحاول أمشي بعيد عن الناس عشان محدش يلاحظ اللي في وشي،
ولا حد يبصلي بخوف من شكلي.
وأنا بعدي الشارع، شوفت أب ماسك إيد بنته، شكله كان بيوصلها المدرسة.
ابتسمت تلقائيًا، وللحظة اتمنّيت أكون مكانها…
بابا ماسك إيدي، بنضحك سوا.
لكن الحقيقة خبطتني بسرعة،
فاتنهدت وقلت بهمس:
— الحمد لله على كل حال.
قبل ما أكمّل تفكيري، حسّيت بحد بينط عليا من ضهري!
كانت سارة، صاحبتي القريبة…
رغم إني عرفتها من فترة قصيرة، بس هي ونعم الصُحبة —
أخلاق، وجدعنة، وكأنها عارفة كل حاجة عني.
قالت بابتسامة واسعة:
— صباح الخير!
ردّيت وأنا بابتسم ليها:
— صباح النور.
لكن وشها اتغيّر فجأة،
وقلت في نفسي: يارب ما تكون خدت بالها من الكدمات.
سارة بصوت فيه صدمة:
— هو ضربك تاني؟
اتوترت، حاولت أخفي رعشة صوتي وأنا بقول:
— إيه؟ لأ، ليه بتقولي كده؟
قالت بحزم:
— متضحكيش عليا يا نور… باين أوي إنك مضروبة.
نزلت نظري وأنا بقول بهدوء:
— هو… كان متضايق مني شوية.
قالت بغضب مكتوم:
— نفسي أعرف إيه اللي مخليكي صابرة عليه كده؟ ليه؟
ردّيت بصوت مبحوح:
— ما قلتلك قبل كده يا سارة… مقدرش أسيبه.
هزّت راسها وقالت بوجع:
— دا مش مبرر يا نور. هو آه كان زمان كويس، بس حاله اللي اتبدّل دا محدش يقدر يستحمله.
ابوكي أو لأ، اللي بيأذيكي لازم تبعدي عنه.
سكت، مش عارفة أرد… كلامها كله صح،
بس قلبي لسه بيقول إن بابا هيرجع زي زمان،
إن في يوم هيفوق، وهيرجع الراجل اللي كنت بحبه.
ولما شافتني سرحانة قالت بابتسامة خفيفة:
— فطرتي؟
هزّيت راسي بمعنى "لأ".
قالت وهي بتضحك:
— إشطا، أنا عزماكي نفطر سوا.
ابتسمت… عارفة إنها كل يوم بتفطر مع مامتها،
بس برضه بتسألني،
عشان عارفة إن أوقات كتير ما بيبقاش معايا تمن الفطار.
روحنا وفطرنا ودخلنا المحاضرة.
اليوم كان طويل ومتعب،
بس بوجودها… وجعي كان أخف شوية.
خلصنا محاضرات ودعتها عشان اروح شغلي بشتغل بداوم جزئي كاشير ف سوبر ماركت وبعديها ف مطعم وهو فلوس من هنا وهنا بقدر اصرف شويه عليا وعلى بابا بس يجي هو وياخد كل الفلوس اللي حيلتي
خلصت اليوم الطويل ورجعت البيت، مهدودة زي العادة.
دخلت الشقة، وبصيت حواليّ… مكانش موجود.
بس دا الطبيعي، ساعات بيرجع، وساعات بيفضل برا لحد الصبح.
ما اهتمّتش، ولا حتى حاولت أسأل نفسي هو فين.
اتجهت على الأوضة، ورميت نفسي على السرير من كتر التعب،
وغمضت عيني على أمل إني أصحى في يوم… من غير خوف.
يتبعع#الم_بدون_صوت
البارت التاني
سارة
كنت قاعدة في البيت، أنا وماما، والتلفزيون شغال على صوت واطي.
بصيت لها وأنا وشي كله حزن وقلت:
ـ أنا نور صعبانة عليّا أوي يا ماما.
ماما تنهدت وقالت بهدوء:
ـ والله ربنا يكون في عونها… دي بنت بمية راجل.
كنت بطلع حاجتي من الشنطة،
ولقيت فيها فلوس.
اتنهدت وأنا بقول:
ـ كالعادة… حطّتلي تمن الفطار.
ماما ابتسمت وقالت:
ـ عزيزة النفس، مبتحبش حد يكون له جميل عليها.
قلت وأنا حاسة بغصة في صوتي:
ـ بس أنا صاحبتها يا ماما، مش حد غريب.
ردّت ماما وهي بتبصلي بنظرة حكيمة:
ـ ولو، يا بنتي.
زي ما بيقولوا، اللي ليه قرش ما ينامش،
ما بالك بقى باللي عليه؟
بصّيت لها وأنا مش مقتنعة قوي…
جوايا صوت بيقوللي إني لازم أعمل حاجة.
لازم أساعد نور،
مش عشان جميلة ولا واجب،
بس عشان هي… صحبتي،
وصحبتي بتتوجع
قعدت أذاكر، بس ولا حرف كان داخل دماغي.
عقلي كله عندها… عند نور.
كفاية سكوت لحد كده!
مديت إيدي للموبايل، وقلبي بيدق بسرعة.
كتبت رقم حماية الأسرة.
صباعي كان بيرتعش فوق زرار الاتصال، مترددة…
بس أول ما صورتها وهي مضروبة جت في بالي، ووشها اللي كله كدمات،
كل التردد اختفى.
دوست.
رنّ الخط.
جالي صوت ضابط صوته غليظ لكنه ثابت:
— معاكي قسم حماية الأسرة، اتفضلي.
بلعت ريقي وقلت بصوت مبحوح:
— في بنت اسمها نور… باباها بيضربها كل يوم، وبيخليها تشتغل وتصرف عليه.
سمعني باهتمام وقال بهدوء:
— تمام، ممكن أعرف اسمك بالكامل وعنوانك وعنوانها؟
قلت له كل التفاصيل، وأنا بحاول أثبت صوتي رغم الرجفة اللي في قلبي.
قال بثقة:
— تمام… خلال أربعٍ وعشرين ساعة هنكون عندها.
___________
نور
كنت قاعدة ف البيت، عندي محاضرات بعدين، فقلت أنضّف الدنيا شوية.
وإيدي في الشغل، سمعت الباب بيخبط.
استغربت… بابا عمره ما بيرجع في الوقت ده، بيبقى برّه طول النهار.
قربت من الباب بحذر، وسألت:
— مين؟
جالي صوت راجل من ورا الباب:
— أنا يوسف… من شرطة حماية الأسرة كان جالي بلاغ ان في واحده هنا اسمها نور بتتعرض للضرب من باباها.
قلبي وقع!
عرفوا منين؟
عايزين إيه؟
دماغي اشتغلت بسرعة… أكيد حد من الجيران سمع صريخي أو صوت بابا وهو بيزعق فاشتكى.
قلت وانا لسه قافلة الباب، صوتي بيرتعش:
— أيوه حضرتك عايز إيه؟
قال بهدوء:
— محتاجين ندردش مع حضرتك شوية يا آنسة نور.
لما نطق اسمي، رجلي جمدت في الأرض.
هو… يعرف أنا مين!؟
ردّيت بسرعة وأنا مرتبكة:
— لأ والله يا فندم، أنا لوحدي في البيت دلوقتي.
سألني:
— والدك مش موجود؟
الكلمة دي وجعتني، بس رديت بخفوت:
— آه… مش هنا.
سمعته يقول بنبرة متفهمة:
— تمام، هنبقى نيجي في وقت تاني… يكون موجود فيه.
فضلت واقفة ورا الباب أسمع صوت خطواتهم وهما بيبعدوا.
أول ما اتأكدت إنهم مشيوا، اتنهدت بقوة… بس فجأة اتجمدت.
هو قال "هنبقى نيجي تاني وهو موجود"!
الكلمة دي فضلت تدوي في دماغي.
لو جم وهو هنا؟
هعمل إيه؟
رد فعله هيكون إزاي؟
هو ممكن يضربني قدامهم عادي جدًا…
ويمكن لو كان شارب، الموضوع يخرج عن السيطرة خالص.
قعدت ع أول كرسي جنبي، حطيت وشي ف إيديا ودماغي بتلف بيا…
مش عارفة أعمل إيه، ولا أتصرف إزاي.
____________
يوسف
نزلت السلالم ومزاجي مش أحسن حاجة — حاسس إننا طلعنا على الفاضي. وإحنا بننزل شفت راجل طالع فوق، لفت نظري على طول: عيونه تحتها سودا، ماشي مش مظبوط، شكيت فيه.
قلت لزمايلي بصوت واطي:
— روحوا أنتوا على العربية،وأنا هحصلكوا.
فضلت أتبعه من ورا، الراجل شكله في آخر الأربعينات، جسمه نحيف، ومشيته ملفتة. لحد ما وقف قدام باب الشقة اللي إحنا مسبقًا تردّدنا عليه.
شوفته معاه مفتاح — فتأكدت إنه هو الشخص اللي بندوّر عليه.
وقفت للحظة وبصيت له وهو بيفتح الباب. بعد شوية سمعت أصوات حاجات بتقع، وصراخ وبكاء واضح من جوا. كان هاين عليا اكسر الباب ع دماغه… بس افتكرت وأنا بتكلم مع البنت وهي صوتها بيترعش كأنها خايفه منه او خايفه عليه مش عارف
رجعت خطوتين لورا وأنا سامع صوتها بتعيط جوا، وكل ثانية كانت بتعدّي عليا كأنها نار.
بس كنت عارف إن دخولي دلوقتي ممكن يبوّظ كل حاجة.
لو فعلاً خايفة عليه مش هتنطق، ولو اتكلمت قدامه ممكن يدمرها بعد ما نخرج.
اتنهدت ومسحت على وشي بعصبية وأنا بفكر.
— لا… لازم أرجع تاني، بس المره الجايه مش رسمي.
قررت وقتها إن المره الجايه هاروح لوحدي، من غير ما أحطها تحت ضغط “الشرطة عند الباب”.
هاجي بطريقة تخليها تفتح، وتتكلم، وأقدر أعرف الحقيقة من عيونها قبل كلامها.
لو طلع فعلاً بيضربها… يبقى الموضوع مش بلاغ عادي، دا جناية عنف أسري، ودا معناه سجن مباشر.
بس أهم من كده… إن البنت دي تستحق فرصة تنجو.
____________
نور
كنت قاعدة على أعصابي من الصبح، الخوف مش سايبني لحظة.
كل ما أفتكر صوت الراجل اللي كان على الباب، قلبي يدق أسرع…
طب لو عرفوا الحقيقه؟ طب لو خدوه وسجنوه؟
أنا مش قادرة أتخيل نفسي من غيره، مهما عمل فيّا… هو في الآخر بابا.
كنت محتاجة أتكلم، أفضفض، أخرج اللي جوايا لأي حد،
فقررت أستنى ميعاد المحاضرة وأنزل بدري شوية أقابل سارة.
نزلت واستنيتها تحت بيتها كالعاده…
دقايق عدّت، بعدين ربع ساعه، بعدين نص.
سارة مَنزلتش.
اتصلت بيها مرة ورا التانية، بس مفيش رد.
في المكالمة الأخيرة ردت مامتها بصوتها الهادئ:
— أيوه يا نور، معلش يا حبيبتي… سارة تعبانه شويه.
قلبي وقع:
— ألف سلامة، مالها؟
سكتت طنط لحظة قبل ما تقول:
— شكلها داخل عليها دور برد كده، فمش هتقدر تروح النهارده.
قلت لها وأنا بحاول أخفي قلقي:
— تمام يا طنط، سلميلي عليها، وأنا هكلمها أطمن عليها بعدين.
ردت بلطفها المعهود:
— تمام يا حبيبتي.
قفلت المكالمة وأنا ببص للموبايل في إيدي،
حسيت إن الدنيا ضاقت عليا أكتر، حتى سارة اللي كانت دايمًا جنبي مش هنا النهارده…
رجعت أتنفس بصعوبة، وأنا بقول لنفسي:
“شكلي هواجه كل ده لوحدي.”
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت التالت
سارة
ماما قالتلي بصوت متحشرج:
— أنا نفسي أعرف إزاي تعملي كده من غير ما تقوليلي… ولا حتى تاخدي رأيي؟
حاولت أهرب من نظرتها وقلت بسرعة:
— أهو اللي حصل يا ماما وخلاص.
قالتلي وهي بتتنفس بغضب مكبوت:
— وعلى كده هتفضلي تستخبي منها لحد إمتى يا فالحه؟
رديت وأنا ع وشك أبكي:
— مش عارفة… بجد مش عارفة.
قالت وهي خلاص فاقدة صبرها:
— نور لو عرفت وقطعت علاقتها بيكي… مش هيبقى عليها غلط.
انفجرت فيها وأنا متعصبة:
— دا ليه بقى؟! دا أنا بحميها! دا جزاتي؟
بصتلي بحدة وقالت:
— إنتي مش بتحميها يا سارة، بالعكس إنتي بتأذيها.
افرضي أبوها اتحبس بعد البلاغ دا؟
تقدري تقوليلي هتعيش إزاي من غير راجل في البيت؟
ضحكت بسخرية وأنا مش قادرة أقتنع:
— ع أساس إنه كان راجل معاها أوي!
رفعت صوتها وقالت بحُرقة:
— كفاية إن الناس تكون عارفة إن ليها أب،
عشان كلاب السكك متنهشهاش لما تلاقيها لوحدها!
ولو اتحبس؟
مين هيرضى يتقدملها وأبوها مسجون؟
ولو خرج؟
مين هيتجوز بنت أبوها رد سجون؟
كلامها كان زي السكين في قلبي…
مكنتش شايفة اللي هي شايفاه، كنت بفكر بقلبي بس،
وقلبي كان بيقولي “أنقذيها”، يمكن تكوني طوق النجاة الوحيد ليها.
محسبتش حاجة، ولا خفت من العواقب، كل اللي كان في بالي إنها ترتاح…
إنها تعيش يوم واحد من غير خوف.
بصيت لماما ودموعي خلاص نازلة، وقلت بصوت مكسور:
— طب أعمل إيه دلوقتي؟
قالت بهدوء الأم اللي خلاص قررت تسيبك تواجه مصيرك:
— تعترفي باللي عملتيه ليها يا سارة.
اتبلعت ريقي وقلت بغُصّة:
— طب افرض قاطعتني؟
قالت وهي تبصلي بثبات:
— ساعتها هيكون عندها حق…
المهم إنك تعترفي بغلطك وتواجهي، وتتحمّلي النتيجة.
اقتنعت بكلامها وقررت اني احكيلها كل حاجه أول م اقابلها
__________
نور
خلصت محاضراتي وروحت الشغل كالعاده، ووسط الزحمة والطلبات اللي مش بتخلص، قررت أتصل بسارة أطمن عليها.
رنّيت عليها، وجالي صوتها حزين ومتردد:
— أيوه يا نور.
ردّيت بسرعة وأنا قلبي مقبوض:
— إيه، لسه تعبانه؟
صوتها اتلخبط وقالت بخفوت:
— الحمد لله.
ابتسمت رغم التعب وقلت لها:
— إن شاء الله تقومي بالسلامة، أنا سجلت كل المحاضرات وهبعتهالك.
وقلت بخفة دم أحاول أطلعها من مودها:
— يلا ياستي، أي خدمة تانية؟
ضحكت ضحكة صغيرة، والضحكة دي ريّحتني شوية.
بس بعدها صوتها اتغير وقالت بهدوء:
— محتاجة أتكلم معاكي في حاجة يا نور.
كنت هسألها مالك، بس لمحت المدير جاي من بعيد، فقلت بسرعة وأنا بقفل الموبايل:
— طب اقفلي دلوقتي، المدير جاي.
قفلت الخط وهو وصل.
حاولت أعمل نفسي مش واخدة بالي ونضف الترابيزات، بس صوته جه حاد كالعادة:
— هو إيه الاستهتار ده؟ ألاقيكي بتتكلمي في التليفون وأنا داخل؟
ردّيت وأنا بحاول أكون هادية:
— حضرتك إحنا في البريك.
قال بعصبية:
— البريك خلص يا أستاذة!
قلتله وأنا متماسكة:
— يا فندم لسه بدأ من دقيقتين بس.
رد بانفعال أكبر:
— وأنا هستنى لما يبقى نص ساعة يعني؟
نفخت وأنا متضايقة، بس واضح إن النهاردة هو اللي مش طبيعي.
وشه محمّر وصوته بيعلى أكتر. فجأة صرخ وقال:
— إنتي مطرودة! وجودك هنا ملوش لازمة!
اتصدمت، ولسه كنت هتكلم، لقيته راح مكتبه ورجع بسرعة، ورماني بورق الفلوس على الأرض:
— خدي دول باقي حسابك… يلا غوري من هنا!
كل الناس اللي في المطعم وقفوا يتفرجوا، هو كان مبسوط كأنه كسرني أو أخد حقه.
بس أنا متهزّتش.
بصيت له بثبات، وقلتله بصوت فيه كل الكرامة اللي فايا:
— أنا مش محتاجة شوية الملاليم دي.
قلعت الزيّ ورميته على الأرض، وبصيت له في عينه وأنا بقول:
— إنت مدير فاشل… وما تطاقش.
لفّيت وخرجت وأنا سامعة الصمت اللي ورايا، الصمت اللي بييجي لما حد يتصدم إن اللي كان بيحاول يكسرك… فشل.
رجعت البيت وكنت حاسة كل خطوة تقيلة كأني شايلة الدنيا على كتافي.
كسبت كرامتي… بس خسرت شغلي.
قعدت على السرير وقلبي بيغلي بالحيرة: "هصرف منين؟ هعمل إيه بعد كده؟"
كل ده وأنا بحاول أتماسك، بس جوايا صوت بيهمس: "هل كنت استحملت اهانته وخلاص؟"
هزّيت راسي بعصبية ومسحت دمعة نزلت غصب عني.
وفجأة الباب اتفتح.
بابا دخل، عيونه تقيلة ومليانة غضب، قلبت وشي الناحية التانية.
كنت عايزة أصرخ "مش وقتك دلوقتي!"، بس سكت... لأني عارفة إن أي كلمة ممكن تولّع الدنيا.
بصلّي وقال بجفاف:
— هاتي فلوس.
قلتله وأنا صوتي بيرتعش:
— والله يا بابا مش معايا، أنا… أنا اتطردت النهارده.
ما لحقتش أكمل، صوته اتغير فجأة، بقى أعلى من كل حاجة:
— عليّا الكلام دا يا روح *مك؟
قبل ما حتى أتنفس، كان إيده سبقت صوته.
ضرب… وضرب… وكأنه بينتقم مني على حاجة أنا ماليش ذنب فيها.
كنت بحاول أغطي وشي بإيدي، بس الضرب كان بييجي من كل ناحية.
لما خلص، بدأ يقلب الأوضة يدور على فلوس، ولما ملقاش خرج وساب الباب مفتوح وراه.
وقعت على الأرض، وإيدي على شفايفي اللي بتنزل دم، ووشي مولّع.
وبكيت… بكيت بجد.
مش بس من الوجع، لكن من احساسي بالعجز وان حتى الصرخه مش قادره اطلعها!.
قمت بالعافية، كل عضلة في جسمي بتوجعني.
غسلت وشي، المايه كانت بتلسع الجروح، بس كملت.
بصيت في المراية…
عيني حمرا، وتعبانة، وشكلي كله بيقول “أنا خلاص تعبت.”
مسحت وشي بالفوطة، وكنت ناوية أرجع السرير لما صوت خبط الباب قطع الصمت.
وقفت لحظة، قلبي بدأ يدق بسرعة.
روحت عند الباب وقلت بصوت واطي:
— مين؟
جالي صوت راجل مألوف:
— أنا يوسف… اللي جيت لحضرتك امبارح.
قلبي اتقبض فورًا، رجّعت خطوة لورا:
— عايزين إيه تاني؟
قال بهدوء مريب:
— أنا جاي لوحدي المره دي، نحل الموضوع ودي… ومتخافيش من أي حاجه.
كلماته المفروض تطمن، بس العكس حصل.
رديت وأنا بحاول أثبت صوتي:
— مفيش حاجه نحلها يا فندم… وبابا مش موجود ف البيت.
قال بثقة غريبة:
— بس والدك معايا أهو، أقدر أدخل دلوقتي؟
قلبي وقف لحظة.
بابا معاه؟!
جريت بسرعة، خطفت الطرحة ورميتها على راسي، ومديت إيدي على الكالون.
فتحت الباب بهدوء…
لكن الصدمة خلت نفسي يتقطع.
ماكانش بابا واقف.
كان هو… لوحده.
ابتسم ابتسامة باهتة، وقال بنبرة فيها خبث:
— آسف إني كدبت… بس كان لازم أعمل كده علشان تفتحي.
حسيت الدم بيهرب من وشي.
مديت إيدي عشان أقفل الباب، بس لقيته سبقني وحط رجله عند العتبة.
الباب اتثبت… وأنا اتجمدت مكاني.
قولتله بصوت متوتر وأنا بخطوة لورا:
— لو سمحت… مينفعش اللي بتعمله ده.
رد عليّا بهدوء غريب وثقة:
— ده شغلي يا آنسة،
هتكلم معاكي دقيقتين وهمشي،
وممكن تفضلي سايبة باب الشقة مفتوح لو خايفة.
كنت ناوية أرفض، بس قبل ما أنطق كان هو دخل!
كأن وجودي في المكان مش محسوب أصلًا.
دخلت وراه وقلبي بيغلي:
— حضرتك إيه اللي انت بتعمـ…
بس سكت لما قاطعني فجأة بصوت حاد وهادي في نفس الوقت:
— بيضربك من إمتى؟
الهواء اتحبس ف صدري.
وقفت مكانى، قلبي دق بسرعة غريبة.
بلعت ريقي وأنا بحاول أثبت نفسي:
— هو مين ده اللي بيضربني حضرتك؟
ابتسم ابتسامة فيها سخرية واطمئنان:
— باباكي.
وبهدوء كأنه بيقول حاجة عادية:
— مفيش داعي للخوف، أنا جالي بلاغ إنك بتتعرضي للعنف الأسري، وجيت أساعدك.
كل كلمة قالها كانت بتخبط ف وداني زي الطلق.
رديت بعصبية وأنا حاسة بدمي بيغلي:
— ومين بقى اللي بلّغ الكذِب ده؟
سرح كأنه بيتذكر الاسم، وقال:
— سـ… سارة. واحدة اسمها سارة.
هنا الزمن وقف.
الكلمة خرجت من بُقه وأنا اتصلبت مكاني.
صوت دق قلبي كان أعلى من أي صوت في الدنيا.
سارة؟
سارة صحبتي؟ اللي عارفة كل حاجة عني؟
اللي كانت بتسندني لما الدنيا بتوقعني؟
هي اللي عملت كده؟
وشي اتسحب منه الدم، عيوني دمعت من غير ما أحس.
هو لسه بيتكلم، بس أنا مبقتش سامعة حاجة.
كلامه بقى بعيد… بعيد أوي.
كل اللي سامعاه صوتها وهي بتضحك، وهي بتقولي “أنا جنبك يا نور”.
وانا دلوقتي… مش قادرة أصدق إنها عملت كدا!
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت الرابع
قولتله بصوتي اللي كان بيتهز من جوه:
— قالتلك إيه؟
بصلي يوسف بنظرة فيها جدّية وقال بهدوء محسوب:
— مش مهم اللي قالت، المهم دلوقتي إننا نقدر نساعدك.
ساعديني انتي كمان واحكيلي بالتفصيل… هو بيعمل معاكي إيه بالظبط؟
كل ما أعرف أكتر، أقدر أساعدك أكتر.
نزلت دمعة من غير ما أحس، رديت وأنا صوتي مكسور:
— بس أنا مطلبتش مساعدة من حد.
رد عليّا بثقة هادية بس حاسمة:
— مش لازم تطلبي، ده شغلي.
وبعدين قرب مني نص خطوة وقال بصوت أخف بس ثابت:
— ولو مساعدتنيش، هضطر أفتح محضر بكل اللي شوفتُه النهارده.
حسيت الأرض بتتهز تحتيا.
مش قادرة أتكلم… عايزة أصرخ “سيبوني فحالي”،
بس الكلام مش طالع.
دماغي بتلف بين خوف وصدمة ووجع.
أنا خلاص مش عارفة أبدأ منين ولا أروح لمين.
بصيتله لحظات طويلة، كنت بحاول أقرأ نواياه، بعدين قولت بصوت واطي وأنا ببص ناحية الباب:
— بابا ممكن ييجي في أي لحظة… وساعتها هيفهم غلط.
ابتسم ابتسامة بسيطة وقال بهدوء:
— مفيش مشكلة، خدي رقمي، وممكن نتقابل في أي مكان برا البيت، واحكيلي براحتك.
فضلت ساكته، قلبي بيخبط، كنت مترددة…
مش عارفة أعمل إيه، بس في الآخر قررت.
مش علشان أثق فيه،
ولا علشان عايزة مساعدة،
لكن علشان أحمي بابا.
لو اتفتح محضر رسمي، هيتبهدل ويتسجن، وأنا مش هقدر أشوفه كده.
مديت إيدي وخدت الرقم منه وأنا ببصله بحذر،
وقولت بهدوء:
— تمام…
بصلي قبل ما يخرج وقال بنبرة حازمة وهو بيقفل الباب:
— خدي بالك… لو ما اتصلتيش، ردي مش هيعجبك.
فضلت واقفة مكان، عيوني متسعة وقلبي بيدق بسرعة.
هو مين عشان يهددني بالطريقة دي؟!
ده مجرد ظابط جاي يساعدني يا اقبل المساعده او لا…
فضلت ثواني أحاول أستوعب اللي حصل،
لحد ما جه في بالي اسم واحد،
اسم هزني من جوايا.
ساره!
هي اللي عملت كده؟!
عدّى اليوم وأنا عقلي مشغول بيها… كل ما أفتكر اللي عملته بحس قلبي بيتقبض.
إزاي هواجهها؟ إزاي هبصّ في وشها بعد كل دا؟
تاني يوم، جه الصبح… حضرت شنطتي كالعادة وجهزت عشان عندي محاضرات.
وأنا خارجة من الصالة، لقيته نايم على الكنبة.
فضلت أبصله شوية، والدموع محبوسة جوا عيني.
هو فعلاً يستحق الحبس؟
نفضت الفكرة من دماغي بالعافية، وخرجت بسرعة عشان متأخرش.
ما استنتهاش زي كل يوم…
بس صوتها جه من ورايا، هادي ووحشني في نفس الوقت:
"إي يا بنتي، مستنتنيش ليه؟"
قربت مني بابتسامة فيها ملامح الطيبة اللي كنت دايمًا بحبها،
بس أنا مقدرتش أرد غير بكذبة باهتة:
___افتكرتك تعبانه ومش هتروحي.
هي بصّت لي بنظرة حاسة كل اللي جوايا، وقالت:
___كنت عايزة أحكيلك على حاجة.
ساعتها قلبي وجعني أكتر… عرفت إنها ناوية تبرر قبل ما أواجهها.
ضحكت ضحكة مكسورة، وقالت ملامحي قبل صوتي:
___هتقوليلي عن البلاغ؟
ردّت عليّا بصوت متسرّع بتحاول تبرّر…
بس تبرّر إيه؟ وبعد إيه؟ بعد ما البوليس جه لحدّ بيتي؟
سارة بصوتها المرتبك:
— والله أنا كان غرضي إني أحميكي من الأذى اللي بتتعرضي له، محسبتش أي حاجة غير خوفك ووجعك.
بصّيت لها بعيون مليانة عتاب وقلت:
— عارفة المشكلة في إيه؟
المشكلة إني حكيتلك عن حياتي وتعبِي، وفهمتك بالتفصيل أنا ليه باقيه عليه…
لكن إنتِ، بغبائك وتهورك، وصلّتينا للي إحنا فيه دلوقتي!
ردّت بعصبية واضحة:
— على فكرة، إنتِ المفروض تشكريني! أنا عملت كده عشان أساعدك، وده جزاتي؟
ردّيت وأنا صوتي بيعلو أكتر:
— أنا ما طلبتش منك مساعدة يا سارة!
ولو كنت عايزة مساعدتك كنت طلبتها من زمان!
وقلت بسخرية موجوعة:
— بس عارفة؟ دا كله متوقع منك.
بصّت لي بعدم فهم، وأنا كملت بغضب كاتم جوّايا بقاله كتير:
— إنتِ عايزة تبعديني عن بابا عشان باباكي ميت، مش كده؟
لقتها بصت لي بصدمة، وعيونها اتملت دموع كأنها مش مصدقة إن الكلمة دي خرجت مني.
وبيني وبينكم… أنا كمان مش مصدقة.
إزاي قدرت أقول كده؟
إزاي كسرتها بالشكل دا؟
يمكن كنت عايزة أوجعها زي ما هي وجعتني…
من غير ما أفكر إنها فعلاً عملت كده عشاني، عشان تحميني.
وفجأة، وسط دوامة التفكير، حسّيت بقلم نازل على وشي.
هي ضربتني؟
سمعت صوتها المكسور من البُكا:
— إزاي تقولي كده؟ أنا بجد… مش عايزة أعرفك تاني.
مشيت وهي سابتني مصدومة،
حطّيت إيدي على خدي مكان الضربة،
يمكن عشان أوقف الوجع…
بس الحقيقة إن الضربة مكانها مش على وشي…
كانت في قلبي.
________
سارة
هي إزاي بجد تقول كده؟
إزاي جالها قلب تكسّرني بالشكل ده؟
إزاي تعايرني بحاجة مش بإيدي؟
كنت بعيط… مش من كلامها،
قد ما كنت بعيط على الشخص اللي خرج منه الكلام ده.
يعني لو حد تاني قاله، والله ما كنت هتأثر كده.
بس هي؟!
هي الوحيدة اللي كنت فاكره هتفضل صحبتي طول العمر ...
مسحت دموعي بالعافية وقلت لنفسي:
هروح المحاضرات، ومش هبصلها…
ولا حتى هقعد جنبها.
كفاية كلامها اللي سم بدني.
وبالفعل رُحت الكلية،
ولقيتها قاعدة بتضحك وتهزر مع صاحبنا عادي…
ولا كأننا لسه متخانقين!
بصيتلها بصدمة…
يعني إزاي؟!
طب حتى بيّني إنك زعلانة شوية!
بس لأ، كانت بتضحك كأن مفيش حاجة حصلت.
لما شافتني ببصلها،
بعدت نظري بسرعة…
وكملت المحاضرة وأنا حاسة بغُصة في قلبي.
خلصنا، ومحدش فينا كلم التاني.
كنا دايمًا بنرجع من نفس الطريق،
بس المرة دي…
ملقتهاش.
فهمت وقتها إنها مش عايزة تشوفني.
ضحكت بسخرية…
على نفسي، وعليها، وعلى كل اللي حصل.
ورُحت البيت، بس المرة دي كنت حاسة إني راجعة لوحدي
________
نور
كنت حاسّة بالفراغ…
البيت هو هو، الشوارع زي ما هي، بس هي مش موجودة.
افتكرت اللي عملته، ومهما حاولت أبرر لها، مش قادرة أسامحها.
عارفة إنها كانت بتحاول تحميني، بس برضه… شايلة منها قوي.
كنت بضحك وبهزر قدام الناس،
مش عشان مبسوطة،
لكن عشان أُقنع نفسي قبلهم إني تمام،
إني قادرة أكمّل من غيرها.
بس الحقيقة… أنا مش تمام.
ولا بخير.
كانت الركن الهادي اللي بلجأ له لما الدنيا كانت بتضيق عليا.
ودلوقتي…
مبقاش في ركن هادي.
بقي في دوشة في دماغي، وصمت في قلبي وبس
__________
يوسف
جه اليوم اللي هقابل فيه البنت دي عشان أساعدها.
بصراحه مش عارف أنا ليه مدوّنتش محضر وخلصت الموضوع من أوله؟
بس يمكن لأنها كانت خايفه… وأنا حسّيت إني لازم أطمنها.
يمكن عشان أنا شهم؟ ولا يمكن عشان في حاجه فيها شدتني؟ مش عارف.
وصلت المكان اللي اتفقنا عليه، دورت حواليّا بعيني لحد ما لمحتها قاعدة على ترابيزة في الركن، شكلها متوترة جدًا،
كأنها نازلة ديت، مش مقابلة ظابط شرطة!
قربت منها وقعدت على الكرسي المقابل، ابتسمت ليها بهدوء يمكن تهدى شوية،
لكن بالعكس… توترها زاد أكتر.
قولت بصوت هادي وأنا بحاول أطمنها:
– اهدي، حاسس إنك متوترة. متخافيش، أي حاجة هتقولِيها هتفضل بينا.
بصيتلي وسكتت لحظة، وبعدها بدأت ملامحها تهدى شوية.
قولت وأنا بحاول أفتح الكلام:
– احكي.
ردت بصوت خافت وهي بتحاول تمسك نفسها من الارتجاف:
– احكي من أول فين؟
ابتسمت وقلت بهدوء:
– من أول ما تحبي… أنا سامعك.
قالت بصوت مكسور:
– من ساعه ما ماما ماتت… وهو كده، ضرب وزعيق، وكل حاجه اتغيّرت.
موتها كان بالنسباله صدمه، بس بالنسبالي كانت بداية جحيم.
سكتت لحظه كأنها بتحاول تبلع الغصه اللي في حلقها،
وبعدين كملت بمرار:
– فاكره اليوم ده كأنه امبارح، كان أول مره يضربني فيها.
كنت بسأل وأنا بعيّط: هي ماما خلاص مشيت؟ خلاص مش هشوفها تاني؟
بس بدل ما يطمني… ضربني.
وقتها اتصدمت، قولت يمكن عشان زعلان، يمكن مش واعي اللي بيعمله.
بس بعدها فهمت إن الموضوع مش لحظه غضب،
ده بقى عادة عنده…
بقى يشرب كل يوم، وما بيقعدش في البيت غير يجي ينام.
الشغل سابه، وأنا بقيت المسؤوله.
بنت لسه مكملتش تمنتاشر سنه،
باشتغل أكتر من 12 ساعه علشان أصرف عليه وعليا.
سكتت شويه، وبصت لي بعينين كلها وجع وقالت:
– وأنا لو فضلت أحكيلك من هنا لبُكره… مش هيكفّي الوجع اللي جوايا.
سكتت بعد الكلام دا، وصوتها كان لسه بيرتعش، كل كلمة قالتها كانت بتخبط ف قلبي قبل وداني.
وجعها صعب عليا أوي… كانت مكسورة قدامي وأنا مش قادر أعمل حاجه.
كان هاين عليا أخدها في حضني وأقولها “خلاص، انتي بأمان”، بس مينفعش.
اتنفست بهدوء وقلت بصوت واطي:
– يمكن ربنا بعتني ليكي… عشان أساعدك.
حسيت بالمسؤولية على أكتافي أكتر من أي وقت فات.
مش بس كظابط… كإنسان، مش قادر أشوفها بتتألم كده.
قلت لها بهدوء:
– نور… أنا مش جاي أعمل محضر دلوقتي، مش هسيبك لوحدك، ولا حاجة هتحصلك.
شوية صمتت، وبصتلي بعينين فيها شك وحزن… بس لاحظت فيها رغبة في الثقة.
كملت:
– هنعمل كذا خطوة، خطوة خطوة… الأول، هنتأكد إنك آمنة في البيت. لو حسيت يوم إنك مش مرتاحة، هتلاقي مكان تاني تروحي له، بعيد عن أي أذى.
نور شوية ارتخت، وأنا حسيت إن قلبي بيخف شوية لما لقيتها بدأت تسمع.
– تاني حاجة، هساعدك تلاقي شغل تقدر تعيشي منه من غير ما تتحملي كل الضغوط دي لوحدك. ومش هسيبك لو احتجتي حد… حتى لو الموضوع طويل أو صعب، هفضل جنبك.
البارت الخامس
يوسف
شوفت ف عيونها نظرة تردد كأنها مش مقتنعة بكلامي.
حاولت أطمنها فقولت بهدوء:
__متقلقيش، سواء الشغل أو الشقة اللي ممكن تروحيها وقت ما تحسي إنك محتاجة تفصلي شوية من الضرب أو الزعيق، فهتبقى جمب بيتك برضه… يعني مش هتبعدي عنه، بس تبقي في أمان مؤقتًا.
فضلت ساكتة وعيونها فيها خوف وتردد.
اتنهدت وقولت وأنا ببصلها:
__أنا مش بطلب منك تسيبي بيتك ولا تبعدي عن أبوكي، أنا عارف قد إيه بتحبيه…
بس أوقات بنحتاج نختار نفسنا شوية، عشان نقدر نكمّل ونحافظ حتى على اللي بنحبه.
ردّت عليّا بصوت مخنوق:
— تمام.
حسّيت إنها قبلت حلّي المؤقت، بس كمان كنت عارف إن القصة مش هتقف هنا — ممكن يتكرر الضرب عادي.
قررت أطمّنها شوية دلوقتي، وأديها مساحة تتنفّس، لحد ما أشوف هتتصرف إزاي مع أبوها وإيه الخطوات اللي هتاخدها بعد كده.
رجعت القسم بعد ما سبتها، بس دماغي كانت معاها مش هنا.
كل كلمه قالتها وهي بتحكي كانت بتوجعني… بنت في السن دا شايله وجع الدنيا لوحدها!
قعدت على المكتب قدام ورق البلاغات، قلبي بيقولّي أتحرك، وعقلي بيقولّي استنى متتسرعش.
بس المره دي مش قادر أطنّش.
فتحت اللاب وبدأت أجهز استمارة مبدئية لـ بلاغ عن عنف أسري، بس من غير ما أقدّمه لحد دلوقتي.
كتبتها باسم "قاصر في خطر" مش لازم أذكر اسمها دلوقتي.
بعدها كلمت “هدى” — زميلة في وحدة حماية الأسرة — وقلت لها:
__عندي حالة محتاجه متابعه، بس لسه البنت مترددة تقدم بلاغ… أقدر أجهز أوراق مبدأية لو وافقت؟.
ردت عليا هدى وقالت:
__طبعًا، بس خليك حذر، الأب لو عرف قبل ما نتحرك ممكن يؤذيها أكتر.
قولت وانا بتنهد:
__عارف، عشان كده هتابع الموضوع بنفسي خطوة بخطوة.
قفلت مع هدى، واتكيت في الكرسي بتنهيدة طويلة.
كنت حاسس إني داخل في دايرة هتغير حياتي وحياتها هي كمان، بس المره دي… كنت مستعد أواجه أي حاجة.
_______
نور
بعد ما رجعت البيت، قعدت على سريري أفكّر في اللي حصل.
يمكن لأول مرة من زمان أحسّ إن قلبي مطمن، إن في حدّ في ضهري بجد.
حدّ أقدر أحكيله وجعي من غير ما يخاف مني أو يبعدني عن بابا.
في اللحظة دي بس، حسّيت إن سارة كان عندها حق…
اللي عملته وجعني، آه عشان خبت عني، بس يمكن من غير اللي عملته ماكنتش هقابل يوسف،
ولا كنت هلاقي حدّ يسمعني ويساعدني كده.
كنت قاعدة على السرير، بذاكر شويه، الهي نفسي ف المذاكره.
الموبايل رن، لقيت اسمه على الشاشة.
اترددت ثواني، بس رديت.
قالّي بصوته الهادي:
__اسمعيني يا نور، ده عنوان الشقة، المفتاح مع صاحب العمارة،
تقدري تروحي هناك في أي وقت تحبي ترتاحي فيه،
وكمان ظبطتلك شغل بسيط قريب من المكان.
قعدت ساكتة، مش قادرة أستوعب.
يعني هو فعلاً عمل كده؟
من غير ما أطلب؟
من غير ما يستنى مني مقابل أو شكر؟
قلبي وجعني بس وجع حلو…
النوع اللي بيخليك تحسي إن لسه في أمان ف الدنيا.
قولت بصوتي المتلخبط:
__انت… عملت كده إمتى؟.
رد بابتسامه باينه ف صوته:
__من ساعه ما قولتي إنك لوحدك، قررت إنك مش هتفضلي كده تاني.
الدنيا سكتت بعدها،
مكنتش عارفه أرد.
كل اللي عرفته إني دموعي نزلت لوحدها…
بس المره دي مش من وجع.
من إحساس بسيط… إن في حد أخيرًا شايفني.
قررت إني هتأسف لساره…
يمكن تسامحني ع الكلام القاسي اللي طلع مني.
هي كانت بتحاول تحميني بطريقتها، وأنا وجعتها بكلامي.
يمكن لو كنت هديت شويه كنت فهمت نيتها، بس وجعي ساعتها كان أكبر من أي تفكير.
كان عندي محاضرة أونلاين، فتحت اللاب توب عشان أحضرها،
حاولت أركز ف الكلام، بس دماغي كانت لسه مشغولة بكل اللي حصل.
بعد دقائق، سمعت صوت بابا وهو داخل الأوضة.
وقف عند الباب، ملامحه جامدة، وصوته القاسي كسر سكون المكان:
– كنتي فين امبارح؟
اتجمدت مكاني، مش قادرة أرد…
كل اللي جوايا ارتبك، قلبي دق بسرعة وأنا بحاول أسيطر على رعشة صوتي.
قلت بهدوء مصطنع:
– كنت عند واحدة صاحبتي…
قاطعني بنبرة أعلى:
– بتكدبي عليا يا نور؟
قلبي دق أكتر، حسّيت بدمي بيجري ف عروقي بسرعه مكنتش عارفه أرد اقول اي
بصلي بجفاء، عيونه كلها شك وغضب:
– انتي مش قولتي إنك اترفدتي من الشغل امبارح؟ رجعتي متأخر ليه بقى؟
حاولت أبرر وأنا ببص ف الأرض:
– كنت بدوّر ع شغل تاني يمكن ألاقي...
بس مكمّلتش، حسّيت بإيده بتخبط ف وشي،
الصوت كان أعلى من أي صوت في الأوضة،
وهو بيزعق ويقول كلام مش سامعاه من كتر الخضة.
كل حاجه جوايا كانت بتتهز، دموعي نزلت غصب عني وأنا بحاول أتكلم:
– بابا بالله عليك…
بس هو مكانش سامع،
فضل يزعق ويضرب وأنا حاسه كل نفس بيطلع مني وجع.
بعد ما خلص وخرج، كنت مش قادرة أتنفس،
دموعي كانت مغرقه وشي، وإيدي بترتعش وأنا بمسحها بسرعة،
بس كل مسحة بتزود الوجع مش بتقلله.
لفيت وشي ناحية اللاب، المحاضرة لسه شغالة،
ولا سمعت منها حرف، كنت ف عالم تاني خالص.
مديت إيدي برجفة عشان أقفله،
بس أول ما بصيت للشاشة...
الصدمة جمدتني مكانى —
المايك كان مفتوح!
كل اللي حصل،
كل صوت زعيق،
كل تنهيدة خوف،
كل حاجة اتسمعت.
قلبي وقع، حسيته بيدق بسرعة مش طبعية،
العيون اللي عالشاشة أكيد سمعوا...
أكيد شافوا!
فضلت ثواني مش مصدقة...
الشاشة قدامي فيها الوشوش، بعضهم مطفي الكاميرا،
بس فيه كام عيون كانت بصالي بصدمه... وفيه اللي عامل نفسه مش واخد باله.
إيدي كانت بتتهز وأنا بقفل المايك بسرعة،
بس خلاص... اللي حصل حصل.
سمعت صوت الدكتوره بتقول بخفوت:
__انتي تمام يا نور؟
الدموع نزلت غصب عني،
قولت وأنا بحاول أمسك نفسي:
__آه يا دكتور، تمام... كان في بس... صوت في البيت.
هي سكتت،
بس نبرتها قالت كل حاجة: تصديق، قلق، وشوية شفقه.
قفلت اللاب من غير ما أقول كلمه تاني،
رميت نفسي على السرير،
وحسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا.
مش كفاية الوجع اللي جوايا،
دلوقتي كمان كلهم عرفوا.
عرفوا السر اللي كنت بدفنه جواي من سنين.
سمعت صوت دوشه برا... كأن الشقة كلها بتتهز.
طلعت أشوف في إيه، لقيته قاعد مع صحابه،
صوت ضحكهم عالي، والزجاجات مرميّه على الترابيزة،
والدخان مالي المكان.
وقفِت عند الباب، محدش منهم حتى لاحظ وجودي!
كنت شبه شبح بالنسبالهم...
مشهد مكرر، بس كل مرة بيوجعني أكتر.
كل مرة كانوا بييجوا فيها، كنت بلبس طرحة وأخرج ألف في الشارع بالساعات
عشان أستنى اللحظة اللي يمشوا فيها،
بس المرة دي مكنتش قادرة.
اتخنقت من ريحة السجاير، من الضحك العالي،
من إحساسي إني غريبة في بيتي.
وف وسط الدوشة، افتكرت كلام يوسف...
الشقة اللي ممكن تروحيها وقت ما تحبي تفصلي شويه.
القرار جه من غير تفكير،
لبست وخرجت بسرعة،
من غير حتى ما أخد شنطتي .
كل اللي كنت عايزاه...
مكان أقدر أتنفس فيه.
روحت، ولما وصلت تحت العمارة أخدت المفتاح من البواب وطلعت.
أول ما فتحت الباب، نسمة هادية خبطت في وشي، ومعاها إحساس غريب… راحة، وسكون، وأمان كنت مفتقداه من زمان.
الشقة كانت نضيفة ومتوضبة بعناية، كأن حد حضّرها مخصوص عشان أرتاح فيها.
لفّيت بعيني في كل ركن، لمحت كنب بسيط لونه بيج، وستاير لونها سماوي نازلة بنعومة ع الشباك، والمكان كله ريحته فريش ومريحة للأعصاب.
خطيت خطوتين جوه، قلبي كان
بيهدى مع كل نفس، كأن كل وجع الأيام اللي فاتت بيتسحب من جوايا بهدوء.
الحيطان لونها دافي، والستاره نازله بنعومه ع الشباك، والهدوء مالي المكان كأنه بيحضني.
خطوت خطوتين لجوه، لمحت كنب بسيط بس شيك، وفي ركن الترابيزه عليها فازة ورد صناعي شكلها مبهج.
دخلت المطبخ، ريحته فريش ونضيف كأنه جديد ما اتستخدمش قبل كده، وكل حاجه متوضبه ف مكانها.
رجعت للأوضه، السرير مفروش بملايه لونها أبيض ناصع، والمخده متكويه بعناية…
حسيت كأن المكان دا حضن، حضن من غير وجع ولا خوف.
قعدت ع السرير ودموعي نزلت بهدوء، بس المره دي مش من الخوف…
كانت دموع راحه، يمكن أول مره أحس إن في مكان ليا،
مكان محدش هيزعقلي فيه،
مكان أقدر أتنفس فيه براحه.
توهت ف النوم وأنا قاعدة، من غير سابق إنذار، كأني أول مرة جسمي يرتاح بجد.
ما حسّيتش بنفسي، ولا بعد الوقت قد إيه، كل اللي فاكرهه إن دموعي كانت لسه على خدي، وقلبي أخيرًا هدي بعد دوشة طويلة.
مكنش في لا صوت زعيق ولا كسر ولا خوف…
بس هدوء، وسكون، ونوم تقيل، كأني كنت محتاجة اللحظة دي من سنين.
رفعت راسي من على الوسادة وأنا قلبي يدق بسرعة.
هو أنا نمت بجد؟! الساعه كام؟!
لمحت الساعة… 10 الصبح!
اتنهدت، كنت عارفة إن عندي محاضرات، بس بعد اللي حصل في السيشن الأونلاين… مكنتش ناوية أحضر.
وفجأة، افتكرت… أكيد رجع وهيشوف إنّي مش في البيت!
بسرعة مسكت تليفوني، ولقيت نور الشاشة تلمع… اتصال فائت.
بصيت… ساره!
قلبي اتسارع، ومشاعري اختلطت بين القلق والغضب والفضول… هل اتصلت عشان تطمن عليّ، ولا عشان تكمل كلام اللي حصل قبل كده ولا يكونش عرفت باللي حصل ف السيشن الاونلاين؟
قومت وأنا بضغط على زر الاتصال، وقبل ما أنزل السلالم تأكدت إني قفلت الشقة كويس.
سمعت صوتها قلق من السماعة:
__نور، انتي بخير؟.
حمحمت شوية، وحاولت أبين لها إني لسه متضايقة من آخر مرة، ورديت بصوت متماسك:
__اه، كويسة.
قالت وهي بتحاول تهدي الكلام: __الكليّة مقلوبة عليكي يا نور، بسبب اللي حصل في السيشن… أنا لسه عارفة من زمايلنا.
قلبي وقع نسيت الموضوع خالص واللي حصل!
عيوني بدأت تدمع
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت السادس
نور
قلبي وجعني… افتكرت اللي حصل، وإن سيرتي بقت ع كل لسان ف الجامعة.
رديت بصوت مخنوق، ودموعي كانت بتغلبني:
__المايك طلع مش مقفول يا ساره…
الكل عرف عن حياتي، عني… كل حاجة.
سكتت ثواني، والهدوء اللي بينا كان وجع لوحده.
وبعدين قالت بنبرة فيها خوف وحنين:
__لازم أشوفك.
غمضت عيني،وافتكرت كل اللي حصل بينا…
رديت وأنا بصوت متكسر:
__كلمتيني ليه بعد كل اللي حصل؟
ساره (بصوتها الهادي اللي كنت مفتقداه):
__علشان إنتي لسه صحبتي…
ولما أشوف صحبتي ف ضيقه، حتى لو وجعتني قبل كده، لازم أقف جمبها.
بصراحه كلامها طمني… حسّيت إن فيه حدّ بيحبني بجد،
حدّ هيفضل جمبي حتى بعد كل اللي حصل
قابلتها فعلًا قريب من البيت، في كافيه صغير على ناصية الشارع.
كانت قاعدة لوحدها، هاديه… بتبص ف الكوباية كأنها بتدوّر على الكلام اللي هتقولُه.
وأول ما شافتني، قامت واقفة بابتسامة خفيفة، فيها اعتذار… وفيها حنين.
خطيت ناحيتها بخطوات مترددة،
ما كنتش عارفة أبتدي بإيه — العتاب؟ ولا الشوق؟ ولا الأسف؟
قعدت ف هدوء، وكل ثانية كانت تقيلة.
عيني بتدور في المكان، بتعد الكراسي، الكوبايات، الناس…
كل حاجة إلا عينيها.
مكنتش قادرة أبص فيها، يمكن خوف، يمكن وجع.
هي كانت حاسه بتوتري، ف قالت بهمس خافت:
__أنا آسفه… آسفه إني عملت حاجه مكنش المفروض أعملها،
بس والله كانت نيّتي خير.
كأن الكلام فتح حاجة جوايا،
لقيت لساني بيتكلم لوحده، بصوت مليان ندم:
__متتأسفيش… أنا اللي آسفه.
قولت كلام معرفش عواقبه…
كنت متعصبه أوي، وطلّعت غضبي ف حاجه ملهاش ذنب.
أنا آسفه والله، بس كنت تايهه ساعتها.
مدت إيدها بهدوء وقالت:
__ نبدأ من جديد؟.
بصيت لإيدها ثواني، وبعدها مسكتها وأنا ببتسم ابتسامه صغيره وقلبي بيرتعش:
__نبدأ.
بدأت أحكيلها…
من أول ما البوليس جه البيت،
لحد اللي حصل امبارح في السيشن.
كنت بتكلم وأنا نفسي بيطلع متقطع،
كل كلمة كنت بطلّعها كأنها حجر تقيل من على صدري.
وساره كانت قاعدة ساكته،
بتسمعني بعنيها قبل ودنها،
كل شوية تهز راسها أو تمد إيدها تلمس إيدي،
كأنها بتقوللي من غير كلام: "كمّلي، أنا سامعاكي."
كنت بحكيلها عن خوفي، وعن الناس اللي بقت تبصلي بنص عين،
وعن اللي اتكسر جوايا بعد اللي حصل.
ولما وصلت لنهاية الكلام،
فضلت ساكته، دموعي نزلت من غير صوت.
هي ساعتها قربت وقالت بهدوء:
__نور… إنتي قويه، حتى لو نسيتي ده.
اللي حصل صعب بس دي مش النهايه والناس شويه وتنسى كله هيرجع زي الأول.
كلام ساره فعلاً طمّني،
خلاني أحس إن الدنيا لسه ممكن تبتدي من أول وجديد.
بعد ما خلصنا، ودعتها بابتسامة صغيرة،
وروحت الشغل الجديد.
السوبر ماركت كان كبير، مليان ناس ووشوش أول مرة أشوفها،
كل حد مشغول ف حاجه،
وأنا واقفه بدور على نفسي وسط الزحمة.
قربت مني بنت، شكلها طيب وعيونها فيها دفء غريب.
قالت وهي مبتسمة:
__إنتي اللي هتشتغلي جديد هنا؟.
هزّيت راسي وأنا حاسة بتوتر في كل عضلة في جسمي.
مدّت إيدها وقالت ببساطة كأنها عايزة تطمنني:
__أنا حنين.
مدّيت إيدي بردّ متردد، بس ابتسامتها كانت معديّة.
قولت:
__ نور.
ضحكت وقالت:
__نورتينا يا نور.
بدأت حنين تعرفني على الشغل خطوة بخطوة،
كانت بتشرحلي بهدوء، وبتضحك كل شوية كأنها بتحاول تخفف عني رهبة البداية.
الناس اللي بيشتغلوا هناك كانوا في قمة اللطف،
كل واحد فيهم سلّم عليا بابتسامة صافية،
وفي عيونهم مفيش أي حكم… ولا أسئلة.
حسّيت وأنا وسطهم كأني أعرفهم من زمان،
مع إننا لسه متقابلين من دقيقتين.
يمكن علشان كنت محتاجة الإحساس ده —
إحساس إنك وسط ناس لطيفه وخفيفه ف تعاملها
يتبعع#الم_بدون_صوت
البارت السابع
نور
خلصت شغلي الأول وروحت على التاني،
واليوم عدى كأنه أسبوع.
كل عضلة في جسمي كانت بتصرّخ من التعب،
ولما وصلت البيت، فتحت الباب…
كان فاضي.
اتنهدت تنهيدة طويلة،
ودخلت نمت من كتر الإجهاد، من غير حتى أغير هدومي.
صحيت تاني يوم على صوت الموبايل بيرن،
ولما فتحت، لقيت ساره متصلة كتير.
ردّيت بصوت نايم، قالتلي وهي متحمسة كأنها نسيت كل التعب اللي في الدنيا:
__يلا انزلي بسرعة… نروح الجامعة سوا!
ضحكت من بين النعاس وقلت وأنا بقوم:
__حاضر، هجهز وأنزل.
وقفت قدام المراية وأنا بلبس،
ولوهلة حسّيت إن ملامحي باهتة زي العادة،
بس مهتمّتش… جهّزت ونزلت
ووصلنا…
وياريتني ما روحت الجامعة.
من أول ما دخلت،
كل العيون اتوجّهت ناحيتي.
نظرات فيها شفقة،
وفيها كلام بيتقال من غير صوت.
وشوش بتتوشوش،
نصهم بيبصلي، والنص التاني بيبص على الأرض كأنهم مش شايفيني.
حاولت أداري ضيقي،
بس ساره حست،
مدت إيدها تطبطب عليّا،
وفجأة واحدة وقفتني وقالت بصوت متعاطف:
__احنا كلنا معاكي،
ولو عايزاني أجي أشهد معاكي ضده، أنا هاجي.
اتصدمت،
كنت على وشك أتكلم بعصبية،
لكن ساره سبقتني وردّت بسرعة:
__شكراً، تسلمي.
وسحبتني من قدامها قبل ما أقول أي كلمة.
كنت حاسة إني هعيّط…
العيون اللي بتبصلي مليانة شفقة،
مش دعم.
ساره قالت بهدوء وهي ماسكة إيدي:
__اهدي، ومتزعليش… هما عايزين يساعدوكي.
ضحكت بسخرية مرّة وقلت:
__ساره، هما مش عايزين يساعدوني،
هما مشفقين عليّا!
وأنا عمري ما حبيت حد يشفق عليا.
سكتت ساره،
الكلام وقف على لسانها،
هي عارفة إني عندي حق.
دلوقتي الكل شايفني "البنت المسكينة"
اللي أبوها بيصحّيها ويمسيها بعلقه.
بعد ما خلصنا اليوم في الجامعة اخيرا كان يوم تقيل ع قلبي،
كنت مستعدة أروح على الشغل.
قولت لساره:
__لازم أمشي دلوقتي.
فقالتلي:
__استني، ابن عمي هييجي يوصلني ويوصلك ف طريقه.
بصراحة اتوترت،
أنا مبحبش أركب أو أتعامل مع رجالة غريبه.
فقولت بأسف:
__معلش، بس مش هينفع بجد… ومش عايزة أتعبه معايا.
كانت لسه هترد عليّا،
بس لمحت حاجة ووشها اتغيّر وقالتلي بسرعة:
__أهو يوسف أهو!.
ولما بصّيت… اتصدمت.
قلبي بدأ يدق بسرعة،
مصدقتش عيني!
ده نفس الشرطي اللي ساعدني يومها…
يوسف.!!
لقيته بيقرب ناحيتنا،
اتجمدت مكاني، وكل نبضة في قلبي كانت بتعلى أكتر.
هو كمان بان عليه التوتر،
كأن وجودي قدامه فجأة لخبطه.
ساره لمحتني ووشي اتغير، فسألت بقلق:
__انتي كويسة يا نور؟
يوسف وقف قدامي ومدّ إيده بابتسامة خفيفة:
__أهلاً يا آنسة نور.
بصيت لإيده ثواني،
اتكسفت… أنا مش بسلم على ولاد،
وترددت أعمل إيه.
لكن ساره لحقت الموقف بسرعة وقالت بابتسامة بسيطة:
__نور مش بتسلم على ولاد.
رجع إيده بهدوء وقال بلُطف:
__تمام، عادي جدًا.
بس ساره بصت له باستغراب وقالت وهي مش مصدّقة:
__استنى لحظة…
إنت عرفت اسمها إزاي؟
اتسعت ابتسامة يوسف شوية،
بس عينيه كانت بتقول كلام تاني غير اللي على وشه.
بصّ لساره وقال بهدوء:
__فاكرها من موقف قديم… يوم ما كنت في البلاغ اللي حصل في بيتها.
ساره اتفاجئت،
وبصّتلي بسرعة وهي بتقول بصوت منخفض:
__إنتي… هو الضابط اللي ساعدتك؟
ماقدرتش أرد،
كل اللي قدرت أعمله إني أهو راسي بخفة،
وصوت دقّات قلبي كان أعلى من أي صوت حواليّ.
يوسف حوّل نظره ناحيتي وقال بلُطف:
__ما كنتش متوقع أشوفك تاني،
بس كويس إنك بخير.
كلماته كانت بسيطة… بس جواها دفء غريب.
في اللحظة دي حسّيت كأني رجعت أتنفس بعد صدمة طويلة،
وساره وقفت بينا بنظرات فيها ألف سؤال.
ركبنا العربية،
الجو كان ساكت لدرجة إن صوت الطريق بقى أوضح من أنفاسنا.
لكن فجأة، قطع السكون بصوته الهادي:
__باباكي كويس؟.
اتشد جسمي كله،
ردّيت بسرعة وأنا بحاول أخفي توتري:
__أه… الحمد لله.
هو سكت على طول،
واضح إنه حسّ إن سؤاله وجعني.
عينه راحت ناحية الطريق،
وأنا قعدت أبص من الشباك أحاول أهرب من الموقف.
أما ساره ففضلت ساكته،
نظراتها رايحة جاية بينا،
كأنها حاسة إن في كلام كتير مستخبي
ورا الهدوء ده.
وصلنا قدام شغلي
كنت حاسة إن اليوم ده أطول من اللازم…
كله عيون، وهمسات، وشعور بالاختناق.
بصيت لساره بابتسامة باهتة وقلت:
__شكراً يا ساره… على كل حاجة.
هزّت راسها وقالت بهدوء:
__خدي بالك من نفسك، يا نور.
ودعتها ونزلت من العربية،
الهوا كان تقيل، كأن حتى الشارع عارف اللي جوايا.
دخلت المكان،
الناس حواليّ كانوا بيشتغلوا عادي،
ماحدش يعرف عني أي حاجة، ماحدش يعرف عن اليوم اللي عديت فيه، أو اللي حصل في الجامعة…
وكان ده سبب توتري أكتر.
قعدت على الكاونتر، حاولت أركز في الشغل،
بس جوه قلبي كله كان ضجة:
القلق، التعب، والتفكير في كل حاجة حصلت اليوم.
حسّيت إني لو ضحكت أو كلمت حد، ممكن يبان عليّ كل التعب والمشاعر اللي جوه.
بس لما ارجعت افكر، حسّيت بارتياح خفيف…
على الأقل هنا، بين الناس اللي مش يعرفوا أي حاجة عني، أقدر أكون أنا من غير أحكام أو نظرات شفقة.
____
كنت سايق العربية،ساره معايه، والشارع كله عدى من غير ما آخد بالي.
كنت مركز في حاجة واحدة… نور.
حسيتها مخنوقة ومتضايقة، وقلبي مش قادر حتى يسألها أو يعرف إزاي يساعدها.
ساره كانت بتتكلم، وأنا عايش جوه أفكاري، مش مركز معاها خالص.
لحد م لاحظت وقالت بضيق:
__انت مش مركز معايا؟!
حمحمت شوية ورديت بسرعة:
__لا… مركز معاكي.
ضحكت بمرارة خفيفة وقالت:
__بصراحة… دي صدفة غريبة… يعني أنا أول مرة أعرف إنك بتشتغل ضابط في حمايه الاسره!
رديت عليها بهدوء، وأنا بحاول أخفي جزء من تحفظي:
__مكنتش بتكلم عن مجال شغلي أوي…
يمكن عشان مكنتش حابّة في الأول.
سألتني ساره بفضول وهي مميله راسها ناحيتي:
__طب… ودلوقتي؟..
بصيت قدامي لحظه، وبعدين ابتسمت بهدوء وقلت:
__دلوقتي إحساسي اتغير…
حسّيت فعلاً إني بعمل حاجة ليها معنى،
وبساعد الناس اللي محتاجه حد يقف في صفها.
سكتت ساره ثواني، وبصتلي بنظره غريبة،
فيها إعجاب بسيط، بس كمان فيها تساؤل مش مفهوم.
وأنا… رغم كل اللي حواليّ،
كل اللي كان شاغل بالي وقتها إن نور كانت مضايقه،
وإن عيونها كانت مليانة حزن مش قادر أطلّع صورتها من دماغي.
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت التامن
يوسف
وصلنا تحت البيت،
طلعت أنا وساره،
سلّمت على مرات عمي.
قالتلي بعتاب وهي بتحاول تخفي ابتسامتها:
__كده يا يوسف؟ تفضل طول المدة دي متجيش!.
قلت وأنا بابتسم باعتذار:
__معلش والله، حضرتك عارفة الدنيا مشاغل،
أول ما لقيت إن شغلي جمبكم جيت على طول.
ضحكت وقالت:
__نورت يا حبيبي، لحظة وأكون حاطه الأكل.
ابتسمت وقعدت في الصالة، وساره دخلت تغيّر هدومها،
رجعت بعد شوية وقعدت قدامي.
بصيتلها وسألتها بهدوء وأنا شايف في عينيها حاجة مخبياها:
__انتي بقى اللي بلغتي؟
اتلبخت، وبصّت في الأرض بتوتر.
ضحكت بخفة وقلت:
__مالك اتوترتي ليه؟ دي حاجة كويسة…
انتي كده ساعدتيها ووقفتي جنبها.
ردّت بصوت حزين:
__آه بس… هي زعلت مني،
وحصلت مشكلة بينا… بس اتصالحنا يعني.
بصّيتلها بهدوء وقلت:
__كويس… المهم إنها بخير.
سكتت لحظة وبصتلي بتردد وقالت:
__بس هي متغيّرة يا يوسف… ضحكتها بقت ناقصها روحها.
كلامها وجعني بطريقة غريبة.
حسّيت كأن كل حرف بيشدني ليها أكتر.
قلت وأنا ببصّ في الفراغ:
__اللي مرت بيه مش سهل…
بس هتقوم، نور قوية.
ساره رفعت حاجبها وقالت بابتسامة خفيفة فيها تساؤل:
__واضح إنك واخد الموضوع على قلبك أوي!
ضحكت بخفة وحاولت أغيّر الاتجاه:
__أنا شغلي كله كده يا ساره،
وقولت ف نفسي
بس يمكن الحالة دي شدّتني شوية أكتر من العادة.
بس الحقيقة؟
أنا كنت عارف إن اللي جوايا اتجاهها
ما بقاش مجرد "حالة" من أول ما شُفت عيونها المليانة وجع.
يوسف
قعدت، وبعد ما خلصنا أكل،
مرات عمي كانت مُصرّة إني أبيت عندهم.
بس حاولت أفهمها بهدوء إني واخد شقة إيجار قريبة،
وإنّي هروح هناك بعد الأكل.
وطبعًا مكنش ينفع أقعد… في النهاية أنا راجل ومش محرم.
مشيت وأنا لسه تفكيري مشغول بيها،
كل ما أحاول أركّز في أي حاجة تانية،
صوتها ونظرتها بيرجعولي.
في الآخر، قررت أتصل بيها…
مش عشان "شغل"، لأ،
كنت محتاج أسمع صوتها،
أطمن عليها، وأعرف إيه الخطة الجاية.
فعلاً اتصلت،
وبعد كام رنه، ردّت.
صوتها…
كان نفس الصوت اللي أول مرة سمعته مليان خوف،
بس المرة دي فيه وجع هادي،
وجمال غريب في الرقة اللي بتتكلم بيها.
قالت بهدوء:
__السلام عليكم.
ردّيت وأنا بحاول أبان طبيعي:
__وعليكم السلام، عامله إيه دلوقتي؟.
طمنتني إنها بخير،
بس بعدها سكتت،
وسكوتها خلاني أحس إن في وجع مستخبي ورا الكلمات.
قولت بخفوت:
__آخر مرة ضربك إمتى؟
سكتت ثواني،
كأن السؤال وجّعها قبل حتى ما ترد.
وبعدين قالت بصوت متكسر خافت:
__امبارح…
حسّيت قلبي شدّ في صدري،
وكأن الكلمة دي خبطتني في وشي.
قولت وأنا بحاول أسيطر على نبرة صوتي:
__امبارح؟!.
ردّت بسرعة، كأنها بتحاول تبرر وجعه:
__هو كان متعصب… ماقصدش يوجعني بالشكل ده،
بس هو لما بيتعصب بيعمل كده من غير ما يفكر.
تنهدت، ماسك الموبايل بإيدي بقوة وأنا بقول بحزم هادي:
__يا نور، مفيش حاجة اسمها ماقصدش…
اللي يمد إيده مرة، هيكررها كل مرة.
سكتت،
وسمعت صوت نفسها المرتبك،
فيه رعشة خفيفة كأنها بتكتم بكاها:
__أنا مش قادرة أسيبه…
ولا قادرة أكمّل كده…
كل حاجة بقت تخوفني، حتى نفسي.
قولت بهدوء، بس جوّاه نار:
__انتي مش لوحدك،
أنا معاك، وهفضل معاكي…
بس لازم نبدأ نتصرف، خطوة بخطوة، فاهماني؟.
ردّت بصوت مهزوز، فيه صدق وضعف في نفس الوقت:
__فاهمة… بس خايفة.
ابتسمت رغم الغضب اللي مالي قلبي وقلت:
__كلنا بنخاف يا نور…
بس أول خطوة هي اللي بتكسر الخوف.
يوسف
لقيتها سكتت، الحروف كأنها خذلتها،
وصوت نفسها بس هو اللي باقي في السماعة.
كملت بهدوء وأنا بحاول أخلي كلامي يطمنها:
__دلوقتي لازم تواجهيه يا نور…
بهداوة، وتكلميه،
وتسأليه هو ليه بيعمل كده؟
قوليله إنك بتحبيه ومش عايزة تبعدي عنه،
بس اللي بيعمله ده بيخليكي تفكّري في البُعد غصب عنك.
سمعتها بتاخد نفس متقطع،
وبعدين قالت بصوت مبحوح كله وجع:
__بس…
سكتت.
الكلمة دي خرجت منها،
بس اللي بعدها ماقدرتش تطلعه.
حسّيت بيها، حسّيت باللي جواها من غير ما تنطق.
قولت بهدوء وأنا متأكد إنها بتسمعني وبتحاول تتماسك:
__أنا عارف…
عارف إنك مش ضامنة رد فعله،
يمكن يتغاشم عليكي، ويمكن يفوق ويرجع لرشده.
بس دي فرصه…
فرصة نحاول فيها يرجع زي م كان..
سكتت لحظة، وسمعت بعدها شهقة خفيفة كأنها بتحاول تكتم بكاها،
قالتلي بصوت مرتعش، بيحاول يخبّي الخوف اللي ماليه:
__حضرتك عايز حاجة تاني؟
اتنهدت، ومكنش فيَّ كلام يتقال أكتر من كده،
فقلت بهدوء:
__سلامتك.
وكأنها كانت مستنيّة الكلمة دي عشان تهرب،
سمعت صوت النفس الملهوف قبل ما الخط يسكت فجأة،
وقفلت.
فضلت باصص ف الشاشة،
وصوتها بيرن ف وداني كأنه لسه بيتردد.
كان فيها رعشة وجع... مش بس خوف.
حسّيت إني كنت قريب أوصل، بس في نفس اللحظة،
هي اختارت تقفل الباب قبل ما أمد إيدي.
__________
نور
قفلت السكة معاه،
بس قلبي كان لسه متعلق ف كلامه، ف نبرته الهادية اللي حاسّه بيا من غير ما أتكلم.
كنت متوترة طول المكالمة، بس في نفس الوقت… مرتاحة.
فضلت أفكر ف اللي قاله…
إن لازم أواجه بابا، وأكلمه بهدوء يمكن يسمعني،
يمكن يرجع زي زمان قبل ما الدنيا تاخده مني.
فعلاً قمت بعد شوية، أخدت نفسي وخرجت أدور عليه.
البيت كان ساكت كأنه نايم،
دورت ف كل الأوض، ملقتهوش.
اتنهدت بخيبة أمل،
دخلت الأوضة، وقعدت على السرير مستنياه.
مكنتش حاسة بالوقت،
عينيا غلبتني من كتر التعب والخوف،
وروحت ف النوم من غير ما أقصد.
صحيت على صوت المفتاح وهو بيلف ف الباب،
وصوت المفصلة وهي بتئن بهدوء.
قلبي بدأ يدق،
كنت مش عارفه هو هيكون رايق… ولا مكشر كعادته.
جريت ع بره وأنا قلبي بيدق جامد، خايفه يتعصب عليا، خايفه يضربني!
لقيته قاعد ع الكنبه وبيشرب سيجارته في سكون غريب.
قولتله بصوت واطي:
__ عايزه أتكلم معاك.
بصلي بطرف عينه وقال ببرود:
__مش ناقص رغي دلوقتي.
رديت وأنا صوتي مخنوق:
__كلمتين بس.
سكت، ففهمت إنه مستني أقول اللي عندي.
قعدت جنبه ع الكنبه وأنا قلبي بيترعش،
كنت حاسه نفسي داخله معركه، بس المره دي مش خايفه زي الأول… يمكن لأن الوجع خلّاني أضعف من الخوف.
قولت بهدوء:
__ أنا زعلانه منك يا بابا.
رفع عينه ناحيتي، النظره اللي فيهم كانت جامده… فيها غضب، بس وراها تعب.
كملت وأنا بحاول أثبت صوتي:
__ زمان كنت بتضحك، وبتقعد معايا، دلوقتي كل كلامك ليا بقى صوت عالي وضرب… ليه؟
__أنا بحبك يا بابا، بس مش قادره أعيش كده.
سكت لحظه، حسّيت الجو بقى تقيل أوي.
رمى السيجاره، وبصلي بنظرة غضب خلتني أبلع ريقي بالعافية.
قبل ما أستوعب، قام بسرعة ومدّ إيده ناحيتي!
اتجمدت، قلبي كان هيخرج من مكانه،
صرخت:
ـ بابا بالله عليك اسمعني!
بس مفيش فايدة…
إيده كانت سبقت كلامي.!!
البارت التاسع
ضربني،
مسك الحزام وبدأ يضربني على ضهري جامد!
كان وجع روحي أقوى من وجع جسمي.
كنت مستنية يقعد ويهدى… يعترف بغلطه،
بس رد فعله كانت كالعادة—قسوة وسكوت وصوت الحزام.
وف وسط كل ده، صوته خرج متقطع من الغضب:
__انتي السبب… انتي السبب ف كل اللي أنا فيه ده!
اتصدمت، وعيوني كانت حُمر من كتر البُكا،
ردّيت وأنا شهقاتي بتكتم كلماتي:
__أنا السبب؟ أنا عملت إيه؟ ذنبي إيه؟.
ردّ عليا وهو بيكمّل ضرب:
__انتي السبب في موت أمّك!
وقتها كل حاجة جوايا وقفت.
اسمها لوحده وجع قلبي،
قلتلُه بصوت مخنوق ومصدوم:
__انت بتخرف؟ بتقول إيه؟.
وياريتني ما قلت الكلمة دي.
وشه احمَرّ أكتر،
عصّب، ومسك فيا بكل غضبه،
وخبطني ف الدولاب بقوة!
محسّتش بنفسي غير وأنا واقعة على الأرض،
الدم حواليّا،
ونفَسي بيتقطع…
والدنيا بقت سودة ف عيني.
ساعتها الدنيا لفّت بيا،
كل حاجة بقت سودة…
وأنا بحسّ إن الوجع بيطفي حواسي واحدة واحدة،
لحد ما فقدت الوعي تمامًا.
مش عارفة بعد قد إيه فوقت،
بس أول حاجة شُفتها كانت هو…
قاعد قدامي،
كأنه مستنيني أفوق لوحدي من غير ما يمد إيده.
بصّيتله بوجع،
وعيني كانت بتحكي اللي لساني مش قادر يقوله.
كل الدموع اللي محبوسة جوايا كانت بتصرخ من غير صوت.
بكل قسوة الدنيا قالها وهو بيشيح بوشه عني:
__مش عايز أشوف وشك هنا،
هخرج ومرجعش ألاقيكي.
كلماته كانت أوجع من الحزام،
خرج وسابني والدم لسه بينزل من دماغي.
بس الغريب… إني مكنتش مصدومة،
اتعودت على الغُدر ده.
هو دايمًا لما بيتضايق جامد بيطردني.
وعادي… كنت كل مرة بروح أقعد عند سارة يوم ولا يومين،
وبعدها أرجع كأني ما عملتش حاجة،
كأني أنا الغلطانة دايمًا.
اتحاملت على نفسي وقمت،
ماسكه راسي اللي الدم مغرقها،
كل خطوة كانت بتوجعني كأن الأرض بتلسع رجلي.
ماكانش عندي لا قطن ولا شاش أداري بيه الجرح،
ولو رُحت الصيدلية الناس هتشوفني بالشكل ده…
هيندهشوا، وهيتكلموا.
وانا خلاص، مش ناقصة نظرات شفقه تاني.
قررت أروح لسارة،
هي الوحيدة اللي ممكن تساعدني،
والوحيدة اللي تعرف كل اللي بيحصل.
حطيت منديل فوق الجرح،
ولبست الطرحة ع السريع،
ونزلت الشارع وأنا بحاول أمشي عادي…
بس نظرات الناس كانت سكاكين بتغرز فيا.
كل حد بيبصلي بخوف،
وأنا قلبي بيوجعني أكتر من راسي.
وجعي مش من الدم…
وجعي من حالي، من اللي وصلت له.
وصلت تحت بيتها،
طلعت وأنا نفسي تقطع،
وخبطت على الباب وأنا باصه للأرض.
كنت محرجة،
مش عارفة أقول لمين إني رجعت تاني لنفس المشهد.
الباب اتفتح،
طلعت مامتها.
أول ما شافتني اتبدل لون وشها،
مدت إيدها تسندني وقالت بخضّة:
– نور! إيه اللي حصلك يا بنتي؟
همست بصوت مبحوح:
– ممكن أشوف سارة؟
دخلتني بسرعة،
قعدتني على الكرسي وهي بتنده:
– سارة! سارة، تعالي بسرعة!
خرجت سارة من أوضتها،
ولما عينيها وقعت عليا شهقت بصوت عالي،
جريت نحوي وهي بتقول:
– يا نهار أبيض! نور، هو اللي عمل فيكي كدا؟
مقدرتش أرد…
دموعي هي اللي اتكلمت مكاني.
مامتها جابت قطن وشاش ومطهر،
وبصتلي بحرقة وهي بتقول:
– ده مين اللي يقدر يرفع إيده على بنته كده؟
ده مفيش قلب!
كنت سامعاها بس مش قادرة أرد،
كل اللي في دماغي وقتها إن الجرح الخارجي ممكن يتلملم،
لكن جوايا…
اللي اتكسر صعب يتصلح.
وسارة كانت بتنضف الجرح بإيدها اللي بترتعش،
وأنا ساكته…
مش حاسة بالوجع،
لأن اللي وجعني بجد مش الجرح…
اللي وجعني إني بقيت ضيفة على الأمان.
خلصت سارة تطهير الجرح وربطته ليّ،
وأنا ساكتة على الكرسي، حاسة إن قلبي بيتقطع من التعب والوجع.
فجأة الباب خبط،
ومامت سارة قالت بتنهيدة:
– ادخلي يا سارة وخدي نور معاكي… عقبال ما أشوف مين!
دخلنا جوا، أنا وسارة،
بصّتلي بهدوء وقالت:
– لحد إمتى يا نور؟
بصيت لفوق، بحاول دموعي متنزّلش، وقلت بغصة:
– مش عارفة… أنا تعبت.
قربت مني، كانت هتحضني،
لكن أول ما لمست ضهري اتوجعت،
اتفزعت عليا وقالت:
– انتي بخير؟
هزيت راسي بوجع وقلت:
– له.
ردت بشك:
– هو ضربك بالحزام؟
سكتت، ومتكلمتش،
وبعدين قالت وهي بتحاول متتعصبش:
– خليكي هنا لحد ما أجيب مرهم للكدمات.
قعدت سرحانة على السرير
وأنا مغمضة عيني شوية، بدأت أدندن بصوتي الحلو… أغنية المفروض تكون فرحة،
بس أنا بغنيها بكل الحزن اللي جوا قلبي… بكل التعب والخوف والوجع اللي مريت بيه.
الليل حواليا ساكت، بس كل كلمة كنت بغنيها كانت بتطلع كأنها بتلسع جروحي.
كنت بغني كلمات الأغنية :
"بيقولولي إنّي شبهك، إنّي زيك…
حته منك، روحي روحك…
واخده عقلك ف المشاعر والكلام…
بنت أبوكي… يا سلام."
كانت الكلمات زي سهم بيرجع بي لكل ذكريات اللي حصل…
كنت نفسي أغني الأغنية من قلبي،
بس قلبي مكسور، وكل نغمة بتطلع كانت بتوجع أكتر.
عيوني كانت بتدمع، حطيت إيدي على وشي وبكيت بحرقة،
الدموع مش بس من الألم الجسدي، لكن من كل اللي أنا فيه.
فجأة، لقيت حد بيخبط على باب الأوضة.
ضحكت وانا بتنهد:
– ادخلي.
لكن المفاجأة كانت لما الباب اتفتح ولقيت يوسف واقف قدامي!
أول ما شافني، تنح شويه وكأنه اتفاجئ.
بعد لحظة، استوعب إني من غير حجابي…
فبسرعة حط راسه على الأرض، كأنه عايز يتجنب أي موقف محرج.
أنا اتوترت على طول، قلبي بدأ يدق بسرعة،
ودورت حواليّ على أي حاجة أقدر أعملها،
مسكت الطرحة وحطيتها بسرعة على راسي،
أحاول أرتّب نفسي وأحميه من الإحراج،
لكن التوتر كان واضح بينا كلنا.
يوسف رفع راسه شويّة،
بصلي بعينين فيها خجل وحرص وهو بيقول بهدوء:
ــ أنا آسف… جالي فضول أشوف مين اللي صوتها حلو كدا، مكنتش أعرف إنك هنا.
ردّيت وأنا بحاول أخفي توتري وارتباكي:
ــ حصل خير.
لسه الكلمه طالعه من بقي،
الباب اتفتح فجأه ودخلت ساره وهي ماسكه المرهم في إيدها.
قالت باستغراب:
ــ إيه دا؟ انت جيت امتى؟
يوسف رد وهو بيحاول يخفف الموقف:
ــ من حوالي عشر دقايق كده.
رجع يبصلي بنظره فيها قلق واستغراب،
وأنا حسّيت بدمي بيجري ف عروقي من التوتر.
نظره كانت بتسأل من غير ما يتكلم،
وبصوته الهادي قال وهو بيشاور على راسي:
ــ إيه اللي حصل هنا؟
ردّيت بسرعة قبل حتى ما ساره تفتح بقها:
ــ خبطه بسيطة… اتخبطت بالغلط.
فضل ساكت ثواني، عينه بتفحصني كأنه مش مصدّق كلمة،
وبعدين بص لساره بنظره كأنه مستنى منها تأكيد.
ساره تنفست بعمق وقالت بصوت واطي:
ــ باباها.
شفت عينه وهي بتتبدل،
نظره غضب مكتوم ووجع ماعرفتش أواجهه.
قلبي كان بيترعش،
وساره بسرعة قالت عشان تكسر الصمت:
ــ أنا كنت لسه هحطلها مرهم للكدمات مش هتاخد وقت.
يوسف حاول يهدّى نفسه وقال وهو بيبعد نظره عني:
ــ تمام… لما تخلصوا تعالوا لي بره
وبصلي تاني بنظره خفيفة فيها خوف عليا:
__عشان محتاج اتكلم معاكي ي نور
وساب الأوضة وخرج
____________
يوسف
طلعت من الأوضة وقلبي مولع نار من الغضب.
إزاي يقدر يعمل كده فيها؟ ده مستحيل يبقى أب.
قعدت على الكنبة وراسي مليان أفكار: الضرب، الدم، وحزن عينيها ما بتطلعش من بالي.
مرات عمي جت ومعاها فنجان قهوة وحطته قدامي، وشها كله حسرة.
سألتها بهدوء:
__نور بتجي لكم هنا كتير؟.
ردّت بصوت مكسور:
__أيوه… بتيجي لما أبوها يزعل ويطردها. جايه ورأسها بينزف — اتخبطت في حاجة.
قبّضت إيدي جامد، وكان هاين على أروح اجيبه من هدومه واهريه ضرب، بس ركّزت وفكّرت: لازم أتصرف بحكمة عشان ما أضيعش الأمان القليل اللي لسه باقيلها.
أخدت نفس عميق وقلت لنفسي بهدوء:
__مش هسيبها… مهما حصل.
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت العاشر
يوسف
كنت قاعد على الكرسي اللي في الصالة، ماسك الكوباية والقهوة لسه سخنة ......
الدنيا كانت هادية… لحد ما الباب خبط خبطة قوية كأنها جايه من حد مش طبيعي.
بصيت لمرات عمي بقلق وقلت بهدوء:
– هفتح أنا.
قمت وأنا حاسس بحاجة مش مريحة ف صدري ......
فتحت… ولقيت راجل نحيف، وشه شاحب، تحت عينه سمار كأنه ما نامش بقاله أيام، والغضب مالي ملامحه.
قلت باستغراب:
– مين حضرتك؟.
لكن قبل ما أكمل كلمتي، زقني بعنف لورا ودخل بخطوات سريعة، وهو بيزعق بصوت غليظ:
– فين بنت الك**دي؟ أنا شفتها داخله من هنا!.
اتجمدت في مكاني لحظة، الصدمة شدتني.
الكلمات وقفت في حلقي، والدم بدأ يغلي في عروقي.
مين البنت اللي بيتكلم عنها؟ وليه الأسلوب ده؟
بص لي بنظره كلها اتهام وقال بسخرية جارحة:
– هي جايالك هنا بقى؟!.
نغزني كلامه، حسيت بقلبي بيولع من الغضب.
بس قبل ما أرد، كانت مرات عمي دخلت بخطوات سريعة وهي مرعوبة وبتقول:
– انت بتقول إيه؟! إزاي تتكلم كده عن بنتك؟! إنت جاي تفضحها ولا إيه؟!.
صوتها كان بيرتعش بين الغضب والوجع،
والراجل وشه زاد احمرار، وصوته بيعلى كل ثانية.
كنت واقف أتابع المشهد، والغضب بيغلي جوايا كبركان على وشك الانفجار.
هو ده الأب اللي المفروض يحمي؟ اللي المفروض يكون الأمان؟
ده حتى الحيوان بيراعي ولاده.
ما استحملتش أكتر.
خطوت ناحيته وأنا صوّتي بدأ يعلو من غير ما أحس:
– وطي صوتك، وإوعى تكرر الكلام ده تاني!.
بصلي باستغراب وعيونه فيها تحدي واضح،
قال بسخرية:
– وأنت مالك؟ دي بنتي وأنا حر فيها!
قربت منه خطوتين، المسافة بينا بقت نفس واحد.
عيناي مسابتش عينه،
كل خلية في جسمي كانت بتصرخ: حرام اللي بتعمله فيها!
قلتله وأنا ماسك نفسي بالعافية:
– حر؟ الحرية إنك تربيها مش تكسرها.
الرجولة مش في إنك ترفع صوتك، ولا في إنك تمد إيدك!.
صوته علي أكتر وقال:
– أنا بربيها بطريقتي، مالكش دعوة!.
في اللحظة دي، حسيت بدمي بيغلي حرفيًا،
مديت إيدي عليه وزقيته بعيد عني وأنا بقول بحدة:
– تربيها؟ ده اسمه تعذيب مش تربية!.
مرات عمي صرخت:
– كفاية يا يوسف!.
لكن أنا كنت فقدت السيطرة،
كل اللي كنت شايفه قدامي هو وش البنت دي، نور،
وهي عينيها مليانة خوف ودموع.
بصيت له وقلبي بيتخبط في صدري من الغضب:
– لو رجعت تمد إيدك عليها تاني… ساعتها أنا اللي هربيك.
سكت المكان كله للحظة،
فجأة خرجت نور و ساره من الأوضة على صوت الزعيق،
بصّيت في وشها ولقيت وشها مصدوم ويدها بترتعش من الخوف، وبصوت متقطع نطقت:
ـ بابا؟
هو اتقدّم ليها وعايز يمسك طرحتها وقال بنبرة خشنة:
ـ آه يا روحي أمّ...
ماقدرتش أسيبه يقرب لها. مسكته من إيده وضغطت عليها جامد وقلت بعنف:
ـ مش هسمحلك.
الغضب انتفخ في وشّه تاني وهو بيصيح:
ـ إنتِ مجنون ولا إيه؟ دي بنتي وأنا أبوها!
ردّيت عليه بغضب مكبوت:
ـ الأب مش كلمة، الأب أفعال. وإنت مفيش منك فعل يخلّي منك أب أصلاً.
ضحك بسخرية قاسية وقال:
ـ طول ما إسمي مكتوب في بطاقتها يبقى أنا أبوها، وليا الحق أربي بنتي بالطريقة اللي تعجبني.
نقل نظره لنور بتهديد واضح وهو بيشاور عليا:
ـ والواد اللي إنتِ ماشيه معاه دا لو مجاش واتقدم لك، اعرفي إنك إنتِ ولا بنتي، ولا أعرفك — وهدفنك بالحياه. و إنتِ عارفة إني أقدر أعملها.
نورت ردّت بصوت مرتعش:
ـ والله يا بابا، إنت فاهم غلط…
لسه كانت هتكمل لكن قاطعها بصوت حاد وانتهى الكلام:
ـ كفاية كدب وتبرير ملوش لازمه، أنا قلت اللي عندي.
خرج ورزع الباب وراه،
ماكنش شاغل بالي غير رد فعل نور.
بصيت لها ولقيتها قاعدة على الكرسي،
عيونها مليانة دموع، ووشها محمر من البكاء،
وإيدها بترتعش من الخوف والارتباك.
سارة قربت منها ووضعت إيديها على كتفها بحنان وقالت:
– اهدي… هنلاقي حل، صدقيني.
لكن نور كانت غارقة في بكائها، مش سامعة أي كلمة، دموعها نزلت بغزارة.
حاولت أقرب منها وأخفف عنها، وقلت بصوت هادي:
– متخافيش… مش هيعملك حاجة.
ردّت عليّ بصوت عالي ومتوهج:
– انت مش فاهم… متعرفوش… متعرفش ممكن يعمل أي … ولا يأذيني إزاي!..
كملت نور بصوت منخفض، مبحوح من البكاء:
– مش عارفة… مش عارفة أعمل إيه، كل حاجة وقعت فوق راسي.
مش هقدر أروح البيت تاني…
مين هيهتم بيه؟ مين هيأكله ويشربه؟
مفيش غيري كنت بعمل كده.
سارة انفجرت فيها بصوت عالي، والعبرة خانقاها:
– برضه بتفكّري فيه؟ برضه!
طب وانتي يا نور؟ عمرك فكرتي في نفسك؟
في وجعك؟ في جسمك اللي كله علامات وزرقة؟
نور بكت أكتر، ودموعها نازلة بحرقة، وقالت بين شهقاتها:
– أنا مش مهمّة… المهم هو… المهم بابا.
مرات عمي بصتلها بحزن عميق وقالت:
– لسه بتقولي عليه "بابا" يا نور؟
بعد كل اللي عمله فيكي؟ بعد ضربه وإهانته؟
برضه متمسكة بيه؟
نور ما ردتش…
سكتت، والكلام وقف في حلقها، كأن نفسها اتقطع من كتر اللي جواها.
الصمت كان تقيل، محدش قادر ينطق.
قطعت أنا الصمت وقلت بهدوء:
– يلا يا نور… هاخدك معايا.
سارة بصتلي باستغراب وقالت:
– تاخدها معاك فين؟
رديت وأنا بحاول أخلي صوتي ثابت:
– أنا مأجرلها شقة صغيرة قريب من هنا، تروح هناك وتستريح شوية.
مرات عمي قالت بسرعة، وهي باينة عليها القلق:
– سيبها يا ابني، خليها هنا… مالهاش لازمة تروح تقعد لوحدها.
بصيت لها بهدوء وقلت:
– لأ، مش هينفع.
أبوها عرف مكانها، وممكن ييجي في أي وقت…
ومحدش عارف ممكن يعمل فيها إيه.
الأامن إنها تبقى في مكان ميعرفش عنه حاجة.
هزت راسها باقتناع..
فقلت بصوت هادي:
– هاتي شنطتك يا نور، يلا.
كانت تايهة، عينيها شبه غايبة…
هزت راسها تاني ودخلت تجيب شنطتها.
ودّعت سارة ومرات عمي، وخرجت معايا.
فتحتلها باب العربية،
قعدت وهي باصة في الفراغ،
وأنا سايق كنت كل شوية ببص عليها من غير ما تحس.
كانت ملامحها ساكتة… متجمدة،
حتى التعب كان ظاهر في كل تفصيلة في وشها.
بعد شوية، غلبها النوم،
وهي نايمة دموعها ناشفة ع خدها.
لما وصلنا تحت البيت، ناديت عليها بهدوء:
– نور… اصحي، إحنا وصلنا.
بعد كذا نداء، فتحت عينيها بصعوبة،
كانت جعانة نوم بجد.
ابتسمت وقلت بلطف:
– فوقي… تقدري تكملي نوم فوق براحتك .
حاولت تبتسم وقالت بصوت واطي:
– شكراً.
هزّيت راسي بابتسامة صغيرة،
ونزلت فتحتلها باب العربية.
كنت ماشي جنبها فسألتني باستغراب:
– انت رايح فين؟
رديت بعفوية:
– شقتي.
بصّتلي بعدم فهم، فقلت وأنا بحاول أخفف الموقف:
– أنا مأجرلك شقة جمب شقتي، يعني لو احتجتي حاجة… أكون قريب منك.
ضحكت بخفة وقالت:
– بجد؟
ابتسمت وأنا بحك راسي بخجل:
– أيوه، عشان تبقي مطمنة.
ابتسمت ابتسامة دافية وطلعنا.
قبل ما أدخل شقتي قلت وأنا ببتسم:
– تصبحي على خير يا نور.
ردت وهي بتحاول تثبت ابتسامتها:
– وانت من أهل الخير.
دخلت شقتها، ودخلت أنا شقتي…
بس وأنا بقفل الباب، لقيت نفسي سامع صوت تنفسها في دماغي،
كأنها لسه هنا .... جنبي.
_________________
نور
دخلت الشقة،
كان إحساس غريب كل مرة بدخلها…
كأن المكان بيحضني.
فيها أمان، وهدوء، وريحة راحة أنا مفتقداها من سنين.
رميت الشنطة على الكرسي،
وقعدت على السرير،
شلت الطرحة وفردت ضهري بتنهيدة تعب.
حاولت أنام… لكن عينيّ مش راضية تقفل،
كل ما أغمضها، تتزاحم الصور في دماغي.
قعدت أتقلّب كتير،
لحد ما قررت أخرج البلكونة، يمكن الهوا يهديني شوية.
لبست الطرحة بسرعة، وفتحت الباب،
الهواء البارد لمس وشي بهدوء خفيف،
قعدت أبص للسما…
كانت صافية، وساكتة كأنها بتطبطب عليّا.
بعد كام دقيقة،
سمعت صوت باب بيتفتح جنبي،
بصّيت، لقيته — يوسف.
ماسك كتاب ف إيده، والتانية فيها كباية شاي سخنة،
وبصلي بابتسامة دافية وقال بنغمة هادية:
– الأنسة نور… شكلك مش جايلِك نوم.
ابتسمت بخفة وردّيت:
– تقريبًا كده.
ضحك وقال وهو بيرفع الكباية:
– طب أعملك شاي؟ ونرغي شويه بدل النوم دا.
هزّيت راسي بلُطف:
– لا شكراً، متتعبش نفسك.
هو ما سابنيش أرفض،
ضحك وقال بنفس الهدوء اللي بيطمن:
– دي كباية شاي بس، مش مأدبة… هروح أعملها.
وقبل ما يدخل، بصلي وهو بيقول بنبرة خفيفة:
– سكرك؟
ضحكت رغم تعبي وقلت:
– معلقتين.
ابتسم وقال:
– تمام… جاي حالاً.
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت الحداشر
نور
بعد دقائق،
رجع يوسف وإيده ماسكة كباية شاي،
قرب من البلكونة بابتسامة بسيطة،
مدّ إيده، وأنا مدّيت إيدي التانية من ناحية تانيه لحد ما أخدت الكباية منه.
الكباية كانت سخنة،
بس الإحساس أول ما لمستها كان فيه دفء غريب…
قعدت على الكرسي،
حضنت الكباية بين إيديا الاتنين كأني بحاول أدفّي قلبي مش بس صوابعي.
كان واقف قصادي، ساكت،
نظراته عليّا كلها تساؤل… كأنه مش عارف يبدأ منين.
قطعت الصمت وأنا ببصله:
– عارف… بابا قالي حاجة غريبة أوي النهارده.
رفع حاجبه باهتمام وسأل بهدوء:
– حاجة إيه؟
تنهدت، ونظري وقع ع الكوباية وأنا بقول بصوت واطي:
– قالي إني السبب في موت ماما.
يوسف رفع راسه بسرعة، ملامحه اتبدلت:
– السبب؟ ازاي يعني؟
هزّيت راسي بارتباك ودمعة خفيفة نزلت غصب عني:
– مش عارفة… حاولت أفهم منه، بس مقالش حاجة.
بصلي وقتها بنظرة كلها تفهم وحنية نادرة،
كملت بوجع:
– تفتكر فعلاً ممكن أكون السبب؟
رد بهدوء وثبات صوته مريح أوي:
– مفيش حاجة اسمها كده يا نور، في معاد بييجي وربنا بيرحم عباده…
وإنتِ مالكيش ذنب ف أي حاجة.
كلامه دخل قلبي،
بس الغصة لسه كانت محبوسة جواه.
رفعت عيني عليه من تاني وسألته بخفوت:
– تفتكر… الحل في اللي أنا فيه ده إيه؟
قال وهو بيقرب شويه:
– في إيه بالظبط؟
أخدت نفس خفيف، وشربت رشفة شاي قبل ما أتكلم،
وصوتي بدأ يتلخبط:
– يعني… ف كلام بابا…
وسكت لحظة، بعدين كملت بتوتر واضح:
– إنه قال إنك تتقدملي.
ابتسامة ظهرت على وشه، فيها خليط بين جدية وسخرية لطيفة:
– طيب، هعمل إيه بقى؟ أتقدملك وأمري لله!
بصيت له بصدمة، وعيني وسعت:
– إيه؟ لأ طبعًا!
ضحك بخفة، لكن نظرته بعدها بقت فيها حتة زعل:
– ليه بقى؟ بتحبي حد تاني ولا إيه؟
اتلخبطت أكتر وردّيت بسرعة:
– لا… بس انت مش مجبر تعمل كده،
أنا بس كنت بفكر نلاقي حل…
عشان لا أنا أتأذي ولا انت تتحط ف موقف محرج.
رد عليّا بنبرة فيها صدق ودفء:
– ومين قالك إنّي مجبر يا نور؟
اتجمدت في مكاني،
قلبي دق بسرعة غريبة،
ماعرفتش أرد.
هو حس بتوتري فكمّل بسرعة وبابتسامة خفيفة:
– قصدي يعني… إني حابب أساعدك، وده جزء من شغلي.
كنت عارفة إنه بيخبي ورا الكلام،
شغل إيه اللي يخليه يفكر يتجوزني بس عشان يحميني؟
في ألف طريقة تانية…
بس هو اختار الطريق اللي بيخليني محتارة أكتر.
بصيت له بعدم اقتناع،
فهو فهم وقال وهو بيحك في رقبته بإحراج بسيط:
– لو مش حابة طبعًا، عادي، أكيد هنلاقي حل تاني.
سكت لحظة،
بعدين قولت بهدوء:
– سيبني أفكر الأول… أشوف إيه الأفضل.
ابتسم، ابتسامة مطمّنة كالعادة، وقال:
– خدي راحتك يا نور.
دخلت السرير بعد ما خلص اليوم الطويل.
عيني كانت مفتوحه، بس عقلي مش سايبني أهدى.
كل كلمه قالها يوسف بتلف ف دماغي، كل نظره، كل ابتسامه، حتى طريقه كلامه الهادية.
مش عارفه أفكر بعقلي ولا بقلبي، يمكن الاتنين بيتخانقوا جوايا.
نفسى أنام وأنسى، بس التفكير كان أقوى.
بعد فتره، دموعي نزلت بهدوء وأنا ببص للسقف...
يمكن أول مره ف حياتي أحس إني مش لوحدي... بس برضه مش مطمنه.
غمضت عيني، وقلبي لسه بيخبط بنفس السرعه اللي بدأ بيها من أول ما قال:
"هتقدملك وأمري لله."
______________
ساره
قعدت أفكر في اللي حصل.
قلبي كان موجوع… مش على نور، لكن على يوسف.
بحبه من وأنا صغيرة، ومع إننا مكنّاش بنشوف بعض كتير، بس دا عمره ما منع قلبي إنه يحبه.
يوسف شخص ناضج، مسؤول، هادي وذكي، ووِسيم… أي واحدة مكاني كانت هتقع في حبه.
بس مكنتش عايزة اللي تقع ف حبه دي تكون صحبتي نور!
خصوصًا إني حاسة إن علاقتهم مش مجرد شغل يوسف بيأديه… حاسة إنه عنده مشاعر اتجاهها.
أنا كمان مشاعري واضحة… بس قعدت أحاول أكبتها.
فكرت كتير أعترف له بحبي… لكن مكنتش عايزة أرخص نفسي.
معرفش هو شايفني إزاي… يمكن مجرد بنت عمه، أو في مقام أخته…
بس قلبي عارف الحقيقة، ومش قادر أكذب على نفسي: أنا بحبه.
________________
يوسف
تاني يوم صحيت بدري كعادتي، عندي شغل ومواعيد لازم أخلصها.
وأول حاجة جت في بالي كانت نور.
قولت أعدي عليها في طريقي، أوصلها الجامعة… أكيد عندها محاضرات، ومش هينفع تروح لوحدها.
وقفت قدام باب شقتها وخبطت.
عدّت دقيقة… مفيش صوت.
قلبي بدأ يدق أسرع، خبطت تاني بصوت أعلى… برضه مفيش رد.
طلعت نسخة المفتاح من جيبي — كنت واخدها احتياط من يوم ما سكنّاها — وفتحت الباب.
نديت:
__نــــور؟
انتي نايمه؟
لكن الرد كان silence…
هدوء غريب، خانق.
مشيت جوا الشقة، كل ركن فيها بارد وفاضي، كأنها مهجورة من سنين.
دخلت الأوضة، المطبخ، حتى الحمّام — مفيش أي أثر ليها.
طلعت الموبايل بسرعة واتصلت بيها،
رنّ كتير… مفيش رد.
قلبي بدأ يعلى جوّه صدري، كأن في حاجة بتخنقني.
فتحت على طول على "سارة".
أول ما ردت قولت بصوت متوتر:
__سارة… نور مش موجودة!.
ردت ببرود غريب وجملة كسرتني:
__تلاقيها رجعت لباباها… هي مبتستحملش تقعد لوحدها.
صرخت فيها وقلبي مولّع:
__انتي بتقولي كده ازاي؟ مش خايفه عليها؟!.
ردت ببرود أكتر، نفس النبرة اللي خلت الدم يغلي في عروقي:
__خايفه عليها؟ آه… بس حذرتها وهي اللي أصرت.
هخاف عليها أكتر من نفسها يعني؟.
قولت بغضب مكتوم:
__تمام يا سارة… اقفلي.
قفلت وأنا حاسس النار ماليه صدري.
الخوف والغضب اتجمعوا جوايا في لحظة واحدة.
خايف… ليكون حصلها حاجة.
ولا يكون هو… هو اللي عمل فيها حاجة؟
من غير ما أفكر، جريت على العربية وقلبي سابقني…
متجه ناحية بيتها.
الطريق كان طويل أكتر من العادة،
كل إشارة بتحمر قدامي كنت بحس إنها بتتحدى صبري.
إيدي ماسكة الدركسيون بقوة، ودماغي مليانة صور لنور…
صوتها، ضحكتها، خوفها وهي بتعيط امبارح،
والسؤال اللي كان بيخبط جوايا: هي راحت فين؟
وقفت قدام البيت، نزلت من العربية بسرعة،
دخلت الشارع اللي كنت عارفه كويس…
بس المرة دي، حسّيته مخيف، كئيب، كأن كل بيت فيه بيتخنق.
طلعت السلم بخطوات سريعة،
كل ما أقرب من الباب كان قلبي يدق أكتر.
ولما وصلت… الباب كان مفتوح شوية.
نَفَسِي اتحبس.
زقيت الباب بإيدي بهدوء ودخلت.
البيت ساكت… ساكت بشكل مريب.
الكنبة مقلوبة، وفي كوباية مكسورة على الأرض،
وفي ريحة حاجة شبه العِطر اللي كانت دايمًا بتحطه — ريحة هادية بس فيها وجع.
نديت وأنا صوتي بيرتعش:
"نور؟"
مفيش رد.
دخلت أكتر… كل حاجة مكانها بس في نفس الوقت مش طبيعية.
كأن في حاجة حصلت، ومفيش حد فضل يشهد عليها.
لحد ما عيني وقعت على باب الأوضة نص مفتوح.
زقيته بإيدي، وقلبي بيخبط في صدري كأنه هيكسر ضلوعي.
ولقيتها... مرمية على الأرض!
اتجمدت مكاني ثواني، الدنيا لفت حواليّا،
كل الأصوات اختفت، حتى نفسي اختفى.
رجعت له؟ طب ليه؟ كانت خايفة منه، إزاي تعمل كده؟
جريت عليها، قلبي كان هيوقف،
ركعت جنبها، ناديت اسمها وأنا برجف:
__نور! نور قومي!
بس مفيش أي رد، لا حركة، ولا صوت...
إيدي كانت بتتهز وأنا بحاول أفوّقها،
بس جسْمها بارد، وتعبان.
طرحتها كانت واقعة جمبها،
مددت إيدي بهدوء غطّيت شعرها،
مقدرتش أبص كتير... قلبي وجعني أكتر من المنظر.
شِلتها بإيديا، حاسس إنها خفيفة جدًا…
خفيفة كأنها فقدت كل طاقتها فالحياة.
خرجت بيها بسرعة، خطواتي متلخبطة،
دماغي فاضية إلا من كلمة واحدة بتتكرر:
تلحّقها… لازم تلحقها.
ركبت العربية، حطيتها على الكراسي اللي ورا،
سندت راسها على الكرسي، وشغلت الموتور وأنا برجف.
الشارع قدامي كان ضباب،
وكل دقيقة كانت محسوبة من عمرها.
اتجهت على المستشفى بأقصى سرعة،
وفي قلبي دعاء واحد:
يا رب، بس تكون بخير.
معلش ي جماعه البارت صغير شويه بس هعوضكوا بكره ان شاء الله ♥️#الم_بدون_صوت
البارت التلتاشر
نور
كنت مركّزة قوي، قلبي بيخبط…
مستنية كلمة واحدة تطمني، أو حتى تصدمني.
هو رفع عينه ليا، وشه كان شاحب، وصوته متقطع وهو بيقول:
"للأسف… طلع عندِك سكر فعلًا."
ماحستش بنفسي…
دموعي نزلت قبل حتى ما أستوعب الكلمة.
حسّيت إن روحي اتفقعت…
فوق كل اللي بيحصلي، ييجيلي سكر كمان؟
سارة حاوطتني بحنان،
وقالت وهي صوتها بيترعش حزن:
"نور… دي مشيئة ربنا. احمدي ربنا على كل حال يا روحي."
طلعت صوت متقطع وأنا ببكي وبشّهق:
__الحمدلله… الحمدلله على كل شيء يا رب… أنا مش معترضة.
يوسف كان واقف قدامي…
كان واضح إنه متأثر،
كأنه عايز يقول كلام كتير…
بس خايف يزيد عليا.
عدّى الوقت، وقدرت أخرج من المستشفى.
سارة ويوسف ماسابونيش لحظة،
وطنط – مامت سارة – جت وطمنت عليا.
حسّيت بدفا… بأمان… بحضن مش من حقي يمكن،
بس كان نفسي أعيش في المكان ده طول عمري.
وإحنا في العربية…
أنا قاعدة ورا، وسارة ويوسف قدّام،
بعد ما أصرّيت إن سارة ماتقعدش ورا معايا.
يوسف كان مصرّ إني ماارجعيش لبيت بابا،
وقال لي بصوت حاسم إنه لو روّحت…
هو هيتصرف، وهيعمل المحضر اللي هدّد بيه.
عارفة إنه خايف عليا…
بس هو مش فاهم.
مش فاهم إن قلبي… بالرغم من كل اللي حصلي،
لسه بيحب بابا.
بحبه رغم وجعي، ورغم إني عمري ماكنتش بنام من غير ما أحط مراهم على جسمي.
ده بابايا…
وليّه حق عليا حتى لو هو عمره ما أدّى حقّي.
وكفايه عندي… إني قدام ربنا،
أنا ما سيبتوش ولا يوم.
وصلنا تحت بيت ساره
بصيتلي نظره اخيره وابتسمتلي
بادلتها الابتسامه وطلعت
بعد وقت
وصلنا قدّام العمارة، يوسف ركن العربية ومسح على وشه كأنه بياخد نفس قبل ما يتكلم.
قال بنبرة فيها حذر:
__بُصي… أنا مش عايز أعقّد عليكي الموضوع. هنروح لباباكي زي ما هو عايز، وهقول إنّي جاهز أجيلكم رسمي… بس من غير ضغوط. أول ما ظروفك تتحسن أو الأمور تهدى… نبقى نشوف هنتصرف ازاي.
كلمته كانت مريحة، يمكن لأول مرة من فترة حسّيتي إن حد فاهم إني مش قادرة ادخل أي علاقة دلوقت.
قلت بهدوء وانا بحضر نفسي عشان انزل من العربيه:
__مش عايزه اكون ف ضغط.
هز راسه بسرعة وكأنه بيطمني:
__ولا حتى هفكّر أضغط عليكي. كل حاجة هتبقى تحت سيطرتك.
نزل وفتحلي باب العربيه
طلع معايه ، وقبل ما اقفل باب الشقه سمعته بيقول:
__ اتطمني.
كأنها كلمة صغيرة، بس ريّحتني أكتر من اللي كنت متوقعة.
دخلت وقررت أنام،
لكن قاطعني صوت الموبايل وهو بيرن.
بصّيت… رقم أول مرة أشوفه.
ترددت لحظة… وبعدين رديت.
وساعتها سمعت صوت ما تخيلتش يوم يرجعلي تاني.
صوت مازن!.
مازن اللي سافر من سنين… ورجع دلوقتي، فجأة، كأنه ولا يوم عدى!!
_____________
سارة
قعدت في الأوضة لوحدي، ومش قادرة أنام من كتر التفكير… فكرة إن ممكن يكون بين يوسف ونور حاجة كانت بتخنقني.
قعدت كتير، وعيطت أكتر…
مش عارفة حتى بعيط على إيه.
يمكن خايفة يروح مني.
يمكن خايفة أكون مش في باله زي ما هو في بالي.
قررت أتصل بيه… مش عارفة ليه ولا علشان إيه.
بس كنت محتاجة أسمع صوته… محتاجة أطمن.
اتصلت.
جه صوته هادي كالعادة.
قلتله بصوت مبحوح من أثر البُكا:
__أنا بحب نور على فكرة، وبتمنالها كل خير… أنا بس متعودة إن هي بترجع، وهو بيسيبها ترجع… محطتش في دماغي إنه يعمل فيها كده.
رد بهدوء:
__حصل خير يا نور.
اتصدمت.
كملت وأنا حاسة إنه مش عايز يتكلم:
__عايزة أقولك حاجة… بيني وبينك.
قال بتركيز:
__سامعِك.
تنفست بصعوبة ودموعي نازلة:
__لو أنا بحب حد… وهو مش شايفني… المفروض أعمل إيه؟
سكت ثواني، كأنه بيحاول يفهم القصد، وبعدين قال بهدوء:
__مفروض ما تعمليش حاجة. ده نصيب يا نور… ولو هو من نصيبك هيجيلِك من غير أي مجهود.
الغصة زادت.
هو بيقول نور بدل سارة.
لحد دلوقتي هي شاغلة باله لدرجة إنه يتلغبط في اسمي؟
سألت وأنا بحاول أثبت نفسي:
__يعني… ماعترفش إني بحبه؟.
قال بحزم هادي:
__أوعي. ساعتها هتقلّلي من نفسك… وهترخصيها.
سارة… أنا واثق فيك. وعارف إنك عمرك ما هتعملي حاجة غلط.
ردّيت بضعف:
__أكيد يا يوسف… شكراً إنك
سمعتني.
ضحك بخفة وقال:
__أنا هنا دايمًا لو احتاجتيني.
قفلت معاه…
وحسّه لسه في وداني.
في إحساس دفا بيغطي جزء من خوفي…
بس وجعي لسه موجود.
ولسه بفكر…
هل ممكن في يوم… يبقى ليّ؟
ولا هافضل خايفة إنه يبعد… أو يخسرني وأنا أصلاً مش ملكاه؟
_____________
يوسف
فريد صاحبي كلّمني لما ملاقانيش روحت الشغل.
ردّيت وأنا باخد نفس طويل:
__كان عندي ظرف… ومعرفتش أجي.
قاللي بسرعة وبنبرة استفزاز معروفه عنه:
__ظرف؟ قولّي بقى… ظرف إيه دا؟.
قلتله بنفس الضيق الهادي:
__يا فريد… بقولك ظرف. لو كنت عايز أقولك حصل إيه، كنت حكيتلك من غير ما تسأل.
سكت لحظة وبعدين ردّ مستغرب:
__يعني… مش هتقولي؟
اتسمت غصب عني، وطلعت النبرة السِمجة اللي دايمًا بتطلّع منه الشر:
__لا يا خفيف.
قال بضيق مصطنع:
__حلو أوي… تمام يا يوسف.
ضحكت وأنا بحاول أقفل المكالمة:
__سلام بقى… عايز أنام. وبكرة في الشغل هحكيلك كل حاجة.
ردّ وهو واضح إنه راضي إنه اضطر يستنى:
__اشطا عليك.
قفلت.
فريد…
أقرب صاحب ليا، رغم إنه رخم وفضولي وبيتدخل في كل كبيرة وصغيرة…
بس والله على قلبي زي العسل.
صحيت تاني يوم، جهّزت ولبست بدلتي،
وقررت أخبط على نور… أتأكد إنها في الشقة.
خبطت… لكن محدش فتح.
الدم غلي في عروقي، قلبي خفق بسرعة.
اتصلت كالعاده بسارة… يمكن راحوا الجامعة سوا.
بس سارة مردتش.
اتعصبت أكتر… كنت هاين عليا لما أشوفها… أكلها علقه من اللي هي بتعمله.
قررت أروح لباباها… يمكن تكون هناك.
وبدعي ربنا إنه ميكونش عمل فيها حاجة.
________________
نور
خرجت بدري، قلبي بيترن من التوتر… مازن قال إنه عايز يقابلني.
كنت مصدومة… إيه اللي رجعه من تاني؟
وطبعًا، لما يعرف إني سيبت البيت هيبهدل الدنيا… دا لو مكنش عرف لحد دلوقتي.
كل خطوة وأنا داخل الكافيه كانت تقيلة على قلبي، وحاسة إن الدنيا ضاقت حواليّا.
لقيته قاعد بعيد على طرابيزه لوحده، ماسك الفون.
قربت بهدوء، نفسي بيترعش من التوتر، وقعدت.
ولأول ما قعدت قال باستغراب، بنظرة فيها شك:
— مين حضرتك؟
رديت بصوت متردد، قلبي بيخفق بسرعة:
__أنا نور… يا مازن.
اتعدل في قعدته، وعينيه ركزت في ملامحي. كان فيه دهشة :
— اتغيرتي أوي.
رديت بسخرية خفية:
— يمكن من الهم.
كمل وكأن ذكرياته رجعت فجأة، صوته صار أثقل:
— سيبتي البيت ليه؟
تنفست ببطء وحاولت أمسك أعصابي، ورجعت أتني شويه على الكرسي:
— واللي قالك إني سيبت البيت، ما قالكش سيبته ليه؟
مازن رد بحزم، عيناه فيها صرامة ونبرة صوته تقطع الهواء:
— عايز أسمع منك أنتي.
رجعت أقرب شويه، قلبي بيرتعش من التوتر والغضب والمرارة كلها، وقولت:
— معنديش كلام أقوله غير إنكم ظلمتوني… وبدفع تمن سفركم.
رد وهو زهقان، وعينيه فيها إحباط:
— هو كل شويه هتقولي نفس الأسطوانه؟
قولت بصوت مخنوق:
__مازن… أنا مش جايه أعيد نفس الكلام، أنا بس محتاجة تفهم إني اتأذت بجد. مش عايزة أصنع مشاكل، بس اللي حصل أثر عليا جامد. كل اللي أنا عايزاه دلوقتي إنك تسمعني وتفهم شعوري مش تحكم عليا.
لكن فجأه!!
البارت التلتاشر
نور
كنت مركّزة قوي، قلبي بيخبط…
مستنية كلمة واحدة تطمني، أو حتى تصدمني.
هو رفع عينه ليا، وشه كان شاحب، وصوته متقطع وهو بيقول:
"للأسف… طلع عندِك سكر فعلًا."
ماحستش بنفسي…
دموعي نزلت قبل حتى ما أستوعب الكلمة.
حسّيت إن روحي اتفقعت…
فوق كل اللي بيحصلي، ييجيلي سكر كمان؟
سارة حاوطتني بحنان،
وقالت وهي صوتها بيترعش حزن:
"نور… دي مشيئة ربنا. احمدي ربنا على كل حال يا روحي."
طلعت صوت متقطع وأنا ببكي وبشّهق:
__الحمدلله… الحمدلله على كل شيء يا رب… أنا مش معترضة.
يوسف كان واقف قدامي…
كان واضح إنه متأثر،
كأنه عايز يقول كلام كتير…
بس خايف يزيد عليا.
عدّى الوقت، وقدرت أخرج من المستشفى.
سارة ويوسف ماسابونيش لحظة،
وطنط – مامت سارة – جت وطمنت عليا.
حسّيت بدفا… بأمان… بحضن مش من حقي يمكن،
بس كان نفسي أعيش في المكان ده طول عمري.
وإحنا في العربية…
أنا قاعدة ورا، وسارة ويوسف قدّام،
بعد ما أصرّيت إن سارة ماتقعدش ورا معايا.
يوسف كان مصرّ إني ماارجعيش لبيت بابا،
وقال لي بصوت حاسم إنه لو روّحت…
هو هيتصرف، وهيعمل المحضر اللي هدّد بيه.
عارفة إنه خايف عليا…
بس هو مش فاهم.
مش فاهم إن قلبي… بالرغم من كل اللي حصلي،
لسه بيحب بابا.
بحبه رغم وجعي، ورغم إني عمري ماكنتش بنام من غير ما أحط مراهم على جسمي.
ده بابايا…
وليّه حق عليا حتى لو هو عمره ما أدّى حقّي.
وكفايه عندي… إني قدام ربنا،
أنا ما سيبتوش ولا يوم.
وصلنا تحت بيت ساره
بصيتلي نظره اخيره وابتسمتلي
بادلتها الابتسامه وطلعت
بعد وقت
وصلنا قدّام العمارة، يوسف ركن العربية ومسح على وشه كأنه بياخد نفس قبل ما يتكلم.
قال بنبرة فيها حذر:
__بُصي… أنا مش عايز أعقّد عليكي الموضوع. هنروح لباباكي زي ما هو عايز، وهقول إنّي جاهز أجيلكم رسمي… بس من غير ضغوط. أول ما ظروفك تتحسن أو الأمور تهدى… نبقى نشوف هنتصرف ازاي.
كلمته كانت مريحة، يمكن لأول مرة من فترة حسّيتي إن حد فاهم إني مش قادرة ادخل أي علاقة دلوقت.
قلت بهدوء وانا بحضر نفسي عشان انزل من العربيه:
__مش عايزه اكون ف ضغط.
هز راسه بسرعة وكأنه بيطمني:
__ولا حتى هفكّر أضغط عليكي. كل حاجة هتبقى تحت سيطرتك.
نزل وفتحلي باب العربيه
طلع معايه ، وقبل ما اقفل باب الشقه سمعته بيقول:
__ اتطمني.
كأنها كلمة صغيرة، بس ريّحتني أكتر من اللي كنت متوقعة.
دخلت وقررت أنام،
لكن قاطعني صوت الموبايل وهو بيرن.
بصّيت… رقم أول مرة أشوفه.
ترددت لحظة… وبعدين رديت.
وساعتها سمعت صوت ما تخيلتش يوم يرجعلي تاني.
صوت مازن!.
مازن اللي سافر من سنين… ورجع دلوقتي، فجأة، كأنه ولا يوم عدى!!
_____________
سارة
قعدت في الأوضة لوحدي، ومش قادرة أنام من كتر التفكير… فكرة إن ممكن يكون بين يوسف ونور حاجة كانت بتخنقني.
قعدت كتير، وعيطت أكتر…
مش عارفة حتى بعيط على إيه.
يمكن خايفة يروح مني.
يمكن خايفة أكون مش في باله زي ما هو في بالي.
قررت أتصل بيه… مش عارفة ليه ولا علشان إيه.
بس كنت محتاجة أسمع صوته… محتاجة أطمن.
اتصلت.
جه صوته هادي كالعادة.
قلتله بصوت مبحوح من أثر البُكا:
__أنا بحب نور على فكرة، وبتمنالها كل خير… أنا بس متعودة إن هي بترجع، وهو بيسيبها ترجع… محطتش في دماغي إنه يعمل فيها كده.
رد بهدوء:
__حصل خير يا نور.
اتصدمت.
كملت وأنا حاسة إنه مش عايز يتكلم:
__عايزة أقولك حاجة… بيني وبينك.
قال بتركيز:
__سامعِك.
تنفست بصعوبة ودموعي نازلة:
__لو أنا بحب حد… وهو مش شايفني… المفروض أعمل إيه؟
سكت ثواني، كأنه بيحاول يفهم القصد، وبعدين قال بهدوء:
__مفروض ما تعمليش حاجة. ده نصيب يا نور… ولو هو من نصيبك هيجيلِك من غير أي مجهود.
الغصة زادت.
هو بيقول نور بدل سارة.
لحد دلوقتي هي شاغلة باله لدرجة إنه يتلغبط في اسمي؟
سألت وأنا بحاول أثبت نفسي:
__يعني… ماعترفش إني بحبه؟.
قال بحزم هادي:
__أوعي. ساعتها هتقلّلي من نفسك… وهترخصيها.
سارة… أنا واثق فيك. وعارف إنك عمرك ما هتعملي حاجة غلط.
ردّيت بضعف:
__أكيد يا يوسف… شكراً إنك
سمعتني.
ضحك بخفة وقال:
__أنا هنا دايمًا لو احتاجتيني.
قفلت معاه…
وحسّه لسه في وداني.
في إحساس دفا بيغطي جزء من خوفي…
بس وجعي لسه موجود.
ولسه بفكر…
هل ممكن في يوم… يبقى ليّ؟
ولا هافضل خايفة إنه يبعد… أو يخسرني وأنا أصلاً مش ملكاه؟
_____________
يوسف
فريد صاحبي كلّمني لما ملاقانيش روحت الشغل.
ردّيت وأنا باخد نفس طويل:
__كان عندي ظرف… ومعرفتش أجي.
قاللي بسرعة وبنبرة استفزاز معروفه عنه:
__ظرف؟ قولّي بقى… ظرف إيه دا؟.
قلتله بنفس الضيق الهادي:
__يا فريد… بقولك ظرف. لو كنت عايز أقولك حصل إيه، كنت حكيتلك من غير ما تسأل.
سكت لحظة وبعدين ردّ مستغرب:
__يعني… مش هتقولي؟
اتسمت غصب عني، وطلعت النبرة السِمجة اللي دايمًا بتطلّع منه الشر:
__لا يا خفيف.
قال بضيق مصطنع:
__حلو أوي… تمام يا يوسف.
ضحكت وأنا بحاول أقفل المكالمة:
__سلام بقى… عايز أنام. وبكرة في الشغل هحكيلك كل حاجة.
ردّ وهو واضح إنه راضي إنه اضطر يستنى:
__اشطا عليك.
قفلت.
فريد…
أقرب صاحب ليا، رغم إنه رخم وفضولي وبيتدخل في كل كبيرة وصغيرة…
بس والله على قلبي زي العسل.
صحيت تاني يوم، جهّزت ولبست بدلتي،
وقررت أخبط على نور… أتأكد إنها في الشقة.
خبطت… لكن محدش فتح.
الدم غلي في عروقي، قلبي خفق بسرعة.
اتصلت كالعاده بسارة… يمكن راحوا الجامعة سوا.
بس سارة مردتش.
اتعصبت أكتر… كنت هاين عليا لما أشوفها… أكلها علقه من اللي هي بتعمله.
قررت أروح لباباها… يمكن تكون هناك.
وبدعي ربنا إنه ميكونش عمل فيها حاجة.
________________
نور
خرجت بدري، قلبي بيترن من التوتر… مازن قال إنه عايز يقابلني.
كنت مصدومة… إيه اللي رجعه من تاني؟
وطبعًا، لما يعرف إني سيبت البيت هيبهدل الدنيا… دا لو مكنش عرف لحد دلوقتي.
كل خطوة وأنا داخل الكافيه كانت تقيلة على قلبي، وحاسة إن الدنيا ضاقت حواليّا.
لقيته قاعد بعيد على طرابيزه لوحده، ماسك الفون.
قربت بهدوء، نفسي بيترعش من التوتر، وقعدت.
ولأول ما قعدت قال باستغراب، بنظرة فيها شك:
— مين حضرتك؟
رديت بصوت متردد، قلبي بيخفق بسرعة:
__أنا نور… يا مازن.
اتعدل في قعدته، وعينيه ركزت في ملامحي. كان فيه دهشة :
— اتغيرتي أوي.
رديت بسخرية خفية:
— يمكن من الهم.
كمل وكأن ذكرياته رجعت فجأة، صوته صار أثقل:
— سيبتي البيت ليه؟
تنفست ببطء وحاولت أمسك أعصابي، ورجعت أتني شويه على الكرسي:
— واللي قالك إني سيبت البيت، ما قالكش سيبته ليه؟
مازن رد بحزم، عيناه فيها صرامة ونبرة صوته تقطع الهواء:
— عايز أسمع منك أنتي.
رجعت أقرب شويه، قلبي بيرتعش من التوتر والغضب والمرارة كلها، وقولت:
— معنديش كلام أقوله غير إنكم ظلمتوني… وبدفع تمن سفركم.
رد وهو زهقان، وعينيه فيها إحباط:
— هو كل شويه هتقولي نفس الأسطوانه؟
قولت بصوت مخنوق:
__مازن… أنا مش جايه أعيد نفس الكلام، أنا بس محتاجة تفهم إني اتأذت بجد. مش عايزة أصنع مشاكل، بس اللي حصل أثر عليا جامد. كل اللي أنا عايزاه دلوقتي إنك تسمعني وتفهم شعوري مش تحكم عليا.
لكن فجأه!!
تفتكروا مين مازن دا؟
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت الاربعتاشر
Esraa Absee
Waled Mohamed
شكرا ع الناس اللي جاوبت صح ف السؤال اللي فات😍♥️
بعد كدا اي حد هيجاوب صح هعمله منشن
وكمان هاخد اسمه اكتبه من أسماء الشخصيات ف الروايه♥️
نور
فجأة قام واقف، وخبّط بإيده على الترابيزة بقوة كفاية تخوّفني.
وقال بصوت عالي:
__ارجعي البيت يا نور… والأحسن ترجعي ومعاكي الصايع اللي ماشيه معاه!.
جسمي كله اترعش.
بصيت حواليّ… الناس كانت بتبصلنا باستغراب.
قلتله بصوت متقطع:
__مازن… الناس بتبص علينا.
رفع صوته أكتر، وصار نظره ثابت عليّا:
__وطالما بتخافي من الناس بالشكل ده… بتعملي كده ليه من الأساس؟!.
قلت وأنا صوتي بيتعالى غصب عني:
__عملت إيه؟! أنا… أنا ماعملتش حاجة! لو بس تسمعني—..
قاطعني بقسوة في صوته:
__مش محتاج أسمع… انتي تعملي اللي بقولك عليه وخلاص. فاهمة؟
وفجأة… قطع كلامه صوت موبايلي وهو بيرن.
بصيت… يوسف.
مازن بص للموبايل وقال بسخرية تقيلة:
__هو دا؟ ردي. يلا.
قلت بخوف:
__ماز .....
لكن قطعني بصوته العالي:
__قلتلك ردي.
بلعت ريقي… وإيديا بترتعش وأنا بمسك الموبايل وبرد.
يوسف قال أول ما سمع صوتي، وصوته فيه قلق واضح:
__إنتي فين؟
ما تقوليش إنك رجعتي له؟.
قلت وأنا بحاول أتنفس:
__لا… لا مروحتش.
ردّ عليا بقلق أكبر، ونبرته أقرب للرجاء:
__نور… انتي فين؟
بصيت لمازن…
ما قالش ولا كلمة، بس أشار بيده إنّي أقول ليوسف ييجي.
كنت عايزة أعترض…
بس نظرته ضيقت صدري.
قلت بصوت واطي:
__أنا في كافيه ****.
رد يوسف بهدوء مش طبيعي:
__تمام… خليكي مكانك. أنا جايّلك.
_________________
يوسف
قفلت المكالمة…
وحسّيت قلبي بيخبط في صدري.
صوتها ماكانش طبيعي… مخنوق، ومرعوب، ومش هي نور اللي أعرفها.
طلعت من البيت بسرعة، ولا كنت شايف الطريق قدامي.
نفسي بيتسارع، وإيديا بتتلج من التوتر.
كل خطوة باخدها ناحية الكافيه كانت تقيلة…
وكأن رجلي بتجري قبلي.
ليه قالت المكان وكأن حد سامعها؟
ليه صوتها مهزوز بالشكل ده؟
ولو هي مش عنده… إيه اللي ضغطها كده؟
قولت إني أول ما أوصل هعرف كل حاجة…
الدقايق كانت بتمشي كأنها بتعاندني، وكل ثانية بترسم ألف سيناريو فخيالي.
وصلت الكافيه.
دخلت…
ولقيت المشهد اللي عمره ما جه فبالي.
كانت قاعدة قدّامه…
وهو ماسك إيديها بشدة، وملامحه كلها غضب!
قلبي اتقلب، ومن غير ما أفكر لقيت نفسي بجري ناحيتهم.
مسكت ياقة قميصه وحدّة صوتي خرجت لوحدها:
__إنت مين… وعشان إيه ماسك إيديها كده؟!.
شد نفسه منّي وقال بسخرية مستفزة:
__انت بقى العريس اللي جاي فجأة؟.
بصيت له من غير ما أفهم قصده…
ورجعت لها بسرعة، صوتي هادي بس مليان قلق:
__مين ده؟.
هو ما استناش ردّها، ورفع صوته وهو باصصلي بحدّة:
__ما تسألهاش… اسألني أنا!.
بصيت له باستفزاز:
__تمام.
التوتر عليّ وعليه كان واضح، وبدأت شدّ وجذب بينا بين ضرب وخناق وصوت عالي…
الناس كانت واقفة تتفرج، بس محدش بيقرب أو يحاول يهديّ.
وسط كل ده…
كنت سامع نور بتقول بصوت مرتعش:
__خلاص… خلاص سيبه!.
كل ما تقول كده… الغضب جوايا يعلى أكتر.
هو مين عشان هي اللي تدافع عنه؟
وفجأة…
صوتها اتكسر وهي بتصرخ:
__يوسف! دا أخويا!.
وقفت.
حرفيا اتجمّدت.
عيني اتسعت، وإيدي وِقّفت لوحدها.
بصيت له…
وبعدين رجعت ببصري ليها، وقلبي وقع حرفيًا من الصدمة.
بدأ يهز هدومه بأعصابه قدامي،
وبصلي بنظرة ضاغطة مليانة تحذير وقال:
__إحنا لسه هنتكلم… وهوريك نتيجه غلطك فيا.
وبص لنور آخر بصّة قبل ما يمشي،
نبرة صوته تقيلة:
__لو متقدّمش النهارده… تبقيّ انتي وهو تتحمّلوا اللي هيحصل يا نور.
ومشي.
نور وقفت مكانها…
إيديها بترتعش، وعيونها مليانة دموع…
وأنا واقف مش عارف أكلّمها من الصدمة.
جوايا صوت بيقول:
يمكن اتسرّعت… تصرفت غلط من غير ما أفهم…
بس برضه…
هي عمرها ما قالت إنها عندها إخوات، وسارة عمرها ما لمّحت.
بصّتلها وصوتي مخنوق بجد:
__والله… والله ماكنتش أعرف إنه أخوكي.
بس متقلقيش…
أنا هاجي النهارده.
هتقدّم… وهطلب إيدك.
بصّت لي كام ثانية…
وبعدين هزّت راسها بهدوء، وهي بتحاول تمسح دموعها.
قالت بصوت واطي:
__أنا عندي أربع إخوات.
اتصدمت… قلبي فعليًا وقف لحظة.
كملت وهي بتبص للأرض:
__بنت… وتلات ولاد.
سافروا كلهم بعد ما ماما ماتت…
وسابوني لوحدي معاه…
علشان أخد بالي منه.
بصّيت لنور…
كانت واقفة قدامي بتترعش، مش من الخوف بس…
من الحمل اللي شايفه فجأة على كتافها.
قولتلها بهدوء وأنا بحاول أستوعب:
__ليه… ليه ماقولتيش؟
ليه شايلة كل ده لوحدِك؟..
رفعت عينيها ليا…
نظرة مكسورة، بس فيها قوة غريبة.
وقالت بصوت مجروح:
__مكنتش عايزه حد يشيل همّي.
مش ناقصة حد يبصلي بشفقة.
الجملة دي جرّحتني.
هي فاكرة إنّي ممكن أبصلها بشفقة؟
دي نور…
اللي طول الوقت واقفة على رجليها، حتى وهي بتقع.
قربت منها خطوة…
وأنا بكلمها بوضوح:
__أنا مش هبصلك بشفقة…
أنا هبصلك باحترام.
انتي شيلتي مسؤولية مكانش مفروض تشيليها لوحدك.
عيونها لمعت دموع أكتر،
وأنا حسّيت قلبي بيوجعني عليها.
كملت وأنا بحاول أطمنها:
__وبالنسبة لأخوكي…
أنا هاجي النهارده.
وهكلم الراجل زي الناس.
ومش هسيبك تواجهِيه لوحدِك تاني.
كانت واقفة ساكته،
بس ملامحها قالت كل حاجة…
ارتياح… خوف… توتر…
بس كمان حاجة جديدة…
ثقة صغيرة بتتفتح.
مدّت إيديها تمسح دموعها وقالت:
__يوسف…
أنا مش عايزاك تعمل كده….ولا تتجبر عليا..
ردّيت بسرعة من غير تردد:
__أنا بعمل كده… عشانك انتي.
__________
نور
ابتسامة خفيفة طلعت غصب عني… ابتسامة كانت طالعة من بين الدموع.
قد إيه يوسف شخص كويس… ومتعوّد يحسس اللي قدامه بالأمان، ومتربي عشر مرات.
قال بصوته الدافي اللي بيهدي الدنيا:
__يلا، عشان أوصلك الجامعة.
وبالفعل… وصلني.
طول الطريق كنت ساكتة، وهو سايبني على راحتي.
وصلت الجامعة.
محاضرات كتير ملحقتش أحضرها، بس كنت مطمنة إن سارة حضرت وهتشرحلي.
أول ما قابلتها، حكيت لها كل اللي حصل.
وشها اتغير فجأة… ملامحها اتسحبت، كأن حد صدمها.
قالت بعيون واسعة:
__يعني يوسف… هيتقدملك؟
هزّيت راسي، وأنا حاسة بخليط غريب جوايا.
بس اللي لفت نظري إن لونها اتغير… ودموعها واقفة على طرف عينها.
بصيت لها باستغراب:
__سارة… انتي بتحبي يوسف؟
اتخضت!
ردت بسرعة لدرجة فضحتها:
__يوسف؟! لأ طبعًا! إنتي بتقولي إيه!.
ضيّقت عيني وأنا ببصلها بشك:
__بس وشك اتخطف فجأة…
بلعت ريقها وقالت وهي بتحاول تهدي موقفها:
__لا لا… قصدي… عشان انتي مش عايزة تدخلي في علاقة وكدا.
تنهدت وقلت:
__ايوه… هتبقى صورية بس لحد ما أشوف حل.
سارة سكتت شوية… وبعدين قالت بصوت واطي:
__أنا تعبانة شوية… مش هقدر أكمل باقي المحاضرات.
قلبي وقع.
__مالك؟.
قالت وهي بتهرب بعينيها:
__مرهقة… هروح أرتاح.
قلت بسرعة:
__طب أجي معاكي، الطريق ممكن يتعبك.
هزت راسها باستعجال:
__لأ… انتي كَمّلي وسَجّلي المحاضرات. أنا تمام.
قلت بهدوء:
__خدي بالك من نفسك… وطمنيني أول ما توصلي.
هزت راسها ومشيت.
كانت ماشية بسرعة… أسرع من الطبيعي.
وقفت أبصّ وراها لحد ما اختفت عن عيني.
والشك لسه ماسكني.
في حاجة غلط.
وسارة مش بتقول كل اللي جواها.
__________________
ساره
من أول لحظة نور قالت فيها: __يوسف هيتقدملي… حسّيت الدنيا وقفت.
مش لأنها غلطانة… لأ.
عشان أنا كنت خايفه من اللحظة دي من شهور… اللحظة اللي كل حاجة جوايا تنهار فيها.
وشي اتسحب، وقلبي وقع، بس حاولت أضحك… أبتسم… أعمل أي حاجة تبين إني عادي.
بس مفيش حاجة كانت عادية.
ليه هو؟ ليه دلوقتي؟
يوسف…
اللي عمره ما أخد باله مني…
واللي كنت بستخبى من نفسي عشان ماحسّش بحاجة ناحيته.
واللي كنت كل مرة أشوفه، احس بدقات قلبي بتعلى
لكن النهارده اتغير كل شئ
نور بتبصلي
بتسألني:
__سارة انتي بتحبي يوسف؟.
قلبي اتكشف.
حسّيت إني اتعريت قدامها.
اللي في قلبي مكنش مفروض يطلع… لا دلوقتي ولا بعدين.
رديت بسرعة، بسرعة زيادة عن الطبيعي:
__يوسف؟ لأ طبعًا!.
كذبة…
بس كان لازم أقولها.
أنا أصلاً ماليش حق أحس كدا…
ما بيني وما بينه أي حاجة؟
ولما قالت إنها هتوافق "صورية"… حسّيت إني بوقع أكتر.
حتى لو صورية… برضه وجعت.
جسمي كله بقى تقيل، ودماغي دوّخت.
قولت إني تعبانة…
بس الحقيقة؟
كنت عايزة أهرب…
أهرب من السؤال… ومن الإجابة… ومن إحساسي.
وإني مش قادرة أشوفها وهي بتتكلم عنه كإنه شيء بسيط.
يوسف عمره ما كان بسيط بالنسبالي.
مشيت بسرعة…
كانت رجليا بتجري من غير ما أفكر.
عايزة أستخبى…
عايزة أتنفس…
عايزة أبطل أحب حد مش ليا.
بس وأنا ماشية… سؤال واحد كان بيرن في دماغي:
__لو كانت نور عرفِت… كانت هتعمِل إيه؟
____________
يوسف
حضرت نفسي قبل ما أخرج…
قلبي مليان فرحة وتوتر في نفس الوقت.
عارف إن مفيش أي مشاعر من ناحيتها دلوقتي…
بس قلبي بيقوللي… يمكن يوم تحس بحاجة.
جهزت واتجهت لشقتها.
نور كانت رجعت من المحاضرات… لابسة فستان رقيق، ووشها مليان قلق وخوف.
قلبي اتقبض شوية وأنا ببص لها…
حاولت أهدّيها بكلامي:
__متخافيش… كل حاجة هتبقى تمام.
هزت راسها بحذر… ومشيت قدامي.
ركبنا العربية… والطريق كله كان مليان صمت مش طبيعي.
حسيت بقلبها بينبض بسرعة… وكل خطوة كانت بتدي إحساس إن الخوف شايلها من جوة.
حاولت أطمنها… بس مفيش فايدة… مجرد نظرة قصيرة بينا كانت كفاية.
وصلنا تحت البيت…
خرجنا من العربية… نور ماشية وجسمها كله بيرتعش من التوتر والخوف.
وصلنا قدام الشقة…
خبطت أنا وهي… وورانا فتح لنا أخوها، مازن، وبص لنا من فوق لتحت.
الجو كله اتشحن فجأة…
وبدخولنا… قلبي كان مليان قلق وحذر.
قعدت جمبها…
نور كانت عيونها على الأرض، بتحاول تهدي نفسها… وكل جسدها مش قادر يثبت.
حسيت بحاجة قوية جوايا… الرغبة إني أحميها، وأخلي كل حاجة تمام.
قلت وأنا بحمحم:
__أنا جيت زي ما قولت.
طلعت من جيبي العلبة، وقلت بصوت ثابت وهادئ:
__هنتخطب… وهتجوزها أول ما أكون جاهز.
بصلي أبو نور شوية… ونبرة صوته كانت فيها سخرية:
__بس في اللي جاهز.
قلبي اتقلب… مش فاهم قصدهم.
رديت بعدم فهم وحيرة:
__يعني إيه؟
دخل مازن وقال بنبرة استهزاء:
__يعني في حد ناوي يخلص ويتجوزها على طول.
صوتي ارتفع بالغضب…
مش غضب على نور بس… لكن كمان على الطريقة اللي بيتعاملوا بيها
__إنت بتقول إيه يا يجدع؟
وقف مازن… وصوته كله تحدي وقال:
__يعني شرفتنا… نور مش هتتجوزك… هتتجوز واحد تاني!
اتصدمت…
قلبي اتقل… حسيت بغصة كبيرة في صدري.
بس حاولت أسيطر على نفسي…
بصيت لنور، وشفت عيونها مليانة خوف…!!
يتبعععع
في شخص هيظهر جديد
اقترحوا عليا اسم للشخص دا
أكتر اسم هيتكرر هو اللي هيبقى اسم الشخص♥️♥️#الم_بدون_صوت
البارت الخمستاشر
الاسم اللي اتكرر مرتين هو يونس
ف دا اللي هيبقى اسم الشخص الجديد
ومحدش يزعل لو الاسم اللي اقترحه متكتبش ي حبايبي♥️
لسه في شخصيات جديده هتظهر تانيه❤️
يوسف
ردّيت بصوت غاضب الغضب بيغلي جوا صدري لدرجة إن نفسي بقى تقيل:
__يعني إيه الكلام ده؟ هو اتفاق عيال ولا إيه؟.
مازن رد ببرود مستفز… برود مقصود، كأنه عايز يولعني أكتر:
__أه… هو ده اللي عندي.
كلامه دخل قلبي زي شرارة نار.
بس اللي وجعني أكتر…
إن نور كانت قاعدة، دموعها نازلة على خدها، ومش قادرة تنطق.
كانت منهارة… وحاسة إنها محاصرة.
بصيت لها لحظة…
رجعت بصيتلهم وأنا ماسك غضبي بالعافيه:
__مش إنتوا اللي تقرروا…
نور هي اللي ليها الحق تقرر مصيرها.
أبوها نقل نظره بيني وبينها وقال بحزم بارد:
__نور مش هتسمع كلام حد غير أبوها…
صح يا نور؟.
هي بصت في الأرض…
كتّفت صوابعها…
وكأن صوتها اتسحب جواها ومش راضي يطلع.
ما نطقتش.
اتحركت ناحيتها، قلبي بيخبط في صدري وأنا بقول:
__نور… تيجي معايا؟ ولا هتفضّلي معاهم؟.
رفعت عينيها ليا…
كان في دمعة نازلة وفي ارتباك وخوف…
وبعدين، من غير ولا كلمة…
قامت ومشيت بسرعة، ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها.
اتصدمت.
حتى نفسي وقف لحظة.
اختارتهم.
اختارت الناس اللي وجّعوها عمرها كله…
الناس اللي كانت سبب في كل اللي جابها للحظة دي.
مازن وأبوها كانوا واقفين،
نظرتهم مليانة سخرية… وكأنهم كسبوا الجولة.
بصيتلهم من غير ما أقول ولا كلمة…
وقمت ومشيت.
مشيت وأنا مش فاهم.
مشيت وأنا صدري مولّع.
مشيت وأنا حاسس إني اتغرست بخنجر مش غضب…
خنجر خيبة.
هي بتفكر إزاي؟
إزاي تختار الألم على أي فرصة إنقاذ؟
إزاي حد يفضل عند ناس بتأذيه… بدل ما يروح للي واقف جنبه؟
سقت العربية والغضب مالي ملامحي…
النار كانت طالعة من عيني حرفيًا.
كنت بتمنى…
بتمنى إن كل اللي حصل ده يبقى كابوس.
وإن أول ما أغمض عيني دقيقتين…
أصحى ألاقي الدنيا مش بالشكل ده.
ووصلت الشغل…
وأنا قلبي لسه في الشقة.
ولسه مش قادر أنسى شكل نور وهي بتهرب مني.
_______________
ساره
صحيت على صوت ماما…
كان صوتها مليان خوف حقيقي، خوف يوجع:
__ساره يا حبيبتي… فوقتي أخيرًا؟
فتحت عيني بصعوبة…
كل حاجة كانت مغبشة قدامي، وماما واقفة جنبي عينيها محمرة من القلق.
قومت بالعافية، وبصيت حواليّ…
لقيت نفسي في السرير، وفي إيدي محلول متعلق، وقلبي وقع من المنظر.
بصيت لماما بقلق وقلت:
__إيه اللي حصل؟
ردّت وهي بتحاول تخبي رعشة صوتها…
__لقيتك واقعة في أوضتك… ما بتحركيش.
أم محمد لما سمعتني بزّعق جت على طول، وكشفت عليكي…
قالتلي إن ضغطك كان واطي قوي وركّبت لك محلول.
عينيها كانت بتلّمع…
واضح إنها اتخضّت جدًا.
ابتسمت لها ابتسامة ضعيفة، ابتسامة مش من القلب قد ما هي محاولة تهديها:
__متقلقيش يا ماما… أنا كويسة.
بس الحقيقة…
قلبي كان بيخبط جامد وأنا فاكرة آخر لحظة قبل ما أوعى.
فاكرة إني كنت مضغوطة… كاتمة كل حاجة جوايا…
وفاكرة قد إيه دماغي كانت بتلف بسبب اللي حصل بين نور ويوسف.
وماما لسه واقفة قدامي…
نظرتها مش مصدقة إني "كويسة" زي ما بقول.
ومع كل ده…
أنا نفسي كنت عارفه إن من جوايا مش كويسه
سابتني وقالت إنها هتحضّر أكل عشان أتغدّى.
أول ما خرجت…
الإبتسامة اللي كنت حاطاها بالعافية بدت تقع من على وشي واحدة واحدة،
وكإن روحي كانت مستنّية اللحظة دي عشان تنهار.
حسّيت قلبي بينقبض…
الهدوء اللي في الأوضة كان صعب، صعب لدرجة إنه بيخنق.
دموعي بدأت تجمع في عنيّا من غير ما أرمش حتى،
وبعدين نزلوا مرة واحدة… سخنين… متلاحقين…
كإن حد فتح جرح قديم كنت فاكراه قفل.
مددت إيدي للفون بإيد مرتعشة،
وفتحته.
دخلت على الألبوم اللي مخبيه فيه صور يوسف…
الألبوم اللي مافتحهوش غير لما أكون على آخر حيلتي.
كل صورة كانت بتغيّر نبض قلبي،
تسرّعه… تبطّطه…
تفكرني قد إيه كنت شايلة حاجات جوايا ومقلتش عنها ولا كلمة.
حسّيت نفسي بتكسّر من جوا.
أصابعى كانت بتتزحلق من الدموع وأنا بقلب في الصور،
لحد ما مخي موصلش يتحمّل…
ورميت الموبايل بعيد، رمية يأس مش غضب.
غطّيت وشي بالبطانية بعفوية،
مش علشان أبطل عياط…
لأ… علشان صوتي يفضل جوايا وماما ما تحسّش حاجة.
كنت بحاول أفضل “قوية” حتى وأنا منهارة.
الدموع مبطّلتش…
كتفي بيتهز…
وصوت أنفاسي متقطع،
وجوايا ألف كلمة مش لاقية مخرج.
مش فاكرة عدّى قد إيه عليّ…
لكن في لحظة، التعب غلبني،
والدموع سخنت مخدتي،
وعنيا تقفلت لوحدها.
نمت…
يمكن هروب…
او يمكن لأن الوجع كان أكبر من طاقتي.
______________
نور
قعدت في أوضتي… جسمي كله كان بيتنفض،
ومخي مش راضي يثبت على فكرة واحدة.
أنا نفسي مش فاهمة… ليه مروحتش مع يوسف؟
ليه رجلي اتثبتت في الأرض؟
يمكن علشان رغم كل الوجع… لسه متعلقـة بالبيت.
متعلقة ببابا… حتى لو كل ذكرياتي معاه وجع فوق وجع.
بس المكان… ريحته… تفاصيله…
مرتبط بيّ بطريقة غريبة، مؤذية، بس موجودة.
وأقعد أكلم نفسي:
يمكن الجواز دا يغيّر حياتي…
يمكن الراجل اللي هتجوزه يكون كويس…
يمكن يطلع باب جديد للخلاص.
لكن أول ما عرفت هو مين…
الدنيا اسودّت قدّامي.
يونس؟
يونس جارنا اللي طول عمره كلامه تقيل وحركاته تخنق؟
يونس اللي كنت بتهرب من نظرته؟
يونس اللي عمري ما ارتحتله؟
الصدمه خلت صوتي يتهز وأنا بقول لمازن:
__يونس؟… أنا مش بطيقه يا مازن.
مازن شد إيدي بشدة… شدّة وجعتني قبل حتى ما تخضّني،
وقال بغِلّ:
__هتعملي إيه يعني؟ دا اللي وافق بعد الفضيحه دي.
سحبت إيدي منه بقوة،
حسّيت إني لو ما بعدتش هصرخ.
وقولتله وقلبي بيولّع:
__فضيحة إيه؟ أنا كنت في بيت سارة… صاحبتي!
لا روّحت لحد… ولا عملت حاجة غلط!.
بصلي بنظرة كلها إهانة… نظرة تقلّل من وجودي كله:
__آه… حلو السيناريو دا. بس تضحكي بيه على حد غيري.
وبمنتهى البرود كمل:
__يونس شافك وشاف الاستاذ لما كان بيجي الشقه ومعاه صور بالكلام دا.
هنا…
هنا قلبي وقع في الأرض.
استوعبت فجأة مين اللي قال لبابا ع مكاني يومها .
مين اللي كان بيراقبني ويقلب الحق باطل.
قلت بسرعة، وصوتي كان بيرتجف من الغضب:
__يوسف ضابط، وكان جاي يساعدني…
لما عرف اللي بيحصلي عند أبويا.
كان هيرفع بلاغ ضده !
ولو كنت وافقت كان زمان أبوك مرمي في السجن…
بس أنا اللي رفضت!.
مازن ضحك…
ضحكة جارحة، بتقطع الروح :
__فيلم هندي… برافو يا نور.
بصيتله بيأس…
عارفة إن مهما قلت،
مش هيسمع…
مش هيحاول حتى يفهم.
قلتله وأنا بترجّاه، مش ضعف… لكن وجع:
__ترضى بنتك يحصل فيها كدا؟
ترضى تتجوز واحد غصب عنها؟.
بصلي بنظرة…
كانت قاسية لدرجة إنها وجعتني أكتر من الكلام:
__بنتي؟ بنتي متربية…
مش زيّك.
الكلمة جرحتني…
مش لأنها جديدة…
لكن لأنها جت من حدّ…
كنت فاكرة إن في يوم من الأيام كان ممكن يبقى سند.
ردّيت بكل الغُلب اللي متخزن جوايا، وصوتي كان ثابت مليان وجع:
__وأنا لو آخر راجل في الدنيا… مش هتجوزه يا مازن.
أنا مش لعبة في إيد حد.
أنا بني آدمه… وليّا حق أختار حياتي وشريكها.
واللي مستحيل يكون يونس.
وقف لحظة، وبصلي بنظرة فيها تحدّي واضح، وكأنه متأكد إنه الأقوى… وقال بهدوء مستفز:
__هنشوف… كلام مين اللي هيمشي في الآخر.
________________
يوسف
وصلت الشغل…
بس ولا شغل في دماغي.
المكتب قدامي، الناس رايحه جاية،
وأنا… واقف، تايه،
عمال ألف في المكان كأني بدوّر على نفسي.
إيديا في شعري،
وعقلي بيعيد نفس الجملة:
**"ليه؟ ليه عملت كدا؟
ليه مجتش معايا؟
معقولة… تكون خايفة مني؟"**
الكلمة الأخيرة وجعتني…
حسيت بيها بتخبط جوّا صدري.
فريد كان قاعد على الكرسي…
مِسَنّد راسه على ضهر الكرسي وبيتابعني بنظرة زهقانة،
لحد ما نفَس جامد خرج منه وقال:
__ما انت لو بس تفهّمني…
إنت بتتكلم عن مين،
هساعدك.
بصّيت له…
وبصوت مخنوق ما بين غضب ووجع قلت:
__نور.
فريد رفع حاجبه وقال:
__نور مين؟
قعدت قدّامه وأنا مش عارف أبدأ منين…
مسكت إيديا ببعض، وبصوت مخنوق قولت:
__نور… بنت كنت رايح أتقدم لها.
عين فريد فتحت على الآخر:
__إيه دا؟ من إمتى وإنت داخل في حوارات جواز وازاي مقولتش ليا؟!
زفرت وقلت:
__الموضوع جه فجأة… بس هي كانت محتاجه حد يقف جنبها.
أبوها وأخوها عاملين عليها حصار…
وبيجبروها تتجوز واحد ماينفعش…
فريد قرب بكرسيه وقال:
__وهي بتحبك؟
هزّيت راسي:
__مش عارف…بس كل اللي اعرفه… انها كانت عايزه تهرب من اللي هي فيه، وأنا…
أنا كان نفسي أساعدها.
سكت شويه، وابتسامة صغيرة اتكوّنت على وشه وهو بيقول:
__طب فهمني بالتفصيل اي اللي حصل
نزلت نظري للأرض:
__روّحنا… باباها وأخوها قلبوا الدنيا.
قالولي إن في حد تاني جاهز يتجوزها فورًا.
وهي… سكتت.
صوتي اتكسر وأنا بكمل:
__سكتت يا فريد…
وقامت دخلت الأوضة…
وسابتني واقف زي الغريب.
فريد شهق بخفة:
__يعني اختارتهم؟.
غمضت عيني بقهر:
__معرفش… بس اللي شوفته بعنيا قال كده.
فريد مسك كوباية القهوة وقال بصوت هادي:
__واضح إن البنت مش بخير… ومش بتتصرف من عقلها يمكن متلغبطه.
بصيت له وأنا مش فاهم قلبي:
__أنا مش قادر أفهمها يا فريد…
مش قادر أفهم هي بتخاف منّي…
ولا منّهم…
ولا من الدنيا كلها.
_______________
ساره
وقفت وأنا ماسكة الموبايل بإيد مرتعشة…
القهر اللي في قلبي عامل دوشة جوا وداني، بس كان لازم أعرف.
كان لازم أسمع منه… حتى لو الكلام هقطعني نصين.
اتصلت…
والرنّة كانت بطيييئة… كل ثانية بتزود دقات قلبي واحدة.
لحد ما جه صوته…
هادئ… بس فيه حاجة مكسورة.
__أهلاً ساره…
بلعت ريقي وانا بحاول أثبّت صوتي:
__ها… نور عملت ايه؟ رُحتوا؟… الموضوع خلص؟
جوايا كنت بدعي…
بدعي إن الإجابة تكون لأ.
بدعي إن نور تفضل لسه… مش لحد.
صوته اتغير فجأة، غُصة واضحة فيه:
__لا… كل حاجة اتشقلبت يا ساره.
ساعتها قلبي وقع.
وقع وفرح… ووجع… واتلخبط بشكل بشع:
__إزاي يعني؟
سألت وأنا عارفة إني بخاف من الإجابة زي خوفي من ضياع نور.
وابتدى يحكي…
حكى اللي حصل عندهم…
حكى عن أبوها… ومازن… وصوت نور وهي ساكتة…
حكى ازاي قامت ودخلت الأوضة…
وسابته واقف لوحده.
وأنا كنت بسمع…
ودموعي بتنزل من غير ما أحس.
مش علشانه…
ولا علشان الكلام.
علشان نور.
نور اللي هتترمي في حضن واحد متعرفوش…
نور اللي كل يوم بتتوجع في بيت محدش شايف فيه إنها إنسانة.
نور اللي أنا مش قادرة أعمل لها حاجة… غير إني أدعي.
وسط دموعي…
وسط الوجع اللي مالي قلبي عليها…
كان فيه نغزة صغيرة جوايا…
نغزة خوف وفرح في نفس اللحظة إن يوسف… لسه مش ليها.
مسحت دموعي بسرعة…
وفضلت ساكتة ثواني قبل ما أقول بصوت مكسور:
__يوسف… أنا خايفة عليها أوي.
سكتّ لحظة…
كأن الكلام وقف في حلقه، لحد ما صوته رجع يكسر الصمت بتنهيدة تقيلة…
تنهيدة كلها تعب وخوف وحرقة:
__مش أكتر مني يا ساره
قالها بصوت واطي، بس مليان وجع…
وجع راجل كان نفسه يحمي حد ومقدّرش.
حسّيت قلبي بينكمش أكتر.
أنا عارفاه… يوسف مش من النوع اللي ينهزم بسهولة.
بس المره دي…
كان باين عليه مكسور.
وبعد لحظة سمعته بيكمل:
__اتصلي بيها يا ساره… هي أكيد محتاجالك دلوقتي.
كلامه دخل قلبي زي سهم.
عارفة إنه صح…
نور دلوقتي لوحدها، مرعوبة، مش لاقية حد يسندها.
ومهما حاولت أدفن خوف في قلبي عليها…
هو بيكبر.
مسكت الموبايل بإيد بتترعش…
وبصوت مخنوق قولتله:
__هتصل… أكيد هتصل. ومش هسيبها لوحدها.
وقفلنا…
وأنا قلبي بيدق بسرعة… ودموعي محبوسة بالعافية.
اتصلت بيها وانا مستنيه ع أعصابي ترد.
ردّت… وصوتها كان مرعووش وهي بتنطق اسمي:
__ساره…
جسمي كلّه اتشل لحظه.
قولت بقلق وخوف:
__نور… اي اللي حصل؟ وليه عملتي كده؟
سمعتها بتنهار وبتقول وسط بكاها:
__عايزين يجوزوني يونس يا ساره… يونس!!
إيدي اتجمدت على التليفون، وقلبي وقع ف رجلي.
طلعت الكلمة مني متلخبطة:
__يونس مين…؟
قالت وهي بتقاوم البكا:
__يونس اللي حكيتلك عليه… الواد الملزق اللي كان بيضايقني ف كل حتة!
حطيت إيدي على راسي، ووشي سخن من الصدمة.
قد إيه كانت بتكرهه… وقد إيه كانت بتقرف منه.
ردّيت بوجع وغيظ:
__ليه يا نور؟ ليه مردتيش تروحي مع يوسف؟ ليه اخترتي تفضّلي تحت رحمتهم؟
جاء صوتها مكسور، متقطع:
__كنت فاكرة اللي هتجوزه دا يمكن يساعدني… يمكن يطلع حد كويس…
بس لما عرفت إنه يونس… فهمت إنه وجع جديد.
وبعدين قالت الكلمة اللي جرحت قلبي:
__ساره… ساعديني… أنا مش عايزة… مش عايزة أتجوزه.
قولتلها وأنا بحاول أهديها، صوتي هادي بس باين فيه القلق:
__متخافيش… أنا في ضهرك. أنا ويوسف مش هنسيبك، وهنساعدك تخرجي من اللي انتي فيه.
سمعت نفسها وهي بتتنفس بسرعة، وصوتها كان متقطع:
__هتعملوا… إيه؟.
تنهدت وأنا بحاول أطمنها أكتر:
__إحنا هنتصرف. المهم… أول ما أتصل بيكي في أي وقت، تردي عليا على طول. عشان نكسب وقت… تمام؟.
ردّت وهي صوتها متلخبط و مش فاهمة حاجة:
__تمام…
_______________
نور
قفلت مع سارة، وفضلت واقفة مكان ما أنا… حاسة إني تايهة.
الدنيا عاملة زي دوّامة… كل ما أحاول أتنفّس، ترجع تلف بيا أقوى.
كان نفسي للحظة واحدة بس أحسّ إني عايشة في أمان، من غير خوف… من غير حد يفرض عليا حياتي.
وف وسط تفكيري…
دخل بابا عليّا.
ملامحه كانت قاسية بطريقة وجعت قلبي قبل ما توجعني أنا.
قال بصوت عالي ومليان غضب:
__بقى انتي تقولي لأخوك إنك مش هتتجوزي يونس؟
بلعت ريقي، وحاولت أثبّت صوتي:
__عشان… عشان أنا مش بحبه.
قرب مني… وصوته اتغيّر:
__مش بتحبيه؟ بتحبي يوسف، صح؟
هزّيت راسي بسرعة… حاولت أوصلله إني مش قصدي حاجة، إني مخنوقة مش أكتر.
بس هو مكانش سامع… كان شايف اللي في دماغه بس.
قرب مني
بدأ يضربني جامد
جسمي كله بيتكسر بين ايده
زي ما يكون الحِمل اللي عليّا زاد فجأة…
زي ما يكون الدنيا كلها اتحولت لضغط واحد…
وهو كل اللي بيقوله بكلمة واحدة وسط ضربه ليا قصرت الدنيا كلها:
__هتتجوزيه… غصب عنك.
حسّيت روحي بتتسحب مني…
الكلمة اللي قالها كانت تقيلة لدرجة خلت الأرض تهتز تحتيا.
خرج من الأوضة وهو سايبني منهارة على الأرض،
مش قادرة أستوعب اللي بيحصل…
الجوايا كان وجع أكبر من أي وجع في جسمي.
نفَسي كان متلخبط،
وقلبي بيدق بسرعة كأني بهرب من شيء مش شايفاه.
اتجمّعت على نفسي بالعافية،
وقومت بخطوات مهزوزة
نمت على السرير بهدوء، كأني بدور على أي زاوية أستخبى فيها من الدنيا.
وشي كان محمّر من كتر البكا،
والدموع نازلة من غير توقف…
مش عشان ضعيفة،
عشان مخنوقة… ومقفولة عليا كل الأبواب.
ومع كل ده…
كان في حاجة واحدة ماسكاني،
حاجة صغيرة بس قوية…
وعد سارة.
وعدها إنها مش هتسيبني،
وإنها هتساعدني أطلع من السجن اللي أنا فيه.
المره الجايه هنعرف إزاي هينقذوا نور من اللي هي فيه
في شخص هيظهر قريب ف اقترحوا اسم ليه زي المره اللي فاتت♥️#الم_بدون_صوت
البارت الستاشر
ساره
قفلت مع نور
وما إن سمعت صوت المكالمة بيقفِل
حسّيت قلبي بينزل لتحت…
كنت مرعوبه عليها، صوتها كان بيرجف لدرجة خلّت جسمي أنا شخصيًا يترعش.
ما استنتش ثواني…
على طول رجعت اتصل بيـــوسف.
وهو ردّ أول ما الموبايل رن،
صوته كان متوتر وبيسأل قبل حتى ما أتكلم:
__نور كويسة؟
بلعت ريقي وبدأت أحكي…
حكيتله كل كلمة قالتها
وإنها منهارة ومش عايزة تتجوز
وإن أهلها مستعجلين جدًا،
وإنّي وعدتها إن إحنا مش هانسيبها.
كنت بتكلم بسرعة من كتر القلق،
وصوتي كان بيتهز،
وحسّيت إني محتاجة حد يشيل معايا الهم دا.
رد يوسف بعد سكوت بسيط
وصوته كان ثابت بس باين عليه التوتر:
__مش هينفع نتكلم في التليفون…
أنا جايلِك دلوقتي.
لازم نقعد ونعرف هنعمل إيه.
أول ما خلّص جملته…
قفل.
وقفت بالموبايل في إيدي وأنا حاسة الدنيا بتلّف.
قعدت أستناه__
أستناه ييجي ونفهم
إزاي هننقذ نور قبل ما يفرضوا عليها جواز غصب.
_____________
يوسف
لبست جاكت الشغل على السريع،
وأنا قلبي بيدق أسرع من خطواتي…
كنت حرفيًا هطير لحد العربية.
فريد قام من على الكرسي، صوته كان مليان قلق وهو بيقول:
__رايح فين كدا ومستعجل؟
مسكت مفتاح العربية من الترابيزة وأنا برد بسرعة:
__البنت اللي حكيتلك عنها… نور…
محتاجاني. واقعه في مشكله .
وقبل ما ألحق أفتح الباب،
سمعته ورايا بيقول بنبرة ما بين الجد والهزار:
__استنى… أنا هاجي معاك.
مش هسيبك تروح لوحدك.
بس أنا موقفتش.
نزلت أجري على العربية،
وأول ما فتحت الباب… لقيته ورايا بيجري هو كمان!
ركب الكرسي اللي جنبي وهو بيلقط أنفاسه.
بصيتله بغيظ خفيف ممزوج بتوتر، وقلت:
__إيه يا ابني اللي جابك!
خليك، عندك شغل.
رد عليا وهو قاعد بيربط الحزام،
عامل نفسه هادي بس عينه بتقول إنه قلقان:
__لأ… رجلي على رجلك.
وبصراحة… محتاج شوية سسبنس في حياتي.
غمضت عيني ثواني من التوتر…
وبعدين ضحكة طلعت غصب عني.
ضحكة خفّفت اللي في قلبي لحظة واحدة.
دورت العربية،
والدنيا كانت بتنور قدامي بنور الشارع على قد ما كانت بتعتم جوا دماغي.
ضغطت بنزين…
وأنا سايق، بدأت أحكيله فوَري كدا كل اللي حصل…
من أول ما رحت لبيت نور لحد ما عرفت إنهم عايزين يجوزوها بالعافية.
فريد سكت ثواني وبصلي بقلق وقال:
__طيب ان شاء الله هتلحقها قبل م يجوزوها .....
هزّيت راسي، ودست بنزين أكتر.
العربية جريت قدّام…
وأنا كل تفكيري في نور وخوفي نوصل متأخر.
بعد وقت…
وقت عدى عليّا كإنه سنة كاملة، وأعصابي كانت مشدودة على الآخر.
وأخيرًا وصلنا لبيت مرات عمي.
خبطت على الباب، فتحتلي ساره بسرعة… شكلها كان باين عليه إنها مرعوبة على نور.
دخلتني، وفريد ورايا.
قعدنا في الصالة، ومرات عمي رحبت بينا بحنان وقالت:
__اقعدوا يا ولاد، هعملكوا حاجة تشربوها.
وراحت على المطبخ.
كنت قاعد قدّام ساره وفريد…
بس دماغي كلها عند نور اللي مش معانا، ومحبوسة في بيت مليان تهديد.
ساره رفعت عينيها وقالت بصوت قلِق:
__يوسف… ها، إيه الخطة؟ لازم نلحقها قبل ما يجبرُوها على الجواز.
فريد—كالعادة—قرر يعمل نفسه مركز الكون وهو مقطع تفاحة:
__اسأليني أنا الأول… أنا بتاع الخطط.
قالها وهو رافع التفاحة كإنها ميكروفون.
ساره بصّتله بنفَس مخنوق:
_إنت اخرس.
وبصتلي وقالت:
__يوسف… قول.
اتنفست بعمق…
وحسيت بثقل القرار قبل ما أنطق.
قلت:
__بصّوا… احنا هنتفق مع نور إنها تجهّز نفسها في هدوء.
وتستنى لحد ما كله ينام.
أول ما تدينا الإشارة… نيجي ونخرجها.
ساره قفشت الكلام بسرعة:
__طب وبعد كده؟
أبوها ممكن يوصلها عادي زي م وصلها وهي عندي وساعتها هياخدها ويقفل عليها ومش هنعرف نعمل حاجه.
الكلمة ضربتني…
بس كانت صح.
اتنهّدت… واستجمعت كل الشجاعة اللي جوايا.
وبصوت واضح مالوش تراجع قلت:
__مفيش غير حل واحد.
ساره وفريد ركّزوا عليّا بنفس الوقت.
وقولت:
__إني… اتجوزها.
ساره اتسعت عينيها فجأة، وفريد وقع التفاحة من إيده.
وبصوت واحد، بنفس الصدمة:
__نــعـــم؟!
_________________
ساره
الكلمة اللي قالها يوسف وقفت في حلقي.
بعد ما فشلت خطوبتهم، وبعد ما عرفنا إنهم مش هيبقوا مع بعض…
دلوقتي ييجي يقولي: "اتجوزها"؟!
دا… دا اتجنن خااالص!
رديت عليه بصوت فيه غضب متحكّم:
__هو إيه دا… لا طبعا!
بصّلي فريد وضيق عينيه، وقال:
__وانتِ مالك اتضايقتي كدا ليه؟
حمحمت وأنا بحاول أخفي كل المشاعر اللي جوايا…
وقولت بصوت منخفض لكن فيه ألم:
__ا… أكيد يعني نور مش هتقبل بكده.
يوسف بص عليا بجدّية وقال:
__معندناش حل غير دا.
لما اتجوزتها… ساعتها، حتى لو أبوها حاول يوصلها، مش هيقدر يجبرها تتجوز غصب لانها هتكون ع ذمتي.
وهي أكيد لما تعرف إن دا الحل الوحيد… هتوافق عليه.
قلبي اتجمد، دموعي قريبة تنزل، وأنا حاسة كل حاجة جوايا بتتمزق…
مقدرتش أنطق ولا اعترض، ولما لاحظ إن في حاجة غلط، قولت له بصوت هادي:
__خلاص… مدام دا الحل الوحيد، ف هنعمله.
هزّ راسه وابتسم ......
هو مكنش يعرف الوجع الحقيقي اللي كان بيعضّ قلبي ساعتها.
وفعلاً…
فريد جاب المأذون.
ويوسف خرج يجهّز العربية.
وأنا مسكت الموبايل واتصلت بيها.
ردّت بصوت مليان قلق:
__يعني إيه؟ همشي؟ ومش هرجع هنا تاني؟
قولتلها بنفاد صبر:
__أمال هتفضلي هناك؟ هتفضلي في الوجع دا؟! هتتجوزي واحد مش بتحبيه؟
سمعت تنفستها الطويلة… حسّيت إنها استسلمت، واقتنعت.
قفلت عشان تجهّز شنطتها.
وأنا…
وقفت شوية في الصمت.
كل اللي في دماغي كان مشهد واحد…
المفاجأة اللي مستنياها أول ما ناخدها .....
واللي هتكسّرني من جوّا ......
____________
نور
جهّزت شنطتي.
كل حاجة كانت بتتحرك جوايا بسرعة… خصوصًا بعد ما عرفوني إن يونس هييجي بكرة يتقدّم لي.
وأنا؟
أنا دلوقتي باهرب.
مش عارفة جالي الجُرأة دي منين،
ولا حتى متخيّلة إني فعلاً هعملها،
بس كل اللي كنت متأكدة منه…
إنّي مش هفضل يوم واحد كمان في السجن اللي محبوسة فيه.
الساعة كانت اتنين بليل،
والبيت كله نايم.
بابا لسه مرجعش.
لكن اللي كان مقلقني بجد… هو مازن.
كان بايت عندنا،
مع إنه المفروض يبقى مع مراته وبنته…
بس لأ، قرّر يبات النهارده هنا بالتحديد.
وده كان مقلقني جدًا…
لأن لو صحي في أي لحظة وشافني وأنا بخرج…
مش هيرحمني!.....
الوقت عدى ببطئ لغايه
م ساره اتصلت بيا .....
عشان انزل
كان قلبي بيدق
ووشي شاحب
كأني بعمل جريمه !.....
نزلت وكانوا واقفين بالعربيه ع اخر الشارع
عشان صوت العربيه ومحدش يحس بيهم
مشيت وانا بجر الشنطه اللي كانت تقيله نوعا ما....
لغايه م ظهر ف وشي يونس!
عيوني وسعت واتخضيت ....
وهو بيقولي بسخريه:
__رايحه ع فين ي حلوه؟
رديت عليه بوجع وقهر:
__انت دمرتلي حياتي ......
انت غبي وبوظت كل حاجه بسبب خيالك المريض, .....عايز اي مني تاني؟
رد عليا بهدوء وهو بيحاول يبرر اللي عمله:
__ انا عملت كل دا عشان بحبك ومش عايز تكوني لحد غيري ....
رديت عليه وأنا متأكده انه بني آدم مش طبيعي:
__ مريض ......والله مريض
رد عليا يونس وهو بيقول بوجع مصدقتوش:
__مريض عشان بحبك؟
رديت عليه بغضب وأنا بقول:
__هو دا حب؟ انك تبوظ سمعتي قدام اهلي دا حب؟ .....
انك تقول كلام محصلش لمجرد إني مكونش لغيرك دا حب؟، .....يؤسفني اقولك يا يونس ان دا مش حب دا انانيه ومرض .....
الكلام دخل جواه،
وشه اتغيّر…
مدّ إيده فجأة ومسكني بعنف:
— مش هتروحي في حتة.
كنت واقفة مصدومة…
اتسمرت مكاني.
نفَسي اتقطع.
وفجأة…
إيده اتفلتت.
حد شدّه بعيد عني بعنف.
يوسف!
كان وشه مليان غضب…
واضح إنه قلق لما اتأخرت وجري على طول.
وورا يوسف كان واقف شاب تاني…
أول مرة أشوفه.
بس عرفت مين لما يوسف صرخ:
— خدها يا فريد على العربية!
هزّ فريد راسه،
وقالي أجري.
جريت وراه وهو ماشي قدامي بسرعة،
لحد ما وصلنا للعربية،
وإيدي كانت بتترعش…
بس وصلت.
دخلت للعربية ولقيت سارة قاعدة، عيونها مليانة دموع، وشكلها كانت خلاص على وشك الانهيار.
اقترّبت منها وضمّنتها بصوت هادي:
— متخافيش… أنا بخير.
بصيت لفريد اللي كان قاعد عليه علامات القلق واضحة، وسألته بصوت متوتر:
— يوسف؟ هيجي امتى؟
بص ف ساعته وقال:
— المفروض دلوقتي… قبل ما حد يلاحظ أي حاجة غريبة.
مرت لحظات كأنها سنين…
وفجأة، شفت يوسف جاي.
وشه مضروب، وملامحه كلها غضب وتوتر.
كان واضح إنه اتخانق جامد مع يونس…
واللي شفته خلّى قلبي يدق بسرعة… بين خوف وفرحة إنه وصل بالسلامة.
ركبت العربية بسرعة، وسمعت يوسف بيصرخ:
— يلا… سوق بسرعة يا فريد!
كنت شايفة مازن ويونس ورا العربية…
صدمتي كانت كبيرة…
مازن عرف إني هربت!
قلبي بدأ يدق جامد،
كنت حاسة إنه هيتوقف من كتر الخوف والضغط اللي جوّايا.
سارة ماسكة إيدي، وبتحاول تطمّني، بطبطب عليا بخفة:
— كل حاجة هتبقى تمام… متخافيش.
بس كل اللي كنت حاسة بيه…
خوف، توتر، وصدمة…
وعارفه إنهم ممكن يلحقونا أي لحظة.
وبالفعل… العربية اتحركت بسرعة.
سمعت صراخ مازن من ورا:
— والله مش هرحمك يا نور!
غمّضت عيني جامد، ودموعي نزلت بحرق…
قلبي كان بيدق بسرعة مش طبيعية،
وإحساسي بالضغط والخوف كان واخد كل جسمي.
سارة كانت لسه ماسكة إيدي، بتحاول تطمّني، بس أنا كنت غارقة في الخوف…
حاسّة إني على حافة الانهيار، وكل ثانية بعيدة عنهم كانت بتعدّي ببطء لا يُحتمل.
وغمرتني لحظة غريبة…
لأول مرة من سنين حاسّة إني حرة!
حاسّة بالهواء حواليا، بالليل حوالي، وبكل خطوة بعيدة عنهم…
قلبِي بدأ يهدأ شويه، رغم إن أثر الرعب لسه موجود،
بس… دلوقتي، أنا ملك نفسي، وما حدش يقدر يسيطر عليا تاني.
البارت السبعتاشر
نور
وصلنا تحت الشقّة، وقلبي كان بيخبط بشكل مش طبيعي.
أنا نفسي مكنتش عارفة هعمل إيه بعد كده… يوسف طول عمره هو اللي بيدفع الإيجار، دايمًا يقول "ده شغلي"، وأنا كنت سايبة الموضوع يعدّي.
بس دلوقتي؟
لأ… أنا خلاص بقيت في أمان، ومش هسيبه يفضّل يدفع ولا يفضل ماسك عليّ حاجة.
نزلت من العربية، وسارة نزلت معايا.
كنت ماشيه ودماغي فاضية… مش عارفة إحنا رايحين على فين، ولا المفروض نعمل إيه.
كل خطوة كنت باخدها كان إحساس جوايا بيعلى… إحساس إن في حاجة مش طبيعية.
طلعنا فوق، وأنا حاسة إن في غلط… غلط كبير.
وبمجرد ما الباب اتفتح…
دخلوني شقّة يوسف.
ولقيت المأذون قاعد!
وقفِت مكاني… حرفيًا اتجمّدت.
رجليّا بقت تلخبط في الأرض وأنا ببص على الشقّة…
دي شقّة يوسف…
وساره ماسكه إيدي ومش عارفه تبصلي في عيني.
والمأذون؟
قاعد… قدّامنا…
والورق مفتوح…
والجو كأن في حد شد الهوا من المكان.
اتسعت عيوني وقلبي بدأ يخبّط في صدري جامد،
إحساس غريب بين الخوف والصدمة…
وبصوت شبه مكسور خرج مني:
— إيه… إيه اللي بيحصل؟
بصلي يوسف بثبات…
ثبات غريب وسط كل اللي حصل،
ووشه لسه متضروب ومجروح من خناقته مع يونس…
بس عيونه كانت واضحة…
كان بيحاول يطمنّي من غير ما يتكلم كتير.
قرب خطوتين وقال بهدوء:
— نور… دا الحل الوحيد إنك تبقي في أمان.
لو اتجوزتك… باباكي ملهوش سلطان عليك.
ومحدش يقدر يجبرك تعملي حاجة.
حسّيت صدري بيضيق…
مش من خوف…
من ثِقَل اللحظة.
ساره كانت واقفة جنبي،
بودانها محمرّة وملامحها مش مفهومة،
وكإنها بتحارب جواها حاجة مش قادرة تقولها.
بصيت لهم كلهم…
ولوهلة حسّيت إني بين نارين:
نار أهلي…
ونار القرار…
بس صوتي خرج واهزاهز وأنا بقول:
— طب… طب وهعمل إيه بعد كده؟
يوسف ردّ من غير ما يدوّر:
— هتبقي بأمان… والباقي هنتصرف فيه سوا.
ولأول مرة حسّيت إن حياتي بتتشقلب…
بس مش بسبب خوف…
المرة دي بسبب خطوة مصيرية…
مفيهاش رجوع.
وقفت… جسمي اتجمد.
عينيا لفت على المأذون… وعلى يوسف… وعلى سارة اللي كانت بتبصلي وعيونها بتقول كلام كتير...
حسيت الدنيا بتلف.
أنا خرجت من السجن اللي كنت فيه… بس واضح إن مفيش حرية بجد.
واضح إن أي قرار في حياتي لازم يبقى هروب… مش اختيار.
وقفت ثواني، قلبي بيخبط في صدري…
فكرت:
لو رجعت… مازن هيقتلني.
ولو مشيت… مش هيبقى عندي مكان.
ولو رفضت… مش هعرف أعيش يوم واحد برا من غير ما يلاقوني.
مكنش قدامي غير طريق واحد… حتى لو مش طريقي.
بلعت ريقي بصعوبة، وإيديا بتترعش…
وبصوت واطي قوي قولت:
__…تمام.
كلمة واحدة… بس حسيت كأنها كانت بتسحب جزء من روحي.
أنا ماكنتش موافقة… أنا كنت مضطرة.
بس ساعات المضطر بيعمل اللي يقدر يحافظ بيه على نفسه… حتى لو هيدفع تمنه بعدين.
المأذون بدأ يفتح الورق… وأنا واقفة مش مصدقة إني هنا.
مكنتش قادرة أعمل حاجة…
ودموعي كانت بتنزل لوحدها،
مش خوف…
قد ما هو إحساس إن حياتي اتشقلبت في يوم واحد،
وإن الخيار الوحيد اللي قدامي دلوقتي… هو إني أكمل.
المأذون بصلي بقلق، وقال بصوت ابوي كد:
__انتي موافقة يا بنتي؟.
حسيت الكلمة تقيلة…
مش عشان مش عايزة،
لكن عشان الطريق دا هو الوحيد اللي يطلعني من اللي كنت فيه.
أنا اللي اخترت أهرب…
وأنا اللي وصلت لحد هنا…
وأنا اللي واقفة دلوقتي قدام قرار لازم يتاخد.
قبل ما أتكلم، فريد ضحك ضحكة خفيفة وقال:
__دي بتعيط من الفرحه بس يا شيخنا… عروسه بقى
مكنتش قادرة حتى أرد عليه…
دموعي كانت مشهد قدام الكل، بس جوايا كنت عارفة الحقيقة:
أنا موافقة…
لإني لو رجعت ورا هضيع.
ولأن الطريق دا، مهما كان مخيف…
أرحم مليون مرة من اللي كنت فيه.
المأذون رفع إيده، وصوته كان ثابت:
__بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
الكلمة خبطت في قلبي…
إحساس إن خطوة اتاخدت خلاص.
إن حياتي القديمة قفلت…
وبدأت صفحة جديدة، حتى لو لسه مش عارفة هتبقى شكلها إيه.
يوسف بصلي…
نظرة فيها قلق،
وفيها وعد…
ويمكن خوف أكتر مني.
وأنا…
وقفت ساكتة،
ودموعي بتحكي عن اللي حاسه بيه ...
بعد ما المأذون قام،
ولف أوراقه بهدوء،
وقال "مبروك" ومشي…
وبعدين فريد قال إنه هينزل يوصل سارة…
فضلت واقفة في نص الصالة،
شايلة شنطتي…
والشقة كلها حسّيتها كبيرة أوي عليا فجأة.
الباب قفل،
وصوت القفلة كان عامل زي نقطة رجوع اتقفلت ورايا.
اتنفست…
ولا حتى عارفة النفس طالع ولا نازل.
يوسف كان واقف مش بعيد…
مش بيتحرك،
ولا حتى بيقرب.
كأنه هو كمان مش فاهم المفروض يعمل اي.
لما بصيتله،
لقيت وشه مشوش…
مش فرحان…
ومش مضايق…
بس فيه نظرة غريبة،
نظرة حد شايل مسؤولية تقيلة مش كان مخطط لها.
مسح على جبينه بإيده وقال بصوت واطي جدًا:
__نور… انتي تعبانة؟
كنت عايزة أرد…
بس مكنتش قادرة ألاقِي كلمة مناسبة.
ولا حتى حجة أقولها.
أنا فعليًا مرهقة…
مرعوبة…
ومش مستوعبة لسه اللي حصل.
فقط قلت همس:
__أنا… مش مصدقة اللي حصل.
هز راسه بلُطف…
وجاب كرسي وقعد قدامي مش قريب…
ومش بعيد…
مجرد مسافة آمنة.
وقال:
__بصي… أنا عارف إن اللي حصل كتير.
ومش هضغط عليكي ولا هقول كلام كبير.
انتي هنا دلوقتي… أمان.
ده أهم حاجة.
والباقي… هنفكر فيه براحتنا.
الكلمة الأخيرة لمست قلبي…
“براحتنا”.
يمكن لأول مرة حد يقوللي إن عندي "راحة".
غمضت عيني ثانية واحدة…
وحسّيت دمعة نزلت،
مش دمعة خوف…
دمعة إن الضغط اللي كان خنقاني طول عمري
اتفتح منه جزء صغير.
يوسف وقف،
وبصوت خافت قال:
__لو عايزة تنامي… الأوضة دي ليكي.
وحطي شنطتك… وأنا هسيبك ترتاحي.
وبص للباب…
واضح أنه ناوي يخرج من الأوضة ويسيبلي مساحتي.
وأنا،
لأول مرة،
حسّيت إن اللي قدامي مش مجرد “حل”،
ده بني آدم…
فاهم…
ومش مستعجل…
وكأنه هو كمان تايه في نفس الدوامة اللي أنا فيها.
(الشقه التانيه الإيجار اللي المفروض نور كانت هتقعد فيها.... بعد اما العقد اللي كانت مدته شهر تقريب خلص
المؤجر رفض يجدده عشان في حد هيأجر ومستعد يدفع اكتر)
______________
يوسف
خرجت من الأوضة وأنا بتنهد، حاسس بثقل على قلبي. في الأول كنت فرحان إني هتجوز نور، لكن لما شوفت دموعها… ولحظتها حسيت إن الفرحة اختفت، والقهر مكانها.
كنت حاسس بالوجع جوايا، بالذات إني عارف انها مجبرة على القرار دا…
اتنهدت تاني، ودخلت الأوضة التانية، فردت جسمي على السرير من تعب اليوم، وحاولت أهدّي نفسي وأمسك أعصابي، بس إحساس الظلم اللي عليها كان ماسكني جامد.
________________
ساره
كنت قاعدة جنب فريد في العربية، والدنيا حواليّا ساكتة بس قلبي كان عامل دوشة لوحده.
ببص من الشباك، بحاول أتحجّج بأي منظر عشان أمسك دموعي…
بس دمعه خانتني ونزلت، مسحتها بسرعة وبصيت لفريد ......
اتنفست براحة لما لقيته مش واخد باله.
رجعت أبص للطريق تاني لحد ما صوته قطع عليّ اللحظة:
– بتحبيه؟
اتجمدت، قلبي دق جامد، وحاولت أتصنّع الغباء:
– مين دا؟
ضحك ضحكة خفيفة كأنه اصطادني:
– يوسف… نظراتك كانت بتقول كده.
اتوترت… حسيت إن الأرض بتسحب من تحت رجلي.
قلت بسرعة وأنا بحاول أثبت صوتي:
– يوسف زي أخويا.
فريد بصلي كأنه بيقول “انسي”، ورد:
– لو زي أخوكي… كنتي هتعيّطي ليه لما اتجوز؟
وبالمرة… أه، شوفت دمعتك.
وانتي بتبصي عليّا عشان تتأكدي شفتها ولا لأ؟
شفتها.
قلبي وقع.
اتوتّرت أكتر، بدأت ألفّ في إيديا وأنا بدوّر على أي مخرج، أي رد، أي حاجة تنقذني.
لكنه فجأة قالها بهدوء غريب… هدوء بيكشفني أكتر:
– على فكرة… مش عيب إننا نحب.
الكلمة جرحتني…
لأن العيب مش الحب.
العيب إن اللي بتحبيه… اختار حد تاني.
حسّيت الكلمة بتطلع من قلبي مش من لساني…
ولما قلتها، دموعي نزلت من تاني من غير إذن.
قلت بصوت مكسور، ضعيف، كأن كل اللي مخبيّاه وقع فجأة:
__ إحساس إنك تحبّ حد… وهو مش شايفك أصلاً…
إحساس وحش قوي.
وصوتي اتخنق آخر الجملة كأني باعتذر إني اعترفت.
فريد بصلي ساعتها، وبصراحة…
مبقاش فيّ قوة أبصّ له.
أنا كنت بتكلم عن يوسف،
بس وجع الاعتراف نفسه كان أكبر من وجع الحب.
_______________
نور
فضلت أتقلب لساعات طويلة
مش قادرة أنام
البيت جديد عليّا
واللي حصل في يوم واحد كان أكبر من طاقتي
قمت من على السرير
لبست طرحتـي بسرعة
وخرجت عشان أشرب حاجة تهديني
فتحت التلاجة وطلعت ميّة
وبمجرد ما قفلت الباب ولفّيت…
اتجمدت في مكاني!
يوسف كان واقف قدامي فجأة
قريب… وقريب قوي لدرجة حسيت بدقات قلبي بتعلى
اتخضّيت
عينه كانت نص مقفولة
وبوشه ملامح مش مفهومة
مش شكل حد صاحي… ولا نايم
رجعت خطوة لورا من الخضة، والكوباية اللي في إيدي كانت هتقع.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا بقول بخوف مكتوم:
– يوسف…؟
ما ردش.
كان واقف ثابت، وعينه نص مفتوحة كأنه شايف ومش شايف في نفس الوقت.
مد إيده قدّامه كأنه بيدوّر على حاجة، وصوته طلع واطي ومتهدّج:
– إنتي… هنا؟
اتصدمت أكتر.
دا مش صوت حد صاحي… دا حد مش واعي خالص.
قرب خطوة…
وأنا اتحبست في مكاني.
– يوسف؟ انت كويس؟
بصلي بنظرة تايهة، وبعدها فجأة قال:
– إنتي… ماتروحيش…
الكلمة كانت خارجة منه ببطء، بنبرة حد نايم وبيحلم.
قلتلــه بسرعة، وقلبي بيرتعش:
– أنا مش رايحة مكان… اقعد بس، شكلك مش صاحي.
قعد على أقرب كرسي كأنه وقع مش قعد…
ومال راسه لجنب.
وهنا فهمت…
هو كان بيمشي وهو نايم.
وقفت جنبه متجمدة، مش عارفة أعمل إيه…
أسيبه؟
ولا أصحيه؟
ولا أنادي حد؟
وقفت لحظة مترددة… وبعدين قررت أهوّزه عشان أصحيه.
– يوسف… يوسف… اصحى.
هزّيته شوية.
وفجأة فتح عينه بالكامل واتنفض كأنه فاق من كابوس.
بصلي ثواني…
وبعدين لقى نفسه واقف في نص الصالة.
– أنا… إزاي جيت هنا؟
ضحكت غصب عني:
– أنا نفسي مش عارفة.
رفع حاجبه وسألني بنص ابتسامه:
– وبتضحكي على إيه؟
اتكسفت، عدلت حجابي ، وقلت:
– ولا حاجة.
لمحت الكدمات اللي كانت باينة أكتر تحت نور الصالة…
علامات ضرب واضحة.
قلبي وجعني من المنظر.
سألت بسرعة:
– عندك شنطة إسعافات؟
رد ببساطة:
– أه… في الدرج اللي في أوضتك.
دخلت أوضتي بهدوء… فتحت الدرج وطلّعت شنطة الإسعافات.
قلبي كان بيدق وانا راجعة… مش عارفة ده من الخضة ولا من اللي حصل ولا منه هو.
لما رجعت لقّيته واقف في نفس مكانه…
تعبان… ووشه باين عليه الوجع بس بيحاول يخبيه.
قربت خطوة…
وهو بَصلي، النظرة اللي فيها كل حاجة ومفيهاش ولا كلمة.
مددت إيدي بالشنطة وقولت:
— اقعد… خليني أعالجها.
اتردد لحظة…
وبعدين قال بصوت واطي:
— مش لازم… أنا كويس.
قربت أكتر، المسافة بقت قليلة…
وبصوت ثابت قولت:
— يوسف… لو كنت كويس مكنش وشك هيبقى كدا
سكت.
وبعدين جلس على الكرسي اللي وراه، وأنا وقفت قدّامه بعنايه بتلف على الكدمة اللي سببها يونس.
فتحت الشنطة…
ولما قربت منه أكتر عشان أحط المطهّر، حسيت نفسه يتقلّ قليلاً…
مش من الوجع… من الموقف.
قال بهدوء، وكأنه بيحاول يطمنّي بدل ما أنا أطبّب له:
— متقلقيش… أنا بخير.
رديت وأنا بحط القطن على أثر الضربة:
— كان ممكن يحصل لك حاجة بسببي....
رفع عينه عليّا…
نظرة صريحة قوي…
— كان .....المهم إنك تبقي بخير… بس.
جسمى اتكهرب.
اتوترت فجأة…
وبعدت إيدي بسرعة من غير ما أقصد، والمطهر وقع من إيدي على الأرض.
اتخض هو وقال:
— في حاجه؟
هزيت راسي بسرعة، صوتي خرج متقطع:
— ل… لا، لا… مفيش… أنا بس… اتخضّيت.
حسيت إن قلبي بيجري جري جوا صدري.
مش من يوسف…
من الموقف نفسه…
من إن كل ده حصل بسرعة، ومن إن حياتي اتشقلبت في يوم واحد.
انحنيت بسرعة عشان أجيب المطهّر من الأرض…
بس إيدي كانت بترتعش.
ولما وقفت، لقيته بيبصلي بتركيز…
مش بنفسه…
بالتوتر اللي أنا مش قادرة أخبيه.
ساعتها قلت أول حاجة لقيتها تهربني من اللحظة:
— خلاص… أظن الكدمة مش محتاجة أكتر من كده.
ورجعت لورا…
كتير…
كأن المسافة دي كانت أكتر حاجة محتاجاها دلوقتي.
هو لاحظ…
بس ما قالش حاجة.
يتبعععع#الم_بدون_صوت
البارت التمنتاشر
صحيت تاني يوم على صوت حركة في المطبخ.
قمت وأنا مش مستريّحة…
الشقة حسّيتها مش شقتي، والجوّ نفسه غريب.
ولمّا خرجت… لقيت يوسف واقف بيحضّر الفطار كأن وجودي هنا شيء طبيعي.
هو لفّ أول ما حس بيا…
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
– صباح الخير.
ردّيت بابتسامة باهتة:
– صباح النور.
قعدت قدّامه، وحسّ التوتر اللي راكبني…
كنت لابسة الطرحة من بدري، ومش مرتاحة إن فيه حد شايفني طول الوقت.
والفكرة دي لوحدها كانت مخلّيا قلبي يقبض.
أخدت نفس وقلتله:
– أنا هانزل الشغل بكرة والجامعة كمان… لازم أكمّل. ما ينفعش أقعد.
بصلي باستغراب كأنه مش مستوعب:
– شغل؟ ليه؟ أنا مكلفتش حد بحاجة… وأنا أقدر أتكفل بكل مصاريفك.
هزّيت راسي:
– يوسف… احنا اتجوزنا عشان نحلّ مشكلة، مش عشان نعتمد على بعض.
وانت مش مجبَر تصرف عليّا.
وأنا مش هبقى مرتاحة لو فضلت قاعدة من غير شغل.
كان واضح إنه معترض…
فتح بقه يتكلم، بس أنا قطعت كلامه بهدوء:
– دا قراري ومش هرجع فيه.
ساعتها اتنهد…
وبان عليه إنه اتضايق مش عشان العند، لكن عشان مش عارف يرضيني ولا يريحني.
خرج من المطبخ وقال بنبرة زهقانة بس مش جارحة:
– براحتك يا نور.
وسابني واقفة…
مش عارفة إذا كنت عملت الصح،
ولا زوّدت المسافة اللي أصلاً بينّا واسعة.
بعد ما اليوم خلص وفضلت لوحدي، قررت أتصل بسارة…
يمكن تكون قلقانة، زعلانة، أي حاجة.
بس كل مرة كنت برن… مكنتش بترد.
في الآخر اتنهدت ودخلت الأوضة وقضيت باقي اليوم فيها.
مش قادرة أحدّد إحساسي…
زعلانة؟ ولا تايهة؟ ولا خايفة من اللي جاي؟
تاني يوم…
صحيت بدري، لبست ووقفت قدام المراية أحاول أهيّئ نفسي لروتين عادي…
بس مفيش حاجة كانت عادية.
خرجت لقيت يوسف واقف في الصالة، جاهز للشغل.
كان بيعدل ساعته، ورفع عينه عليّا أول ما شافني:
– استني… هوصلك في طريقي.
هزّيت راسي بسرعة، وقلت:
– لأ بلاش، أنا بروّح مع سارة كل يوم… مش لازم تتعب نفسك.
وقفت ثواني…
وبعدين كملت بصوت أوطى شوية:
– بس هي من امبارح بتصل بيها ومبتردش.
يوسف وقف وهو بيلبس الكوتشي، وبصلي باستغراب بسيط:
– مش عارف…
إحنا وإحنا رايحين هنبقى نعدّي عليها، نشوفها وناخدها معانا.
هزّيت راسي من غير ما أعلق…
بس جوايا كان فيه حاجة بتخبط:
ليه مابتردش؟
ركبت العربية جنب يوسف،
بس تركيزي كله كان عند سارة اللي لسه مش بترد عليّا.
لحد ما وصلنا تحت البيت.
نزلنا سوا، أنا ويوسف،
وطلّعنا على شقتها.
فتحتلنا طنط، مامت سارة،
ودخلتنا جوه.
قالت وهي بتسند الباب:
__والله يا بنتي دي نايمة من امبارح…
وقالت إنها مش هتروح الجامعة النهارده.
قلبي وقع.
ردّيت بسرعة:
__ليه؟ مالها كده؟
سكتت مامتها لحظة،
سِكوت غريب…
كإنها مش عارفة تقول ولا عارفة تخبي.
وقولت وأنا واقفة أنا ويوسف:
__طيب… خليها لما تصحى تكلمني وتطمني عليها.
هزّت راسها وقالت بابتسامة هادية:
__حاضر يا بنتي.
نزلت السلالم مع يوسف،
بس دماغي كانت لسه فوق… عند سارة.
كل خطوة كنت باخدها حاسة إن في حاجة غلط،
بس مش قادرة أحدد هي إيه.
أول ما خرجنا للشارع،
يوسف بصّلي من غير ما يتكلم.
كان واضح عليه إنه واخد باله من توتري.
قال بهدوء وهو بيفتح باب العربية:
__ماتشيليش هم. يمكن بس تعبانة.
هزّيت راسي…
بس جوايا صوت عالي بيقول إن الموضوع أكبر من "تعبانة".
ركبت العربية،
وقعدت أبص من الشباك…
مش شايفة الناس ولا الطريق،
شايفة بس شكل سارة وهي آخر مرة كانت بتضحك،
وسؤال واحد مش راضي يسيبني:
ليه مختفية كده من غير سبب؟
قطع شرودي صوت يوسف وهو بيقول:
__نور… لو انتي قلقانة قوي، نعدّي عليها تاني بعد الشغل.
رديت بهدوء، وأنا مش عايزة أبين قد إيه قلبي واجعني:
__نشوف… المهم إنها بس تبقى بخير.
وبقيت ساكتة طول الطريق…
ومكنتش عارفة إن اللحظة دي
هتكون بداية كل اللي جاي.
وصلت الجامعة.
اليوم كله قضيته لوحدي…
سارة مش موجودة، ومخلياني طول الوقت قلقة.
خلصت محاضراتي، وكنت ماشية رايحة الشغل،
وفجأة لقيت يوسف واقف قدام باب الجامعة.
بصّيت له بتوتر وأنا بقول:
"إنت هنا بتعمل إيه؟"
رد ببساطة من شباك العربية:
"جاي آخدك أوديكي الشغل."
لقيت نفسي بابتسم تلقائيًا…
وركبت جنبه.
كان إحساس غريب وحلو…
إن حد يفكّر فيك ويعمل حاجة مخصوص علشانك،
حتى لو بسيطة.
قعدت وربطت الحزام،
وبصيت قدامي وأنا بقول:
__مكنش ليه لازمة تتعب نفسك، أنا كنت هروح على الشغل لوحدي.
رد وهو سايق:
__مفيش تعب ولا حاجه. وبعدين مش لازم تفضلي لوحدك طول اليوم..
سكتّ.
مع إني كان نفسي أرد…
بس الكلام وقف في زوري.
خصوصًا إن جزء مني كان متلخبط،
وجزء تاني مبسوط…
و جزء أكبر لسه قلقان على سارة.
فضلت أبص من الشباك،
لحد ما فجأة سألني بصوت هادي:
__مالك يا نور؟ شكلك مش مرتاحة او حاجه شاغله بالك.
اتجمدت ثواني…
مش عارفة أقوله إني حاسة إن صديقتي مخبية عني حاجة،
ولا أقوله إنّي من امبارح مش بنام.
ولا أقوله إني مش عارفة أعيش طبيعي بعد الجوازة اللي حصلت فجأة.
رديت أخيرًا وأنا بتهرب:
__مفيش… بس سارة قلقاني.
هز راسه بتفهم،
وسابني ف سكوتي…
وأنا كنت عارفة إن السكوت ده
أريح من ألف كلام.
وصلنا قدام المكان اللي بشتغل فيه،
وبص لي قبل ما أنزل وقال:
__لو احتجتي أي حاجة… كلميني.
هزيت راسي،
ونزلت،
بس فكرة واحدة فضلت بتلفّ في دماغي:
ليه حسيت بالراحة من كلمته…
وإحنا أصلاً متجوزين لأسباب مش طبيعية؟
نفضت الفكرة من دماغي فورًا.
مش عايزة أحس ناحيته بأي حاجة…
ولا حتى ألمح لنفسي إن الإحساس ده ممكن يكبر.
مش عارفة ليه،
بس يمكن الخوف بقى جزء مني…
خوف مسيطر على قلبي وعقلي،
وبيخليني أبعد عن أي حاجة ممكن تهزني
أو ترجعني لأي وجع قديم.
وصلت الشغل ونزلت من السيارة .....
قلبي مليان تعب من اليومين اللي فاتوا. أول ما دخلت، شفت سهيله مبتسمة مستنياني .....
ابتسامتها حاولت تخفف عني التعب، لكن أنا حسيت إنها لسة شايفة القلق في عيني.
قالتلي بعتاب:
__كدا بقالك يومين مجتيش.
رديت بابتسامة باهتة:
__ والله كان عندي شوية مشاكل كدا… بس الحمدلله ربنا حلها يعني.
ابتسمت وهي بطبطب عليا: __الحمدلله يا روحي.
وبعدين، فجأة، تذكرت:
__اه، في حد جه سأل عليكي النهارده.
قفلت عيني شوية أحاول أستجمع ذاكرتي… مين؟!
قالت الاسم وهي بتفتكر: "امم…ا أدهم.
اتجمّد قلبي للحظة .....
أدهم؟ فجأة كل شيء اتضح
......، كل الصور والذكريات عدّت
قدامي… أدهم… أخويا!
حسيت قلبي بيندهش ومليان فرحة ودهشة، وابتسامة صغيرة طلعت من جوّا مش قادرة أخفيها. الدنيا حواليّا كأنها اتوقفت لحظة، وكل حاجة بقت أوضح… هو سأل عني. أدهم… هو فكر فيا.
بس قلبي ما ارتاحش على طول… افتكرت إن ممكن يكون مش هو فعلاً.
طلعت فوني بسرعة، وقلبي بيدق بسرعة من التوتر والفضول، فتحت صورته اللي طول عمره ما فارقتني، وقلبي كله حيرة:
__هو دا؟
سهيله قربت مني وبصت للصورة وهي بتكبر فيها عينيها، بصوتها الهادي قالت:
__ايواا… هو بعينه.
الفرحه غمرتني…
إحساس دافئ، حنين، ووجع قديم بيرجع تاني.
أخويا…
أول حد من دمي أعرف إنه بيدور عليّا!
بس وسط الفرحة دي، كان فيه سؤال مزعج قاعد يخبط في دماغي بإلحاح:
هو عرف مكان شغلي إزاي؟
وقفت ثواني، قلبي بيرتجف من التفكير.
كنت بين شعورين:
فرحة إني مش لوحدي… وإن فيه حد من أهلي بيدوّر عليّا.
وخوف… خوف كبير إن الموضوع يكون فيه حاجة مش مفهومة.
هل مازن قاله؟
ولا يونس؟
ولا أدهم عرف لوحده؟
السؤال نفسه بقى تقيل، كأنه حجر واقع على صدري.
الفرحة موجودة… بس محوّطة بقلق وخوف من اللي جاي.
خلصت الشغل وخرجت،
ولقيت يوسف واقف مستنيني تاني…
نفس المكان، نفس الوقفة، ونفس النظرة اللي بتحسسني إن في حد شايل همّي من غير ما أتكلم.
ركبت العربيّة من غير ولا كلمة.
كنت تايهة، ومشاعري متلخبطة، ودماغي مليانة أسئلة.
بصّ عليّا بسرعة وقال بنبرة فيها قلق واضح:
__انتي كويسة؟
مقدرتش أجاوب…
ولا كنت قادرة أحكي له اللي حصل…
فاكتفيت إني أهز راسي بس
هو استوعب إن في حاجة غلط،
بس محترم سكوتي، فكمّل وهو بيركّب الحزام:
__ع العموم… متقلقيش. إحنا هنروح دلوقتي نطمن على سارة.
طلعت مني ابتسامة باهتة…
ابتسامة مجاملة، مش طالعة من القلب،
ورجعت أبص من الشباك تاني،
كأني بحاول أهرب من كل حاجة بتحصل جوايا.
_______________
ساره
من يوم ما اتجوزوا…
وأنا حابسة نفسي في الأوضة.
مش قادرة أواجه الواقع،
ولا قادرة أشوفهم…
ولا حتى أسمع صوتهم.
مش عايزة أشوفهم مع بعض.
مش عايزة أحس بالوجع…
مع إنّي حاسة بيه غصب عني،
عايش جوا صدري من غير ما أسمح له،
بس لو شفتهم؟
الوجع هيبقى أضعاف… أضعاف.
إحساس إن حد بتحبيه…
يبقى لحد تاني،
إحساس بيمزّقك من جوا،
بيشد روحك على حتت،
وبيسيبك واقفة لوحدِك قدّام حُكم اتفرض عليك.
لكن كل حاجة جوايا انفجرت لحظة ما ماما دخلت عليّا…
وقفت قدّام الباب، وبهدوء غريب قالت:
__سارة… نور ويوسف برا.
برا؟
الكلمة نزلت على قلبي زي حجر.
حاسّة نبضاتي بتتباطأ…
بتتكسر…
وبتتفتّت واحدة ورا التانية.
مقدرتش أستحمل…
صرخت بكل وجعي، بكل قهري:
__مش عايزة أشوف حدّدد!!!
صرخة طالعة من وحدة،
مش من غضب…
من كسرة.
دخلت نور على صوت الخناقة اللي مالي الأوضة،
وصوتها كان مترع بالقلق وهي بتقول:
__ساره… انتي كويسه؟
بصّتلها… بكل الغضب اللي كنت بكتمه بقاله سنين.
كنت مخنوقة… حرفيًا مخنوقة.
حاسّة إن صدري مش قادر يشيل ولا كلمة كمان.
عين ماما كانت عليّا،
نظرتها كلها رجاء…
كأنها بتترجّاني "اوعي تتكلمي".
بس لساني خلاص… اتقل من الصمت.
اتقل لدرجة الوجع.
فانفجرت…
قلت بكل القهر اللي كان محبوس جوايا:
__أنا… من بعد جوازكوا… مبقتش كويسه!
الكلمة وقعت في الهوا زي حجر كبير.
الهدوء ساعتها كان مرعب… كأن الزمن وقف.
نور اتلخبطت، لمحت ارتجافة في صوتها وهي تقول:
__يعني إيه؟
بلعت ريقي…
وكملت وأنا مش قادرة أمنع نفسي ولا أكتم اللي بيولّع في قلبي:
__يعني… انتي خدتّي أحلى حاجة كانت في حياتي يا نور.
رفعت عيني عليها
وقولت بصوت مكسور:
__أنا… بحب يوسف.
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت التسعتاشر
نور
اتصدمت من كلمتها
ساره بتحب يوسف؟
إمتى وفين؟
وازاي مقالتش ليا؟
هي كانت لسه واقفه قدامي بتراقب رده فعلي!
وأنا انا مشيت وسبتها واقفه!
مقدرتش أتكلم
ولا افتح بقي
إحساس غريب غمرني لما قالت إنها بتحبه
ولغاية دلوقتي انا مش فاهمه الإحساس
دا
هل غيرانه؟ ولا مصدومه؟ ولا اي بظبط .....
يوسف كان نزل مش عارفه شكله
سمع ف نزل عشان الإحراج
نزلت لقيته واقف ساند ع العربيه
ومستنيني
سألته بتوتر: انت سمعت اللي هي قالته؟
رد عليا بتردد وهز راسه
سألته وقولت:
__ بتحبها؟
رد عليا وهو بيتنهد:
__ساره زي اختي
وعمري م شفتها غير كدة
بصراحه مش هخبي عليكوا
انا حسيت بفرحه لما سمعته قال كدا
لكن اتبدلت الفرحه دي لحزن
لاني مش عارفه هعمل اي مع ساره
ولا هعرف اكلمها إزاي وأنا عارفه إنها
بتحب جوزي؟
ع الرغم اني متجوزاه لسبب معين
الا انه هيفضل برضه جوزي!
سندت ع العربيه جمبه وقولت:
__أنا عارفه ان جوازنا جه فجأه عشان كدا
انا مش هعتب عليك ولا هتضايق لو يعني عايز تكلم بنت او....
وقبل م كمل قاطعني
صوته كان ثابت بس فيه نبرة استغراب وزعل:
__نور… إيه اللي بتقولي ده؟
إنتي فاكرة إني بعد الجواز هبص لحد تاني؟.
اتجمدت.
مستوعبتش كلامه بسهولة.
هو ليه بيقول كده؟
هو مش المفروض… يبقى بارد؟
متفقين؟
متجوزين بالعقل مش بالقلب؟
كملت بصوت واطي:
__أنا بس… مكنتش عايزاك تحس إنك مربوط، أو… مُلزم بحاجة.
بص لي بنظرة عمري ما شفتها منه قبل كده.
فيها احترام… وشيء يشبه الغيرة الخفيفة:
__نور… طالما احنا اتجوزنا حتى لو لسبب
فإنتي مراتي.
ومش من حقي ولا من طريقتي إني أدور على حد تاني.
ومش عايزك تفكري كده عني تاني.
الكلام دخل قلبي بهدوء…
كأنه ريّح جزء جوايا كان مضغوط من غير ما آخد بالي.
بس في نفس الوقت… حسيت بتقل.
تقل المسئولية.
تقل إن في حد بقى شايفني مراته… رسمي.
غمضت عيني للحظة، وبصيت له:
__طب… وسارة؟
تنهد، وبان عليه إنه مش عايز يدخل في وجع الموضوع:
__هنتعامل.
بس دلوقتي… انتي الأول.
إحنا الأول.
الكلمة وجعتني وراحت مني.
إحنا.
عمري ما كنت متخيلة إني هسمعها…
ولا إنّي هرتبك بالشكل ده لما تتقال.
سكتّ.
مقدرتش أرد.
ركبت العربية، وقلبى لسه بيدق بسرعة.
مش من خوف…
من ارتباك.
أنا اللي كنت فاكرة الجوازة دي مجرد ورق.
بس واضح إنها مش ماشية زي ما في دماغي.
_______________
ســـاره
بعد ما مشيوا… كنت منهارة.
جسمي كله بيرتعش من الحزن والوجع.
مصدوومة إني قلت الكلام ده…
بس هو الإنسان كده، يعمل حاجة بلحظة وجع،
وبعدين يرجع يندم عليها نفس اللحظة اللي بعدها.
إزاي سابتني ومشيت؟
من غير ولا كلمة؟
ولا حتى حاولت تفهمني؟
هو مش فارق معاها إحساسي؟
مش فارق إن قلبي اتفتح قدامها لأول مرة؟
كنت مخنوقة…
مش قادرة أتنفس…
قمت وخرجت من الأوضة، لقيت ماما قاعدة في الصالة،
وشها شاحب، نظرتها كلها قلق وخوف عليا.
قربت منها وقلت بهدوء مصطنع:
__هخرج أتمشى شوية.
ردت بسرعة بصوت فيه حزم:
__انتي مش هتخرجي لوحدك وانتي بالحالة دي يا سارة.
تنهدت… معنديش طاقة أجادل:
__يا ماما سيبيني على راحتي.
قالت بصوت أقوى:
__أنا قولت اللي عندي.
سكت… مش قادرة أفتح موضوع.
لكن هي اللي كملت، بنبرة مترددة بس معناها واضح:
__لو عايزة تروحي مكان… اتصلي بفريد يوصلك.
مننا وعلينا.
بصيتلها… فاهمة قوي هي تقصد إيه،
وقولت بجمود:
__ماما… اللي في دماغك ده مش هيحصل.
أنا وفريد مش شبه بعض.
ردت وهي بترفع حواجبها:
__أنا مجبتش سيرة اللي في دماغك…
انتي اللي قولتي من نفسك.
حسيت دماغي هتنفجر، رديت بنفَس مقطوع:
__تمام يا ماما.
دخلت أوضتي، وبعد وقت طويل طلعت وقلت:
__فريد تحت.
ماما بصتلي وابتسمت كأنها انتصرت في معركة،
وقالت وهي بتسلم ضهرها للكنبة:
__خدي بالك على نفسك يا حبيبتي.
نزلت السلالم وأنا لسه حاسة الرجفة في ركبي.
الهواء كان بارد…
ولا برد الشتا قد برودة اللي جوا قلبي.
أول ما خرجت، لقيت فريد واقف جمب عربيته،
إيده في جيبه،
وعينه أول ما شافتني… اتبدلت بقلق واضح.
قرب مني خطوتين وقال بصوت هادي،
اللي غير العاده مضايقنيش:
__انتي كويسة؟
مقدرتش أبصله…
عيني نزلت ع الأرض وأنا بقول:
__ماما قالتلي اخدك معايه… عشان مخرجش لوحدي....
هز راسه كأنه فاهم كل حاجة من غير كلام.
فتحلي باب العربية وقال:
__اتفضلي.
ركبت…
وقعد هو جمبّي من الناحية التانية،
بس قبل ما يشغل العربية…
فضل ساكت.
وبعدين قال جملة كسرت آخر حتة كنت مسكاها:
__انتي مكسورة يا سارة… ومش لازم تقوليلي ليه.
قلبي اتحرك…
بس مش بالراحة،
بالوجع.
ما اتعلمتش أتكلم لما أكون موجوعة…
ففضلت ساكتة.
بص للشارع قدامه وقال:
__لو عايزة نمشي من غير ما تتكلمي… ماشي.
ولو عايزة تهربي من كل اللي حصل… برضه ماشي.
بس… بلاش تكسّري نفسك زيادة.
الكلام لمسني…
مكنتش مستوعبة قد إيه محتاجة حد يسمعني
من غير ما يحكم…
ولا يلوم…
ولا يقول لي: غلطتي.
همست وأنا ببص من الشباك:
__خدني أي مكان… مش مهم فين.
شغّل العربية…
وبدأنا نتحرك،
والمدينة بتعدّي من جمبنا
زي ما تكون بعيدة… أو أنا البعيدة عنها.
نزلت من العربية وأنا حاسة برجليّ تقيلة…
الهوا ع الكورنيش كان بيشد شعري لورا،
وفي لحظة حسّيت إن الدنيا كلها ساكته…
إلا قلبي.
فريد رجع بعد دقايق بكوبايتين عصير،
مدهالي وقعد جمبي على السور،
وقال بصوته الهادي اللي بيحرّك الكلام ببطء:
__ديما لما أحس إني متضايق أو مخنوق…
باجي هنا.
بس أول مرة يبقى معايا حد.
بصيتله بابتسامة باهتة،
مش قادرة أدي أكتر من كده.
هو كمل بنفس الهدوء:
__أنا عارف إنك لسه متأثرة من جواز نور ويوسف…
بس أقولك؟
الدنيا مش هتقف عند حاجة، صدّقيني.
الكلمة اصطدمت بيا…
زي موجة بتخبط ف صخرة.
وشي اتبدل…
جوايا وجع ما لحقش يهدأ من الأساس.
ودموعي بدأت تتملي،
من غير ما أنطق ولا أشرح.
فريد لاحظ،
ضحك ضحكة خفيفة جدًا كأنه بيهزر بس مش عايز يجرحني:
__إي إي… أنا كنت بنصحك بس.
لو نصيحتي هتعيّطك… خلاص متاخديش بيها.
ضحكته الخفيفة كسرت آخر حاجة جوايا،
حسيت نفسي بتنهار.
شهقة خرجت غصب عني،
وقولت بصوت مكسور:
__أنا…
أنا قلت لنور النهارده…
إني بحب يوسف!"
الكلمة خرجت وراها ريحة وجع كبير،
زي اعتراف كنت شايلاه ومفيش مكان يستخبى فيه.
وشهقي عليت،
وعيني نزلت دموع من غير توقف.
فريد سكت…
سكت شوية…
كان شايف دموعي بتنزل من غير توقّف،
وشايف قلبي بيتكسر قدّامه،
بس اللي ميّزه إنه مكنش من النوع اللي يرمي كلام وخلاص.
ع رغم من هزاره الدايم
ورخامته
الا انه وقت الجد
بيبقى راجل بجد ....
كان بيفكّر…
بيركّب الجملة قبل ما يقولها…
عشان متكسرنيش أكتر.
مسح على دقنه بتفكير،
وبعدين قال بصوت هادي قوي،
الصوت اللي تحسي إنه خارج من حد كبير عن سنه:
__ساره…
اللي انتي فيه مش بسيط.
وانتي مش غلطانة إنك حبّيتي حد.
ولا غلطانة إنك اتوجعتي.
بصيتله ودموعي نازلة،
مش عارفة أرد ولا أكمل.
كمل:
__بس عارفة فين الغلط الحقيقي؟
إنك تعيشي حياتك كلها مستنية حد…
مش هيبصلك بالطريقة اللي انتي بتحلمي بيها.
قلبي وجعني أكتر…
بس كلامه حسّيته صريح، حقيقي.
__يوسف…
مش شايفك كده،
ومش هيشوفك.
مش عشان فيكي حاجة وحشة،
لأ…
عشان قلبه متقفل على شكل تاني من الارتباط.
وإنتي عمرك ما هتقدري تقفي قدّام الظروف دي.
حاول يخفف نبرة الكلام،
فكمل وهو بيبص للبحر:
__وأنا مش بقولك انسَي في يوم وليلة…
محدش بيعمل كده.
بس بقولك حاجة واحدة:
لو فضلتي ماسكة في حب من طرف واحد…
عمرك ما هتشوفي اللي يستاهلك.
اتسعت عيني شوية…
مش من الصدمة،
من إن الكلام لمس مكان جوايا مكنتش عايزة حد يقربه.
وهو كمل:
__انتي بنت قلبها أبيض…
وعقلك كبير…
ومستحيل ربنا يكتبلك وجع على طول.
هيجي يوم…
وهتضحكي على اليوم اللي كنتي فاكرة إن نهايتك فيه.
كان بيحاول يطبطب بالكلام،
من غير ما يدّيني أمل كداب،
ولا يحسسني إني غلطانة في مشاعري.
رجّع نظره عليا:
__بس أهم حاجة…
أهم حاجة يا ساره…
إنك متخليش حبك لحد
يمسحك…
أو يضيّعك…
أو يمنعك تشوفي قيمتك.
الحزن ف عنيا ما راحش…
بس لأول مرة من بدري…
قلبي هدي سنة.
__________
نور
كنت قاعده في أوضتي،
الدنيا هاديه…
وكل حاجة جوايا مش هاديه خالص.
الفون رن…
رسالة من رقم مش مسجلاه.
فتحتها بلا اهتمام…
ومكنتش متوقعة ألاقي كلمة واحدة بس
تدوّخني كدا:
__وحشتيني.
قعدت أبص للكلمة شوية…
دماغي تحلل وتشك وتتخض وتستغرب
وكل دا في ثانية.
مين دا؟
رقم غلط؟
حد بيهزر؟
ولا… حد فاكر نفسه لسه ليه مكان؟
هزّيت راسي
وقولت لنفسي:
__مليش دعوه… مش وقت الكلام دا.
قفلت الفون
وحطيته بعيد
كأني بكدا بقفل باب في وشي.
خرجت من الأوضة
وكالعادة…
لقيت يوسف ماشي في الطرقة
وهو نايم.
بقت عادة يومية،
وبقت حاجة غصب عني بخاف عليه فيها
وبشفق عليه قوي.
مسكت كتفه بهدوء
ووجّهته ناحية أوضته،
كان عيونه نص مقفولة
وكلامه مش مفهوم
زي كل مرة.
غطيته كويس
وسبت نور خفيفة في الأوضة
ورجعت أنا لأوضتي.
بس وانا قاعدة…
كلمة الرسالة
فضلت بتزن في ودني:
__وحشتيني.
ومع إن عقلي رافض يفكّر…
قلبي كان بيسأل:
مين اللي لسه شايف إني أوحشه؟
وبعدها بدقايق…
نفس الرقم رن.
الموبايل كان بيرج فوق السطر اللي قلبي واقف عليه.
ردّيت وأنا لسه مش مستوعبة:
– مين؟
لحظة صمت…
وحسّيت إن وداني بتسجل كل نَفَس على الطرف التاني.
وبعدين جه الصوت…
الصوت اللي عمري ما نسيت نبرته، حتى لو الدنيا لفّت بيا ألف لفة:
– مش فاكْراني يا نور؟
اتجمدت.
الصوت دا…
مش غريب.
مش بعيد.
مش منسي.
بس كان عامل زي صورة قديمة اتعفّر منها لونها… ولسه ملامحها موجودة.
حاولت أتكلم، بس لساني اتربط…
قام هو كمل، وبنبرة هادية بس داخلايا عملت دوشة:
– أنا أدهم.
أول ما قال اسمه…
كأن حد فتح جوايا باب كنت قافلاه بإيدي وساتر عليه بقلبي.
كل الذكريات اللي كنت حافّة حوالينها خطوط حمراء… كسرت الخطوط ورجعت تجري ناحيتي.
إيدي اللي ماسكة الموبايل بقيت سقعة…
ومشاعري؟
مش مرتّبة.
لا فرح… ولا خوف… حاجة في النص، حاجة بين الاتنين…
زي لما النور يولع فجأة في أوضة ضلمة.
دموعي نزلت قبل ما حتى أفكر أمسحها.
رجع… أدهم رجع مصر.
الكلمة خبطت في قلبي زي مطراقة.
رجع… يعني كل اللي هربت منه ممكن يقف قدامي تاني.
رجع… يعني يمكن يكون جاي يعيدني لنفس البيت… نفس القهر… نفس الضرب اللي عمري ما نسيت ريحته ولا وجعه.
سمعت نفسي بقول بصوت واطي، متلخبط، ومش ثابت:
–… أدهم؟ إنت؟
عرفت مكان شغلي ورقمي ازاي؟
رد عليّا بنفس الهدوء اللي خلاني أتجمد أكتر:
– مكان شغلك لقيته من كارت كان واقع من حاجتك… ورقمك خدته من بابا.
حاولت أتكلم، لساني ماكنش بيسمع الكلام.
صوتي خرج متكسّر، مهزوز:
– أنت… رجعت؟ بجد؟
هو رد بهدوء… الهدوء اللي ساعات بيخوف أكتر من الصوت العالي:
– أيوه يا نور. كنت لازم أرجع.
اتنفست بصعوبة، كأن الهوا تقيل.
الشك مسيطر عليّ…
هل هو معايا؟
ولا واقف في صفهم؟
ولا جاي يكمل اللي ابتدى زمان؟
بعدين قال الجملة اللي زوّدت الرعشة اللي في جسمي:
– لازم أقابلك. انتي وحشتيني أوي يا نور.
كنت على وشّ إني أنهار.
مش فاهمة…
مش قادرة أصدق…
هو بيقول "وحشتيني"؟
بعد كل السنين دي؟
بعد اللي حصل؟
بعد اليوم اللي سبت البيت فيه وأنا بترعش؟
بعد ما اتمنيت محدش
يعرف أنا عايشة فين ولا بشتغل فين؟
قفلت معاه واتفقنا إننا هنتقابل.
صحيت الصبح بدري قبل يوسف،
حضرت حاجتي بسرعة وقلبي بيخفق من التوتر،
عشان أروح المحاضرات من غير ما يوصلني.
وصلت الجامعة،
شفت ساره من بعيد داخلة.
قلبي اتجمد، عيني جت ف عينيها!
لكن هي هي متكلمتش،
ولا قالت حرف.
حسيت بغصة في صدري،
عدت من جنبي كأنها متعرفنيش، وكأن كل المشاعر اللي بينا اختفت فجأة.
خلصت محاضراتي،
وخرجت…
وصدمه غمرتني لما لقيت!
مازن قدامي!
قلبي دق بسرعة، إحساسي كله توتر وخوف.
مش قادرة أتحرك، ومش عارفة أعمل إيه…
كنت هَجري…
قلبي كان بيخبط في صدري، نفسي اتقطع، وكل اللي جوايا بيصرخ "ابعدي عنه!"
لكن فجأة…
مسكني من إيدي جامد،
شدّة وجع، شدّة خوف، شدّة رجوع لأسوأ لحظات حياتي.
صرخ في وشي بصوت عالي:
– هربتي من البيت يا نور؟ عملتي اللي ف دماغك؟
وياترى بعد دا كله… اتجوزك في الآخر؟
كلماته كانت زي السكاكين،
بترجعني لكل ذكريات الذل اللي كنت بهرب منها.
صرخت وأنا بحاول أخلص إيدي من قبضته:
– سيبني! سيبنييي!
لكن هو زاد عنف وقال بصوت أعلى:
– انتي هترجعي معايا حالاً!
الدنيا اتشوشت حواليّا،
جسمي كله بيرتعش،
نفَسي اتقطع،
عيوني اتملت دموع،
وصوتي اتكتم من الخضة والخوف.
كنت منهارة…
وما حسّيتش بنفسي غير وأنا بِقَع مغمى عليّا في نص الجامعة،
والدنيا كلها بقت صوت بعيد…
وضلمة.
_________________
يوسف
أول ما الموبايل رن وشفت اسم سارة…
قلبي اتقبض.
ما بينّا مشاكل ومش بنتكلم،
بس صوتها كان مترعش… وكلمة واحدة كسرت كل المسافات:
– نور… وقعت في الجامعة واغم عليها.
ما سألتش حتى "ازاي" ولا "ليه".
قفلت وجريت.
روحت الجامعة بأسرع ما أقدر،
عينيا بتلف يمين وشمال أدور عليها…
بس سارة كانت اختفت.
واضح إنها مش قادرة تشوفني بعد اللي حصل ....
لقيت نور مرمية على الأرض،
وشها شاحب…
أنفاسها ضعيفة…
وإيديها متلجة.
قلبي اتخبط في صدري لحظة شُفتها كدا.
نسيت كل حاجة…
نسيت إني وهي متجوزين بس “بالاسم”،
ونسيت إن حياتنا معقدة،
ونسيت كل الدنيا....
كل اللي كان في دماغي: أنقذها… دلوقتي.
شلتها في حضني من غير ما أفكر،
وبخطوات سريعة خرجت بيها برا الزحمة.
حتى الناس اللي بتتفرج مبقتش شايفهم.
ركّبتها في العربية،
وهي مرمية على الكرسي وراسها ميلة عليا،
وأنا بإيدي التانية بحاول أصحيها:
– نور… اسمعيني.
– نور افتحي عينيكي.
صوتي كان بيتهز…
وأنا حتى مش قادر أخبيه عن نفسي.
سُقت على المستشفى بأقصى سرعة،
وقلبي بيحارب الوقت.
وصلت ودخلت بيها على المستشفى،
وأول كلمة قلتها للدكتور:
– الحقوها… دي فقدت الوعي فجأة.
وقفت برا أوضة الكشف،
وصوتي متكتم وأنا بضغط على إيديا جامد…
قلق، توتر، غضب…
كل المشاعر كانت بتتخانق جوايا وأنا مستني الدكتور يخرج.
الدقايق كانت بتمشي ببطء قاتل،
ولما باب الأوضة اتفتح… قلبي وقع.
الدكتور خرج وهو ماسك الروشتة،
وبصلي بنظرة فيها هدوء شوية وقال:
– بسبب التوتر الشديد… السكر عندها علي.
– وبما إنها مريضة سكر، إحنا أديناها جرعة إنسولين توازن الوضع.
– إن شاء الله شوية وهتفوق… متقلقش.
حسيت روحي بترجع لجسمي،
بس في نفس الوقت…
الغضب اتحول لبركان جوايا.
تعبت للدرجة دي؟
وفين؟ في الجامعة؟
وبسبب مين؟
وكل دا وهي لوحدها؟
مسكت نفسي بالعافية عشان ما أصرخش،
وملامح وشي اتشدت من القلق أكتر.
وف وسط كل الهم اللي كان جوايا…
خرجت الممرضة فجأة،
ودتني شنطة نور وتليفونها.
اخدتهم منها وأنا مركز معاها…
لكن قبل ما أفتح الشنطة حتى،
التليفون نور… رن برسالة.
النغمة قطعت صمتي.
قلبي شد…
نظرت للشاشة.
كانت الرسالة باينة من برّه:
"مجيتيش ليه؟"
اتجمدت لحظة.
مين دا اللي مستعجل يشوفها؟
فتحت الموبايل — مش من حب استطلاع…
من خوف.
من قلق.
من إحساس إن في حاجه أكبر من اللي أنا شايفه.
ولقيت رقم مش متسجل باعتلها:
__وحشتيني!
__مجيتيش ليه؟
حسيت الدم بيجري في وشي بسرعة.
وشي احمر…
ودرعي شد.
والدم اللي في صدري غلي.
__مين دا اللي بيقولها وحشتيني؟؟؟
رجعت بصيتلها من الإزاز وهي نايمة…
حسيت بغضب مش مفهوم.
مش مفروض أحس كدا.
بس حسّيته.
مين الراجل دا؟
وليه بيقولها كدا؟
وهي… ليه سايبه حد يكلمها بالشكل دا؟
يتبعععع#الم_بدون_صوت
البارت العشرين
يوسف
قلبي دق بسرعه
مش من خوف
لكن من صدمه!
مين دا ..... اللي كانت رايحه تقابله؟
وهي ع ذمتي؟ ......
بس رجعت أفتكر كلامها
اللي ضرب ف دماغي زي خبطه
فوقتني
"دا جواز صوري يا يوسف"
ضحكت بسخريه
هي فعلا مش شايفاني
زوج
هي شيفاني
اتفاق!
حلّ مؤقّت لمشكلة
وبس
قررت إني اعاملها
ببرود واني اشيل حبها
من قلبي ....
مش عارف انا كدا
بنتقم منها ع اللي عملته؟
ولا بنتقم من نفسي !
إحساس بيضربني من جوا .....
وانا؟ أنا واقف ومش
عارف اخد قرار ......
كل اللي كنت فاهمه…
إني موجوع،
وغضبان،
ومش شايف طريقي من بعد الرسائل اللي شفتها.
____________
نور
فتحت عينيّ ببطء…
الدنيا كانت مغبّشة،
وراسي تقيلة كإن حد ضغط عليها طول الليل.
أول ملامح وضحت قدامي كانت ملامح يوسف…
واقف جنبي،
مشدود،
وصوته مكتوم جواه حاجة.
بصيت حواليّا بسرعة وأنا بقول بصوت متلخبط:
– هو… هو إيه اللي حصل؟
آخر حاجة فاكرها إن ساره كانت واقفة جمبي…
وبعدين كل حاجة اسودّت.
يوسف تنهد،
نَفَسه كان تقيل،
وفي صوته نبرة مش مفهومة… فيها غضب؟ ولا قلق؟ ولا الاتنين مع بعض.
وقال من غير ما يبص لي:
– ساره لقتِك واقعة على الأرض… اتصلت بيا… وأنا خدتِك وجيت هنا.
قلبي وقع.
قلت بسرعة، بلهفة باينة:
– يعني… ساره هنا؟
هز راسه:
– لأ… مشيت على طول.
الحزن نزل على ملامحي من غير ما أقدر أخبيه.
ساره مش قادرة تبص في وشي…
مش قادرة حتى تتأكد إني بخير.
وجع غريب شد صدري.
وبعدين…
زي صفعة…
افتكرت مازن.
افتكرت إيده اللي مسكت إيدي بالغصب.
وصوته العالي.
ونظرات الناس.
والدوخة اللي خدتني بعدها.
كنت هفتح بُقي…
هقوله كل حاجة…
بس خوفت.
خوفت أحكيله فيمنعني أروح الجامعة تاني.
خوفت أكتر… إنه يتأذى بسببي.
مازن لو عرف إن يوسف جوزي…
هيدخل يأذي أي حد يقرب لي
وهيأذيني انا شخصيا!!.
لساني وقف.
الكلمة طلعت لحد طرف حلقي…
ورجعت تاني.
فضلت ساكتة.
والصمت بينا كان تقيل…
تقيل لدرجة خلتني أحس بدقات قلبي جوه وداني.
ركبنا العربية،
والهدوء كان مخيف…
مفيش كلمة.
مفيش حتى نفس متقلّب زي كل مرة.
يوسف كان سايق وساكت…
وكأن الصمت جزء من طريقنا.
قلبي بدأ يقلق.
دا مش يوسف اللي أعرفه…
مش اللي دايمًا بيطمن، ويسأل، ويدوّر على السبب.
دا يوسف "التاني"…
اللي أول مرة أشوفه بالطريقة دي.
فجأة ركن على جنب.
نزل من العربية من غير كلمة،
وسابني قاعده مش فاهمة:
هو رايح فين؟
عملت إيه؟
ماله؟
رجع بعد دقائق…
شايل "شنطة" صغيرة.
قرب مني وحطها على رجلي وقال ببرود:
– أدويتك… متنسيش تاخديها في معادها.
هزّيت راسي،
بس جوايا مليون سؤال بيلف بسرعة.
هو اتغير كدا ليه؟
زعلان مني؟
ولا جراله حاجة؟
سألته وأنا حاجبي معقود من القلق:
– يوسف… هو في حاجة؟
رد من غير ما يبص لي،
بصوت بارد… مش شبهه:
– حاجة إيه؟
اتلخبط…
قلت بخفوت:
– مش عارفة… بس حساك بتكلمني بحدود… وبطريقة غريبة.
رد وهو عينه قدام،
وإيده ماسكة الدركسيون بقوة:
– الحدود دي… انتي اللي عملتيها يا نور.
إنتي… وبس.
الكلمة دي نزلت عليا كإن حد كب عليا ميّة مثلجة.
إزاي؟
ليه؟
أنا عملت إيه؟
فتحت بُقي كنت هاسأله…
كنت هقوله يوضح…
بس العربية وقفت.
وصلنا.
نزل…
ونزلت وراه،
ومخي بيلف ومش لاقي أي إجابة.
هو يقصد…ايه؟
وإيه… اللي أنا عملته؟
وقفت في نص الصالة، والهدوء تقيل…
تقيل لدرجة إني كنت سامعة دقات قلبي.
يوسف؟
اللي دايمًا صوته ثابت…
واللي عمري ما شوفته بيعلّي باب أو يقفله بالعنف…
دخل أوضته ورزع الباب وراه!
أنا حرفيًا اتجمدت.
مش فاهمة… زعلان؟
متضايق؟
ولا في حاجة أكبر مني ومنه؟
قعدت على الكنبة، مسكت موبايلي وأنا ايديا بتتهز.
كتبت لادهم: __
تعبت فجأة ومش هعرف أجي.
رد في ثواني كإنه مستنيني:
__قوليلي انتي فين وأنا هجيلِك.
وقفت الجملة عندي.
جمدتني أكتر من اللي يوسف عمله!
أنا…؟
أنا مش ينفع أقول لحد.
لسه مش جاهزة أواجه.
لسه مش فاهمة حتى جوازي دا هيوديني لفين.
وكمان…
ادهم؟
اللي كان أقرب واحد لقلبي قبل ما الزمن ياخده مني؟
ينفع أثق؟
ولا الزمن برده هيثبت إنه بيعلم الناس يتغيّروا؟
قعدت أفكر…
وأقرب كلمة نطقت بيها لنفسي كانت:
__أنا لو عرفته إني اتجوزت… هيعمل إيه؟
معرفش.
ومش عايزة أختبر.
بعد ما قعدت أفكر كتير…
ولقيت نفسي مش قادرة أستحمل الصمت اللي مالي البيت…
ولا الباب اللي اتقفل بعنف في وشي…
كتبت لآدم:
**"ممكن نتقابل في كافيه **؟"
كافيه قريب جدًا من البيت…
بس برضه بعيد كفاية…
عشان ادهم ميعرفش أنا ساكنة فين.
ولا مع مين.
ومستحيل يعرف…
مش دلوقتي
قبل م اعرف نيته!.
لبست بسرعة، وخدت موبايلي ونزلت.
قلبي كان بيخبط في صدري،
مش عارفة من خوف…
ولا من ذنب…
ولا من رغبة إني أفهم أي حاجة في حياتي بدل ما هي ماشية بالعكس.
خرجت من باب العمارة للشارع.
الهواء البارد ضرب وشي…
والأفكار ضربت أقوى.
وصلت للكافيه…
والدنيا كانت هادية.
الإضاءات صفرا…
وتقريبًا مفيش زحمة.
ولما قربت من باب الكافيه…
لمحت ادهم قاعد.
قلبه كان متعلق بالباب…
كأنه مستنيني من سنين مش دقايق.
عينيه اتفتحت أول ما شافني…
وقام واقف.
كانت اللحظة اللي نفسي وقف فيها.
قربت عليه…
نفس الملامح.
هــاديــه…
وحـــاده شوية…
وجميــلة.
أخويا بقى!
أكيد جميل زيي 😂
بس التوتر زاد لما قعدت قدّامه على الكرسي.
هو استغرب، وقعد وقال:
– هو أنا موحشتكيش ولا إيه؟
ردّيت وأنا بهرب من عيونه اللي كلها عتاب:
– إنت جاي عشان تحكم عليّا زيهم؟
ردّ عليّا باستغراب:
– من إمتى يا نور بحكم عليكي من غير ما أسمع منك الأول؟
قلبي بدأ يدق…
وردّيت بصوت متقطع:
– يعني إنت جاي عشان بجد وحشتَك؟
مش عشان تنتقدني… وتزعق إني سبْت البيت؟
مسك إيدي بهدوء…
نَفَسه كان ثابت… وصوته مطمّن:
– عمري ما أعمل كده…
لإني واثق فيكي،
وعارف إن عمرك ما تعملي حاجة غلط.
هو دا…
هو دا فعلاً أدهم أخويا!
الدموع اتجمعت في عيني…
وإيديا بدأت ترعش.
ومن غير مقدمات…
حضنته.
حضنه كان وحشني.
كلامي معاه…
ضحكتنا…
وسهرنا الليالي مع بعض.
بس هو سافر.
ورمى كل حاجة وراه.
سابني في التعب دا… لوحدي.
أتفاجئ… حرفيًا اتشدّ مكانه.
ثانية… اتنين…
وبعدين حسّيت إيده بتترفع ببطء،
وبتحاوط ضهري.
حضنته كان مليان قلق…
كأنه لسه مش مصدّق إني قصاده.
بس بعد لحظات…
حضنه اتغيّر.
بقى أدفى… أقرب…
وإيده كانت بتربّت على ضهري كأنه بيهدّيني.
طلع نفس طويل…
نَفَس كتمه سنين.
وقال بصوت واطي جدًا:
–انا اسف…
اسف يا نور إنّي سبتك…
اسف على كل يوم كنتِ فيه لوحدِك.
كلامه وقع على قلبي زي مية ساقعة
بعد عطش طويل.
شدّني أكتر ليه…
كأنه بيعوّض حضن السنين اللي فاتت.
بعدها بعد ثواني،
بعدني شويّة،
مسك وشي من الجانبين…
وعيونه كانت بتلمع، لا غضب… ولا حكم…
بس خوف.
خوف عليّا.
وقال:
– مين آذاكي؟
وليه شكلك اتغيّر كده؟
وليه صوتك مرعوب؟
قوليلي يا نور…
أنا جيت عشانك.
بعد ما خلّصت كلامي…
بصّلي بعينين فيها وجع… وعتاب… وكبت سنين.
اتكّأ بظهره على الكرسي،
ومسح على وشه بقهر واضح،
وبعدين صوته طلع منخفض… لكن مجروح:
– ليه يا نور؟
ليه؟
كان في ألف طريقه… ألف!
غير إنك تتجوزي بالشكل دا.
الشخص اللي انتي معاه دا…
إنتي حتى متعرفيش شايفك إزاي.
متجوزاه من غير أي حقوق… ولا أمان…
ولا حتى سند بجد!
أنا بصيت له بثبات هادي…
مش لأني قويه،
لا…
لأني اتكسرت خلاص ومبقاش فيّا طاقة أشرح تاني.
قلت له بهدوء موجوع:
– طب قولي…
قولي طريقة واحدة من الألف اللي عندك يا أدهم.
يونس… مازن… بابا…
كلهم كانوا قافلين عليّا كل باب.
مفيش حل.
مفيش.
سكت ثواني،
وبعدين قلت بصوت متحشرج:
– النهاردة مازن وصلي.
كان هيخدني بالعافية.
لولا إني وقعت مغمى عليّا…
مكنتش هبقى قاعدة قصادك دلوقتي.
كانت حياتي خلصت.
كنت هرجع للسجن تاني…
للسنين اللي اتسجنتها في بيتنا.
عينيه لمعت،
بس ماردش.
كمّلت:
– وأنا…
أنا اخترت أهون خراب.
اخترت جواز صوري…
على إني أعيش في تعب تاني.
وأما بالنسبة ليوسف…
فمتقلقش.
يوسف محترم… ومتربي…
وعمره ما هيبصلي بنظرة تقلل مني.
عمره ما هيشوفني كدا.
أدهم عضّ شفايفه…
وغضبه اتحوّل لقلق حقيقي…
وخوف…
وكسرة قلب ع اخته.
حاولت أغير الجو… أهدّي التوتر اللي مالي المكان.
فابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت:
– طب قولي… إنت قاعد فين أصلاً؟
أدهم تنفّس بعمق… كأنه بيحاول يتحكم في غضبه قبل ما يتكلم.
وبعدين رد بصوت هادي… بس وراه نار:
– أول ما رجعت…
نزلت على البيت.
وخدت رقمك من موبايل بابا.
وأول ما عرفت إنك سبتي البيت…
وإنهم كانوا عايزين يجوزوكي للزفت يونس…
اتخانقت معاهم.
وسبت البيت.
وحالياً قاعد في أوتيل…
لحد ما ألاقي شقة مناسبة.
هزّيت راسي بفهم… وقلبي وجعني إنه بقى من غير بيت بسببي.
قلت وأنا بتأسف وبحاول أخفّف عليه:
– والله لو البيت بيتي…
كنت قلتلك تعالِ اقعد معايا…
قبل ما أكمل، قطع كلامي بسرعة…
نبرته كانت فيها مزيج من العشم والوجع:
– عارف…
عارف إنك كنت هتخليني أبيت معاكي عادي.
أنا فاهمك يا نور.
متقلقيش…
أنا هتصرف.
صوته كان ثابت…
لكن عينه قالت كل حاجة:
"وحشتيني… واتوجعتي لوحدك… وأنا مكنتش موجود."
_____________
يوسف
كنت قاعد في الصالة…
من ساعة ما عرفت إنها خرجت بعد ما لسه راجعة من المستشفى.
إزاي تعمل كدا؟
إزاي تنزل وهي تعبانه؟
و… تروح لمين أصلاً؟
عيني كانت ثابتة على الدبلة اللي كنت جايبها.
كنت ناوي أديها لها…
كنت ناوي العالم كله يعرف إنها متجوزة.
إنها مش لوحدها.
إن مفيش حد يقدر يقرب منها.
لكن كل دا اتبخر من ساعة ما شفت الرسالة.
"مجيتيش ليه؟… وحشتيني!"
القلب ولّع…
الغضب كسر أي هدوء عندي.
رميت علبة الدبلة بعيد…
وقعدت أبص للباب، مستني… منفجر.
وفجأة الباب اتفتح.
رجعت.
أول ما دخلت، لقيت نفسي واقف من غير ما أحس،
وصوتي طالع كله غضب،
والرجل بتتهز:
– كنتي فين؟
كانت هتتكلم،
قاطعتها قبل ما تفتح بقها:
– مع الباشا… مش كدا؟
بصتلي…
بعينين متفاجئة.
كورقة بيضا متلخبطة…
وكأنها مش فاهمة أنا بتكلم عن مين!
دماغي غلت…
قربت منها خطوة،
صوتي عليته غصب عني:
– مش عامله حتى حساب ليا؟!
مسكتها من إيدها…
جامد…
أعصابي كانت هتفرقع.
– ليه بتعملي كده؟
ليه؟
ليه ولا كإن ليك حد في حياتك؟
ولا كإني موجود؟
صوتها جه مكسور…
بتحاول تمسك نفسها من العياط:
– أنا مش فاهمة… انت بتتكلم عن إيه!
سيبت إيديها،
وقولت بحرقه:
– برضه بتتمثلي؟!
الغضب شدني…
ورفعت إيدي
مش عليها
على الحيطة
علشان أفرّغ اللي جوايا.
خبطت الحيطة…
والصوت دوّى.
بس اللي صدمني…
إنها خبت وشها!
رجعت خطوتين لورا،
ايديها بترتعش
كأنها… متوقعة إني هضربها.
نزلت إيدي ببطء…
وبصوت هادي مش مصدق:
– نور… أنا؟
أنا عمري ما همد إيدي عليكي.
بصتلي…
وكل وجع الدنيا في صوتها:
– انت زيهم.
مفرقتش حاجة.
بتحكم… من غير ما تسمع.
زقتني بعيد عنها…
ودخلت أوضتها،
ورزعت الباب بصوت هز قلبي قبل ما يهز الشقة.
البارت الواحد وعشرين
يوسف
قعدت على الكنبة…
حاسس قلبي بيشد ويتقطع في نفس اللحظة.
فضلت ألوم نفسي… وألعن الوقت اللي غضبي سبق عقلي فيه.
إزاي عملت كدا؟
إزاي أقرب عليها بالصوت ده؟
إزاي محاولتش أسمعها الأول؟
إزاي خليت الغيرة…
الغيرة العميانية…
تعميني بالشكل دا؟
أنا كنت خايف عليها…
بس خوفي اتقلب غضب
وغضبي اتقلب وجع…
وجرحتها معاه.
قربت من باب أوضتها بهدوء،
كأن كل خطوة مني كانت تقيلة…
وأول ما سمعت *شهقاتها*
الشهقات اللي كانت مخنوقه…
الشهقات اللي بتحاول تكتمها…
قلبي اتخنق!
وقفت ممسوك في الباب
حاسس إني لو فتحته هبكي قبلها.
إزاي؟
إزاي خليتها تخاف مني؟
إزاي خليتها تحس إنها لوحدها؟
وهي مش لوحدها…
مش طول ما أنا عايش.
شدّيت نفسي بعيد…
خدت مفاتيح العربية
ونزلت من البيت بسرعة
مش قادر أبص في مرايتي حتى.
مش عارف أنا رايح فين،
ولا عايز أروح فين.
بس كل اللي كنت متأكد منه…
إني بهرب.
بهرب من اللحظة دي…
من نفسي…
من ذنب أنا مش قادر أشيله.
إيديي كانت مرتعشة وأنا بسوق،
وصوتها…
صوت بكاها…
كان لسه بيرن في دماغي
زي صفارة إنذار
بتقولّي:
__رجّعها تحس بالأمان… قبل ما تخسرها بجد.
اتصلت بفريد…
هو أول واحد جه في بالي.
أكتر حد بيسمع… وأكتر حد بيقول الكلام اللي بيريّح حتى لو بيوجع.
كنت قاعد في العربية،
وهو قاعد جنبي ماسك العصاية عليّ من أول كلمة.
حكيتله…
من أول الرسالة لحد ما وصلت لللي حصل قدام باب أوضتها.
فريد اتنرفز وقال بغيظ واضح:
__بقى يا مفتري… البنت الدنيا دايسه على وشها،
وانت تروح عاكك الدنيا اكتر؟ ...
بصيت له بضيق وأنا بقوله:
__اهو اللي حصل يا فريد… أعمل إيه دلوقتي؟
اتغير وشه، وبقى هادي كالعادة لما بيقرر يركز:
__بص… خد لك بوكيه ورد…
وروّح صالحها وراضيها…
واسألها عن الرسائل. اسأل بس.
في ساعتها قلتله بضيق:
__بس كدا هتعرف إني فتحت فونها!
رد عليا بمنتهى المنطق اللي بيفل الأعصاب:
__ومش أحسن ما تفضل قاعد مولّع نار ومش عارف مين اللي بيبعت؟
يا عم هتعرف،
هتتصدم،
تزعل،
وكمل بضحكه:
__تضربك مثلا…
المهم تبقى عرفت الحقيقة!
كلامه كان منطقي…
موجع…
بس منطقي.
قعدت أفكر دقيقة…
بعدين قلتله وأنا ببص قدامي:
__طب يلا انزل.
اتصدم وبصلي وهو رافع حواجبه:
__اه يا ندل!
تاخد الحكم والحكمة… وتبيعني؟
ضحكت رغماً عن كل اللي جوايا:
__اه يا خفيف… يلا… طريقك أخضر.
فتح باب العربية وهو بيشاور عليّ بتهديد ضاحك:
__مردودة… استنى بس لما اتجوز…
ومش هتشوف وشي!
هفتكرك باللي عملته دا!
ونزل… وهو سايبني مع نفسي…
ومع القرار اللي لازم آخده.
_________________
نور
قعدت على طرف السرير،
بحاول أثبّت نفسي…
أهدي رعشة إيديا…
وأمسح على خدي اللي سخن من كتر البكا.
كنت بحاول أتنفس…
بس نفسي كان بيطلع مقطوع،
وكإن الهوى نفسه رافض يدخل صدري.
مسكت المخدة وضميتها،
حاسّة إن قلبي لسه متخضّ من صوت يوسف…
ومن شكله لما كان واقف قدامي.
أنا عمري ما شفته بالشكل دا…
وعمري ما اتمنيت يخاف عليّ بالطريقة اللي توجعني.
وبين شهقة وشهقة…
فضل عقلي يلف:
ليه؟
ليه بيحكم عليّ زيهم؟
ليه مش شايف التعب اللي جوايا؟
أنا كنت عايزة أحكيله…
كنت عايزة أصرّخ وأقول كل اللي حصل…
بس خوفت.
خفت أحط عليه حمل فوق الحمل اللي هو فيه أصلاً.
لكن وسط تفكيري دا،
سمعت صوت…
باب الشقة بيتفتح.
قلبي اتشد فجأة، واتلخبطت…
فقمت بسرعة اتغطيت، وعملت نفسي نايمة.
يمكن لو دخل… ميحسش إني كنت بفكر ولا زعلانة.
وبالفعل…
اتفتح الباب بهدوء،
وخطواته تقرّب… خطوة ورا خطوة.
لحد ما حسّيت نفسه قريب من وشي،
قريب لدرجة خلّت صدري يضيق من التوتر.
إيده لمست شعري بطبطبة خفيفة،
وفي صوته نبرة ما عرفتش هي ندم ولا شجن:
__نور… اصحي. نور.
فتحت عيني كإني لسه صاحيه،
وأول ما عينه جات في عيني…
ابتسم.
ابتسامة مش قوية…
لكن مليانة محاوله، ورغبة إنه يصلّح اللي اتكسر.
قال بصوت هادي:
__حقك عليا… أنا آسف.
عارف إني غلطت… وكنت مفروض أسمعك الأول.
وجيت دلوقتي… عشان كده.
كلماته حركت حاجة جوايا،
فوقفت، بس أخدت خطوة صغيرة ورا…
مش هروب،
لكن محاولة أخفي نفسي اللي كان عالي،
ودقات قلبي اللي مابقاش لها صوت غيرها.
قولت بهدوء:
__ولا يهمك.
وفجأة…
مد إيده لجيبه، وطلع علبة صغيرة.
فتحها قدامي،
ولمعت دبلتين…
واحدة فضة وواحدة دهب.
بصلّي بنظرة صعبة تتفهم،
وقالت ملامحه قبل صوته:
__دي… عشان محدش يضايقك.
وعشان الكل يعرف… إنك متجوزة.
ما كنتش فاهمة إحساسي…
بس كان دافي.
خفيف…
وغريب.
أول مرة يمر في صدري بالشكل دا.
مد إيده عشان يلبسني،
ولاقيت نفسي ببص لإيده ثواني،
كإني بحاول أفهم اللحظة كلها.
وبتردد…
مددت إيدي.
وأول ما إيده لمست إيدي…
مرّ في جسمي رعشة خفيفة،
مش خوف…
لكن من قوة اللحظة،
ومن الإحساس اللي بصراحة…
ما عرفتش أهرب منه.
إيده وهي مسكة إيدي…
كانت ثابتة، دافية، وبتطمن…
عكسي تمامًا.
أنا كنت مرعوبة أبان له قدّ إيه لمسته دي هزّت قلبي.
هو لبّسني الدبلة بهدوء، وكأنه بيحاول يريحني،
لكن الحقيقة…
أنا التوتر كان بياكلني من جوا.
سحبت إيدي بسرعة،
مش هروب منه…
لكن هروب من الإحساس اللي صحاني فجأة،
الإحساس اللي عمري ما جربته قبل كدا.
رفعت عيني وبصيت له،
لقيته لسه مركز معايا
ملامحه هادية…
بس ورا الهدوء دا في قلق واضح.
قالي بصوت واطي، وكأنه خايف يجرحني من تاني:
– نور… بجد أنا آسف.
أنا اتسرّعت، وغلطت، وكنت لازم أسمع منك الأول.
هزّيت راسي وأنا بقول بصوت هادي:
– خلاص يا يوسف… حصل خير.
بس الحقيقة؟
ولا خير ولا حاجه.
أنا قلبي لسه بيوجعني.
ولسه صورته وهو بيزعق… وهو ماسكني…
مش قادره أنساها.
ومع إن جواه رغبة يصلّح اللي اتكسر،
أنا جوايا حاجة تانية خالص:
لخبطة…
وخوف…
وإحساس جديد مالي قلبي ومش عايزة أعترف بيه حتى لنفسي.
هو قعد جمبي على طرف السرير،
مسافة صغيرة بينا…
لكن المسافة اللي جوا قلبي كانت أكبر بكتير.
سكت… وسكوتُه كان تقيل.
عيونه ثابتة عليّا، وكإنه بيدوّر جواي على إجابة تانية غير اللي هاقولها.
ولما اتكلم… صوته كان هادي بس وراه نار:
__ممكن أعرف مين اللي كان باعتلك وحشتيني؟ ومين كنتي هتقابليه… أو قابلتيه؟
اتسعت عيني… واتسألت جوا نفسي:
هو… هو عرف منين؟!
تنهدت وقلبي بينزل لتحت شويه وقلت بهدوء:
__دا أدهم…
قطّع كلامي بنفاد صبر واضح:
__مين برضه؟
ماقدرتش أمنع الضحكة اللي خرجت مني، مش على الكلمة… على شكله!
العروق اللي ظهرت في رقبته، والحاجب اللي اترفع، والنظرة اللي واضح إنها مش مستوعبة.
قلت وأنا مش قادرة أمسك ضحكتي:
__أخويا.
اتصدم… بجد اتصدم.
الصدمة اللي تخلي حد يقف مكانه ثانيتين قبل ما يفهم.
نظرة اللي هو: يعني أنا كنت هفجر الدنيا على الفاضي؟!
ضحكت أكتر من ملامحه، فسألني بنبرة شبه منزعجة:
__هو أنا شكلي يضحك قوي؟
غمزت بابتسامة صغيرة وقلت:
__أوي.
سكت.
بس المرّة دي سكوت مختلف…
سكوت فيه تفكير… تركيز… ونظرة غريبة مش فاهمة مقصدها.
نظرة خليت إيديا تتلج، وقلبي يتنطط جوا صدري.
هو… هو ليه بيبصلي كدا؟
قطع اللحظة بحمحمة خفيفة، كأنه بيفوّق نفسه من شرود غريب، وقال:
__وهو كان عايز إيه؟
بدأت أحكيله.
عن إن أدهم في صفي… وإنه كان بيطمني… وإنه ملهوش أي قصد تاني.
وقتها قال بصوت هادي، مطمّن، وفعلاً مريح:
__طيب خليه يجي يقعد معانا عادي. مفيش مشكلة.
اتسمرت.
قلت بتوتر واضح:
__بلاش… عشان تبقى قاعد براحتك وكدا.
رفع حاجبه بنظرة فيها إصرار واضح وقال:
__هبقى قاعد براحتي برضه… عادي. اتصلي بيه.
هزّيت راسي بتردد…
وصوت داخلي بيشدّني ويقول:
__قولي له… قولي له اللي حصل في الجامعة… وقولي إن مازن وصّلِك.
بس… لساني اتقل.
وقفت الكلمة في حلقي.
وسكت.
لإنّي مش عارفة…
هل الوقت دا مناسب؟
ولا… نظراته اللي قبل شوية كانت كفاية تقلقني من ردّ فعله؟
تاني يوم جه، وروحت الجامعة كالعاده.
رجعت بعد المحاضرات وذهبت للشغل.
اليوم كان ماشي طبيعي جدًا، بعيد عن أي توتر أو قلق.
في نص اليوم، اتصلت بأدهم وقلت له إنه يجي يقعد معايا لحد ما يشوف شقة مناسبة.
بعد شوية إلحاح وافق، وقال إنه هيجي ياخدني من الشغل ونروح مع بعض.
قلبي كان بيدق بسرعة وأنا بفكر في اليوم الجاي، خليط من الحماس والتوتر.
حاسه بشوية فرحة لأنه هيبقى معايا، وفي نفس الوقت قلبي مشغول بالتفكير في كل اللي حصل قبل كده.
بعد شوية، وصل أدهم قدام الشغل.
لما شافني، ابتسم ابتسامة دافية، حسيت قلبي بيرتجف شوية.
قرب مني وأومألي بابتسامة:
__مش يلا؟
ابتسمت وأنا بقوله:
__حاضر، لحظة واحدة.
بصيت لسهيلة قبل ما أروح، وحضنتها بحرارة:
__باي يا سوسو.
هي حضنتني برقة وقالت:
__سلام يا روحي.
ركبت جمبه، وبصوت خفيف قال وهو بيربط حزام الأمان:
__مين دي؟
ابتسمت ورديت:
__دي سهيلة، صحبتي. اتعرفت عليها من الشغل.
ابتسم هو وقال وهو سايق:
__دي بت رخمه.
استغربت عقدت حواجبي وسألته:
__ليه بسّ؟
رد بصوت متحشرج:
__أول ما جيت أسأل عليكي قعدت تتراخم، وانت مين وعايز منها إيه؟ واتخانقنا.
ضحكت وقلت له:
__هي بس بتطمن عشان هي عارفة اللي حاصل معايه وقلقانه عليا بس ....
هز راسه وهو مش مقتنع
وصلنا تحت البيت…
ومع كل خطوة كانت رجلي بتتقيل.
أول لقاء بين أدهم ويوسف…
يا ترى هيكون لطيف؟
ولا نار تحت رماد؟
كنت عمالة أدعي يا رب تعدّي بسلام… يا رب.
نزلنا من العربية، وأنا حاسة بدقات قلبي طالعة لحد حلقي.
طلعنا الشقّة…
ولقينا يوسف واقف قدّام الباب، مبتسم ابتسامة شكلها هادي… بس وراها مليون علامة استفهام.
قال بترحاب:
__أهلا وسهلا… نورتنا.
أخويا؟
دخل من غير ما يرد!
عدّى جنبه كأنه هوا!
يا نهار أبيض… دا شكله مش يوم لطيف خالص.
أدهم وقف يبص حواليه، بتفاصيل دقيقة كأنه بيعاين الشقة…
والله حسيت للحظة إنه داخل في دور الحمى مش الضيف!
قال ببرود:
__مش بطّالة.
يا ساتر…
أنا اللي هتجنّن!
هو جاي ينتقد ولا يتعرف؟!
قعدنا على الكنبة، والجو اتقفل… توتر في السقف وفي الأرض وفي نفسي.
وفجأة… أدهم دخل في الموضوع فورًا، من غير تمهيد:
__إنت بتشتغل إيه بقى؟
يوسف رفع حاجبه، وأنا بسرعة حاولت أقول أي كلمة تكسر الجو…
لسه هفتّح بوقي…
قطع كلامي وهو يبصلي بنبرة أمر ناعمة بس قاطعة:
__ادخلي اعملّنا حاجة نشربها.
قلبي وقع.
يا لهوييي… دا داخل نيّة حرب!
ابتسمت ابتسامة كلها توتر، وقولت:
__حاضر…
وقمت…
وسبتهم لوحدهم.
خطوتي كانت تقيلة…
وقلبي؟
واقف في نص صدري ومقبوض…
حاسّة إن الجلسة اللي ورايا دي… مش هتعدّي على خير.
______________
أدهم
هو أنا أول ما دخلت الشقة… حسّيت إن فيه هدوووء غريب. زي ما يكون المكان ده ليه روح، ونور جزء منها. قعدت جنبه، وفضلت أراقبه من غير ما أبين إني براقبه.
بصراحة… كنت متحفّز.
مش مقتنع إن مفيش ولا غلطة في الواد ده.
مستحيل يكون كلّه ابتسامات وذوق… أكيد في حاجة مستخبية، وأنا اللي هطلعها.
قالي بصوت هادي كأنه بيحاول يوريني إنه “الكمال” نفسه:
– أنا بشتغل ضابط.
ضابط؟
ماشي…
كويس…
بس مش كفاية.
ميلت عليه وأنا ماسك نفسي:
– والشقة دي؟ تمليك ولا إيجار؟
رد عليّ بنفس الابتسامة المستفزّة اللي خلّت دمي يفوّر:
– لا تمليك… جبتها بتعبي.
أيوة… كمل مثالية بقى…
أنا قاعد مستني لحظة ألقط فيها غلطة… غلطة واحدة بس!
بس الراجل ده… ولا نفس، ولا لغبط، ولا حتى اتوتر.
وساعتها بقى…
سمعت الجملة اللي خلت قلبي ينزل تحت الأرض:
– أنت هتقعد في أوضة الضيوف… وأنا ونور في أوضة.
هو قالها كدا؟
كدااا؟
ببساطة دي؟
على أخوها؟
أنا؟
لأ…
لأااااا… مستحيل!
اتسحبت مني الكلمة قبل ما افكر حتى:
– لا أنا هنام معاك في الأوضة. شباب زي بعض… نلعب بليستيشن، نسهر… ولا إيه؟
ولا مش مرحّب؟
ولا… أقوم أمشي؟
كنت باصطاده.
يا يوافق… يا يبان على حقيقته.
فجأة لقيته بيرد بسرعة:
– لا والله… ده أنت منورنا… خلاص وماله.
ابتسامة انتصار طلعت غصب عني.
أهووو… أول خطوة تمت.
وقبل ما أكمل الاستمتاع باللحظة…
دخلت نور بالعصير…
وبمجرد ما نظرت لها، قلبي هدي.
بس عيني مازالت على يوسف…
الواد ده…
لسه مش داخل دماغي.
ولسه هعرف حقيقته.
حتى لو خد العمر كلّه.
لما جِه وقت النوم…
قلت لنور بثقة:
– نامي إنتي ف الأوضة التانية… عشان أنا ويوسف هنتسلى.
بصّت علينا نظرة اللي هي:
“هو في إيه؟”
بس مشيت.
وأول ما الباب اتقفل…
أنا قعدت على السرير وقلت لنفسي:
“اللعبة بدأت… يا يوسف.”
هنشوف بقى…
هيطلع حنين؟
ولا هطلع أنا اللي هكتشف المستخبي؟
وهو؟
واقف قدامي زي الطالب اللي جاله امتحان فجأه…
وبيحاول يعمل أي smile شكلها بريء:
– تشرب حاجة؟
أنا من جوايا:
آه… أشرب الحقيقة يا يوسف.”
استمتعوا عشان هنكد عليكم قريب🫠♥️#الم_بدون_صوت
البارت الاتنين والعشرين
أدهم
الأستاذ يوسف
جهّز القعدة كأنه بيستقبل وزير…
لبّ وسوداني وبمبوني لبان… ناقص بس يعلّق يفطة:
"أخو مراتـي… مرحّب بيك يا باشا".
قعدت… وبصيتله كدا من فوق لتحت.
أنا جاي اختبره…
هو فاكرني جاي أتصاحب!
قالّي بثقة:
ــ نلعب بلايستيشن؟
قلت أكيد هكسب… أو على الأقل نطلع متعادل…
لكن الواد قاعد ماسك الدراع كأنه داخل حرب أكتوبر.
أول ماتش…
جاب فيا خمسة.
خمسة يا جدعان!!!
وبعد كل جول يعمل نفسه مؤدب ويقول:
ــ هارد لك يا أدهم… لسه بسخن.
وبقى يدي نصايح!
ده العيال الصغيرة مبتعملهاش!
واللي يفقع أكتر…
كل جول ييجي، يرفع حاجبه زي بطل المسلسل التركي ويقول:
ــ عادي… مجرد تدريب.
تدرييييب؟!
يا ابن ال.اييههه
وأنا طبعا… راجل ودماغي كبيرة…
قولتله:
ــ سيبك من البلايستيشن… قوم نلعب شطرنج.
قالّي:
ــ مبعرفش.
قلت في سري: الحمدلله… هو ده المدخل.
قعدت أشرحله القوانين…
وبيني وبينك… كنت مخطط أزوّقه لعب كدا وأحطّه في خانة الخسرانين.
بس للأسف…
خمس دقايق ولاقيت نفسي أنا اللي في خانة الخسرانين!
ده بيشتغلني ولا عبقري وانا مش واخد بالي؟!
وفي اللحظة دي دخلت نور…
وبصت على الشاشة وقالت:
ــ هو انت مغلوب يا أدهم؟
رديت بسرعة
ــ لاااا دا احنا بس بنسخّن.
قلت بس…
الواد ده لازم أحطه تحت الميكروسكوب.
مستحيل يكون طبيعي.
ده غالبًا كان لاعب محترف… أو جاسوس FIFA.
بس أهو… هكمل لعب
لحد ما أطلعله غلطة.
ولو مفيش غلطة…
هعمله غلطة بقى.
كل ما يغلبني يقولي بضحكة بايخة:
__عادي يا أدهم… أول مرة تلعب ولا إيه؟
وأنا قاعد ماسك نفسي بالعافية
عشان لو رديت…
هتطلع خناقة مش لعبة.
بس برغم كدا…
كنت ببصله بنص عين
وبقول لنفسي:
_ماشي يا يوسف… خلي اللعب يعدي… بس لسه الاختبار الحقيقي قدام. ومش هتفلت.
ونور؟
كانت كل شوية تبص من الباب
وهي مستغربة علينا
كأننا طفلين بيتخانقوا على عربية لعبة.
بس أهم حاجة…
إن الليلة عدت من غير ما أرمي الدراع في وش حد.
لسه… الاختبارات جاية يا باشا.
____________________
يوسف – بالليل
الليل جِه…
وأخيرًا أدهم قرر ينام بعد ما قعد "يفرك" ويلمّع في نفسه وكأنه داخل بطولة أولمبية للنوم.
وأنا؟
أنا قاعد ع السرير… حقيقي مش فاهم هو بيعمل إيه.
أول ٥ دقايق:
أدهم يتقلب.
بعدها:
يشهق فجأة كأنه بيقع من على برج.
دقيقة بعديها:
يرفع إيده ويهرش في الهوا… هوا!
أنا براقبه وأنا مصدوم، وبقول هو بينام ولا بيصارع عفريت؟
قلت لنفسي:
شكل مفيش اليوم النهارده....
وبعدها فجأة…
سكت.
افتكرت إنه نام…
وواردتني رحمة ربانية.
وفجـــأة…
قام بعنف وهو بيقول:
"كسبتك يا عمِّييي!!"
أنا نطّيت من الخضة.
دا كان نايم وبيحلم إنه بيكسبني في البليستيشن؟!
دا حتى وهو نايم بيكمل تمثيل!
بصيت له وغمغمت بقهر:
– يا ابني دا أنا اللي كسبتك 8 مرات ورا بعض… فوق لنفسك.
رجع نام تاني…
وابتدى "يفرك" تاني كأنه بيعمل عجينة في الحلم.
قعدت أبصلّه وأنا بضحك، وقلت لنفسي:
"طب والله يا نور… أخوكي دا اختبار من ربنا، بس أنا قدّها."
خرجت للصاله
وأنا بهرب اساسا من الكائن الغريب
اللي نايم على السرير!
الواد أدهم…
كان نايم وبيصارع الغطا حرفيًا.
كل شوية يمد إيده… يشوط…
وكأنه ف ماتش مش نايم جنب حد!
قعدت ع الكنبه
ونفسي بجد يروح للنوم
بس لقيت نور خارجة من أوضتها،
وشها فيه قلق كدا وقالت:
__معرفتش تنام منه مش كدا؟
ضحكت غصب عني وقلت:
__دا بيلعب مصارعة وهو نايم…
دا أنا رقبتي كانت هتتخلع....
ضحكت، ضحكت بجد…
ضحكتها دي…
حسستني إن التعب كله نزل من على صدري.
وقالت وهي مندمجة:
__طول عمره كدا… والله ساعات كان بيضربني برضه كدة غصب عنه..
اتنهدت هي
واتنهد قلبي معاها لما قالت:
__ادخل نام في الأوضة… وأنا هنام في الصالة.
ردّيت من غير ما أفكر،
التلقائية خرجت قبل عقلي:
__م ننام عادي في الأوضة أنا وانتي.
بصّتلي…
نظرة طويلة…
كأنها بتحاول تفهم أنا قصدي اي.
ولحظتها حسيت إن أنفاسي اتلخبطت.
اتكلمت بسرعة عشان أطمنها:
__شكلي هيبقى وحش قدّام أخوكي
لو صحي ولاني نايم زي الغريب ع الكنبة…
ولا سيبتك تنامي انتي هنا!
هيبقى شكلي وحش برضه…
يرضيكي؟
كنت خايف يصحى يلاقينا كدا…
وخايف أكتر إنها تبعد.
بس كل اللي في قلبي
إنّي…
وبصراحه كنت بنتهز
الفرصه!
تعرفوا… لحد النهارده
أنا مشوفتش شعرها!
البنت دي حرفيًا نايمه صاحيه، رايحه جاية، ، بتضحك، تعيط ،بتهرب مني…
وبرضه الطرحه ما بتتفكّش.
بس النهارده…
النهارده أنا كنت واثق… هشوفه.
هو فيه زوج مايعرفش لون شعر مراته؟
أكيد لأ.
فكنت داخل الأوضة بثقه كدا…
وإحساس إن المخبّي هيبان.
لكن كل آمالي…
اتحطمت ف لحظه.
دخلت الأوضه…
لقتها قاعده ع السرير
ولابسه الطرحه
ولا كأني مش موجود.
أو يمكن اصلا عشان موجود!.
قعدت ف مكاني وقلبي بيقول:
__ليه كدا يا بنتي… دا حتى أخوكي نايم ف الاوضه… يعني مفيش رقابة!
طب يا سيدي…
هترخيها؟
تفك دبوس؟
تعدلها؟
أي حاجه؟
لأ…
ولا حتى شعره واحده طلعت.
فضلت أبصّ عليها بحسرة
وقولت ف سري:
__طيب أنا متجوز واحدة ولا ظِلّ حد لابس طرحة؟ طب افتح موسيقى حزينة ولا اي؟
اتنهدت…
وقولت:
— "يا رب… امتى اليوم اللي أشوف فيه شعرك دا؟ يوم الفرح؟ طب ما احنا متجوزين خلاص!"
وهي؟
ولا على بالها.
بتفرد البطانيه وتقول:
— اطفي النور ي يوسف.
اطفي؟
ده أنا أطفي حياتي كلها من الإحباط اللي أنا فيه.
كنت نايم تحت، وهي فوقي،
والنور الخفيف اللي جاي من الشباك كان باين عليه إنه بيقرب من وشي كل شوية
مش قصد…
هي بتتقلب كتير…
بس كل ما تتحرك، قلبي يتحرك معاها
حسيتها مش مرتاحة،
فقولت بصوت هادي:
__ممكن تقلعي الطرحة عادي… أنا مش غريب.
سكتت شوية، حسيت بتوترها…
بعدها كملت وأنا بخفف الجو:
__كده كده أنا تحت… ومش شايفك.
سمعت صوتها وهي بتحرك الطرحة… حسيت بانتصار صغير جوه قلبي…
ابتسمت، قلبي دق بسرعة… وأخيرًا ممكن اشوف شعرها
وقررت لنفسي… لما تنام أخيرًا، هشوفه…
عشان أقدر أركز وأتأمله كويس… وأحاول أفهم نفسي.
حاسس قلبي بيجري بسرعة، وعقلي مش ساكت… حاسس إني اتجننت شوية…
بس يمكن… يمكن هي اللي جننتني!
جلست ساكت، كل عيني على السرير… كل حركة بسيطة منها كانت بتشد انتباهي…
وفي نفس الوقت، حاولت أسيطر على نفسي عشان متبهدلش الموقف…
كل ثانية كانت طويلة، وكل نفس كان مليان توتر… بس برضه إحساس غريب حلو…
________________
نور
كنت نايمة نص نوم…
بس زي كل يوم، كنت مستنيّة اللحظة دي.
أنا أصلاً متعودة… يوسف ليه ميعاد ثابت يقوم فيه ويمشي وهو نايم.
مش بيصحى… بيقوم ويتحرك وخلاص.
وعلشان كدا عمري ما بسيبه…
بفضل صاحياله، أرجّعه للسرير كل يوم…
وبطريقة غصب عني بقت عادة… وبقيت أعرف ميعاده قبل الساعة ما تنطق.
وفعلاً…
الساعة 2 بالليل بالظبط…
سمعت حركة خفيفة.
فتح عينيّ لقيته قاعد،
وبعدين وقف…
وبيمشي بعشوائية…
عينه نص مفتوحة… جسمه مايل…
وتحسه بيدوّر على حاجة مش موجودة.
قمت بسرعة من على السرير،
رجليّ كانت بتتزحلق ع الأرض من العجلة،
ولحقت إيده قبل ما يخبط ف الدولاب.
قربت منه وقلت بصوت واطي:
"يوسف… تعالى… تعالى هنا."
هو طبعاً مش سامع…
بس جسمه بيهدا أول ما بمسكه.
ساقيته بهدوء لحد السرير،
وبدأت أرجّعه مكانه.
وبينما أنا بظبط المخدة تحتيه،
وقلبه بيرتاح…
كنت ببص عليه وأنا مش فاهمة…
إزاي الشخص دا…
بالغلط… وبالصدفة…
دخل حياتي بالشكل دا؟
وليه رغم كل حاجة…
مش قادرة أسيبه يتحرك لوحده حتى وهو نايم؟
إدّيت وشي ناحية مكانه عشان أرجّعه ينام…
ملقتهوش!
السرير كان فاضي…
قلبي وقع لحظتها.
خرجت بسرعة، وأنا متوقعة ألاقيه في أي مكان من الشقة…
ولقيته…
قاعد على الكرسي، وعينيه مغمضة، ونايم بس شكله قاعد يتشقلب لحد ما وقع هناك.
قربت منه بخطوات هادية…
وحاولت أشيله…
أو حتى أرجّعه للسرير…
بس مفيش فايدة، تقيل جدًا، ومبيتحركش بسهولة وهو نايم.
مددت إيدي على كتفه، ورجّيته هادي:
__يوسف… يوسف… اصحى.
وبصعوبة بدأ يفتح عيونه، ملامحه كانت كلها ارتباك…
اتنفض شوية كدا، وبص حواليه كأنه بيشوف الكوكب لأول مرة.
وقال بصوت مخضوض وناصص للسقف:
__أنا… إيه اللي جابني هنا؟
قربت منه وأنا متعودة على الموقف دا من كتر ما اتكرر:
__انت بتتمشّى وانت نايم… زي كل يوم.
بصلي كام ثانية…
وبعدين نزل عينه كأنه مستفهم ومكسوف من نفسه، وقال بصوت واطي:
__تاني…؟
هززت راسي ببساطة:
__أيوه يا يوسف… يلا قوم نرجّعك سريرك.
______________
يوسف
أنا عمري ما صحيت وأنا تايه كده…
[كداب دايما بيصحى كدا]
فاتح عيني والأنوار هاديه، والدنيا ساكته، وبحاول أفهم…
إيه اللي جابني للكرسي؟
كنت لسه بلمّح نور قدّامي… واقفة شايله همّي كالعادة.
قالت بهدوء:
__إنت بتمشي كتير وإنت نايم… تعال.
مدت إيدها…
ولأول مرّة من يوم ما اتجوزنا، شوفت شعرها…
اتجمّدت.
مش عارف أرمش حتى.
شعرها كان نازل على كتافها… بسيط… ناعم…
مش مزّوق ولا متكلف…
بس كان كفايه إنه يخبطلي قلبي خبطة غريبة…
خبطة وجعتني وحمستني في نفس اللحظة.
أنا أصلاً…
كنت بحاول أقاوم إحساسي ناحيتها من زمان.
وأهو… ربنا قرر يختبرني.
غمضت عيني لحظة…
مش عشان أتماسك…
عشان لو فضلت أبصلها كده، هتقلق…
وهتحس إني بتصرف غلط، وأنا آخر حاجة عايزها إنها تتوتر مني.
فتحت عيني تاني…
ولاقيتها بتبصلي بقلق الطفل اللي خايف يكون عمل حاجة غلط.
قالت بفوضى:
__مالك؟
بلعت ريقي…
وحاولت أثبت صوتي:
__ولا حاجة… بس عشان صحيت فجأة.
والله أنا كنت طول النهار بحاول أتصنع الهدوء…
وبحاول أتصرف طبيعي…
لكن اللحظة دي؟
كسرت كل محاولاتي.
مشهد بسيط…
بس حسّسني إني…
اتعلقت بيها أكتر من اللازم.
أكتر مما المفروض.
وقفت…
وهي ساعدتني أرجع للسرير…
وبصراحة؟ أنا مرضيتش أبصلها تاني.
مش عايز أدوّخ نفسي أكتر.
بس وأنا بنام…
كنت حاسس إن قلبي…
كان صاحي أكتر مني.
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت
التلاته وعشرين
يوسف
بعد وقت قليل
النوم غلبني…
وكان النوم جنبها غريب
هادي… ودافي… ومريح بشكل مش مفهوم.
مش عارف عدّى قد إيه
بس صحيت فجأة على شهقة عالية.
نور!
اتعدلت بسرعة، قلبي وقع.
كانت قاعدة ومخضوضة، نفسها عالي
والعرق مغرق جبينها.
قلت بقلق واضح:
– انتي كويسة؟
هزّت راسها وهي بتحاول تظبط نفسها:
– كابوس…
قومت فورًا:
– ثانية أجيبلك مايه.
رجعت بالكوباية
وقعدت جنبها، بهدوء
وطبطبت على ضهرها لحد ما هديت
اديتها الكوباية… شربت شويه
واتنهدت:
– شكراً…
ولما رفعت عيني عليها…
اتوترت.
كانت من غير الطرحة
وشعرها سايب، واقف حواليها
وشكله لسه خارج من كابوسها.
حسّيت بتوترها هزيت راسي بسرعة
وبعدت إيدي عن ضهرها بهدوء…
كأني بفوق نفسي.
قلت:
– حلمتي بإيه؟
لقيت عينيها بتلمع
والدموع بتتجمع:
– حلمت إني كنت في عربية مع ماما…
وحصلت حادثة.
سألتها بهتمام
بحاول اشاركها خوفها:
– طب… مين كان سايق؟
مسكت دماغها من الوجع:
– مش فاكرة…
دماغي مصدعة…
حاسّة إن في حاجة ناقصه…
حاجة مهمة… ومش فاكرة هي إيه.
أنا شخصيًا ماكنتش فاهم حاجة
بس قلبي اتقبض.
قلت لها بنبرة هادية ومطمئنة—نبرة عمري ماهستخدمها مع حد غيرها:
– استني… أجيبلك مُسكّن.
وقمت وأنا كل تفكيري:
هي ناسية إيه؟
وليه الكابوس بالشكل ده؟
ولو ده حلم…
يبقى الحقيقة شكلها عاملة إزاي؟
قولت لنفسي يمكن الكابوس ليه علاقة بمامتها…
يمكن فعلاً حصل لهم حادثة،
وهي لحد دلوقتي موجوعة من الذكرى.
معرفتش أسأل…
حسّيت لو ضغطت عليها هزود وجعها بس.
رجعت بالمسكن،
اديتهولها وشربت ميّه تاني،
وبعد دقايق كانت مغمضة عينيها…
النَفَس بدأ يهدى شوية بشوية،
ولمّا اتأكدت إنها نامت،
فضلت قاعد جمبها.
مش قادر انام…
ولا قادر أبعد.
كنت ببصلها وهي نايمه
كأنها طفله صغيره كانت تايهه
ولقت أخيراً حد يطمنها…
حد يقعد جنبها لحد ما النوم يشيله.
ويا ريت قلبي كان هادي زي شكلي…
بس الحقيقة؟
أنا كنت مرعوب عليها
ومش قادر أفهم ليه وجودي جمبها
بيخليني حاسس…
إنها أماني وأنا الأمان بتاعها.
__________________
أدهم
صحيت
لـقـيـت الـسـريـر فـاضي!
يوسف مش جمبي!!
أنا؟
اتنفضت من مكاني زي اللي صحى على إنذار حريق.
جريت أدور عليه في كل ركن
الصالة؟ فاضية
المطبخ؟ ولا ريحته
البلكونة؟ مفيش
لحد ما وقفت قدّام أوضه نور…
والباب مقفول.
(آه… أكيد دخل!
هو مش قادر يعدّي نص ساعة بعيد عنها ولا إيه؟
يا ابني دا نوم مش جواز!)
غيرت الرحمة من قلبي
وقعدت أخبط على الباب
زي المخبرين لما يمسكوا تاجر مخدرات.
– يوسف!! افتح يا ابني!
بعد شوية
الباب اتفتح
ولقيته واقف…
شعره منكوش
وعنيه نص مفتوحة
وشكله لسه صاحي.
وأنا الدم مغلي لدرجة
كنت سامع "تسسسس" من وداني.
قلتله بصوت مليان عصبية:
– بتعمل إيه ف أوضه أختي؟
رد عليا
بضحكة مستفزة
النوع اللي يخلّيك تفكر تعمل جريمة وتقول: "ما هو اللي استفزني".
وقال وهو بيعدل هدومه:
– تقصد مراتي؟
تفتكر ممكن أكون بعمل إيه؟ بنلعب شطرنج؟
وبمنتهى البرود
خرج
واتجه ناحية الحمّام
ولا حتى بصّ عليّ
كأني هوا!
وأنا…
كنت حرفيًا
حاسس النار طالعة من وداني
زي التنين.
الواد دا…
ناااقص يفقعلي مرارتي بس.
قعدت في الصالة مستني نور
قلقان…
متوتر…
وعقلي بيجيب سيناريوهات مالهاش لازمة.
لحد ما خرجت.
أول ما شُفتها
قربت منها بسرعة
وقعدتها على الكنبة
وعنيا بتسأل قبل لساني:
– جه جمبك؟
قربلك؟
ضايقك؟
قوليلي؟
هي ضحكت…
ضحكت!
وأنا كنت هتشل.
قالت بهدوء:
– متخفش يا أدهم…
هو بس معرفش ينام منك امبارح
ف جه ينام في أوضتي.
مينفعش أسيبه في الصالة برضه.
بصتلها بضيقة وعيوني مضيّقة:
– برضه… انتي ناسيه انتوا متجوزين ليه؟
اتغير وشها…
وكأن الكلام خبطها.
تنهدت وقالت:
– عارفه يا أدهم…
بس برضه…
المفروض يكون في بينا مودة.
ساعتها حسّيت إني ضايقتها.
اتكسرت جوايا حاجة كدا
وسكت…
ومعرفتش أرد.
_____________
نور
حضرت الفطار
وقعدنا نفطر مع بعض.
القعدة ما فضلتش هادئة.
الشد والجذب بين يوسف
وأدهم كان واضح.
قلبي بيتقلب بين التوتر
والضحك وأنا شايفة كل حاجة.....
بعد الأكل، قال أدهم إنه هياخدني أخرج.
يوسف أصر إنه ييجي معانا.
ضحكت بصراحة، ...
شكلهم زي أطفال
بيتخانقوا على لعبة.
كل واحد بيحاول يثبت نفسه، كل شوي بيجذب التاني.
لما وصلنا المكان، بدأ الجدال من جديد.
أدهم بيحاول يشيل الشنطة، يوسف بيقفله الطريق.
أنا واقفة في النص، قلبي يدق بسرعة.
ضحكت وأنا بحاول أخفف الجو، بس كله عبث.
مين هيدفع؟ مين هيجيبلي حاجة أحلى؟
كل واحد فيهم عايز يثبت إنه الأهم بالنسبة لي.
حسيت بالحرج شويه، لكن كمان كان في طاقة ضحك غير متوقعة.
القلق والتوتر ممزوجين بالمرح والغضب في نفس اللحظة.
أدهم بيبصلي بعينيه الدافئه، وبيحاول يهدي الموقف.
يوسف، من ناحيته، ساكت، بس واضح عليه الانزعاج.
أنا مش عارفة أضحك ولا أزعل، قلبي بين الأمان والارتباك.
رجعنا.
كان يوم جميل.
أيوه، كان فيه دوشة بين يوسف وأدهم،
بس في نفس الوقت اليوم كان تحفة.
يوسف دخل الأوضة، عشان يسيبلي مساحة أنا وأدهم.
قررت أسأل أدهم عن حاجة شاغلة بالي:
__أدهم، كانت في حاجة عايزه أسألك عليها.
بصلي بتركيز، مستني أقول.
كملت بتوتر:
__بابا ف خناقة بينا… قالي إني السبب ف موت ماما.
تفتكر كان يقصد اي؟
رد عليا بتوتر.
أول مرة أشوفه في عينه…
وقال:
__معنديش فكرة خالص.
وكمل بابتسامة كاذبة:
__تلاقيه قال كده بس من العصبية، انتي عارفاه
رديت باستنكار:
___بابا عمره ما كان كده غير بعد موت ماما.
بصلي…
عيونه كانت بتقول كلام كتير،
لكن لسانه!
لسانه كان مربوط.
يتبععع
دخلنا ف الجد انتظروا ....😉🔥#الم_بدون_صوت
البارت
الاربعه وعشرين
نور
استنيت…
استنيت أي رد منه.
لكن أدهم كان متوتر.
متوتر جامد.
أول مرة أشوفه بالشكل ده.
كان واضح…
إنه مخبّي عني حاجة.
حاجة كبيرة.
والصمت كان تقيل.
تقيل لدرجة حسيته بيخنقني.
قطع الصمت دخول يوسف.
وكأنه كان طوق نجاة لأدهم…
فرصة يهرب مني.
أدهم قام بسرعة وقال ليوسف:
__تعالى نلعب بلايستيشن.
يوسف ضحك بثقة:
__عايز تخسر تاني؟
أدهم بصله بضيق:
__المرة دي هكسب.
ودخلوا الاتنين.
وسابوني…
وأنا!
أنا قاعدة في ألف سؤال.
ألف احتمال.
ودماغي تلف.
ومفيش رد…
على أي واحد منهم.
_______________
أدهم
كنت بهرب من عيونها.
مش جبان…
بس مش قادر أواجه.
خايف.
آه… خايف عليها.
خايف اللي حصل زمان
يتكرر تاني.
وأنا…
أنا مش قدّ إني أخسرها من جديد.
نور دي…
أختي وصحبتي
وكل حاجه ليّا.
وعلشان كده…
سافرت وسيبتها.
مش علشان هربان منها،
بس علشان مكنتش عارف هعيش إزاي،
ولا هروح فين.
خوفت آخدها معايا
فتتبهدل أكتر…
خوفت مش أعرف أصرف عليها،
ولا أحميها.
بس اللي مكنتش أعرفه…
إن كل ده
هيحصل وهي لوحدها،
وفي غيابي.
عشان كدا…
قررت إني أحميها.
من أي حد…
وكل حد.
حتى لو كان الخطر جاي مني أنا!
وعشان كدا جيت.
جيت أتأكد.
أشوف يوسف بنفسي.
أفهمه… أعرفه…
هل يعرف يحافظ عليها؟
ولا لاء؟
لحد دلوقتي…
مشوفتش منه حاجه وحشه.
شخص كويس…
وبيعاملها بحنيه غريبة.
لكن قلبي…
قلبي بيقول إن مفيش حد كامل كدا.
أكيد في غلط.
وأنا لازم أعرفه.
ولازم بسرعة…
قبل ما يفوت الآوان.
تالت يوم من قعدتي معاهم…
يوسف خرج الشغل.
ونور راحت الجامعه.
وأنا…
رجعت بدري.
بدري أوي.
مش راجع البيت…
راجع لنيتي.
راجعلها.
وقفت قدام أوضته.
نفَسي كان بيعلى…
وصوت قلبي بيخبط ف وداني.
بس فتحت الباب.
دخلت.
وبدأت أدوّر.
مش عشان أتجسس…
لكن عشان أطمن.
عشان أعرف.
عشان لو في حاجه…
ألحقها قبل ما تكبر.
دورت في الأدراج…
وفي الدولاب…
وفي المكتب.
كأنّي بدوَّر على نفسي…
مش على سر.
وكل ما إيدي تتنقل من مكان لمكان…
كان خوفي بيكبر.
والأسئلة بتكتر.
ومفيش إجابة…
ولا حتى لمحه
…
فضلت أدور
أوراق، دوسيهات قديمة، حاجات ملهاش لازمة…
لحد ما
إيدي وقفت.
ملف قديم… لونه باهت…
وعليه ختم قديم قوي.
قلبي وقع.
فتحته.
كان تقرير… ومحضر نقطة… وتواريخ.
عينيا جريت ع السطور بسرعة…
وبعدين وقفت.
كلمة واحدة
سطر واحد
كان كفاية يخلي الدنيا تلف حواليّ
وقفت مكاني…
اتجمدت.
مش قادر أصدق.
مش قادر أستوعب.
هو… كان متهم؟
وهمّ؟
وإزاي؟
وإيه اللي حصل؟
وإزاي نور مش عارفه؟
وإزاي أنا سايبها جنبه؟
قعدت ع السرير
حاطط إيدي ع راسي
والورق بيرتعش في إيديا.
كل اللي جه على بالي ساعتها
وورقي بيترعش في إيدي:
أنا لازم أعرف نور حقيقته…
ومستحيل أسيبها يوم واحد معاه تاني.
فضلت واقف مكانّي
بحسّ إن الهوا اتسحب من الأوضة فجأة.
ورقتين… تلاتة…
وكل سطر كنت بقراه
كان بيوقع فوق صدري زي حجر.
ماضي يوسف
مش بسيط.
مش عادي.
ومش حاجة ينفع تتنسي.
هو دا الراجل اللي عايش معاها؟
اللي بتضحك معاه؟
اللي بتشكر فيه؟
لا…
نور دي أمانتي.
وآخر حد في الدنيا
ينفع أسيبها معاه
هو صاحب الماضي المظلم دا.
رفعت الورق
وغمضت عيني لحظة
وكأنّي بحاول أفكر بعقلي
مش بخوفي.
بس كل ما افتكر ضحكتها
شكلها وهي بتتكلم عنه
أفتكر إن الحقيقة دي
هي القادرة تهدّ كل دا
في ثانية.
_____________
نور
رجعت من الجامعة، حضّرت الغدا وحطيته على الترابيزة.
يوسف ابتسم وقال بهدوء:
– تسلم إيدِك.
اكتفيت بابتسامة صغيرة، وقعدنا ناكل.
بس أدهم…
كان واضح من أول لحظة إنه داخل الحوار بنية تانية.
بصّ ليوسف وقال بنبرة عادية… لكنها مش بريئة:
– إحنا تقريبًا منعرفش عنك حاجة… أمك؟ أبوك؟ فين؟
شفت يوسف اتوتر، حتى نفسه اتغيّر.
قال وهو بيحمحم:
– والدي الله يرحمه… وأمي مهاجرة بره.
أدهم ضيّق عينيه وقال باستغراب متعمد:
– غريبة… سايب أمّك تهاجر لوحدها؟
يوسف بلع ريقه، والتوتر زاد في صوته:
– دا كان قرارها… هي اللي اختارت تسافر. وأنا اخترت أفضل هنا.
لكن أدهم ما وقفش.
كان بيقشّط على الجرح وهو عارف إنه بيوجع:
– ولا يمكن… تكون هي اللي ماكانتش عايزة تاخدك معاها؟
بصّيت له بصدمة، قلبي وقع من الخضة.
– أدهم!
قلتله بنبرة تحذير.
بصلي وقال بحدة:
– اسكتي يا نور… انتي متعرفيش حاجة.
يوسف رفع حاجبه، مستغرب ومشدود:
– وإيه اللي يخليها ما تبقاش عايزة تاخدني؟
ابتسامة طلعت على وش أدهم…
ابتسامة ماكانتش ابتسامة.
كانت سهم:
– مش يمكن… عشان ق*لت أختك؟
الكلمة نزلت على الترابيزة زي صدمة كهربا…
والمكان كله اتجمد.
الكلمة وقعت زي صاعقة.
اتسمرت مكاني… حسّيت الهوا نفسه اتقطع.
يوسف اتجمد.
عينه اتسعت، مش خوف… صدمة.
صدمة حد *مستوعبش* لسه اللي اتقال.
بصيت لأدهم بحدة:
– أدهم!! إنت بتقول إيه؟!
بس أدهم كان ثابت…
ثبات يخوّف.
عينيه مركزة على يوسف، مش عليا.
يوسف بلع ريقه بصعوبة…
صوته طلع مبحوح:
– إنت… جبت الكلام دا منين؟
أدهم اتكأ بظهره على الكرسي…
ببرود غريب…
وبرغم إن ملامحه هادية، لكن صوته كان زي السكينة:
– من ملفك.
الملف اللي أنت مخبيه…
اللي فيه قضية أختك.
حسّيت قلبي وقع.
قمت واقفة وأنا ببص ليوسف بتوتر:
__ يوسف… قولّي.
دي كدبة… صح؟
يوسف كان ساكت.
ساكت بشكل يخوّف أكتر من الكلام.
أدهم كمل، وصوته بقى أخشن:
– عارف ليه مامتك سافرت وسابتك؟
عشان مش قادرة تبص في وش ابنها…
اللي اتُّهم بإنه السبب في موت بنتها.
صرخت:
– أدهم اسكــــــــت!!!
بس الكلام خرج…
ومافيش طريقة يرجع بيها.
يوسف وقف مرة واحدة…
كرسيه اتزق لورا بعنف خفيف.
عينه فيها حاجة بين الغضب… وبين وجع قديم.
بص لي…
نظرة كسّرت حاجة جوايا:
__ نور… اسمعيني…
أنا… مش زي ما هو فاكر.
والحقيقة… أصعب من كدا بكتير ...
أدهم
مكنش سايبني حتى أستوعب الكلمة اللي قالها…
قرب من يوسف بخطوات تقيلة، وصوته كان مليان غضب وهو بيقول:
__تطلّقها حالًا.
يوسف اتصدم،
عيونه اتسعت، وصوته خرج متقطع وهو بيقول:
__لا… لا لا…
أنا مش هقدر أستغنى عنها.
أنا… أنا اتعوّدت على وجودها.
كان بيتكلم كأنه خايف،
خايف يخسرني…
وخايف من أدهم في نفس الوقت.
أدهم بصله بنظرة حادة،
نبرة صوته كانت واطية… بس كلها تهديد:
__يبقى يا يوسف…
انت اللي جَنيت على نفسك.
وهتطلّقها…
بمزاجك أو غصب عنك.
كنت واقفة بينهم،
حاسة إن الدنيا بتنهار…
وإن في سر كبير
اتفتح ومش هيتقفل تاني
البارت الخمسه وعشرين
البشممرضه يوكا
يوكا العسل اللي خمنت صحح🥰🥰🥰🥰🥰♥️
يوسف
أدهم كان مهاجمني من أول كلمة،
مش مديّني فرصة أشرح،
ولا حتى يسمع أنا بقول إيه.
بس ولا أي كلمة قالها
وجعتني قد صوت نور…
وهي بتسألني بنبرة مكسورة:
__يعني فعلاً كنت مخبّي عني؟
ليه؟ ليه ماقولتش؟
اتلخبط… واتشنجت…
وقولت لها بسرعة:
__كنت خايف…
خايف متثقيش فيا
او تخافي مني.
وخايف متصدقيش
اني مقتلتهاش!…
أو تبُصيلي بشكل يوجعني.
نور بصت لي بوجع
النوع اللي يوقف الدنيا…
وقالت بهدوء جارح:
__للأسف يا يوسف…
أنا مش بس خايفه منك…
أنا كمان مش واثقة فيك.
الكلمة دي…
نزلت على قلبي
زي حجر تقيل.
وأدهم؟
واقف بينا زي نار مولّعة…
مش هادي ولا عايز يهدّي.
قال بحدة:
__لو على الثقه … أنا مش شايف إنك مناسب لها أصلاً.
وبص عليا بنظرة متحدية…
لكن كل ده مكنش مهم،
ولا أي كلمة منه كانت بتوجعني،
قد كلمة نور الوحيدة:
__مش واثقة فيك.
أدهم قالها كإنه بيصدر حكم:
__يلا يا نور… ادخلي هاتي هدومِك، هتمشي معايا.
الكلمة نزلت عليّا زي صاعقة.
حسّيت إني متكبّل، واقف ومش قادر أتحرك…
أنا ما عملتش حاجة!
ما لمستش حد ولا أذيت حد…
ومش أنا اللي قتلت!
لكن نور…
نور كانت واقفة بعيد،
عينها مليانة صدمة… وخيبة.
مكنتش عايزة تسمع،
مكنتش عايزة تفهم،
مكنتش حتى بتبص ناحيتي!
وكل اللي كان بيلف جوا دماغي:
__يمكن عشان خبيت…
يمكن عشان محكتش…
يمكن خوفت، ومن خوفي خسرت كل حاجة.
كنت خايف تقول ما تصدقش.
خايف أقول وتبعد.
خايف أحكي فتخاف مني.
بس عمري ما توقعت
إن الخوف نفسه…
هو اللي يوصلني للمكان دا.
مكان واقف فيه لوحدي،
ونور ماشية للباب،
وأدهم واقف قدامي…
عاملني كإني مجرم،
ومصرّ ياخدها منّي
غصب عنّي…
وغصب عنها.
وكل اللي قادر أقوله لنفسي:
__أنا مش مذنب…
بس يمكن أكون أنا اللي سبّبت كل دا
قبل ما تخرج،
قالت كلمة واحدة…
لكن كانت كفاية تهدّني وتوقعني من جوّا.
وقفت قدامي
بنظرة كسرة…
نظرة مفيهاش غضب قد ما فيها وجع.
وقالت بهدوء واجع:
__ورقة طلاقي توصلي.
وع العموم…
شكرا على كل حاجة عملتها معايا.
الكلمة خرجت…
بس دخلت في قلبي زي سكينة.
لا قدرت أتكلم…
ولا حتى أمد إيدي
ولا أشرح
ولا أقول "استني".
بس فضلت واقف…
شايف حياتي كلها
بتمشي من قدامي
وخُفّها.
كان أثقل من أي صرخة.
___________
نور
كنت راكبة العربية
جنب أدهم.
بس دماغي…
مكانتش هنا.
الطريق قدامي
بيجري،
والأسئلة جوايا
بتجري أسرع.
ليه؟
ليه مسمعتوش؟
ليه مشيت؟
وسبته واقف…
مكسور كدا؟
مكنتش عارفه.
كنت تايهة.
يمكن كنت بهرب…
من كلمته،
من الحقيقة،
من نفسي.
ويمكن…
يمكن كنت بهرب
عشان حسّيت بحاجة
معرفتش أتعامل معاها.
حاجة هزّتني،
خلّتني مش عارفه
أواجهه
ولا أواجه إحساسي
نحيته.
أنا مصدقاه.
عارفه إنه مقتلش.
عارفه إن ورا الحكاية
سر كبير،
وحاجات اتدفنت من سنين.
بس…
الثقة اتخذت مني لحظة،
وإدّيت للخوف فرصة
يبعدني.
وأنا دلوقتي…
مش عارفه
هربت من إيه بالظبط:
منه؟
ولا من إحساسي
اللي لسه
مش عارفه أسميه؟
وصلنا الشقة…
الشقة اللي أدهم أجّرها مخصوص عشان أقعد أنا وهو.
دخلت، حطّيت حاجتي، وقعدت على الكنبة.
كنت حاسّة إن ملامحي بايّنة قوي…
صدمة؟
خذلان؟
يمكن حزن…
ويمكن كل دا مع بعض.
أدهم قرب مني،
صوته كان ثابت، حازم، مفيهوش أي نقطة تردّد:
_هانديه أربع أيام… لو ما طلّقكيش، هنرفع عليه قضية خُلع.
بصيت له بتنهيدة تقيلة.
وقولت بهدوء:
__ماشي يا أدهم.
لقى نفسه بيبصلي باستغراب…
اتساؤل واضح ف عنيه، قبل ما ينطق:
__هو انتي… حبّيتيه؟
بلعت ريقي، قلبي اتشد،
بس ردي كان سريع:
__لا… إنت بتقول إيه بس؟
وسكت لحظة، قبل ما أكمل:
__أنا… بس حاسّة إنه مظلوم.
ضحك بسخرية خفيفة، نظرة فيها شك:
__لو كان مظلوم… مكنش خبّى. اللي بيخبي… بيخبي ليه؟
بصيتله، واول مره…
محسش كلامه دخل عقلي.
كنت مقتنعة إن يوسف…
مقالش عشان مذنب.
لكن…
عشان خاف إني أبعد.
عشان خاف أصدّق الورق…
وأكذّب اللي شوفته منه.
وبرغم كل حاجة…
جوايا صوت خفيف جداً
كان بيقول:
__يوسف مش هو الشخص اللي ممكن يعمل كدا.
كانت الأيام بتعدّي
تقيلة…
مفيهاش روح.
مبقتش أصحى
ألاقيه يعمل الفطار.
ولا أشوف خوفه عليّا.
ولا حتى
يوصلني الجامعة.
كنت حاسة
إن في حاجة ناقصة…
فراغ مش مفهوم.
والمفاجأة؟
إن الفراغ ده
كان اسمه يوسف.
كنت بفكر فيه
غصب عني.
وكل ما أفتكره…
قلبي يتشد.
مكنتش متخيلة
إن غيابه
يوجع كده.
_____________
أدهم
كنت قاعد قدّام مازن،
نظرتي كانت مليانة شرار،
وقولتله بنبرة مخنوقة:
__نور سألتني... عن الحادثة.
رفع عينه عليّا بلا اهتمام،
وقال ببرود:
__وقولتلها إيه؟
اتنفست بعصبية،
صوتي عليّ وأنا بقول:
__قولت إني معرفش…
بس مازن، أنا مش مستعد نور تفتكر.
مش مستعد اللي حصل زمان يتعاد.
شد مازن حواجبه وقال بحزم:
__المهم إنك متفكرهاش بحاجة.
وطالما محدّش قالها،
هي مش هتفتكر.
بصيتله بحدّة،
قلبي بيتخبط جوّاي،
وقولت:
__بس هي… حلمت بالحاجات دي.
حكتلي اللي شافته.
ولو افتكرت لوحدها…
مش عارف هتشوفني إزاي.
هتصدق مين؟
هتتوجع قد إيه؟
مازن زفر بزهق،
ورمى راسه ورا وقال:
__أدهم… بطل تفكير زيادة.
خمس سنين!
ما افتكرتش حاجة كل السنين دي،
هتفتكر دلوقتي؟
بس أنا…
أنا كنت حاسس إن الموضوع
مش موضوع "هتفتكر ولا لأ".
الموضوع إن قلبي
مش مستحمل تشوف وجع تاني.
__________
نور
كنت قاعدة في الأوضة،
مخنوقة…
دماغي شغالة زيادة عن اللزوم.
الحلم… الحادثة… يوسف…
كلهم لافين حواليا.
وفجأة…
موبايل رن.
يوسف.
قلبي اتشد،
بس عقلي شدّ في الاتجاه التاني.
قولت لنفسي:
ما ترديش.
انسي.
كل حاجة هتخلص قدّام.
لكن…
جت رسالته:
__نور، لو سمحتي…
محتاج أتكلم معاكي.
حاسس في غيابك إن في حاجة ناقصاني.
عايز أفهمك كل حاجة،
والقرار ليكي.
قلبي وقّف.
حاجة جوايا قالتلي:
اسمعيه…
حتى لو مش هترجعي.
حتى لو كل حاجة هتنتهي…
بس اسمعي.
قمت،
لبست،
ونزلت…
قبل ما أدهم يرجع.
وأنا ماشية؟
كنت حاسة إني بعمل حاجة غلط.
مش واحدة رايحة تقابل جوزها…
نزلت من الشقّة
وكل خطوة كانت تقيلة…
مش عشان خايفة منه،
لكن عشان خايفة من اللي هسمعه.
الهواء كان بارد،
وركبتي كانت بتتهزّ
مع كل خطوة بقرب فيها
من المكان اللي اتفقنا نقابل بعض فيه
وصلت عند الكافيه
ولقيته قاعد…
باين عليه سهران،
تعبان…
ومستني.
قربت بخطوات مترددة،
رفع عينيه عليا،
نظرة كلها وجع واشتياق…
ويمكن لوم.
قعدت قدامه،
وسكتنا شوية.
هو كان بيلم نفسه،
وأنا كنت بلم قلبي.
أول ما شافني
وقف مكانه
ولا اتحرك…
كإنه مش مصدّق إني جيت.
قربت شويه
وقعدت قصاده
وقولت بهدوء مش شبه هدوئي أصلاً:
__اتكلم يا يوسف
رفع عينه عليا…
عنيه كانت مشوشة
بين خوف… ولوم… ووجع.
قال بصوت واطي:
__شكراً إنك جيتي…
أنا… أنا عايز أحكيلِك من الأول.
عايزك تسمعي كل حاجه
قبل ما تحكمي.
رديت ببرود متوتر:
__أنا جاية أسمع… وبس
شد نفس طويل،
وبدأ يحكي.
يوسف يبدأ الحكاية
قال وهو بيبص للأرض:
__هحكيلِك عن أختي…
عن ملاك.
صوته كان مكسور،
وكلمة "ملاك" خرجت منه
وكأنها لسه بتوجعه لحد دلوقتي.
كمل:
__ملاك كانت أصغر مني بخمس سنين…
وكانت اسم على مسمى.
روحها هادية…
ضحكتها كانت بترجعلي الحياة.
كان بيتكلم
وفي عيونه دموع واقفة بالعافية،
والقهر باين على كل حرف.
__بس…
اللي كان ملخبط حياتنا كلها
كانت أمي.
ضحك ضحكة قصيرة…
سخرية كلها وجع.
__مكسوف أقول عليها أمي.
كانت… عصبية،،
وبتغضب لأتفه سبب.
مرة تضربني،
ومرة تضرب ملاك…
وكتير نستخبى منها.
كنت بسمعه وأنا أحسّ
إن قلبي نفسه بيتكمش جوّا صدري.
وبعدين قال الجملة
اللي خلت ضهري يقشعر:
__لحد ما جه اليوم
اللي قلب حياتي.
قال وهو بيبلع ريقه:
__ملاك عملت مشكله صغيرة…
وواحدة زعقت مع أمي بسببها.
رجعت البيت…
وهي نار.
مسكت ملاك…
وبدأت تضربها
بعنف ....
وأنا…
كنت بحاول أبعدها.
كنت بصرخ…
وبشدّ في إيدها…
بس كانت بتزقني بعيد،
وكأني مش ابنها.
صوته اتكسر
لدرجة إن دموعه نزلت
من غير ما يحس.
__لحد ما لقيتها…
ماسكة رقبة ملاك.
وبتخنقها.
أنا لاقيت دموعي نازلة
من غير ما أقدر أوقفها.
كمل وهو شبه يهمس:
__كنت طفل…
مقدرتش أنقذها.
مقدرتش أعمل حاجه!
وملاك…
سكنت بين إيدينها
وماتت!.
حط إيده على وشه
وكأن الذكرى بتلسعه.
سألته وأنا صوتي بيرتعش:
__طب… باباك؟
هز راسه:
__مات من زمان.
وأمي…
بعد ما العملة حصلت،
خافت.
مش زعلت…
خافت تتحبس.
لبستني التهمة.
قالت للناس إني خنقتها.
وأنا…
انا كنت طفل.
محدش صدّقني.
شهقت من الصدمة،
وهو كمل:
__اتحبست.
اترمّيت ف الأحداث…
لأني كنت تحت السن.
خرجت…
وكملت حياتي عند جدتي
لحد ما ماتت هي كمان.
رفع عينه وبصلي بصراحه نضيفه:
__والله يا نور…
أنا مقتلتش أختي.
ولا يمكن أعملها."
مسحت دموعي بسرعة
وقولت بصوت مهزوز:
__مصدقاك…
والله العظيم مصدقاك يا يوسف.
بس كملت بغصه:
__بس زي ما انت شايف…
أدهم رجع.
وهو مش هيسمح حد يلمس شعرة مني.
جوازنا مالوش لازمة دلوقتي.
انت لازم تكمل حياتك…
وأنا كمان.
وكنت بقول الجملة دي
وقلبي…
بيبكي بصمت.
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت السته وعشرين
نور
وشه اتجمّد…
علامات الصدمة كانت واضحة قوي،
وكأنه كان مستني رد مختلف…
أحسن… أحن… مش الكلمة اللي طلعت منّي.
عينه كانت مليانة وجع،
وجسمه كله اتشلّ لحظة
قبل ما ينطق بصوت واطي…
مكسور:
"بس يا نور… أنا…"
قلبي دق.
اتوترت.
حسّيت بالجملة قبل ما يقولها،
بس برضه مكنتش جاهزة ليها.
قرب بخطوة،
نظرة عينه كانت بتترجّاني يسمعني،
وبعدين قالها…
__أنا بحبك.
اتسعت عيني.
اتجمدت.
مقدرتش أرد…
ولا حتى أمدّ إيدي أمسح دمعته اللي مكنش عايز ينزلها.
سكوتي كرّس وجعه.
هو فهمه بطريقته…
الطريقة الأقسى.
ضحك ضحكة مكسورة،
سخرية كلها مرارة وقال:
__افتكرت يوم… إنك ممكن تحبيني.
بس شكلي كنت غلط.
كمل كلامه وهو بيهرب منّي بعينه:
__بُكره هجيب المأذون… ونطلق.
وقف.
لف.
سابني.
والباب اتقفل وراه
بس الوجع…
فضل مفتوح جواي.
طلعت البيت وقلبي
مقبوض،
والدنيا حواليّا بتلف،
ومش قادرة أفهم
الإحساس اللي ماسكني.
أول ما فتحت الباب،
لقيت أدهم واقف قدّامي.
بلهجة متحفظة قال:
__كنتي فين؟
تنهدت وقلت:
__يوسف كان عايز يتكلم معايا…
قابلته تحت.
رفع حاجبه وسأل بهدوء:
__وقالك إيه؟
حكيتله باللي حصل،
فابتسم ابتسامة صغيرة
وقال:
__كويس.
____________
سارة
من يوم اللي حصل
ما بيني وبين نور…
وأنا ما اتكلمتش معاها.
عجنت الدنيا،
ومش قادرة أرجع لها
ولا أعرف أبتدي منين.
فريد كان دايمًا
بيطمن عليّا،
وأنا…
كنت باردة.
برد ع قد السؤال وبس.
حاسّة إنه بيحاول
يتقرّب…
وأنا بصده.
لسه يوسف جوّا قلبي.
لسه…
برغم كل حاجة
لسه بحبّه.
القلب مالوش مالك.
حاولت أنسى كتير،
بس مفيش فايدة.
فريد ينفع يبقى صديق…
أخ…
حد مخلص.
لكن كـ حاجة تانية—
مستحيل.
كنت قاعدة زهقانة،
ومخنوقة،
وكإن الأوضة
بتضيق عليّا.
مسكت موبايلي
واتصلت بفريد.
قولت له ننزل.
كانت تاني مرة
نخرج فيها
بعد اللي حصل
مع نور.
نزلت وقابلته.
كان قلقان…
واضح من عينيه.
عشان مش عوايدي
إني أتصل بيه
وأقوله ننزل.
شوفت التساؤل
على وِشّه…
فـ قلتله:
__حاسّة إني مخنوقة،
ومجاش ف بالي غيرك.
ابتسم،
وقال بهدوء:
__وأنا موجود يا سارة.
احكي اللي انتي عايزاه…
وأنا هسمعك.
قعدنا على الكورنيش،
كعادتنا ....
الهوا بيلعب
في شعره
،والنيل قدامنا هادي…
بس هو كان ساكت.
... سكوته اللي بيخوف.
بدأت أنا الكلام، والغصة ماسكة في حلقي:
__أنا مش عارفه أنسى يوسف… حاولت، بس مش قادره.
حاسه إني وحشة، وبحب جوز صاحبتي… ومش عارفه أعمل إيه.
تعبت… تعبت أوي من جوايا.
كان فريد ساكت.
عينه ثابتة على
المية…
كأنه بيدوّر فيها
على كلمة ينقذني بيها.
اتنرفزت، دموعي بتقرب، وقلت:
__هو إنت مش مركز معايا؟"
من غير ما يلف، رد بهدوء غريب:
__مركز… بس كنت بفكر.
سكت لحظة، وبعدها قال:
__أنا عندي واحد صاحبي… حالته زيّك بالظبط.
بيحب واحدة… وهي قلبها مع حد تاني.
بصّيت له بسرعة، وقلت:
__طب… عمل إيه؟
لفّ وشه ناحيتي لأول مرة، ونبرة صوته فيها وجع:
__كتم حبها… فضل جمبها، يهديها ويسمعها.
بس هي؟… عمرها ما شافته.
قلبي اتشد، وقلت بحذر:
__وبعدين؟
رجع يبص للنيل، وصوته نزل واطي:
__لسه جمبها… ولسه قلبه بيتقطع كل مرة يسمع اسم اللي بتحبه.
بس هو شايف إن لو اعترف… هيخسرها.
فعاش على فكرة إنه يفضل في حياتها، حتى لو مش ليه.
تنفست بصعوبة، ودمعة نزلت غصب عني:
__ربنا يكون في عونه…
أنا عارفه الإحساس دا… بينهش في الروح، ويطفي الواحد من جواه.
وساعتها…
حسّيته متأثر جدا ....
وسكوته كان أوضح من أي كلمة.
__________
نور
كنت قاعدة في العربية…
أدهم كان سايق، وماما جنبي، ماسكة إيدي وبتبتسملي.
وأنا… كنت طايرة من الفرح!
قربت عليها وحضنتها…
حاسّة إن الدنيا بتتصلّح، وإن كل حاجة هترجع في مكانها.
بس فجأة!
لمحت نور العربيات قدامنا بتلخبط.
ضوء قوي، وصوت فرامل، وحركة سريعة!
ولقيت عربية داخلة علينا بسرعة…
وفي اللحظة اللي عيني وقعت فيها على السواق…
اتصدمت.
مازن!!!
هو…
هو اللي جوا العربية!
وبس كده—
اللحظة كلها قلبت في ثانية…
والدنيا اتلخبطت حواليا.
صحيت مفزوعة…
نفَسي كان بيطلع ويتقطع،
والعرق بيجري من جبيني
كإنّي كنت بجرّي
مش بحلم!
حطيت إيدي على دماغي…
وجع فظيع،
وكلمة واحدة كانت بتخبط
جوا عقلي:
__ماما… ماتت.
مش زي ما كنت فاكرة…
مش إنه حادثة عادية!
الحلم رجّعلي كل حاجة
زي ما كانت…
العربية… الصدمة…
ومازن!
حسّيت بقلبي بينزل لتحت،
وعيوني دمعت فجأة.
أنا اللي كنت فاكرة
إنها ذكرى مطموسة…
طلعت حقيقة أنا هربانة منها!
قعدت على السرير
وأنا مرعوبة…
وبصيص واحد كان ماسكني:
بابا…
بابا اللي طول الوقت كان قاسي،
اللي معملّيش يوم حساب،
اللي عمره ما حضني
ولا حاول يفهمني…
دلوقتي بس فهمت!
هو شايفني السبب.
شايف إن أنا
اللي خطفت منه مراته.
مسحت دموعي بمرارة:
__طب ليه؟
ليه محدش قالّي؟
ليه أدهم مقالش؟
ليه ماحدش حاول يصلّح
الوجع اللي جوايا؟.
قلبي كان بيتخبط
زي حد محبوس…
مش فاهمة!
مش مستوعبة!
كل اللي كنت محتاجاه
حد يقولّي إني مش مذنبة.
لكن…
ولا حد حاول.
الغضب مسك في قلبي وولّع،
وقولت بصوت كله حُرقة:
__تمام يا مازن… أنا هوريك.
مسكت تليفوني بسرعة واتصلت بيه.
رد عليّا بصوت مخنوق بالغضب:
__ورحمة أمي يا نور… لو وصلتك مش هرحمك.
ضحكت بسخرية وقلت:
__متِحلّفش برحمة أمك… أنا هسمع كلامك وهتجوز يونس،
وهاجي لحد عندك.
سكت ثواني، وبعدين رد باستغراب:
__مقابل إيه؟
قلتله ببرود:
__قابلني في المكان **… محتاجه أتكلم معاك ضروري.
قفلت معاه، وابتسامة صغيرة ظهرت على وشي،
وقمت أجهّز للخروج.
وبعد ما خلصت وكنت ماشية ناحية باب الشقة،
قطعني صوت أدهم وهو بيقول بنبرة قلق:
__رايحة على فين كده؟
بصّيت له بنظرة فيها تأنيب…
نظرة خلّته يتوتر ويحوّد بعيونه.
قلتله بهدوء بس واضح إنه وجع:
__رايحة أعمل حاجة مهمّة… وراجعة.
مـتنامش… لأني محتاجة أتكلم معاك.
_____________
أدهم
الباب اتقفل وراها…
والصوت كان كأنه خبطة على قلبي.
نظرتها!
ليه بصّتلي بالطريقة دي؟
ليه شوفت في عينيها غضب مكبوت…
وخوف؟
وليه حاسس إن في حاجة غلط
قربت قوي تحصل؟
قلبي اتقبض من غير ما أفكّر.
إيدي راحت على الموبايل
واتصلت بمازن.
بعد ثواني رد،
صوته كان تقيل ومليان عصبية.
قولتله بتوتر واضح:
__نور… شكلها عرفت حاجة.
أنا… أنا خايف تكون افتكرت.
ضحك بسخرية وقال:
__لسه برضه؟
شيل الفكرة دي من دماغك يا أدهم.
ويلا سلام… أنا خارج.
وقفل.
بس أنا…
قلبي مش مطمّن.
حاسس إن اللي جاي
مش سهل.
متقلقوش ي جماعه
بما انه كله معترض ع تفرقه
نور ويوسف ف مش هفرقهم♥️
يتبعععع#الم_بدون_صوت
اقترحوا أسماء
لاخوات نور
الاتنين
الولدين اللي مظهروش♥️#الم_بدون_صوت
البارت السابع والعشرين
نور
المكان كان هادي…
بعكس العاصفة اللي جوايا.
وقف قدّامي
بعينين كلهُم شرّ
وقال بغلّ واضح:
– بقى تهربي؟
ومسك إيدي بعنف
قرب وشه من وشي
وكمل بنبرة مُهينة:
– أنا اللي هربيكي من الأول.
حرّرت إيدي
بكل غضبي المكبوت
وقولت بصوت ثابت لأول مرة:
– طول ما بابا عايش…
هو الوحيد اللي ليه الحق يربيني.
قهقه بسخرية جارحة:
– دا انتي كمان بقيتي تخربشي؟!
رفعت عيني ليه
من غير ما ارتعش
وقولت:
– انت…
انت اللي خبطتنا بالعربية يوم الحادثة.
وشه اتجمّد
صوته اتلخبط:
– بتقولي إيه؟!
اتنفست وجعي
اللي سنين بكتمه
وقولت بعلوّ صوتي:
– يوم ما ماما ماتت!
انت اللي خبطتنا!!
وانا…
وانا فضلت أصدق كدبكم
لحد ما حملت ذنبكم لوحدي!
اتوتر
وبص لبعيد كأنه بيدوّر على كذبة جديدة
وقال:
– انتي هبلة… اي اللي انتي بتقوليه دا؟
صرخت فيه:
– بابا طول الوقت شايفني أنا السبب…
شايفني أنا اللي كنت سايقة!
مايعرفش إن أدهم هو اللي كان ماسك الدركسيون!
وانت اللي خبطتنا و هربت…
وسبتنا ننزف!!
إيديا اتكمشت
وعنيا لمعت بدموع مقهورة:
–أنا عايشة بذنبكم بقالي سنين!
والنهارده بس
بابا هيعرف الحقيقه!!.
هجم عليا تاني
مسك إيدي بقسوة
وقال بصوت منخفض
بس مرعب:
– لو نطقتي…
هتندمي.
نظرت له ببرود
قتل خوفي جوايا
وقولت:
– ابقى موتني زي ما كنت
سبب ف موتها
لكن فجأه!...
___________
أدهم
الوقت بيعدّي ببطء
والقهر بيفتح سنانه في قلبي
هي قالت هترجع بدري…
وقالت كمان محتاجة تكلّمني
طب اتأخرت ليه؟
إيه اللي منعها؟
مجرد فكرة إنها متأذية
بتشلّني
اتصلت بيها
مرة
واتنين
وعشرة
وفي الآخر…
الموبايل اتقفل
وقتها
اتسحب كل صبري منّي
وقلت لنفسي:
لا… مش هستنى ثانية
فتحت باب الشقة
كنت هخرج أدوّر عليها
لقيت يوسف واقف
ومعه المأذون
وقف قدامي
بعينه الهادية المستفزّة
وقال بتساؤل:
– في حاجة؟
كلمته بعصبية مش قادر أخبيها:
– نور خرجت…
ومش بترد.
رد وقال:
– يمكن راحت هنا ولا
هنا وهترجع...
الهدوء ده مش طبيعي
الهدوء ده وراه مصيبة
عينه… فيها حاجة مستخبية
إيدي راحت لقميصه
شدّيته عليّا
ونبرة صوتي كانت قريبة للانفجار:
– ودّيت نور فين يا يوسف؟!
صوته اتشوّه بنبرة دفاع
لكن لسه متماسك:
– أدهم… أنا فاهم خوفك.
بس أنا ضابط محترم…
وعارف يعني إيه عقوبة اختطاف.
دا غير إني مش غريب عليها…
أنا جوزها.
سيبته
بس الشك ما سابنيش
ولسه بيقرص ضلوعي
قربت منه
وبصوت وعد
مش بس تهديد:
– لو ليك يد في غيابها…
رد فعلي مش هيعجبكَ.
الجو اتملّى توتّر
المأذون بصّ بينهم
وكأنه واقف وسط عاصفة
مش عارف تروح على مين
النار جوايا مش هتهدا
غير لما ألاقيها
________________
نور
صحيت على ريحة تراب
وضلمة تقيلة
مش فاكرة أنا فين… ولا إزاي جيت
فتحت عيني
لقيت نفسي في أوضة غريبة
سرير خشن
وإيدي مربوطة…
قيدي كان شاهد على المصيبة
رأسي بيوجعني
ولقيت شاش ملفوف حواليها
مجرد ما لمسته
رجعت الذكرة تضربني فجأة
ضربة… وغمضة… وسقوط
قلبي وقع
وبصوت مرتعش قلت:
– مازن… انت ضربتني
ع راسي بطوبه؟
انت عايز تخلص مني؟
هو نفخ دخان السيجارة
بعين مليانة غل
وقال بنبرة باردة:
– لو كنت عايز أخلص منك…
كنت سبتك تنزفي
لغايه م تموتي
بس أنا مش مستعجل.
اتجمدت مكاني
نظراته مكانتش زي كل
مرة غضب لا كان
فيها حقد… وكراهية غريبة
الكلام خرج منّي
مخنوق بخوف:
– رابطني ليه؟
ضحك…
ضحكة فيها تحدي وقسوة:
– مش انتي قررتِ تروحي لأبوك؟
طب روحي دلوقتي… لو تقدري.
الصدمة حبست أنفاسي
وكل جسمي اتشد
– إنت…
مش هتحبسني هنا، صح؟
اتقدّم خطوة
ونبرته سقطت على قلبي زي حجر:
– لحد ما أقرر…
آه.
حاولت أخفي رعشة صوتي
بس الخوف كان أسرع
– يوسف مش هيسيبني…
وأدهم كمان.
رفع حاجبه بسخرية:
– وهما فين دلوقتي؟
لو كان حد فعلاً فارق معاه…مكنش يوسف هيطلقك
ولا ادهم كان خبى عليكي الحقيقه!.
حاولت أتنفس
أدور على أي مخرج
بس الحبال… والحيطان… والهدوء المرعب
كله اتحالف ضدي
الصوت خرج منّي غصب عني
مليان قهر وخوف:
– هو أنا مش أختك؟
بتعمل كده ليه؟
ابتسم بسخرية…
ضحكة تخوّف أكتر ما تجرح:
– أختي؟
لسه عايشة الدور ده؟
قرب وشه
وعينه غرقت شرّ:
– هقولك سر…
كنت قاصد اللي حصل يوم الحادثة.
الكلمة وقعت عليّا زي صدمة كهربا
مبقاش فيه هوى أتنفسه
أخذ نفس بارد
من سجارته
وكمل ببجاحة:
– أدهم صدق أي كلمة طلعت منّي.
وانتي… كنتي فاقدة للذاكرة.
يعني ولا خطر… ولا شهادة.
اتسعت عينيّ
روحي كانت بترفض تصدّق
اللي من دمي…
يتحوّل للعدو ده
صوتي خرج متقطع:
– إزاي؟
كان فيه ضابط ماسك القضية!
إزاي محدش اكتشف إن العربية عربيتك؟
ضحك…
ضحكة مُرعبة
كأن الشر بقى هواه:
– مفيش قضية أصلاً.
مسرحية…
عشان الحج يرتاح.
ملفات مقفولة…
وحقيقة مدفونة.
الدموع نزلت من غير إذن
وقلبي بينهار بصمت
– دا شغل عصابات؟
إنت اتغيّرت لإيه يا مازن؟
ليه؟
ليه كنت عايز تأذينا؟
سكت لحظة
ولمعة خطيرة ظهرت في عينه
وخلاص فهمت…
أنا قدّام حد باع كل حاجة
حتى أهله
عشان نفسه
عيونه اتلوت بالغضب
وصوته طلع الغل اللي جواه:
– دا اللي كان لازم يحصل من زمان!
عايش في بيت محدش شايفي فيه…
محدش سأل فيّا…
كل حاجة كانت دايمًا ليكوا!
وانا؟
كنت زيادة عن الحاجة!
اتجمدت
الصدمة بتنهش في قلبي
– مازن… إنت بتقول إيه؟
إحنا إخواتك!
قرب مني
كأن الكراهية هي اللي بتحركه:
– انتي فاهمة إن القرار ده كان سهل؟
اللي شفته…
اللي استحملته…
إنتوا السبب فيه!
الدنيا لفت بيا
بس لقيت صوتي بيطلع أجرأ منه:
– انت مختل!!…
مش مبرر إنك تؤذي حد مننا!
بابا وماما ماكانوش قساة…
هما تعبوا علشانك!
كل يوم!
كنت بتعمل حاجات غلط…
شرب وقرف ....
وكانوا بيحاولوا ينقذوك…
مش يكرهوك!
ضحك ضحكة مُرة
وهو بيهز راسه:
– ودي كانت جزاتهم
وقتها
قلت جملة
عارفة إنها هتوصل للمكان اللي بيوجعه:
– إنت عايز تلوم الكل…
بس الحقيقة؟
مشكلتك مع نفسك…
مش معانا.
اتصدمت ملامحه
كأني لمست جرح عميق جوا صدره
عجز ثواني عن الرد
وبعدين…
صوته اتغير
مش غضب
لا
صوت واحد… موجوع:
– محدش… وقف جنبي.
كنتوا بتنتقدوني
وبس! ....
غمضت عيني لحظة
اللي عمله غلط… جريمة
لكن الوجع اللي في نبرته
قال إنه إنسان ضايع… مش وحش مولود
فتحت عيني
وقولت بهدوء…
مش خوف
لكن حق:
– لسه تقدر تختار توقف الغلط…
قبل ما تضيع كل حاجة.
هو لف وشه بعيد
إيده بتترعش
بين صراع جواه
كره…
وغصة قديمة…
وندم بيقاوم يطلع
الصمت بينا اتقل
من الحبال اللي مربطني بيها
وأنا…
ماصدقتش إني لسه بشوف فيه أخويا.
مشي من قدامي
وكأنه بيهرب من
نفسه
مش مني!
_____________
مازن
أنا طول عمري شايف نفسي غلط.
مش بس في نظرهم… لأ، حتى في المراية.
كنت طفل بيحاول يصرخ، بس صوته كان بيتدفن جوّا الحيطان.
كبرت وأنا مقتنع إن الدنيا مش مكان لزيّي…
فقررت أكون الشيء الوحيد اللي أعرف أكونه:
الخطر اللي الكل يخاف يقرب منه.
هما قالوا عليّ “سيئ”؟
خلاص…
أنا بقيت الأسوأ فعلًا.
وعِشت الدور لحد ما بقى جزء من ضلوعي.
اتجوزت واتعلّقت ببنتي…
هي النور الوحيد اللي الدنيا معرفتش تطفّيه.
بحضنها أنسى أنا مين
وبخاف عليها منّي قبل ما أخاف عليها من العالم.
بس نور…
نور عرفت اللي محدش مفروض يعرفه
الكلمة اللي خرجت من بقّها
جرحتني أكتر من 100 سكينة:
“مختل.”
يمكن عندها حق…
يمكن أنا محتاج أتعالج…
بس الوقت مابقاش ملكي
ولا الغلط بقى ليه رجوع.
السر دا لو خرج
هيمحي كل حاجة لسه عايش علشانها.
ومش هاسمح بدا يحصل.
نور لازم تسكت.
ولازم السر يفضل مدفون زَيّ ما دفنت كل اللي قبله.
ده مش تهديد…
ده آخر فرصة ليّ
إني أحافظ على الباقي من حياتي
أنا فعلاً اخترت أكون القاتم في الحكاية…
بس يمكن…
لو كانت الحياة اختلفت شوية
كنت بقيت بني آدم عادي
مش وحش الناس شايفينه…
ووحش أنا صدّقت إنه أنا.
كنت صغير…
بس عقلي كان دايمًا أكبر من سني.
كنت شايف كل حاجه…
شايف نظراتهم…
شايف المقارنات اللي عمرها ما خلصت.
أدهم البطل اللي الكل يفتخر بيه.
حازم العاقل اللي بيفكر قبل ما يتحرك.
يامن الاجتماعي اللي كله بيحبه
ويعرف يكسب قلب الناس بسهولة.
نور… البنت المدللة
اللي ضحكتها تكسب الدنيا كلها.
أما أنا؟
أنا "العيب" اللي مينفعش نطلّعه قدام الناس.
الولد اللي لازم يستخبى
ويفضل ساكت
عشان ميبقاش مصدر فضيحة.
كل واحد فيهم كان ليه مكان واضح في قلب بابا وماما.
أما مكاني أنا؟
كان …
مكان فاضي ومقفل.
زمان… حاولت أكون زيهم.
أشارك، أضحك، أبان إنّي جزء من العيله.
بس كل مره…
غلطتي أعلى من صوت محاولتي.
فاكر موقف…
أنا ويامن في نفس السن تقريبًا،
هو كان دايمًا "الجميل" في كل المناسبات.
أمي كانت تقولي:
"شوف أخوك!
اتعلم منه الذوق!"
كنت ببصله
وأحس إن ابتسامته بتستفزني رغم إنها طيبة.
ازاي الدنيا دايمًا واقفة في صفه؟
وحازم…
اللي رغم هدوءه
كان كل كلمة منه محسوبة.
بابا كان يتكلم يهزر
طب وأنا؟
كنت بسمع الكلام دا وأنا محبوس ف أوضتي
عشان كسرت حاجه…
ولا وقعت حاجه…
ولا غلطت غلطة ...
أدهم
كان عنده كل اللي حرمت منه:
احترام…
ثقة…
مساحة يتحرك فيها من غير ما حد يراقبه.
كان بيذاكر؟
عبقري.
بيغلط؟
"الولد مضغوط"
أما أنا لو غلطت؟
"دا مفيهوش أمل!
ونور…
بس كانت بتضحك
البيت كله يتقلب فرح
ولو دمعت
الدنيا توقف مكانها.
مرة سمعت ماما بتقول لجارتها:
"مازن ده ابتلاء…
بس ربنا كبير."
ابتلاء؟
ساعتها فهمت…
أنا مش واحد منهم
أنا الغلطة اللي جمعتهم.
جوايا جزء صغير
كان عايز يقول:
"شوفوني…
حبوني…
بس مرة واحدة من غير شروط."
بس الجزء دا
اتدفن…
اتخنق…
واتحول لحد تاني.
أنا بقيت مازن…
اللي لما يوقع حد
يحس إنه أخيرًا واقف.
____________
يوسف
الوقت بيجري…
والقلق جوّا صدري بيزيد
لحد ما بقي زي حجر تقيل
مايتشالش.
بصيت لأدهم
وصوتي خرج متوتر غصب عني:
– اتأخرت…
كل دا ومش بترجع؟
كان ماسك موبايله
بيسأل أصحابها واحد ورا التاني
ملامحه بتسود أكتر
وهو بيردّ:
– محدش عارف هي راحت فين.
قلبي وقع…
قلبي اتخنق فعلًا.
قربت منه خطوة
وقولت بقلق واضح:
– ممكن يكون مازن؟
أو… والدكوا؟
أدهم وقف ثواني بيفكر
وكأنه بيحارب فكرة مش عايز يصدقها
وبعدين قال:
– مش عارف…
بس مش منطقي…
هو ميعرفش احنا قاعدين فين أصلاً.
قلبي كان بيقول العكس
كل احتمالية بتخوفني أكتر
مسكت مفاتيحي
وقولت بإصرار بدأ يتحول لغضب:
– طيب مش هنفضل واقفين مستنيين كدا.
نروح مكان شغلها…
يمكن أي حد هناك يكون يعرف هي راحت فين.
لازم نتحرك… دلوقتي.
خطوة… وراها خطوة
بس جوايا إحساس واحد:
نور في خطر…
ولا زم أوصل لها قبل فوات الأوان.
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت التمنيه وعشرين
يوسف
وقفت قدّام شقّة مرات عمي
قلبي بيدق بسرعة…
يمكن لأنّي بخمّن إن هنا
ممكن ألاقي خيط يوصلني لنور…
أو يمكن لأنّي كنت خايف
المواجهة دي تفتح وجع قديم.
بعد ما قلت لأدهم
إن نور صاحبة بنت عمي
أصرّ إني أجي اسأل…
ومقدرتش أشرحله
ليه مش حابب أجي هنا.
خبطت.
ثواني…
والباب اتفتح.
كانت واقفة قدّامي
ملامحها متوترة
من بعد اللي حصل
بس رغم كدا…
ابتسمت وقالت:
– إزيك يا يوسف؟ ادخل يا حبيبي.
دخلت.
قعدت على نفس الكنبة
والتوتر مالي الجو.
سألتني بلطف:
– عامل إيه يا بني؟
حاولت أبتسم
عشان الصوت اللي جوايا ميبانش:
– الحمدلله… بخير.
وبعدها على طول سألت:
– نور… مكلمتش سارة قريب؟
رفعت حواجبها باستغراب:
– مش عارفة.
هروح أنادي سارة.
اختفت جوه الشقة
وتركتني مع أفكاري
اللي بتخبط فبعض.
بعد دقائق…
رجعت ومعاها سارة.
قعدت قصادي
وقالت ببرود تعبته:
– لا… من زمان أوي ماتكلمناش.
حطّيت إيدي على راسي
الصداع بدأ يعلى من القلق.
اتنهدت بصوت مخنوق:
– نور… اختفت.
مش لاقيينها.
أنا آسف جيت في وقت متأخر
بس اتصلت ومحدش رد.
مرات عمي قربت مني
بحنيّة أم بتطبطب على خوف ابنها:
– دا بيتك يابني
إحنا أهل.
سارة بصّتلي
وعنيها مليانة قلق حقيقي:
– تفتكر… تكون فين؟
بصوت مكتوم
كأنه خارج من نهاية نفس:
– مش عارف!
بس إحساسي بيقول
إن في حاجة غلط
رجعت البيت
بعد ما كلّمت أدهم…
صوته كان باين عليه نفس القلق اللي عندي،
بس قال لي نكمّل بكرة
عشان مفيش خيط نمسكه الليلة.
قفلنا…
بس قلبي؟
مقفلش.
إحساس إن نور برا…
ومحدش عارف هي فين
ولا مع مين…
إحساس
يخلي الدم يتجمّد في العروق.
كل ثانية بتمر
بحسها ساعة.
قعدت قدام باب الشقة
مش قادر حتى أغيّر هدومي.
نفسي تقيل
والأسئلة بتنهش دماغي:
هي بتتألم؟
بتعيط؟
بتنادي؟
حد سامعها؟
غمضت عيني
ورفعت إيدي
بدعاء مالوش غير باب واحد:
__يا رب…
احفظها…
طمنّا عليها…
ورجّعها لينا بخير.
ولأول مرة
أحس إن الليل أطول من اللازم…
ومفيش حاجة أصعب
من إنك تستنى
وأنت حاسس إن في حاجة غلط…
ومش قادر تعمل أكتر من الدعاء.
_____________
أدهم
صحيت تاني يوم
على صوت خبط خفيف عالباب…
كنت صاحي أساسًا،
النوم ما عرفش طريق عيني من امبارح.
قمت وأنا تعبان…
تحت عيني سواد
وشكلي بيحكي قلق ليلة كاملة
من غير لحظة راحة.
فتحت الباب—
واتجمّدت.
يامن…
حازم…
واقفين قدّامي
وبإيديهم شنط السفر.
لحظة واحدة
بس كانت كفاية
توقع عني كل الحواجز
اللي كنت ماسك نفسي بيها.
دموعي نزلت
قبل ما حتى أمد إيدي.
حضنتهم…
حضن أخ بيحارب الدنيا لوحده
ولقى أخواته رجعوله
في أصعب وقت.
هما كمان بادلوني الحضن
كأننا كنا محتاجين اللحظة دي
من سنين.
حازم
بصلي بقلق واضح
وقال:
– أول ما كلمتني وقولت إن نور ممكن يكون حصلها حاجة…
مستحملتش، اتصلت بيامن،
ورجعنا فورًا.
بصّيت لوشوشهم
قلبي اتقسم بين خوف وطمأنينة:
خوف على نور…
وطمأنينة إنّي مبقتش لوحدي في الحرب دي.
نفسي هدي شوية…
بس عقلي كان صاحي
وبيصرخ
يامن مسح على دقنه بتوتر وقال بنبرة فيها جدّية واضحة:
__أنا اتصلت بواحد صاحبي في الشرطة… ولد شاطر ومحبوب هناك. أوّل ما سمع إن نور اختفت وعدني إن الموضوع هيمشي بسرية… وهيبلّغ الأقسام والمستشفيات من غير ما يعمل دوشة تجيب كلام.
اتسعت نظراته وهو يكمل:
__هنبقى متابعين معاه خطوة بخطوة… وأول خيط هنمشي وراه. نور مش هتضيع… مش طول ما احنا هنا.
اتنهدت شوية، وقلبي بدأ يهدى قليلًا…
بصّيت لهم وقلت:
__روحتوا لبابا ولا لسه؟
ردّ حازم بهدوء:
__لا لسه… هنستريح شوية وبعدين نروح كلنا.
بس قولّي… ليه واخد شقة هنا؟
ليه ماتبقاش مع بابا؟
ساعتها سكت لحظة…
الكلمات كانت محبوسة في صدري سنين،
وبعدين بدأت أحكيلهم عن كل اللي حصل…
عن البعد… والوجع… واللي اتغيّر فجأة.
مازن رفع حاجبه بصدمة وقال:
__كل دا حصل وإحنا غايبين؟
وحازم أتكلم وهو مش مستوعب:
__انا مش مصدّق إن دا يطلع من بابا…
طب ليه يعمل ف نور كده؟
شدّيت نفس طويل كأن الكلام تقيل على صدري…
رفعت عيني ليامن وحازم وقلت بصوت مبحوح:
__بابا… اتغيّر بعد ماما ما توفّت.
بقى شايف إن نور السبب في كل وجعه…
وإن وجودها نفسه بيفكره باللي خسره.
كلمات خرجت بالعافية… كأن كل حرف كان جرح قديم بيفتح من جديد.
يامن شدّ قبضته ونبرة صوته عليت غصب عنه:
__بس دا مش ذنبها ليه يحمّلها ذنب ماعملتيهوش!
حازم كان عيناه مليانة دهشة وألم:
__طب ليه محدش قال؟ ليه سكت يا أدهم؟
بصّيت لحازم بشوية غضب مكبوت وشوية وجع أكبر:
__كنت فاكر نفسي أقدر أحميها ...
مردتش اقولكم اللي حصل عشان
كنّت عايزكم تفضلوا شايفين بابا زي ما بتحبوه…
مش الشخص اللي فقد نفسه بعد فقد ماما.
صمت تقيل وقع بينا…
الذكريات كانت أتعس من إنها تتقال في جملة…
وأقسى من إنها تتحمّل في يوم واحد.
يامن قرب مني وربّت على كتفي:
__اللي فات… فات. دلوقتي نور هي الأولوية.
هنلاقيها… وساعتها نتعامل مع كل حاجة تانية.
رفعت راسي ليه…
ولأول مرة من زمان…
حسّيت إني مش لوحدي في المعركة دي.
_________________
يوسف
صحيت من النوم
واخدت إجازة من الشغل
وقعدت مع نفسي أفكر…
ممكن يكون حصلها إيه؟
فين المكان اللي ممكن تكون فيه؟
الجامعة؟
مستحيل.
طب عند سارة؟
رُحت… وملقتهاش.
ممكن تكون عند باباها ؟....
الفكرة خبطت فجأة في دماغي
والخوف سيطر عليّ.
اتصلت بأدهم بسرعة وقلت له:
__ممكن تكون نور راحت لوالدكم؟
تنهد وقال:
__نور مش غبية لدرجة إنها تروح للعذاب برجليها.
كنت عايز أرد عليه وأقول
لأ… غبيه، غصب عنها عاطفتها اللي بتمشيها
بس سكت وقلت:
__مش لازم تكون راحت بمزاجها…
ممكن مازن أو يونس أو حتى والدكم
أجبروها ترجع!
أدهم قال وهو لسه مش مستوعب:
__مش عارف يا يوسف…
رديت بسرعة وأنا باخد مفاتيحي:
__أنا هروح دلوقتي وأشوف.
فجأة صوته اتغير وقال بتسرّع:
__اهدأ… إحنا هنروح.
أخواتي رجعوا من السفر النهاردة.
خلاص ملكش دعوة بحاجة…
وشكرًا على مساعدتك.
إحنا هنتصرّف.
إيه؟ ده بيطلب مني أخلع؟
هو ميعرفش إني بحب أخته… الأهبل!
قفل السكة، ومستناش حتى ردي.
بس أنا؟
مش هستنى حد…
وأنا اللي هروح.
______________
مازن
دخلت الشقة
وبإيدي لعبة صغيرة لمريوم…
حبيبة باباها.
لكن أول ما شافتني
قعدت بعيد…
وزعلانة ومش عايزة تكلمني.
قربت منها بهدوء وقلت:
__مريوم… حبيبة بابا زعلانة من إيه؟
رفعت وشها بغضب طفولي وقالت:
__مريوم زعلانة… عشان بابا بيزعّل مامي.
اتجمدت في مكاني.
بصتلها لحظة… وبعدين قلت:
__بس بابا مش مزعّل مامي…
هي قالتلك كده؟
هزّت راسها بحزن:
__لا… بس مامي بتعيّط كل شويّة…
وأنا مش بحب أشوفها زعلانة.
حسيت الدم بيغلي في وشي…
يعني هدى بقت تبكي قدام البنت؟
علشان تزرع جواها إنها تكرهني؟
لا… كده كتير.
اتنفسّت بعمق،
قربت من مريوم، وبصّيتلها بحنان وقلت:
___طيب… بابا هيروح يشوف مامي…
ويعرف زعلانه من اي… علشان متزعليش.
ابتسمت أخيرًا
وخدت مني اللعبة بحماس…
قمت من مكاني،
واتجهت للأوضة…
الغضب مالي صدري.
بنتي خط أحمر،
ومش هاسمح لحد يشوّه صورتي قدامها.
فتحت الباب بقوة،
ولقيتها نايمة على طرف السرير…
كأن مفيش حاجة في الدنيا مضايقاها.
قربت منها،
وهزيت كتفها بغضب مش بهدوء،
ومجرّد ما فتحت عينيها بصوت متدايق قلت:
__إنتِ بتعملي كده ليه؟
ليه تخلّي بنتي تصحى وهي شايفة أمها بتبكي؟
ليه تزقّيها إنها تكرهنــي؟
كانت لسه بتفوق من النوم،
نظرتلي باستغراب وتوتر:
__إنت بتقول إيه؟
قربت أكتر…
نبرة صوتي نازلة ومسيطرة:
__الدموع اللي قدام مريم دي…
مش ضعف… دا سلاح!
وانتي بتستخدميه ضدي.
هي رفعت صوتها،
وضهر في عينيها وجع متخزّن من زمان:
__وأنا بعيّط من إيه يعني؟
منّا بعيّط من غلبي!
حتى العياط مستخصره فيَّ؟!
أنا اتحولت غضبي لنار أكبر،
وقولت:
__غلبِك؟!
أنا موفّرلِكم أكل وشرب وعيشة
مكنتيش تحلمي بيها!
هي مسكت طرف الغطا بإيدها،
وبصوت هادي…
بس كسره واضح أكتر من أي صريخ:
__للأسف يا مازن…
موفّر لنا كل حاجة
إلا الإحساس بالأمان!
البارت التسعه وعشرين
مازن
حسّيت الدم بيغلي في عروقي بعد كلامها.
الكلمات دخلت جوايا زي شرارة بتولّع كل اللي كنت بكتمه.
كنت هرفع ايدي عليها .…
لكن فجأة
باب الأوضة اتفتح،
ومريم دخلت وهي مبتسمة
شايلة لعبتها الجديدة…
قلبها الصغير مش ناقص يشوف غير الحب.
نظرتلها،
وكل الغضب اللي جوايا اتكسّر للحظة،
مش هينفع أضيّع فرحتها بسبب مشاكلنا.
فخرجت من الأوضة
وفتحت باب الشقة
ونزلت من غير ما أبص ورايا
طلعت تليفوني
وكلمت ملك:
__تعاليلي ع الشقه
_______________
نور
بقالي يوم ونص
مكلتش…
ومش مسموح لي أخرج
ولا أعرف حتى أنا فين بالظبط.
أربع حيطان…
وسقف مالوش آخر.
وفجأة
صوت المفتاح في الباب قطع أفكاري.
ده أكيد مازن؟
بس… إيه الصوت ده؟
صوت بنت!
قلبت أفكاري في ثانية:
هو… بيخون هدى؟
الباب اتفتح،
وتقريبا
هي لاحظت ان نور الاوضه
اللي أنا قاعده فيها
مفتوح ...
قربت
وظهرت بنت قدامي…
شعرها أشقر،
وقفت بثقة مبالغ فيها
وجسمها متشدّد وكأنها في عرض أزياء.
بصّت لي بنظرة فوقي…
نظرة كأنها بتقول
“إنتي إيه اللي جابك هنا؟”
قالت ببرود:
__مين دي يا ميزو؟
والكارثة؟
مازن رد بنفس البرود:
__أختي.
اتصدمت هي،
وبصوت مخنوق باستغراب:
__أختك؟!
مازن تجاهل نظراتي،
ومسك إيديها وقال:
__تعالي… هحكيلِك.
وسابني…
لوحدي تاني.
يوم ونص
من غير أكل
ولا كلمة تطمني…
حاسة إني تعبانة…
قلبي بيدق بسرعة
وكأني بسمع نبضه في وداني.
عارفة إن شكلي مرهق
وعيوني باينة عليها السهر والبُكا.
الخوف بياكل فيا،
وجسمي سايب
وكأن المكان ده بيسحب مني طاقتي يوم بعد يوم.
لغاية إمتى؟
لغاية إمتى هفضل محبوسة هنا
ومحدش يعرف عني حاجة؟
يوسف…
يا ترى بيدور عليا؟
ولا فاكر إني اختفيت كده وخلاص؟
يا ترى حد فيهم حسّ…
ولا الدنيا كملت من غيري؟
الإحساس بالأمان اختفى…
والوجع بقى صاحبي الوحيد.
حضنت نفسي بإيديا
وكأني بحاول أهوّن على روحي:
__هتعدّي يا نور…
لازم تعدّي.
_________________
مازن
ملك قربت أكتر
لمست صدري بثقة وقالت بصوت واطي:
__وهتفضل مخبيها هنا لحد إمتى؟ يا قلبي…
نفخت دخان السجارة
وقولت ببرود :
__لحد ما ربنا ياخدها
زي ما خد اللي قبلها .....
ضحكت فجأة
بس ضحكتها فيها غيرة واضحة:
__سيبك من الكلام ده…
إنت هتتجوزني إمتى؟
ضيّقت عينيّ
والملل واضح في نبرة صوتي:
__ملك… مش وقته.
أنا واقع في مصيبة ومش ناقص ضغط.
اتقدّمت لقدامي
وقعدت بشكل أصرّ وأقوى:
__وأنا مش شايفه إن المصايب دي بتخلص أبداً…
وأنا اللي واقفة معاك في كل حاجة…
وبالتالي من حقي أعرف إمتى علاقنا هتبقى رسمية!
كلامها كان تحدّي صريح…
وخلاني أعرف إن ملف نور
مش هيبقى الوحيد اللي لازم أواجهه قريب.
قمت واقف فجأة،
والكرسي اتحرّك ورايا بصوت عالي.
بصوت مليان تضايق واحتقان قولت:
__إنتي… حرفيًا قفلّتيني!
أنا نازل… !
مسكت مفاتيحي بسرعة
ومشيت بخطوات غضبانة ناحية الباب.
ملك قالت بتهكم:
__اهرب كعادتك!
لكن ما وقفتش…
ولا حتى بصّيت ورايا.
الباب اتقفل ورايا بقوة،
وسبت ورايا صوتها
والنكد اللي مش بيخلص.
_____________
يوسف
وقفت قدّام عمارة والد نور…
الهدوء كان غريب
وكإن المكان نفسه بيخبي سر.
طرقت الباب
سألت الجيران
مفيش حد يعرف حاجة…
نزلت السلم بخطوات تقيلة،
الأمل اللي كنت ماسكه
وقع من إيدي.
قدّام العمارة
كان في قهوة صغيرة…
صوت الكراسي
وريحة البن
وحوار الناس العادي
ضربني بإحساس إن الدنيا مكملة
ولا كأن في حد ناقص.
طلّعت صورة نور على الموبايل
الصورة اللي حافظ تفاصيلها
من غير ما أبص حتى…
وبدأت ألف على الناس
واحد واحد:
__لو سمحت…
شفت البنت دي هنا؟
قريبة من المكان؟
الناس كانت تهز دماغها بالنفي…
أو تبصّ للصورة ثواني
وبعدين تكمّل يومها عادي
وكأن الموضوع مش حياة حد.
يوسف
وقفت قدّام راجل بشرته سمراء
وعيونه بني غامق
فيها حدة،
وكأنه بيقيسني بنظرة واحدة.
مدّيت له صورة نور
ولقيته ركّز فيها
زيادة عن اللزوم…
كأن ملامحها محفورة في دماغه.
سألته بلهفة متخبّية:
__تعرفها؟
رفع عينه عليّا وقال بحدة:
__إنت مين بالظبط؟
رديت وأنا بإصرار ماسك أعصابي:
__أنا… جوزها.
اتصدم،
ضحك ضحكة صغيرة مستفزة:
__بس نور… مش متجوزة!
أخدت نفس عميق عشان ما أنفجرش:
__اتجوزنا قريب…
إجابة سؤالي بقى؟
شوفتها هنا؟
بصّ لي بنظرة طويلة
وبعدين قال:
__هو إنت يوسف؟
قلبي وقف لحظة…
إزاي يعرف اسمي؟
قلتله بحذر:
__أيوه…
إنت مين؟
ابتسم ابتسامة
مش عارف أفسّرها
إعجاب؟ استهزاء؟ غيظ؟
وقال:
__أنا يونس…
اللي كان المفروض يتجوز الهانم…
قبل ما تهرب بنت ال .....!
الكلمة ضربتني زي سهم
ومسكته م لياقه
قميصه .....
وبنبرة تقيلة وهادية جدًا:
__إسمها نور…
ومش هسمحلك تتكلم عنها
ولا عن حياتها
بقلة احترام.
قبل ما الرجالة اللي في القهوة يتجمعوا عليّ
بصوت واحد
عشان يحمّوا صاحبهم…
هو رفع إيده بثقة
وبنظرة منهم فهموا على طول
وقال بصوت ثابت:
__سيبوه… ده تبعي.
اتفرقوا في لحظة
وكأن الكلمة دي كفاية
عشان يوقفوا أي مشكله
ردّيت وأنا ببصّله بقرف وقلت:
__بما إنك ماعندكش أي معلومة… أنا ماشي.
اتديرت عشان أمشي،
لكن صوته قطعني وهو بيقول:
__استنى… إنت متأكد إنها مفقودة؟
رجعتله بنظرة زهق وقلت:
__لو ماكانتـش مفقودة، كنت هاجي أسأل هنا ليه؟!
قال بهدوء غريب:
أنا ممكن أساعدك تلاقيها.
ضحكت بسخرية وقلت:
__كفّي نفسك.
ولسه همشي،
قرب مني خطوة وقال بصوت واطي:
__إنت شاكك في مازن… مش كده؟
بصيّت له شوية…
وبعد تفكير بسيط قلت:
__أيوه… بس مش متأكد.
قال وهو متأكد من كلامه:
__نقدر نتأكد… لو هو ورا اختفائها ولا لأ.
سألته بنبرة حذر:
إزاي؟
قرب أكتر وقال بثقة:
__هقولك… بس امشي معايا.
ضحك يونس بخبث بسيط
وكأنه ماسك ورقة مهمّة في إيده
وقال:
__أنا أعرف مازن كويس…
وأعرف الأماكن اللي بيستخبى فيها
وقت ما يعمل مصايب.
قرب مني خطوة
وعينيه كانت بتلمع بذكاء:
__لو نور عنده… هنلاقي أثر.
فضلت بصصله بتردد
أنا عارف إن التعاون معاه
مش أحسن قرار
بس نور…
مفيش أغلى منها.
سألته بحذر:
__طيب… هنعمل إيه بالظبط؟
رد من غير ما يرمش:
__نمشي ورا خطواته…
وورا اللي حواليه.
ونروح الأماكن اللي المفروض
بيقعد فيها
ونتأكد بنفسنا ....
اتنفست بعمق
وحسيت إن في خيط أمل
ولو بسيط.
ومع ذلك…
الشك كان بياكلني:
__ليه هو عايز يساعدني؟
وليّه دلوقتي؟
مد لي إيده وقال:
__اتفقنا؟
بصيت ليده لحظات
وبعدين مدت إيدي متردد
وإيديا لمست إيده:
__اتفقنا
هو ابتسم…
ابتسامة صعبة تتفهم
وقال:
__إلحقني… عندنا شغل كتير.
_____________
أدهم
وصلت المكان اللي نور كانت بتشتغل فيه.
أول ما دخلت…
قابلت أرخم حد ممكن الواحد يقابله في يومه.
اللي اكتشفته بعدها إنها إسمها "سهيله"
… صاحبة نور!
قربت منها وقلت بتركيز:
__نور كلمتك قريب؟ تعرفي عنها حاجة؟
بصّت لي بنظرة مستغربة… كأني جاي أقلقها على الفاضي:
__لا… بتسأل ليه؟
تنهدت بضيق وقلت:
__اختفت… ومش عارفين مكانها.
مجرّد ما سمعت الكلمة…
ملامحها اتغيّرت، والقلق نط في صوتها:
__يالهوي! ليكون حصل لها حاجة؟
رفعت حاجبي بغيظ وقلت:
__يا شيخة الملافظ ساعد… هنلاقيها إن شاء الله.
اتضايقت من ردّي وقالت:
__أنا مشوفتهاش بقالي يومين… وبحاول أكلمها مش بترد.
قربت مني خطوة، ووشوشت في ودني:
__وبصراحة… المدير شكله على آخره منها اليومين دول.
بعد ما خلصت جملتها، بصّيت لها بقرف خفيف وقلت:
__إبعدي… إنتِ ليه بتفتِفِي في ودني؟
قامت متضايقة، ربعت إيديها
وبصت حوالين المكان بزهق واضح.
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت التلاتين
يوسف
كنت ماشي جنبه بخطوات سريعة
ودقات قلبي بتعلى مع الوقت
نور في خطر
ومش بثق ف يونس نهائي
بس هو الخيط الوحيد اللي مسكته.
بصيت له من غير ما أوقف المشي وقلت:
__هو إنت واثق نبتدي منين؟
يونس
كان ساكت
لكن في عنيه غل مش مفهوم
لفّ عليّا وقال:
__مازن عنده شقة تانية… بيروّحها من ورا الكل.
لو نور محبوسة… هتبقى هناك.
وقفت مكاني
وبصيت له بجدية:
__عرفت الكلام ده منين؟
قال وهو بيرفع حواجبه بثقة:
__كل واحد ليه أسراره… وأنا بعرف أطلعها.
شعور بعدم الراحة سيطر عليّا
بس لازم أكمل
يوسف
رجعت أمشي وقلت:
__طب ما تروح وتكلم مازن بقى بدل ما تساعدني؟
ضحك ضحكة باردة:
__لو مازن عرف بدخولي ف الموضوع… نور مش هتتنفس تاني.
إحنا هنفاجئه… ونسبق أي خطوة منه
وياريت تثق فيا شويه ....
ضمت يدي على صورة نور في جيبي
وحسيت بألم غريب في صدري
نور محتاجة لي
ومش هسيبها
بصوت ثابت قلت:
__دلّني عالمكان.
يونس ابتسم:
_إركب… واللي هيحصل جوه… ملكش دعوة ...... غير بنور.
ركبت معاه
والقلق سايقنا
والليل حواليْنا أعمى
كأنه مخبّي سرّها جوّاه
وصلنا الشقّة اللي
يونس قال
إن مازن بيروّحها…
الشارع كان هادي
....والنور ضعيف
،وقلبي بيخبط من القلق.
سألنا البواب
لو كان شاف نور قبل كدا
هنا
والصدمه لما قالنا
فعلا إنه شافها هنا
وإنها كانت مع استاذ مازن
وإنها أخته!
وهنا بس اتأكدت
إن نور ف خطر !
وقفنا قدّام الباب .....
،وبصيت له بتساؤل واضح:
__هنفتحها بقى إزاي؟ ولو كسرنا الباب… الجيران هتصحى!
يونس حكّ راسه بكسل غير مبرّر
وقال بمنتهى البرود:
__مش عارف بصراحة.
اتسمرت مكاني وبصيت له باستنكار:
__ومدام إنت مش عارف… جبتنا هنا ليه؟!!!
فضل ساكت ثواني
وعنيه بتلف في المكان
وبعدين قال:
__مفكرتش كويس.
كنت هزعق فيه
لحد ما رفع صباعه فجأة وقال:
__جتلي فكرة!
بصيت له بنفاذ صبر:
__قول بقى…
قال بثقة غريبة:
__هدى… مراته. ممكن تساعدنا.
رديت بسخرية:
__تساعدنا إزاي بقى؟ مش إنت لسه قايل مراته؟
قال بهدوء وعيونه ركّزت في عيني:
__هدى… آه مراته. بس دي مختلفة عنه خالص.
بنت ناس… ومتربية… ومش من عالم مازن ده.
ولو حكّينا لها… هتتفهم.
وهتقدر تجيب المفتاح من غير ما ياخد باله.
سكتُّ، أفكّر…
عنده حق…
بس الخطر كبير… وأي كلمة غلط معناها نهاية نور.
قلبي اتقبض
وبصوت منخفض قولت:
__ماشي… بس أي غلطة تحصل… العواقب هتبقى وخيمة.
يونس ضحك ضحكة سمجة
وهو راجع خطوة لورا وقال:
__سيبها على الله.
والليل حوالينا كان بيضيق…
وكأن الشقة تخبّي سرّ جوّاها مستني يتكشف.
مكنش هاين عليّا
أمشي وقلبي سايبها هنا
لوحدها…
محبوسة…
وخايفة
مددت إيدي ولمست الباب
لمسة قصيرة…
لكنها وجعتني
وكأني بقول لها من غير صوت:
__استنيني… أنا راجعلك مهما حصل.
بعدها لفيت وطلعت بسرعة
وأنا شايل في قلبي نار
أول ما خرجت من الشارع
مسكت موبايلي واتصلت بأدهم
فتح الخط :
__خير يا يوسف؟
قلتله بنبرة مستعجلة:
__عرفت مكان نور…
بس محتاجين نتحرك بعقل
عشان نخرجها.
سكت لحظات…
حسيت صوته اتغيّر
وقال بجدية أول مرة أسمعها منه:
__تعالى فـ أسرع وقت…
هنقعد كلنا
ونقرر هنتصرف إزاي.
وبدأت الرحلة التانية…
الرحلة اللي لو غلطنا فيها غلطة واحدة
نور هتضيع للأبد.
______________
نور
برد.
جوع.
دوخة.
إيديا مربوطة.
رجليا مش حاسة بيهم.
نَفَسي بقى تقيل.
قلبي بيدق بسرعة…
وبطء…
ومش فاهمة إيه اللي بيحصل جوايا.
بقالي تلات أيام من غير أكل.
والسكر…
أكيد بيقع.
عيني بتزوغ.
الدنيا بتسودّ…
وترجع تاني.
لساني ناشف.
عايزة مية… بس مش قادرة أنطق.
عقلي بيحاربني:
__قومي… اتكلمي… اعملي أي حاجة…
وجسمي بيرفض.
فكرت أصرخ.
صوتي طلع… همس.
الخوف ماسكني من كل ناحية.
مش بس خوف من المكان…
خوف من جسمي نفسه.
لو وقعت في غيبوبة…
مين هينقذني؟
دمعة نزلت…
مش ضعف…
وجع.
وجوايا جملة واحدة بتتكرر:
__أنا عايزة أعيش.
______________
أدهم
يوسف وصل.
سلم على يامن وحازم.
ويونس… اللي عمرنا ما حبيناه
كان موجود .....
قعدنا كلنا.
الجو ثقيل.
الصمت مقيدنا من كل ناحية.
حازم
ويامن كانوا
مصدومين
أتكلم حازم والصدمه ماليه
وشه:
__إزاي مازن يعمل كده؟
وف مين ف أخته!...
إزاي ياخدها ويحبسها
ليه وعشان اي؟
بس
حازم ويامن قاعدين على أعصابهم.
عيونهم بتقفز شرار.
إيديهم مشدودة.
وشوشهم متشنجة.
مستحلفين لمازن …
قلوبنا بتخبط بسرعة.
التوتر مسيطر على كل حاجة حوالينا.
الخوف على نور جوا كل واحد فينا…
حاسسينا بالعجز والغضب مع بعض.
الصمت ثقيل…
زي حجر ماسكنا.
لكن جوا كل واحد فينا نار صغيرة…
نار عايزة تتحرك…
نار عايزة تنقذ نور مهما حصل.
يونس
بدأ يتكلم وقالنا ع
مفتاح الشقه اللي لازم
نجيبه من هدى ....
من غير مازن م يعرف
كلنا كنا مترددين
من خطوه زي دي
بس مفيش مفر! ...
وبما إن هدى
تبقى مرات مازن
ف انا معايه رقمها
اتصلت بيها
وكلنا كنا مترقبين
وبعد ثواني
ردت
صوتها جه مستغرب
لاني نادرا لما بتصل
بيها:
__خير يا أدهم في حاجه ولا اي؟
حمحمت
بتوتر وقولت:
__اه كنت عايز خدمه ....
بدأت احكيلها
وهي كانت منصته
لكل كلمه بقولها
صوتها بيقول إنها
مكسوفه
مش مني
لكن من جوزها
واللي عمله
صوتها جه فيه
وجع وقالت:
___بس أنا خايفه
مازن لو عرف اني
خدت المفتاح مش هيسكت
رديت عليها
وأنا بحاول اطمنها
وقولت:
متقلقيش
___هي ساعه زمن هناخد
المفتاح نخرج نور
ونرجعه تاني
سكتت شويه وكأنها
بتفكر
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت الواحد والتلاتين
أدهم
ردت بتساؤل:
__إنت متأكد إنها في الشقة؟
قلبي وقع.
أنا مش متأكد 100٪…
بس نور لازم تتنقذ.
قلت بسرعة:
__مية في المية.
سكتت لحظة.
كان في خوف في صوتها…
وتردد كبير.
وبعدين قالت:
__خلاص… نتقابل في مكان بعيد… وأديك مفتاح الشقة.
بصيص أمل صغير دخل قلوبنا.
بس في نفس اللحظة…
الشك زاد.
هي هتساعد؟ ولا هتبلّغ مازن؟
كل حاجة واردة.
بس نور…
لازم نلحقها قبل فوات الأوان.
________________
يوسف
أصريت أجي معاهم.
حتى لو كل شوية يقولوا:
__مش لازم… إحنا هنتصرف!
طب إنتو هتتصرفوا إزاي من غيري؟
أنا اللي دورت.
أنا اللي سألت.
أنا اللي جريت من مكان لمكان…
لحد ما وصلت لأول خيط.
وفي الآخر؟
تاخدوا المعلومات… وتقولولي:
__شكراً… وإحنا نكمل!
هو أنا ماليش لازمة كده؟
أنا ماليش حق حتى أبقى موجود؟
أنا جوزها.
أنا اللي قلبي محروق.
أنا اللي مش قادر أتنفس من خوفي عليها.
وأنا اللي مش هسيبهم يروحوا لوحدهم.
الموضوع مش “تصرف”…
الموضوع نور.
ونور…
أنا مستعد أواجه الدنيا كلها عشانها.
________________
نور
حاسّة الدنيا بتضيق بيا…
دوخة بتلف راسي…
وجع مالي جسمي كله.
ماكنتش أتخيّل نهايتي تبقى هنا…
ومع الشخص دا بالذات.
أنا عملت إيه غلط في حياتي؟
كل اللي عملته إني صبرت…
صبرت على الأذى
وعلى حاجات كان لازم أوقفها من زمان!
يمكن لو كنت وافقت
أرفع قضية على بابا
يوم يوسف جِه البيت لأول مرة…
مكنّاش ده هيحصل!
أنا محبوسة…
ومن جوّايا موجوعة…
وحسّة بفقد وعيي شويه بشويه…
لكن فجأة…
سمعت مفتاح بيتحرّك
وصوت باب الشقة بيتفتح!
خمنت إنه مازن…
عادي… زي كل مرة!
بس الصدمة الحقيقية
لما سمعت صوت يوسف
بينادي عليّا!
وبعده أدهم!
وبعدين أصوات تانية
مش غريبة عن قلبي…
حازم… ويامن!
دموعي نزلت لوحدها
من غير ما أقدر أوقفها…
وأنا بشوفهم بيجروا ناحيتي!
يوسف أوّل واحد وصل…
وقف قدّامي مصدوم…
مبين عليّه الخوف والزعل
مخبّيين في عيونه ألف كلمة.
أنا…
أنا في اللحظة دي
كل قوة كنت بحاول أتماسك بيها
وقعت فجأة!
حازم جه بسرعة
فكّ القيود من إيديا
وبس لقيت نفسي
بجري لحضن يوسف…
كإني أخيرًا لقيت أمان
كان ضايع مني بقاله كتير.
دموعي اتحولت لبكاء هستيري…
مكنتش شايفة أي حاجة…
ولا سامعة أي صوت…
غير دقات قلبي
وحضن يوسف اللي اتمسكت بيه
من غير ما أفكر!
إيديه كانت بتطبطب عليّا
في سكون…
كأنه بيقولي
"أنتِ بخير… أنا هنا" ...
من غير ما يفتح بُقه بكلمة!
كنت حاسة بنظراتهم عليّا
حازم… ويامن… وأدهم…
كلهم مصدومين!
يمكن مستغربين
إني نسيت وجودهم
وتمسكت بيوسف بس…
بس عقلي مكمّلش …
كل التعب اللي جوايا
وقع مرة واحدة!
الدنيا بدأت تتهز حواليّا…
الأصوات بعدت…
وصوت يوسف بقى بعيد
رغم إنه قدامي…
حسّيت جسمي خفيف…
وخيوط الوعي اتقطعت
واحدة… ورا التانية…
ولقيت كل حاجة
بتسودّ قدامي
وبفلت من الدنيا
فغمضة عين…
______________
يوسف
أول ما حضنتني…
اتجمدت.
ماكنتش متوقع…
ولا كنت مستعد أشوفها بالحالة دي.
حسّيت إيديها بتتشبث فيّ
وكأنها بتتعلق بآخر أمل.
قلبي وقع…
وقع بمعنى الكلمة.
كنت بطبطب عليها
محاول أهدّي رعشتها…
بس الحقيقة
إني أنا اللي كنت برتعش!
عيني لفتت على باقي إخواتي…
كلهم مصدومين.
محدش عارف يقول كلمة.
محدش عارف يفكر.
رجعت أبصي لها تاني…
ملايين الأسئلة جوايا:
اتعذبت قد إيه؟
اتحملت قد إيه؟
ثواني…
ولقيت جسمها بيهدي فجأة.
شهيقها بيقل.
ملامحها بتستسلم.
قربت وشي عليها بسرعة:
— نور!
نــور!!
وما ردّتش.
جسمها مال لقدّامي
وكأنها سيبت نفسها بالكامل.
قلبي ضرب جامد…
حضنتها من تحت ضهرها
وشلتها قبل ما تقع.
يا رب…
مش وقت إنها تنهار!
مش بعد ما لقيتها!
زعقت من غير ما أحس:
— افتحوا الطريق!
— بسرعة… العربية!
وقفت شايلها
حاسس بنَفَسها الضعيف
وخايف…
خايف بشكل عمري ما حسّيته قبل كدا
غير وأنا معاها!!....
بعد ساعه تقريبًا…
الدكتور خرج.
يامن جري عليه بقلق:
— خير يا دكتور؟ نور بخير؟
الدكتور رد بهدوء جدًا:
— الحمدلله بقت كويسه.
كان عندها انخفاض حاد في السكر…
وعملنا اللازم.
حازم اتقدم بلهفه:
— طب ندخلها؟
الدكتور بص لهم وقال:
— هي طلبت… واحد اسمه يوسف
هو اللي يدخل.
الكل لف عليّا!
نظرات مستغربه…
مستفهمه…
ومتضايقه!
حسّيت كإني غلطان!
كإني السبب!
اتنفست بعمق…
وقولت بهدوء:
— أنا هدخلها.
مشيت
وسبتهم ورايا بيغلو!
غيظ…
غيرة…
أو حتى خوف عليها!
مكنش فارق…
أنا كل اللي فارق معايا
هي.
قربت من باب أوضتها…
قلبي كان بيخبط جوا صدري
مستعجل يشوفها…
مطمئن عليها…
وباب الأوضه
اتفتح ببطء…
__________
نور
يوسف…
صوته…
وجوده جنبي…
كان زي نسمة هوا وسط كتمه خانقاني.
حاولت أرفع عيني عليه
تقيلة…
بس غصب عني اتعلقت بيه.
إيدي بتترعش
مش من خوف…
من إن جسمي منهك
وتعبانه بقاله كتير.
قرب مني…
غطّاني بالجاكت بتاعه
حاسه ريحته
بتطمنني
بتفكرني…
إن في حد لسه شايل همي.
قلبي كان بيخبط
مش عشان مرعوبه
عشان أخيرًا في أمان.
حاولت أتكلم
صوتي مخرجش
غير همسه…
ضعيفة…
بس هو سمعها:
— يوسف…
دموعي نزلت
مش قادره أوقفها
كنت فاكراه حلم
ومش هيفوق.
اتمسكت فيه
بعنيا قبل إيدي
وبدأت أحس…
إن روحي بترجع مكانها.
مبقاش فارق دلوقتي
حد يشوف
حد يتضايق
حد يغير…
أنا رجعت
وأهم من دا كله…
رجعت وأنا لسه عايشه.
وهو…
كان أول وش أشوفه
وأنا بخرج من الكابوس.
كان شايف اللخبطة
اللي ماليه وشي.
اتكلم بهدوء…
عكس اللهفة
اللي واضحة في عينه:
— مش لازم تتكلمي دلوقتي
ولا تحكي اللي حصل…
المهم تبقي بخير.
الدموع اتحبست
وبصوت متقطع قولت:
— أنا مش عايزه أشوفهم…
مش عايزه أشوف حد منهم…
هم السبب في اللي أنا فيه.
بصّلي باستغراب:
— مين؟ إخواتك؟
هززت راسي بوجع:
— آه…
قرب وهو بيحاول يفهم:
— ليه بتقولي كده؟
انتي مشفتيش كانوا قلقانين
عليكي قد إيه…
نظرت له بيأس:
— بس هم سابوني…
سابوني ف وقت
كنت محتاجاهم فيه…
سافروا…
ورمّوا كل حاجة وراهم…
وسابوني أواجه الدنيا لوحدي.
قاطعني بهدوء:
— هم مكنوش يعرفوا
إيه اللي بتمرّي بيه…
ولو كانوا عرفوا؟
مستحيل كانوا يسيبوك.
اتنهدت بمرارة:
— حتى لو…
مكانش في سؤال…
ولا محاولة واحدة
يعرفوا أنا فين…
أخباري إيه…
ولا حتى لو محتاجة حاجه.
سكت…
هو عارف إني عندي حق.
أنا اتوجعت…
واتكسرت…
ومحدش كان جنبي.
هما اختاروا حياتهم…
وأنا خلاص…
هختار نفسي.
يوسف سكت…
وكأنه بيدوّر على كلام
يخفف عني…
بس الحقيقة أتقل من أي كلام.
أنا موجوعة…
مش من اللي حصلي
قد ما من الناس اللي كنت مستنياهم
وماجوش.
غمضت عيني…
وخدت نفس بيوجع
وقولت بصوت واطي:
— أنا تعبت…
لسه سايبة إيدي
ف إيده
وغصب عني
حسيت إني عايزه
أتعلق بالأمان ده
حتى لو دقيقة كمان.
همس وقال:
— انتي مش لوحدك…
وأنا هنا…
الكلمة دي
على قد ما كانت بسيطة
على قد ما كان ليها معنى كبير
جوا قلبي.
أنا مش هنسى اللي حصل
ومش هسامح بسهولة
بس…
يمكن لأول مرة
حسيت إن لسه في حاجة
ممكن تتصلح.
مش هبقى نسخة مكسورة
من نفسي تاني…
ولو هبتدي من الصفر
هبتدي…
وبقوة.
_______________
هُدى
مازن كان بيزعق
عصبيته ماليه البيت
المفتاح اختفى
وهو هيموت من الغيظ
وأنا؟
بحاول أعمل نفسي هاديه
ولا كأني خبّيت حاجة
قولتله بتوتر:
انت أصلاً… بتروح هناك ليه؟
مش قولت إنك بطلت تروح؟
بصلّي بعيون مابترحمش
وقال ببرود يقطع القلب:
دي شقتي…
وأعمل فيها اللي أنا عايزه
إن شاء الله أولّعها!
ملكِيش دعوة!
سكت…
ضحكت ضحكة صغيرة
كلها سخرية
ودخلت الأوضة أمسك أعصابي
بعثت لـ أدهم رسالة:
مازن اكتشف إن المفتاح مش موجود
الحقني قبل ما يشك
ردّ بعد ثواني:
أنا تحت البيت
قلبي وقع
لو مازن نزل
لو لمح حاجة
كل حاجة هتولع… بيّا أنا قبلهم
لبست بسرعة
ولما جيت أخرج
وقفني بصوته البارد:
— نازلة فين؟
رديت من غير ما أبص له:
— هجيب شوية حاجات للبيت
ضحك بسخرية وجعاني
وقال:
— روحي ف داهية!
وجع…
قهر…
خنقة
بس ماوريتهش دموعي
نزلت
كل خطوة بخوف
بتلفت حواليّ
كأني بتهرب من وحش
وصلت لأدهم
إديته المفتاح
ابتسم بامتنان:
— بجد شكراً يا هدى
من غيرك مكنّاش هنقدر نرجّعها
ابتسمت له ابتسامة مكسورة
وقولت:
— نور زي أختي
طمنّي عليها… كتير
قبل ما أكمل
موبايلي رن!
رقم غريب
اتوترت…
أدهم قال بهدوء:
— ردي
رديت بتردد…
— ألو؟
محدش اتكلم!
الخط اتقفل
قلبى وقع تاني
فتحت الواتس…
وياريتني ما فتحت!
يتبعععع#الم_بدون_صوت
البارت الاتنين وتلاتين
هدى
لقيت صور…
صور لمازن!
… مع واحدة تانية!
عيني اتسعت
إيدي قربت تفلت الموبايل
وصوتي؟
اتحبس جواي
بس عيوني قالت كل حاجة
أدهم قرب مني
ملامحه اتشكلت قلق:
— انتي كويسة؟
بصيت له
تايهة…
مش مستوعبة
وهزّيت راسي
بس شكله؟
كان فاهم إني منهارة
خد الموبايل من إيدي
وهو بيبص ع الشاشة
تجمد مكانه
صدمة… مش أقل من صدمتي
رفع عينه عليّا وقال:
— دا مازن!
مين اللي معاه دي؟
هزّيت راسي
يمين… شمال
الدموع بتتزق في عيني
وقولت بصوت مكسور:
— مش عارفه…
والله مش عارفه…
حاول يهديّني وقال:
— ممكن يكون حد بيحاول يوقع بينكم
متحكميش من غير ما تسمعيه يا هدى
ضحكت ضحكة موجوعة
وقولت:
— مش بعيده عليه
هو أصلاً طول اليوم برا
بينام في أوضة… وأنا في أوضة
وبيزعق… وبيضربني على أتفه الأسباب
يبقى صعب يخوني؟
بصلي بصدمة…
صدمة حقيقية
كأنه أول مرة يسمع حاجة عن أخوه
— هو… بيضربك؟
ردّيت بسخرية مالهاش طعم:
— تتخيل؟
سكت…
سكوته خوفني
حسسني إني قلت كتير
ومسحت دموعي بسرعة
زي اللي بيهرب من نفسه قبل ما يهرب من غيره
قولت:
— أنا هروح… قبل مازن ما يشك في حاجة
كنت هتحرك
بس صوته وقفني:
— هدى…
فكّري قبل ما تاخدي أي قرار
مريم محتاجاكوا… انتوا الاتنين
وقفت
قلبي اتعصر
وبصيت له بهدوء مستسلم وقلت:
— ربنا يعمل اللي فيه الخير
ومشيت…
ومعايا وجع
ومعايا خيبة
ومعايا صورة… عمري ما كنت عايزة أشوفها
_____________
نور
يامن… حازم… أدهم.
التلاتة واقفين قدامي
نظراتهم تقيلة…
كأنهم بيحاولوا يفهموني غصب.
حازم كان أول واحد اتكلم
بصلي بنظرة هادية… هادية أوي!
الهدوء اللي يوجع مش يطمن.
وقال:
— يعني مش عايزة تشوفينا يا نور؟
بصيت الناحية التانية
ومسكت نفسي عشان مبكيش
وقولت:
— آه يا حازم.
يامن دخل الكلام
صوته خفيف بس فيه وجع:
— يعني موحشناكيش؟
قلبي اتخض…
بس وشي؟
متجمد.
وبصيت الناحية التانية تاني
وقولت:
— لا.
اتنهد وقال:
— قوليها وانتي بتبصي في عيونا!
رفعت عيني ليهم
وشوفت الشوق…
وشوفت القلق…
وشوفت حاجات كتير
كان نفسي ألمسها…
بس لأ.
بلعت ريقي
وبصيت قدامي وقولت:
— أنا مش طيقاكوا…
أنا هروح مع جوزي.
الصمت؟
وقع زي السكينة.
كلهم اتصدموا.
حتى يوسف!
كان واقف…
كأنه اتجمّد.
بصيت له
وقولت بصوت مبحوح:
— ولا انت… مش عايزني؟
ضحك ابتسامة صغيرة
ابتسامة حد لسه مش مصدق
وقال:
— إلا عايزك…
ده انتي تنوّري بيتنا.
ابتسمت غصب عني
رغم نظرات اخواتي
اللي كانوا هيولّعوا من الغيظ.
أدهم اتدخل
صوته كان مخنوق غضب:
— بس انتي قولتي إنك هتطلّقي منه!
رفعت صباعي ف وشه
وقولت:
— لأ!
أنا مقولتش!
انت اللي قررت…
وانا سمعت كلامك.
لكن دلوقتي؟
رأيي اتغيّر…
ومش عايزة أتطلق.
يامن ضيّق عيونه
وبصلي كأنه بيحاول يقرأ دماغي:
— أفهم من كده إنك… بتحبيه؟
سكت لحظة
وبعدين بلعت ريقي
وقولت:
— آه.
صدمتهم كانت أوضح من الشمس
حازم كان هيقرب مني
لكن أنا؟
قفزت من السرير
وجريت ووقفت ورا يوسف
مسكت فيه
كأني مستخبية جواه
وقولت بحذر:
— لو حد قربلي… هتزعلوا.
أدهم مسح على وشه
وتنفس بغضب وهو يقول:
— حبّيتيه إمتى؟ وإزاي؟ وليه أصلاً؟
رفعت راسي
لسه مستخبية ورا يوسف
وقولت بثقة موجوعة:
— هو الحب بمعاد يا أستاذ؟
وبعدين "ليه" دي؟
هو أنا مش من حقي أحب…
واتحب؟ ولا لأ؟!!
قعدوا يرغوا…
ويقنعوا…
ويحاولوا يدخلوا دماغي بأي طريقه
بس أنا؟
ولا اهتزيت.
كنت واقفة عند رأيي زي الصخر.
لحد ما حازم زهق
وزعق بصوت عالي:
— والله يا نور… هتروحي معاه
بمزاجك… أو غصب عنك!
بصيت له
نظرة كلها وجع
وخيبة أمل
وقولت:
— إيه يا حازم؟
هتعمل فيّ زي ما مازن عمل؟
ولا إيه بالظبط؟
اتصدم
واتخرس
وأدهم نغزه ف جنبه بسرعة
عشان يسكت قبل ما يبوظ الدنيا
أكتر
وبعدها حازم فقد أعصابه
وخرج برا الأوضة.
بصيت لأدهم وأنا ماسكة نفسي
وقولت:
— لو سمحت… موبايلي.
بصلي ثانيتين
وبان إنه مش مقتنع
بس اداني الموبايل
بزهق واضح
وخرج وراه.
متبقاش غيري…
ويامن…
ويوسف.
بصيت ليامن بحدّة
وقولت:
— مفروض يبقى عندك دم
وتسيبني مع جوزي.
اتصدم
وقف وقال:
— اتجننتي؟
والله اتجننتي!
رديت عليه بنبرة عالية
قبل ما يقفل الباب:
— انتوا اللي جننتوني…
يا كـــلاب!
وساب الباب وخَرَج.
مفيش حد فضل
غير يوسف…
واقف مكانيه
مش بيتحرك
بس بيبصلي.
اتحرجت
وبصوت واطي قولت:
— بتبصلي كدا ليه؟
حمحم
ووقف قدامي
وقال بجدية غريبة:
— انتي… قولتي إيه من شويه؟
اتلخبطت
ورفعت حاجبي
وقولت:
— أنا؟ مش فاكرة… قولت إيه أصلاً؟
قرب مني خطوة
وعينه ماسكة كلامي
وقال:
— قولتي إنك بتحبّيني.
وقفت…
اتجمدت…
وبدأت أتهرب:
— أنااا؟ لأ… مش فاكرة بجد!
ضحك…
ضحكة قصيرة
واضحة
وقال:
— لااا… دا أنا سمعت.
بوداني.
وإخواتِك كلهم يشهدوا.
بصيت للأرض
وبقيت ألمس صوابعي بعصبية
الكسوف مولّع ف وشي.
هو ضحك تاني…
ضحكته اللي دايمًا بتلغبط قلبي
وقرب مني
ومسك إيدي بهدوء
وكإنه ماسك حاجة يخاف تقع.
بصلي
ابتسامة رايقة
وقال:
— خلاص… متتكسفيش.
وبعدين…
أنا كمان بحبك.
يا نــوري.
جسمي اتشد
إيدي كانت لسه في إيده
بس قلبي؟
كان بيجري…
زي حد فتح له باب بعد سنين سجن.
بصيت له
وبصوته وابتسامته
حسّيت إن كل الوجع اللي فات
بيتفك…
نقطة نقطة.
قرب مني أكتر
لدرجة حسّيت نفسه
وقال بهمس:
— نوري… سامحيني إني اتأخرت.
سامحيني إني معرفتش أحميك من قبل ما يحصل كل دا.
عينيا دمعت تاني
بس المرّة دي
مش من الوجع…
من الراحه.
قولت بصوت متقطع:
— يوسف… أنا تعبت…
اتكسرت…
وخفت…
وماكنتش لاقيَّ أمان ف حياتي…
غيرك.
مسك وشي
بإيديه الاتنين
وكان بيبصلي
وكأنه بيطبطب بعينه قبل إيده.
قال لي:
— مش هتتعبي تاني…
مش هتخافي تاني…
أنا معاكي…
ومش هسيبك.
ولا ثانية.
غمضت عيني
وحسّيت أول مرّة
من سنين
إني مش لوحدي.
حسّيت بإيده
بتنزل ع شعري
وبتسحبني لحضنه
حضن دافي
وساكن
وكأنه بيقول:
__ارجعي مكانِك… انتي هنا.
اتسندت عليه
وقولت بصوت واطي جدًا:
— يوسف… أنا فعلاً بحبك.
حسّيت صدره بيتحرك
بنفس طويل
وبيشدني أقرب
وقال بهدوء:
— وأنا…
مش بس بحبك.
أنا كنت بضيع من غيرك.
الدنيا وقفت.
كل اللي برا الأوضه
اتنسى.
الصوت الوحيد
كان دق قلبي…
ودق قلبه.
وبينّا
كانت اللحظة اللي
كسرت كل الفراق…
وابتدت كل حاجه.
________________
سارة
كنت ماسكة الفون
بإيد بتترعش
… وكلمت فريد.
اليوم اللي
ماسمعتش فيه
صوته… بقى ناقص.
اتكلمت أول ما رد،
والقلق باين على
كل نبرة في صوتي:
__أنا قلقانة قوي على نور
… وعايزة أطّمن عليها.
جالي صوته هادي… عكس العاصفة اللي جوايا:
__كلميها وشوفي…
ولو مردتش، اتصلي بيوسف.
عضّيت شفايفي وقولت بتوتر:
__بس خايفة… ترفض تكلمني… أو يكونوا لسه ملقوهاش.
رد عليا بمنطق يخوّف قد ما هو واقعي:
__ده معناه إن لازم تكلميها… وتشوفي بنفسك.
وجربّي تصلّحي اللي بينكم.
تنهدت… كأن صدرى بيحاول يتنفس من تحت جبل، وقلت:
__انت غريب أوي يا فريد.
ضحك… ضحكة خفيفة
بتفك التوتر اللي في الجو:
__ليه؟
ابتسمت من غير ما أحس وقلت:
__بحسّك معايا بشخصية… ومع صحابك بشخصية تانية خالص.
اتكلم بنبرة هادية:
__يمكن علشان انتي بنت… والبنات ليهم معاملة خاصة.
مش عارفة ليه… وجهي سخن فجأة.
اتكسفت؟ يمكن.
لكن حاولت أغير الموضوع بسرعة:
__يعني… شايف أروح أكلمها؟
رد من غير ما يتردد:
__أكيد.
ولما تكلميها… عرفيني.
ابتسمت رغم خوفي وقلت:
__من عيوني.
قفلت المكالمة…
وقلبي كان بيدق بسرعة…
مش عشان فريد…
لأ.
عشان نور.
عشان اللي مستنياها…
وعشان اللي لازم أواجهه.
_______________
مازن
زعقت بصوت عالي:
__يعني اي؟
عايزه تتطلقي؟
وليه فجأة كدا؟
ردت عليا ببرودها
اللي بقيت بكره:
__مش فجأة ولا حاجه
كنت بفكر من فتره
ولقيت إن دة الحل المناسب
صرخت بعصبية:
__الحل المناسب؟
ولا مناسب ولا زفت!
تقدري تقوليلي
مريم هتعيش مع مين لو اتطلقنا؟
ردت وهي بتاخد
هدوم من الدولاب
وتحطها في الشنطه:
__والله لو عايز تاخدها معنديش مشكله
قمت أزعق أكتر:
__دا انتي اتجننتي خالص
بقولك ريحي نفسك
مفيش طلاق!
ردت بثقة:
__خلاص هرفع
عليك قضيه خلع
قربت منها
ومسكت ايديها جامد:
__فعلاً اتجننتي
ردت بحد:
__برضه مصمم
إني اتجننت!
مش انت يعني؟
عصرت ايديها بحدة
كأني بطلع كل غلي اللي جوه:
__اي اللي جد جديد عشان تطلبي الطلاق؟
عيونها اتملت دموع
مسكت تلفونها ورمته ف وشي
أول ما بصيت
اتصدمت
وهمست:
__يبنتللل…
ماشي يا ملك
انا هوريكي
رميت التلفون تاني
وقلت بغضب:
__مستحمله ضربي وزعيقي؟
ومش هتستحلي اخونك؟
يعني؟
ردت عليا بصدمه:
__انت متخيل انت بتقول اي؟
بتتكلم عن الخيانه
كأنها حاجه عاديه كدا ليه؟!!
ضحكت…
ضحكه سوده
طلعت مني غصب
كأنها طالعه من واحد
مش انا!
قربت منها أكتر
وكنت حاسس
إني حرفيًا
هفقد أعصابي
وقولت:
__عادي؟
اه عادي
لما الاقي مراتي
بتعاملني كأنها ضيفه!
ولا كأنها شايفاني!
ولا مهتمه بيا من أساسه!
مسحت دموعها
بعنف
وهي بتقول:
__يعني ده مبرر؟
مبرر إنك تخوني؟
رديت وأنا بسناني
مقفوله
وقولت:
__وانتي؟
مبرر إيه
إنك تتقلي
وتعملي فيها الملاك؟
إنتي فاكره نفسك اي؟
رجعت خطوه لورا
وخايفه
بس بتحاول
تخبي ده
وقالت بصوت بيترعش:
__أنا…
عمري ما جرحتك
ولا كسرتك
ولا خنتك
ولا…
قطعتها وصرخت:
__بس طلبتي الطلاق!
وانا مش هقبل!
فاهمه؟
مش هقبل!
كانت واقفه
بتتنفس بسرعه
كأنها هتقع
وبصتلي
بنظره عمرها
ما بصتها قبل كده
نظره قرف…
وخوف…
وجرح!
وقولتلي
بهدوء
مرعب:
_انت اخر واحد
في الدنيا
من حقه يزعل
لما حد يسيبه…
انت اللي سيبت
من زمان
بس كنت بتضحك
ع نفسك!
الكلام دخل جوايا
زي سهم
بس مكنتش هبين ده
صرخت:
__انتي مش هتمشي
من البيت!
ردت وهي بترفع شنطتها:
__انا بالفعل…
مشيّت.
وعدّت جنبي
من غير ما تبص
ولا حتى لحظه
وسابت الباب
يخبط وراها
زي خبطه
على قلبي
أنا نفسي
مش فاهمها…
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت التلاته وتلاتين
نور
الدكتور قال
أفضل في المستشفى
يومين
تحت الملاحظة
سهيله وساره
جم يطمنوا عليا
كنت بتكلم
وأنا مبتسمة
الفرحة واضحة
على وشي:
__بجد
ممكن متتخيليش
أنا فرحت قد ايه
لما كلمتيني
ساره بصتلي
ومدت إيديها
مسكت إيدي
وقالت بصدق:
__وانتي كمان
متعرفيش
أنا قلقت عليكي قد ايه
وفرحت إزاي
لما عرفت إنك بخير
سهيله قاطعتنا
وهي بتضحك:
__خلاص بقى
كفاية مشاعر
هعيط
ساره بصتلها
من فوق لتحت
وقالت بضيق:
__انتي مين؟
ضحكت
وقولت:
__دي سهيله
صاحبتي
ميلت على ساره
وقولت بصوت واطي:
__بس قوليلي
هو انتي
جيتي مع فريد؟
وكملت
بغمزة خفيفة:
__ولا أنا فهمت غلط؟
وشها احمر
وتلخبطت
وقالت بسرعة:
__لا هو
بس لما عرف
إني جاية أطمن عليكي
قال يوصلني
وبالمرة
يعدي على يوسف
بصتلها
وقولت وأنا عاملة بريئة:
__يعني
مفيش حاجة
ولا حتى شوية؟
سهيله ضحكت
وقالت:
__ده لو في امتحان
كان سقط
من كتر ما
مركز معاها
ساره حمحت
وعدلت في شعرها
وأنا وسهيله
ضحكنا
وهي سكتت
ومش عارفة
تبص فين
_______________
مازن
بنت الـ****
ماشي بقى
ملك تعمل فيا كدا؟
تبعت صوري معاها؟
كل ده
عشان مردتش
اتجوزها؟
هوريكي يا ملك
هوريكي كويس ...
خدت مفاتيح العربية
ونزلت .....
وانا الدم .....
بيغلي في عروقي
وصلت تحت بيتها
طلعت .....
وخبطت على الباب
بعنف .....
خبط
ورا خبط
ومفيش رد
باب شقة اتفتح
وواحد من الجيران
طلع وقال بضيق:
__ايه الخبط ده
يا أستاذ؟
ومين حضرتك؟
مردتش
وبصيتله بحدة
وقولت:
__الأستاذة
اللي ساكنة هنا
فين؟
بصلي باستنكار
وقال:
__عزلت
من يومين
الكلمة
لفّت في وداني
زي الصاعقة
وشي شد
والغضب
بان عليا
كأن الدنيا
كلها ضدي
هدى
راحت عند أهلها
مفتاح الشقة
كل حاجة
وقعت
فوق دماغي
قررت
أروح الشقة التانية
وأعمل نسخة
مفتاح جديد
وخلاص
وبالفعل
وصلت
وعملت النسخة
فتحت الباب
بقلب
مشدود
دخلت
ولفيت
بعيني
لكن الصدمة
كانت لما
ملقتش
نور
جوه!!!
_______________
فريد
كنت قاعد
وعصبيتي مش قادرة اتحكم
فيها ...
في رجاله كتير حواليها
وأنا... أنا غيران!
بحاول أثبّت نفسي
لكن مش قادر
وكل حاجة اتدهورت
لما يامن
أخو يوسف
قرب عليهم
وقال بفضول
وهو ممد إيده يسلم ع ساره:
__أهلا، أنا يامن
مكنتش عارف
أسيطر على نفسي
قربت
وقبل ما تمد إيدها تسلم عليه
كنت أنا ممدد إيدي
وقولت:
__أنا فريد، صاحب يوسف
مش متخيل
أنا بعز يوسف قد إيه
وأي حد من طرفه
بصلي باستغراب
ع اللي عملته
وقال بصوت متقطع:
__اتشرفت بيك
ابتسمت له
ابتسامة صفراء كده
مش عارف أنا جبت قلة الذوق دي منين!
قولت بهدوء وأنا
بوجه كلامي لسارة:
— أنا هروح،
عندي شغل…
يلا عشان أوصلك.
كانت هتعترض!
لكن لاحظت نور وهي
بتنغزها عشان
تمشي معايا…
وبالفعل، سلمت على نور،
وأنا سلمت على يوسف
قبل ما أمشي واخدها معايا
ركبت العربية جمبي،
والسكون حواليّا تقيل…
حسيت بعينيها بتتسائل،
بس تجاهلتها.
لغاية ما كسرت
الصمت بصوت حاد:
— هو إيه اللي
انت عملته دا يا فريد؟
ابتسمت بسخرية
خفيفة، وقلت:
— عملت إيه يعني؟
نظرتلي بعصبية،
وصوتها ارتجف شوية:
— ليه كلمت أخو
يوسف كده؟
وقفت العربية فجأة…
قلبها كان باين عليه،
وعيونها فيها خوف
ودهشة، وقلت بحشرجة:
— إيه… كنتي عايزة تتعرفي عليه؟
اتسعت عيونها من
الاستغراب، وقالت:
— مش كده… بس يعني… إنت كلمته بقله ذوق، والراجل ما عملش حاجة!
ضحكت بسخرية
وأنا ببصلها
في عيونها:
— وأنا اللي عملت بقى؟
صمتت لحظة…
وبعدين بصتلي بحذر:
— مالك يا فريد… في إيه؟
نظرتلي بشك،
وبصوت منخفض
وساكن:
— هو إنت غيران؟
كنت حاسس بالغضب
اللي جوايا بيتحرك
بسرعة، بس حاولت
أسيطر عليه
بصيت لها بهدوء، وأنا مركز على الطريق قدامي
قلت بصوت منخفض بس ثابت:
__مش غيران... بس مش بحب حد يقرب على اللي يهمني بالطريقة دي
حسيت جنبها بتنظرلي
بعينين شبه مستغربه ....
لكن حاولت ما أبينش عصبيتي أكتر من كده
فضلت ساكت شوية، ......
وعيوني بتتطلع على الطريق،
لكن قلبي كله مترقب
لأي حركة منها .....
بعد ثواني،
قالت بصوت حذر:
__يعني إنت بتحس بالغيرة؟
ابتسمت بسخرية
خفيفة، وقلت:
__غريبة... إنتي
شايفة كده؟
وبصيت لها مباشرة،
وحسيت إنها عارفه،
بس مش قادرة تقول
كل اللي جواها ....
حسيت إن الوضع حساس، ولازم أكون حذر في كل كلمة هقولها
وضغطت على دواسة
البنزين، بحاول
أحافظ على
برودتي،
رغم كل اللي جوايا.
______________
ساره
مش قادرة أفهم
مشاعر فريد…
ولا مشاعري تجاهه.
فريد شخص محترم،
متربي، شكله حلو،
وجنتل مان بكل
معنى الكلمة.
أي بنت كانت
تحلم بيه. بس…
هل أنا من البنات دول؟
مش قادرة أحدد.
اللي أعرفه بس،
إني لما بكون معاه
بحس بالطمأنينة والسعادة…
زي لو قلبي لقى ملاذه
بعد يوم طويل من الدوشه.
شعور… مش
عارفة أسميه إيه.
يمكن أنا عارفة،
وبحاول أكذب على نفسي…
ومش فاهمة ليه قلبي
بيرقص من غير سبب، ومشاعر مختلطة مش
عارفة أفرزها.
كل مرة أقرب منه… بحس بخوف غريب، وكأني خايفه
أكتشف إن ده أكتر
من مجرد مشاعر ....
بس الايام بينا كتير
وكل حاجه هتبان !....
___________
مازن
مش فاهم إزاي هربت!
ولا إمتى بالظبط…
بس اللي متأكد منه،
إن في حاجة غلط،
ولازم أعرفها ....
روحت البيت،
حطيت راسي
بين كفوفي وحاولت
أفهم اللي بيحصل.
المفتاح اللي ضاع…
أكيد وراه حاجة!
كنت متأكد إني
سبتُه على الترابيزة
قبل ما أنزل… مين أخده؟
هدى!! بس… ليه تاخده؟
وكمان… إزاي عرفت إن نور في الشقة؟
دماغي صدعت من التفكير.
وفجأة، وسط الحيرة… شفت المفتاح!
على الترابيزة…
إزاي ده حصل؟
أنا متأكد إني
دورت وملقتوش قبل كده!
يبقى أكيد…
هدى هي اللي خدته.
هي الوحيدة اللي تقدر ت
دخل وتخرج من البيت، وتاخد المفتاح… وبعدين ترجعه مكانه.
الغضب ملاني
وقررت إني هروح لها
بيت ابوها
واتصرف معاها !!..
____________
نور
روحت البيت
مع يوسف
كنت خايفة
ومتوترة!
أول مرة أدخل
وأنا عارفة
إني متجوزاه
عشان بحبه
مش عشان مصلحة.
دخلت
وكان التوتر باين عليّا،
وهو حس.
وجّه كلامه ليّا
وهو بيقعد على الكنبة
وقال بهدوء:
__تعالي يا نور.
بلعت ريقي
وأنا بفرك في إيدي،
وهو كمل بابتسامة:
متخافيش…
تعالي يا بنتي
مش هاكلك.
ضحكت بحرج
وقعدت جنبه،
ومش قادرة أبص في وشه.
لكن هو رفع وشي
وقال بنبرة دافية:
__متتكسفيش قوي كده.
اتنهد
وكمل بجدية خلت قلبي يدق:
__يمكن مقدرش أحققلك
كل اللي بتتمنيه،
بس أوعدك
إني أكون قد الأمانة،
وأحافظ عليكي
زي ما الرسول وصّانا.
__ولو في يوم
حسيتي إنك شايلة
هموم الدنيا لوحدك،
تأكدي إني هكون جنبك
وفي ضهرك.
لأنك قبل ما تكوني
مراتي،
إنتي حتة مني،
وعمري ما أفرّط فيكي.
قال الكلام ده من هنا…
وأنا دوبت من هنا.
إحساس جميل قوي
الإحساس ده،
الحب.
مكنتش أعرف
إنه حلو بالشكل ده.
بصيتله،
وكانت بصتي
أبلغ من أي كلام:
حب…
فخر…
إعجاب…
كل حاجة.
وأول مرة
أخد بالي
إن عيونه حلوة قوي،
وإنه حنين
أكتر ما كنت متخيلة.
هزّيت راسي
ليّه،
وهو قال بصوت هادي:
__ياريت بقى تاخدي
أدويتك في ميعادها
عشان متتعبّيش.
ضحكت وأنا برد:
__بنساهاا بس…
وكملت بنبرة حزينة شوية:
__يعني مكنتش متعودة
إن يبقى عندي سكر
وأاخد له أدوية.
حط إيده على إيدي،
ولمسته كانت كفاية
تحسسني بالأمان،
وقال بهدوء دافي:
__ده مش عيب يا قلبي،
عادي خالص،
ومتزعليش.
يا ستي أنا
اللي هديكي
وهفكرك بالأدوية
بنفسي…
اتفقنا؟
ابتسمت وقلت:
__اتفقنا.
كملت وأنا بقوم:
_أنا هدخل أغيّر.
وقبل ما أتحرك،
مسك إيدي
وقال بحنية واضحة:
__محتاجين نتكلم.
فهمت ساعتها
إنه عايز يعرف
إيه اللي حصل
وأنا في بيت مازن،
وإزاي روحت هناك.
هزّيت راسي ليه،
وسحبت إيدي بهدوء،
ودخلت أغيّر.
وبعد دقايق خرجت،
وعلامات التوتر ماليّة وشي.
مش عارفة أبدأ منين
ولا أقول إيه…
مش عارفة أحكيله
إن أخويا اللي من
لحمي ودمي
كان عايز يخلّص مني؟
ولا إن أخويا هو
السبب في موت ماما؟
ولا إن أخويا قذر
وبيخون مراته؟
كنت خايفة من المواجهة،
خايفة يوسف يشوفني
بعينه هو…
خايفة يبعد
لمجرد إن أخويا كده.
عارفة إن يوسف
مش بيفكر بالطريقة دي،
بس غصب عني…
الخوف بقى جزء مني.
قعدت جنبه،
وكان باين عليّا
إني مش عايزة أتكلم.
لكن كعادته،
صوته كان هادي
ويطمن وهو بيقول:
__احكي، وأنا هسمعك…
ومش هحكم عليكي
ولا على مازن،
لأني ببساطة
مش ربنا.
ومتخافيش من حاجة
طول ما أنا معاكي.
كلامه كان بيطمن
بطريقة غريبة،
وبيخليني أتكلم
من غير مجهود…
كأن قلبي
لقى أخيرًا
مكان آمن يحكي فيه.
بدأت أحكيله…
مكنش بيدي أي رد فعل
غير إنه كان بيسمعني
ومركز معايا بكلّه.
كنت بين كل كلمة
وكلمة أشهق من البُكا،
أنا جوايا حاجات
كتير قوي اتكسرت بسببهم.
كنت بتكلم،
وكل كلمة طالعة من قلبي
تقيلة وموجوعة.
وهو…
هو شدّني في حضنه،
وقعد يملّس على شعري،
وشهقاتي كانت بتعلى
من العياط.
قولت بين بكائي:
__أنا مش عارفة أعمل إيه…
مش عارفة.
عايزة بابا يعرف
إني مش السبب في موت ماما،
وفي نفس الوقت
مش عايزاه يشوف
إن أدهم ومازن هما السبب.
أنا تايهة…
ومش عارفة أعمل إيه.
وكان حضنه وقتها
مش بس أمان…
كان طوق نجاة
لبنت غرقت
من غير ما حد يحس.
هو فضّل ماسك إيدي،
وبيطبطب على ضهري بهدوء،
وكأن كل لمسة منه بتخفف عني جزء من الوجع.
قلبي كان بيدق بسرعة،
والهواء حواليا كأنه اتجمّد،
بس حضنه خلاني أحس بالراحة،
حتى لو الدنيا كلها ضدي.
بعد شوية، شيلت
راسي من ع صدره،
وبصيت له بعينين ملانين دموع،
هو بس ابتسملي،
ابتسامة صافية، صادقة، فيها كل الطمأنينة اللي محتاجاها.
قلت بصوت ضعيف:
__مش عارفة أبدأ منين…
مش عارفة أقوللك كل اللي حصل…
رد بهدوء:
__خدي وقتك…
احكيلي كل حاجة
خطوة خطوة…
أنا هنا، ومش هسيبك
… لا دلوقتي، ولا بعدين.
وبدأت أخد نفس عميق،
وحسيت إن حتى لو الكلمات طالعة بصعوبة،
هو هيسمعني…
هيحس بي…
هيقف جمبي.
وكانت بداية شعور جديد…
شعور بالأمان، بالحب،
وكأن قلبي بدأ يهدأ لأول
مرة من زمن طويل.
بعد ما شافني
محتارة ومرعوبة
قال برفق:
__نور… اسمعي مني كويس،
انت محتاجة تكون
صريحة مع نفسك الأول.
ترددت وسألته
بعينين مليانة دموع:
__يعني… أقول لبابا كل اللي حصل؟
ابتسم بحنية وقال:
__ده قرارك…
بس نصيحتي ليك،
لو حسيت إنه هيفهمك
ويوقف جنبك، قولي له.
لو خايفة إنه يغضب أو الوضع هيبقى أسوأ، استني شوية…
خلي أول خطوة تكون لنفسك،
بعدين فكري تحكي ولا لأ.
حسيت كلماته
بتطمن قلبي،
كأنه بيساعدني
أشوف الصح من
الغلط وسط كل الحيرة
اللي انا فيها.
البارت الاربعه وتلاتين
رحيم
سمعت خبط ع الباب
جامد
خرجت
لقيت الحج فتح
ومازن، جوز أختي هدى،
واقف ومتـعصّب
بصيتله
وقولت بسخرية:
__ولسه ليك عين تيجي كمان؟
رد عليّا بغضب:
__ملكش دعوة،
أنا جاي آخد مراتي
ونرجع بيتنا
ضحكت بسخرية
وطبقت دراعاتي قدام صدري
وقولت:
__ومين قالك
إنها هترجع معاك أصلًا؟
مش بعد اللي عملته
رد وهو عامل نفسه
مش فاهم:
__عملت إيه؟
قربت خطوة
وقولت بثقة:
__كنت فاكرها هتفضل ساكتة؟
فاكرها هتفضل
تحافظ على صورتك قدامنا؟
وتجمل فيك
وأنت وسـ*؟
كملت وأنا ماسك نفسي بالعافية:
__هدى طالبة الطلاق
فطلقها من غير
شوشرة ولا محاكم
رد بكل برود:
__مش هطلق
وأعلى ما في خيلكوا
اركبوه
دمي فار
وصوتي علي:
__اطلع بـررره
رد وهو بيزق الكلام:
__مش قبل ما آخد
بنتي
ساعتها الحج
طفح بيه الكيل
وقال بصوت ثابت بس قاطع:
__بنتك مش هتعيش
معاك يوم واحد
بعد اللي عملته مع أمها
ولو عرفت إن أبوها
خان أمها
هتكرهك بنفسها
مازن رد بحدة
كأن بنته دي
حاجة فارقة معاه:
__بنتي خط أحمر
وأي حد يحاول
يبوّظ صورتي قدامها
همحيه من على
وش الأرض
وهآخدها
غصب عنكوا
لسه هيقرب يدخل
مسكته جامد
وزقيته
ورميته بره الشقة
وصوته جالي
من ورا الباب
بيزعق ويخبط:
__والله ما هطلقك يا هدى
وهآخد بنتي
غصب عنكوا
فاهميييين؟!
وبعد شوية
الصوت اختفى
وهو مشي
دخلت أطمن
على هدى ومريم
أكيد سمعوا
دخلت
لقيت هدى
قاعدة بتعيّط
ومريم في حضنها
وعمالة تسأل ببراءة:
__هو بابا بيزعق ليه؟
ليه مروّحتش مع بابا؟
أسئلة ورا بعض
تقيلة على قلبها
فقولت بهدوء
وأنا بنزل لمستواها:
__ ميرو…
روحي عند جدو يا حبيبتي
بصّتلي شوية
وبصّت لهدى
وكأنها مش عايزة تمشي
بس في الآخر
خرجت
قعدت على السرير
جنب هدى
وشديتها في حضني
وهي بتعيّط
وقولت وأنا بمسح على شعرها:
__الشخص ده
ميستاهلش دمعة
من عينك
متبكيش عليه
لو هتبكي
ابكي على العمر
اللي ضاع معاه
مش عليه
ردّت بصوت متقطع
وسط شهقاتها:
__ إنت متعرفش
أنا كنت بحبه قد إيه
ومش فاهمة
إزاي اتغير عليّا كده
فضلت أبطبطب على ضهرها
وقولت بهدوء موجوع:
__هو مكانش اتغير
هو كان كده من الأول
بس إحنا
كنا مغمضين عينينا
طلّعتها من حضني
وبصّيتلها في عينيها
وقولت بصوت واطي
مليان طمأنينة:
__متخافيش يا هدى
ولا تحملي همّ
ولا تشيلي الدنيا فوق طاقتك
أنا معاكي
ومش هسيبك
ولا هسيب مريم
لحظة
هطلّقك منه
وحقك هيرجع
وإنتي مش لوحدك
طول ما نفسي طالع
أنا ضهرك
ما ردّتش
ولا قدرت تتكلم
قربت
وحضنتني
حضن مكسور
بس فيه أمان
حضن بيقول
"كفاية… أنا تعبت"
وحضنها
كان أصدق
من أي كلام
_________
مازن
خرجت من عندهم
والشر مالي دماغي
هي بتتحداني؟
تمام… وأنا قد التحدي
وهوريها
مين مازن المصري
روحت ع البار
يمكن أعرف أظبط مودي
فضلت أشرب
كاس ورا كاس
لحد ما الدنيا بقت
مغوشة
ومبقتش حاسس
بحاجة حواليا
وفجأة
سمعت صوت واحدة
قربت مني
وقالت:
__الحلو قاعد لوحده ليه؟
مكنتش شايف ملامحها
بس دماغي
صورتلي إنها هدى
رفعت عيني
وبصّيت لها
وأنا تايه
وقولت بصوت مكسور:
__هدى؟
عايزة تتطلقي؟
عايزة تسيبيني؟
مسمعتش رد
غير شوشرة
وضحك
وصوت عالي حوالي
قربت منها
وأنا تايه أكتر
مش شايف الحقيقة
ولا عايز أشوفها
الدنيا كانت بتلف
والأصوات داخلة ف بعض
مش شايف غير ظل
ولا سامع غير نفسي
مدّت إيدها
وحطّتها على كتفي
وقالت بصوت ناعم
دخل دماغي من غير
ما أفهمه:
__مالك متعصب كده ليه
ضحكت ضحكة قصيرة
ملهاش معنى
وقولت وأنا تايه:
__كله بيقف قصادي
حتى أقرب الناس
شدّتني من إيدي
وقالت:
__تعالى اقعد هنا
وارتاح شوية
مشيت معاها
من غير تفكير
ولا وعي
ولا حتى ندم
وفي اللحظة دي
فهمت
إن الغضب
لما يعمى
مبيهدّش غير
صاحبه
وإن أنا
مش هأذي حد
قد ما بأذي نفسي
________________
نور
كانت ساره
بتكلمني ف الفون
ويوسف نايم
وراسه ع رجلي
رديت عليها
بزعيق خفيف وقلت:
__يهبلة
يعني هو مكلمكيش
من امبارح
وانتي متتصليش؟
ردت عليا
وهي خلاص
هتطلع روحي وقالت:
__ما هو اللي متصلش
والمفروض
هو اللي يكلمني
تنهدت
وحاولت أمسك
أعصابي وقلت:
__يعني يبقى غيران
عليكي
وتقوليله
إيه اللي عملته دا
وتحسسيه
إنه غلطان
وبعدين مستنية
هو اللي يكلمك؟
روحي يا ساره
ربنا يهديكي
وكلميه
سكتت شوية
وبعدين قالت بتوتر:
__يعني انتي شايفة كدا؟
رديت بهدوء:
__أيوه يا حبيبتي
يلا روحي كلميه
وطمنيني
قفلت معاها
وقعدت أملّس
ع شعر يوسف
براحه
كأني بخاف أصحيه
فتح عينه
وبصلي بابتسامة
فيها دفى وقال:
__علاقتكوا اتحسنت
ابتسمت
وبادلته الابتسامة وقلت:
__الحمدلله
بجد
أنا فرحانة أوي
إن علاقتنا رجعت
زي الأول
مد إيده
ومسك إيدي
وضغط عليها بحنان
وقال بصوته الهادي
اللي دايمًا بيطمني:
__إخواتك
عايزين يكلموكي
ويطمنوا عليكي
تنهدت
وقلت بصوت واطي:
__وأنا مش عايزة
قرّب أكتر
وحط راسه ع كتفي
ومسك إيدي بين إيديه
كأنه بيحتويني
وقال بلطف:
__يا قلبي
مهما كان
دول إخواتك
وهما عرفوا غلطهم
وعايزين يصالحوكي
اديهم فرصة
عشان خاطري
مش عشانهم
بصيت له
لقيت عينه قريبة
قوي
ونبرته هادية
وفيها رجاء
ملامح وشه
كانت بتقولي
كلام أكتر
من أي حروف
اتنهدت
وقلت وأنا
ببص ف عينيه:
__عشانك إنت
مش عشانهم
ابتسم
الابتسامة
اللي دايمًا
تدوّبني
وقرّب أكتر
وحاوطني بإيده
كأنه بيحميني
من الدنيا كلها
قال بهمس:
__كدا كفاية
إنك فكرتي
توافقي
عشانّي
غمضت عيني
وحسّيت بالراحة
ملست على شعره
وقلت بصوت واطي:
__وجودك جمبي
مخلّيني أقدر
أعمل حاجات
مكنتش فاكرة
إني أقدر عليها
شدني لحضنه
أكتر
وقال بثقة:
__وطول ما أنا معاكي
عمرك ما هتبقي
لوحدك
وساعتها
عرفت
إن القرار دا
مكنش ضعف
دا كان حب.
______________
ساره
مكنتش عارفه
هتصل بيه
وأقوله اي
ولا أبدأ منين
بس كل اللي كنت
متأكده منه
إنه زعلان
وإن الزعل ده
واجعني أنا كمان
اتصلت بيه
وبعد ثواني
رد
أول ما سمعت
صوته
اتلخبطت
والكلام
اتحبس جوايا
ثواني عدّت
وهو ساكت
وسكاتُه
كان أصعب
من أي كلام
وبعد دقيقة
اتكلم وقال
بنبرة هادية
بس موجوعه:
__هنقضيها كدا؟
بلعت ريقي
وقولت بتوتر:
__إنت زعلان مني؟
رد بسخرية خفيفة
مخبية وراها
وجع واضح:
__هو مش باين
ولا اي؟
لعبت في إيدي
من التوتر
وقولت بسرعة
وكأني بدافع
عن نفسي:
__ع فكرة
أنا معملتش
حاجه لكل دا
سكت ثانية
وبعدين قال:
__ومدام معملتيش
حاجه
متصلة ليه؟
السؤال
كسّرني
وأحرجني
ف نفس الوقت
اتنهدت
وقولت بصوت واطي:
__عشان عارفه
إنك متضايق
وعشان
انت مهم عندي
سكت شوية
وكملت بسرعة
قبل ما أضعف:
__أنا مكنتش أقصد
أتعصب
ولا أتكلم
بقله ذوق معاك
صدقني
الكلام طلع
من قلبي
قبل لساني
وأنا مستنيه
رده
وقلبي
بيدق جامد.
سكت ثواني
وأنا سامعه نفسي
بتنفس بالعافيه
من التوتر
وقبل ما أفكر
أتكلم تاني
سمعته يتنهد
وكأن الزعل
سبق كلامه
قال بصوت أوطى
من الأول:
سارة…
__أنا مبحبش
أزعل منك
ولا أحب
نبقى كدا
قلبي دق
غصب عني
وحسّيت إني
قربت أعيط
رديت بسرعة
وقولت:
__ولا أنا
بحب أزعلك
ولا أضايقك
بس…
أنا ساعات
بتلخبط
سكت شوية
وبعدين قال
بنبرة هادية
مليانه إحساس:
__ماشي
بس لما تتلخبطي
متبعديش
قربي
الكلمة
دخلت قلبي
على طول
قلت بصوت واطي:
__حقك عليّا
أنا آسفة
بجد
ضحك ضحكة خفيفة
رجّعتلي روحي
وقال:
_خلاص
بس كدا؟
أنا كنت مستني
الكلمتين دول
ابتسمت
لوحدي
قدام الفون
وحسّيت إن
المسافة
بينّا
اختفت
وساعتها
اتأكدت
إن الزعل
مكنش كبر
ولا قوي
قد ما كان
فيه مشاعر
مستخبيه
مستنيه
كلمة.
___________
هدى
كنت قاعده
أفكر في اللي جاي
وفي خطوات
لسه شكلها مش واضح
كنت بسأل نفسي
هعمل اي
وهقدر
أربي بنتي
لوحدي إزاي
كل الأسئلة
كانت بتلف
في دماغي
من غير إجابة
قطع تفكيري
رنّة الفون
بصيت عليه
ولما شفت الاسم
قلبي شد
أدهم
اتنهدت
وردّيت بهدوء
حاولت
أخبي وراه
وجعي:
نور أخبارها اي؟
رد عليا
بنبرة مطمّنة:
الحمدلله كويسة
ومريم أخبارها اي؟
هزّيت راسي
وكأني
هو شايفني
وقولت:
الحمدلله بخير
سكت ثانية
وبعدين سألني
بنبرة جادّة:
اتأكدتي
إن الصور مش لمازن؟
ابتسمت بسخرية
مالهاش طعم
وقولت:
اتأكدت
والصور
مش متفبركة
طلع منه تنهيدة
حسّيت بيها
حتى من ورا التليفون
وبعدين قال:
هتعملي اي؟
السؤال
كان تقيل
بس إجابته
كانت جاهزة
من غير تفكير:
هتطلق
قالها
وكأنه بيحاول
يمسك الكلمة
قبل ما تقع:
انتي متأكدة
إن دا القرار
الصح؟
ضحكت ضحكة خفيفة
مكسورة
وقولت بسخرية
مخلوطة بوجع:
وانت شايف
إن في حل تاني؟
وسكت
وأنا
قلبّي
بيجاوب
قبل لساني.
قال بعد لحظة
صوته واطي
وفيه حزن:
__أنا معاكي
في أي قرار
تاخديه
الكلمة
لمست قلبي
بس وجعتني
أكتر
عشان عرفت
إن مفيش رجوع
قربت الفون
من ودني
وكأني
محتاجة أحس
بوجود حد
مش هيمشي:
__أنا مش خايفة
ع نفسي
سكت
فكمّلت
وصوتي كان
بيرتعش:
__أنا خايفة
على مريم
خايفة تكبر
وتسأل
باباها فين؟
وأجاوبها إزاي؟
رد عليا
بهدوء
فيه طمأنينة:
__هتكبّر
وهي فاهمة
إن أمها
اختارت الكرامة
مش الوجع
واوعي تفتكري
إنه عشان اخويا هقوله
ف الغلط
هزّيت راسي
وعيني دمعت
وقولت:
__بس الوجع
مش بيختفي
قال بثقة:
__بس بيهدى
ومع الوقت
بيبقى ذكرى
مش سجن
قعدت أبص
قدّامي
وأنا ماسكة الفون
بإيدي
وبعدين
قفلت المكالمة
وأنا حاسة
إن الطريق
لسه طويل
بس على الأقل
مش ماشيه
فيه
لوحدي.
______________
يونس
كنت قاعد في القهوة
واحد صاحبي جنبي
وبشرب سجارة
فجأة…
قطعني صوت الموبايل
بصيت… كان مازن
رديت وأنا بدعي
في نفسي…
ميكونش عرف
أي حاجة
ردت عليا واحدة، بصوت متوتر:
__صاحب التلفون
… عمل حادثة!
الوقت وقف
الكلمة وقعت
زي الطوبة
على صدري
قومت واقف
مره واحده
والسجارة وقعت
من إيدي
ولا حاسس بيها
قولت بصوت
مبحوح:
__حادثه؟
مازن؟
هو كويس؟
ردت
بنبرة رسميه
بارده:
__الإسعاف خدتُه
على مستشفى
وحالته
غير مستقرة
الموبايل
وقع من إيدي
وصاحبي بصلي
بقلق:
__في ايه يا يونس؟
بلعت ريقي
وبصعوبة قولت:
__مازن عمل حادثه
مستناش
ولا استنى
قمت جاري
من غير ما أفكر
غير في سؤال
واحد بس
كان بيلف
في دماغي:
__يا ترى كان لوحده؟
ولا معاه حد؟
ركبت العربية
وإيدي
بترتعش
على الدريكسيون
طول الطريق
صور هدى
ومريم
كانت بتيجي
قدام عيني
ومهما حاولت
أقنع نفسي
إنه يستاهل
اللي جراله
قلبي
ماكنش راضي
يسكت
لأول مرة
أحس
إن النهاية
قريبة
أكتر مما
كنت متخيل.
يتبعععع
تفتكره هيموت
ولا هيفضل عايش؟#الم_بدون_صوت
البارت الخمسه وتلاتين
نور
كنا واقفين
قدام الأوضة
اللي محجوز فيها
مازن
كنت ببص عليه
من ورا الإزاز
وقلبي مقبوض
عليه
هو في الآخر
أخويا
من لحمي ودمي
مهما عمل فيّا
ومهما وجعني
هيفضل أخويا
يوسف كان جمبي
ماسك إيدي
وبيحاول يطمني
من غير كلام
بس بلمسته
أدهم كان قاعد
واخد مريم
في حضنه
بيحاول يحميها
من الجو كله
وهدى قاعده جمبهم
وشها هادي
بس عيونها
مليانة وجع
يونس كان قاعد
حاطط راسه
بين كفوفه
تايه
ومكسور
مازن…
كان جوه
بيبكي
انكسار عمري
ما شوفته فيه
وحازم كان قاعد
ساكت
وشه شاحب
كأن الصدمة
سحبت منه
كل لون
كنت لسه
ببص عليه
من ورا الإزاز
وبحاول أقنع قلبي
إنه هيقوم
إنه هيخف
إنه مهما عمل
لسه أخويا
وفجأة…
الدنيا وقفت
الأجهزة
اللي حواليه
صوتها اتغير
صوت حاد
دخل في وداني
زي السكينة
الدكاترة جريوا
حركات سريعة
كلام مش مفهوم
وأنا واقفة
مش فاهمة
غير حاجة واحدة
قلب مازن
وقف
إيدي وقعت من إيد يوسف
من غير ما أحس
نفَسي اتسحب
وكأني أنا
اللي قلبي
هو اللي وقف
عينيا اتعلقت
بالسرير
بجسمه الساكن
وشريط العمر
عدّى قدامي
في ثانية
كل اللي عمله
كل اللي كسره
كل اللي وجّعني
اختفى
وسِيبني
قدام فكرة واحدة
هو بيموت
لقيت نفسي
بهمس
مش بصوت
بقلب بيترعش:
_لا…
مش كده
مش دلوقتي
مش من غير ما أفهم
مش من غير ما أسامح
ولا حتى
من غير ما أكره
هو أخويا
غصب عني
وأنا مش جاهزة
أفقده
الدنيا من حوليا
كانت بتنهار
وأنا واقفة
مربوطة في مكاني
ولا قادرة أصرخ
ولا حتى أعيّط
بس قلبي
كان بيقع
حته
حته
الصوت
موقفش
فضل عالي
ثابت
كأنه بيعلن
نهاية حاجة
مش راجعة
الدكتور خرج
وشه جامد
بس عينه قالت
كل حاجة
قبل ما يتكلم
وقال بهدوء
كسرني:
البقاء لله…
الكلمة نزلت
ع قلبي
مش ع وداني
مازن
مات
مش أغمي عليا
ولا صرخت
ولا وقعت
أنا بس
اتشلّت
كنت ببص
من ورا الإزاز
على جسمه
اللي بقى ساكن
زيادة عن اللزوم
مفيش نفس
مفيش حركة
مفيش مازن
هو
اللي كان
بيخوفني
بيوجعني
بيكسرني
مبقاش موجود
حسيت
بفراغ
غريب
ولا حزن كامل
ولا راحة
ولا حتى غضب
بس إحساس
إن باب
اتقفل
من غير ما ألحّق
أقول اللي جوايا
مكنتش عايزاه
يموت
ولا كنت قادرة
أسامحه
كنت محتاجة
أفهم
ليه؟
كنت محتاجة
أصرخ فيه
وأقوله
إنه وجّعني
لكن الموت
سبقني
لفّيت وشي
في صدر يوسف
وأول مرة
عيّط
من غير صوت
دموع
ساكتة
زي الفقد
هو أخويا
غصب عني
وغصب عن كل اللي عمله
ومات
وسابني
معلّقة
ما بين
وجع
وسؤال
ملوش إجابة
______________
هدى
قالوا
مازن مات
ضحكت
ضحكة صغيرة
غصب عني
وبعدين
انهارت
رجلي خانتني
وقعدت
والدموع
نزلت
من غير إذن
مكنتش بعيّط
عليه
قد ما كنت بعيّط
على نفسي
على عمري
اللي راح
على بنتي
اللي هتكبر
من غير أب
على الراجل
اللي كنت فاكرة
هيحميني
وطلع هو
الخطر
حضنت مريم
ووشي
اتدفن
ف شعرها
وكنت بقول
وأنا ببكي:
ليه يا مازن؟
ليه اخترت
توجعني
وبعدين تمشي؟
سيبتني
أواجه الدنيا
لوحدي
سيبتني
بحزن
من غير إجابات
كنت فاكرة
إني لما أمشي
من حياتك
هرتاح
مفتكرتش
إنك تمشي
من الدنيا
الحقيقة
إني زعلانة
زعلانة
إنك كنت
ممكن تبقى
غير كدا
إنك كنت
ممكن تبقى أب
مش خوف
جوز
مش جرح
مسحت دموعي
بإيدي
بس رجعت
نزلت تاني
لأني مهما حصل
كنت بحبك
حتى
وأنت بتكسرني
يمكن دا أغبى اعتراف
بس دا الحقيقة
عيطت
عيطت بوجع
مش ضعف
وبين دموعي
قلت:
ربنا
هو اللي هيحاسبك
وأنا
هحاول أعيش
وأربي بنتنا
من غير ما أكرهك
ومن غير ما أرجع
أكره نفسي
_______________
يونس
كنت فاكر
إن يوم ما يموت
هحس إني انتصرت
أخيرًا
مبقاش في حد
يبصلي من فوق
ولا يحسسني
إني أقل
ولا أضعف
ولا دايمًا على الهامش
كنت فاكر
إن موته
هيكون راحة
وانتصار
وتعويض
عن سنين كتير
اتكسرت فيها
بس كل الأفكار دي
اتبددت
أول ما عرفت
إن مازن مات
الحقيقة
وجعت
مهما كان
دا كان أقرب صاحب ليا
وأنا كنت أقرب حد ليه
شاركنا ضحك
وسكات
وأسرار
وحاجات محدش يعرفها غيرنا
حسيت بغُصة
خنقتني
وجعت قلبي
بطريقة مفاجئة
مش عارف أزعل عليه
ولا أزعل منّه
ولا أزعل على نفسي
وعلى كل اللي
كان ممكن يتصلّح
ومصلّحش
موته
محسّسنيش بالقوة
ولا بالانتصار
محسّسني
إن في حكايات
بتخلص
قبل ما نعرف
نقفلها صح
وإن بعض الخسارات
حتى لو كنت فاكر
إنك مستنيها
بتوجع
برضه
_____________
يوسف
كنت حاسس بإيد نور
وهي بتترعش
رغم إنها كانت ساكته
السكات ده
كان أعلى من أي صريخ
قربتها مني
وشددت إيدي على إيديها
مش عشان أقولها كلام
قد ما كنت عايزها تحس
إني موجود
ومش همشي
نور كانت بتبص
من غير ما تشوف
دموعها واقفه
بس وجعها باين
في نفسَها
المتقطع
هي مش بتبكيه
قد ما بتبكي
اللي عاشته
واللي كانت ممكن تعيشه
لو كان إنسان تاني
بصيت حواليّا
هدى
كانت واقفة
شايلة مريم
وكأنها شايلة الدنيا
كلها على دراعها
عيونها محمرة
بس واقفة
واقفـة غصب عنها
عشان بنتها
أدهم
كان ساكت
سكات تقيل
النوع اللي يخوف
راجل
حاسس بالذنب
حتى لو مش غلطان
يونس
قاعد
راسه بين كفوفه
مكسور
كأنه شايل ذنب
العمر كله
وحازم
وشه شاحب
عينه مكسورة
مش مصدق
إن النهاية
جت كدا
رجعت بصيت لنور
كانت بتعض على شفايفها
عشان متعيطش
ميلت عليها
ووطيت صوتي
وقولت بهدوء:
__عيطي يا نور
الدموع مش ضعف
دي نجاة
هزت راسها
دمعة نزلت
وبعدها
انهارت
حضنتها
وخليت وشها
ف صدري
وإيدي على شعرها
وقلت من قلبي:
__إنتي مش لوحدك
ولا عمرك هتكوني
أنا هنا
وهفضل هنا
مهما حصل
كانت بتبكي
وأنا حاسس
إن كل واحد في المكان
محتاج حضن
بس نور
كانت أولى
في اللحظة دي
فهمت
إن الوجع
مش موت
الوجع
هو اللي بيفضل بعده
وأنا قررت
إني أكون
اللي يفضل
____________
ساره
كنا في العزا
كل إخوات نور
واقفين
يسلّموا على الناس
اللي داخلة تعزّي
أنا كنت قاعدة
جنب نور وهدى
الاتنين كانوا منهارين
ملامحهم باينة
مكسورة
من غير كلام
ناس داخلة وناس خارجة
كلمات عزاء محفوظة
تتقال وتتكرر
لكن الوجع
كان تقيل
ومتشال في القلوب
مش على اللسان
نور
كانت ساكته
زيادة عن اللزوم
نظراتها تايهة
كأنها لسه
مش مصدقة
إن أخوها
بقى ذكرى
هدى
كانت أضعف
حضنة نفسها
وعيونها متورمة
من العياط
حزن
ومرارة
ولخبطة مشاعر
ملهمش اسم
فريد
كان واقف جنب يوسف
هادئ
بس عينه
متسبتش المكان
ولا مرة
إخوات مازن
واقفين شوية
ويروحوا شوية
وكل واحد فيهم
شايل وجعه
بطريقته
العزا
مكان غريب
بيجمع ناس
مكنش ينفع
يجتمعوا
غير على فقد
ووسط كل الزحمة دي
كنت حاسة
إن في حكايات
اتقفلت
غصب
وفي وجع
لسه
مش عارف
يطلع
العزا كان تقيل
مش بس بزحمة الناس
لكن بالسكوت
اللي بين كل نفس والتاني
كنت قاعدة
جنب نور
حاسة إن جسمها
خفيف أوي
كأنها لو سبتها
هتطير
أو تقع
مش عارفة
مدّيت إيدي
ومسكت إيديها
مشدّتش
ولا حضنت
بس سيبتها
تحس إني موجودة
بصّتلي
نظرة سريعة
وفيها شكر
وفيها وجع
وفيها سؤال
ملوش إجابة
مالت عليّ
وهمست
بصوت مكسور:
__كنت فاكرة
إني هكون أقوى من كدا
بلعت ريقي
وقلت بهدوء:
__إنتِ قوية
بس القوة
مش معناها
ماتعيطيش
دموعها نزلت
من غير صوت
وسندت راسها
على كتفي
لحظة
صغيرة
بس كسرتني
هدى
كانت قاعدة
جنبنا
حضنة نفسها
كأنها بتحاول
تحمي اللي فاضل
منها
عيونها حمرا
وملامحها تايهة
مش عارفة
تحزن عليه
ولا على نفسها
ولا على عمر
ضاع
بصّيت حواليا
لقيت فريد
واقف جنب يوسف
ملامحه هادية
بس عينه
كانت عليّ
لما عينينا
اتقابلت
ما اتكلمش
بس الإحساس
وصل
إنه فاهم
وإنه موجود
حتى لو من بعيد
بعد شوية
قرب خطوة
من غير ما يلفت
انتباه حد
وقال بصوت واطي:
__لو تعبتي
قولي
هزّيت راسي
وأنا بحاول
أبتسم
ابتسامة
كسرة
مش كاملة
العزا علّمني
إن الموت
مش نهاية
على قد ما هو
كشف
بيطلع كل حاجة
مدفونة
بيبين
مين بيحب
ومين كان مستحمل
ومين كان ساكت
غصب
بيجمع ناس
مكنش ينفع
يجتمعوا
غير على خسارة
وفي اللحظة دي
فهمت
إننا كلنا
مش بنبكي
نفس الشخص
نور
بتبكي ع أخوها
هدى
بتبكي ع جوزها
اللي مات
وهي لسه عايشة
يوسف
بيحاول
يسند الكل
وينسى نفسه
وأنا
كنت ببكي
على فكرة
إننا فجأة
نبقى ضعاف
ومش لاقيين
غير بعض
العزا
خلص
بس الوجع
لسه
قاعد
_____________
نور
اليوم دا
كنت محتاجة
أقعد جنب إخواتي
أحس بيهم
وأحس إن لسه
في ضهر
يسندني
كنت محتاجاهم
أكتر من أي
وقت فات
مش عشان نتكلم
ولا نفتح وجع
بس عشان نبقى
سوا
قولتلهم
يجوا يباتوا
معانا
أنا ويوسف
في الأول
اترددوا
كل واحد فيهم
حاسس بالذنب
ومش عارف
يدخل عليّا
إزاي
بس بعد إلحاح
طويل
وبعد ما يوسف
دخل في الكلام
وطمّنهم
وافقوا
وأول ما دخلوا
البيت
حسّيت بحاجة
غريبة
كأن المكان
رجع يتنفس
من تاني
قعدنا
في الصالة
من غير كلام
كتير
عيون بتبص
وعيون بتهرب
وذكريات
ماشية بينا
يامن
كان ساكت
زيادة عن اللزوم
وأدهم
كان كل شوية
يبصلي
وكأنه عايز
يقول حاجة
ومش عارف
حازم
قعد بعيد شوية
لكن أول ما
عيوني جت
في عينه
حسّيت
إنه كسر
وسند راسه
على الكرسي
وسكت
يوسف
كان واقف
بيراقبنا
من بعيد
وسايب المساحة
لينا
من غير ضغط
ولا أسئلة
بعد شوية
لقيت نفسي
بقول بهدوء:
__وحشتوني
الكلمة
طلعت مني
من غير تفكير
ولا ترتيب
الصمت
اتكسر
وأدهم
قرب
وحضني
من غير كلام
حازم
عمل نفسه
بيعدل في حاجة
بس صوته
كان مخنوق
وهو بيقول:
__إحنا قصّرنا
يا نور
دموعي
نزلت
مش عشان
الوجع
لكن عشان
أول مرة
من زمان
أحس إننا
إخوات
بجد
قعدنا
لحد
وقت متاخر متأخر
ولا حد
فكر ينام
وكأن النوم
خيانة
لليوم التقيل
دا
قاعدين
كلنا
في الصالة
البيت هادي زيادة
عن اللزوم
كأن الحيطان
لسه مش مصدقة
إن اسمه
مش هيترمي
في الهوا تاني
قعدت بينهم
حاسه إني محتاجاهم
زي زمان
يمكن أكتر
بصيتلهم
وقلت بصوت واطي:
__فاكرين
مازن؟
ولا واحد رد
بس عيونهم
اتكلمت
أدهم
اتنهد
وبص قدامه
وقال:
__فاكره
أول مره
جاب فيها درجات
وحشه؟
قعد اليوم كله
ساكت
وبليل
خرج جاب لنا آيس كريم
وقال
مش مهم
المهم نضحك
ابتسم
ابتسامة مكسورة
وكمل:
__كان دايمًا
بيبان قوي
بس كان
أضعفنا
أنا حسيت
قلبي شد
من الكلمة
حازم
اتكلم
بصوت واطي:
__مازن
كان أول واحد
ينزل يدافع
لو حد قرب منكِ
يا نور
وقف شوية
قبل ما يكمل:
__بس كان
أول واحد
يعرف يوجع
اللي قدامه
برضه
بلعت ريقي
ومعرفتش أرد
يامن
كان ساكت
من أول القعدة
وفجأة قال:
__فاكرين
لما كنا صغيرين
وكان بيهرب
من البيت
عشان يطلع
السطح؟
ابتسم
بحزن:
__كان يقول
إنه هناك
بيحس إنه
أعلى من الدنيا
صوته واطي
بس وجعه
عالي
يوسف
قرب مني
وحط إيده
على إيدي
وقال بهدوء
كأنه بيجمعنا:
__كل اللي انتوا
بتقولوه صح
بصلهم
وبعدين بصلي
أنا:
__مازن
كان جواه
خير
بس الغلط
كان سابقه
شد على إيدي
وقال:
__واللي حصل
ميقللش
من وجعكم
ولا من حقكم
تزعلوا عليه
سكتنا
كلنا
ولا حد
كان محتاج
يكمل
كل واحد
فينا
كان بيلم
نسخة
مختلفة
من مازن
وأنا
قعدت بينهم
حاسه
إني بخسره
تاني
بس المره دي
على مهلي
بعد ما خلصنا
قعدتنا
دخلت أنا ويوسف
أوضتنا
قعدت على السرير
سرحانة
وعيني محبوس
فيها الدموع
ومن غير تفكير
قلت:
__أنا هعرف
بابا كل حاجة خلاص
مازن كده كده مات
بصلي شوية
وسألني بهدوء:
__متأكدة من ده
يا نور؟
هزّيت راسي
والدموع نازلة
وقلت بصوت مكسور:
__أول مرة أكون
متأكدة كده
يا يوسف
هز راسه
من غير كلام
وقرّب مني
وأخدني في حضنه
حضن طويل
دافي
كأن كل الخوف
اللي جوايا
بيهدى واحدة واحدة
بين إيديه
فضل ساكت شوية
وبيملس على ضهري
وبعدين قال
بصوت واطي
قريب من ودني:
__لو حاسه إن دا الصح
اعمليه
بس اعمليه وانتي قوية
مش وانتي موجوعة
رفعت وشي
وبصيتله
والدموع لسه
في عيني:
__انا تعبت من السكوت
يا يوسف
حاسه إني كنت شايلة
ذنب مش ذنبي
طول السنين دي..
شدني أكتر
وقال بثبات:
__وانا مش هسيبك
تشيله لوحدك
ولا ثانية
تنهد وكمل:
__قولي لباباك
بس باللي يريحك
مش باللي يعذبك
مش لازم كل التفاصيل
المهم الحقيقة
اللي تبرّي قلبك
حط إيده على راسي
وقال بحنية:
__باباك محتاج يعرف
إن بنته
مش ضعيفة
ولا مذنبة
دي ناجية
كلامه دخل قلبي
زي البلسم
حسيت لأول مرة
إن القرار
مش تقيل
ولا مرعب
غمضت عيني
وسندت راسي
على صدره
وقولت بصوت مبحوح:
__شكرا ع وجودك
ابتسم
وباس راسي
وقال:
__طول ما ربنا شاهد
وعارف الحقيقة
مفيش حاجة
تخوفك
وسكتنا
بس المرة دي
السكوت
كان أمان
مش وجع
يتبععع#الم_بدون_صوت
البارت السته وتلاتين قبل الاخير
نور
صحيت تاني
يوم
وعيني مورّمة
من البُكا
بس كان في
قرار واحد
مسيطر على دماغي:
أنا هروح أقول
لبابا على كل حاجة
واللي يحصل
يحصل
وبالفعل
جمعت إخواتي
وقلتلهم
إننا لازم
نروح لبابا
استغربوا
وقعدوا يسألوا
كتير
بس أنا ما جاوبتش
ولا كلمة
وصلنا
تحت البيت
وبصراحة
قلبي كان مقبوض
أول ما شوفته
كل الإحساس
رجعلي
مرة واحدة
الوجع
والضرب
والخذلان
والخوف
كلهم دخلوا
في بعض
اتنهدت
وحاولت
أتماسك
يوسف كان
واقف جنبي
بصيتله
بتردد
بس هو
ابتسم
ابتسامة
فيها طمأنينة
وطبطب عليّا
وقال بهدوء:
__انا هستنى
تحت
ولو حسّيتي
في أي وقت
إنك اتخنقتي
أو اتضايقتي
اتصلي بيا
فورًا
أنا بحب
يوسف قوي
بجد
المهم
طلعنا
ولأول مرة
أشوفه
مش زي العادة
كان موجود
بس هزيل
شعره منكوش
ووشه شاحب
كأن الزمن
سبقُه
وساب عليه
أثر
وقفنا
قدامه
ولا أنا
عارفة أبدأ
ولا هو
عارف يتكلم
ثواني
عدّت
تقيلة
كأنها سنين
صوت النفس
كان أوضح
من أي كلام
بص في وشوشنا
واحد واحد
وعينيه
وقفت عندي
نظرة
مش عارفة
أفهمها
شفقة؟
ذنب؟
ولا تعب؟
بلعت ريقي
وحسيت قلبي
بيخبط
في صدري
إيدي
كانت بتترعش
بس شدّيت
على نفسي
الصمت
كان قاتل
بس في نفس الوقت
مريح
ولا كلمة
اتقالت
بس كل حاجة
كانت
مفهومة
وكسرت الصمت
وصوتي كان
أهدى من خوفي
وأنا بقول:
__ماما جاتلي
في الحلم
قالتلي
إن باباكي تايه
وانتي محتاجة
ترشديه
قعدت جنبه
والمسافة بينا
كانت قريبة
بس إحساسها بعيد
عيونه كانت عليا
ثابتة
تقيلة
مش قادرة أحدد
فيها عتاب
ولا وجع
ولا انتظار
بس كنت عارفة
إن مفيش رجوع
وإن لازم أتكلم
كمّلت وقولت
وصوتي
بيترعش:
__بابا
يوم الحادثة
أنا مليش ذنب
في أي حاجة حصلت
ماما مماتتش
عشاني
ولا بسبب غلطة
عملتها
ماما ماتت
عشان
إنتوا فرّقتوا
في المعاملة بينا
وفرّقتوا
في الحب
والأمان
الكل كان
واقف
بيراقب
ومش فاهم
أنا رايحة على فين
ولا ليه
بفتح الجرح
دلوقتي
بلعت ريقي
وحسيت بوجع
بيطلع من صدري
وأنا بكمل:
__يوم الحادثة
مش أنا
اللي كنت سايقة
العربية
ده
أدهم
أول ما الكلمة
طلعت
السكوت
نزل تقيل
وكل العيون
لفّت
على أدهم
وهو سكت
اتشد في مكانه
وبلع ريقه
واضح عليه
الخوف
والذنب
في نفس اللحظة
كمّلت بسرعة
قبل ما حد يتكلم
وقولت:
__متلوموش
أدهم على حاجة
هو كان بس
خايف
يحكي الحقيقة
وخايف
يخسرنا
وسكت لحظة
كأن نفسي
كان محتاج
شجاعة أخيرة
وبعدها قلت
بصوت
أكتر وجعًا:
__أما العربية
اللي خبطتنا
فاللي كان سايقها
كان
مازن
كله اتصدم
الصمت نزل
زي حجر تقيل
وعلامات الصدمة
بانت على وشوش الكل
عيون متوسعة
أنفاس محبوسة
وأجسام واقفة
كأن الزمن
وقف فجأة
كنت حاسة
إن قلبي
بيخبط في صدري
بجنون
وكأني على الحافة
خطوة
وأقع
خطوة
وأكمل
كمّلت
وصوتي كان
طالع بالعافية
وأنا خلاص
حاسّة
إن قلبي ممكن
يقف في أي لحظة
مش بس من الخوف
لكن من اللي
جاي
كنت عارفة
إن الكلمة اللي جاية
مش هتعدي
وإن كل واحد
هيستقبلها
بطريقته
غضب
إنكار
انهيار
أو صمت أقسى
من الكلام
بلعت ريقي
وحسّيت الدنيا
بتلف
وأنا بقول
الكلمة
اللي هتقلب
كل الموازين:
مازن
كان قاصد
يخبطنا
بالعربية!
الكلمة نزلت
زي الصاعقة
في المكان
ولا صوت اتسمع
غير دقات قلوب
مخضوضة
وأنفاس متلخبطة
وأنا
كنت واقفة
في النص
عارية
من أي حماية
غير الحقيقة
ثواني
يمكن دقائق
محدش كان قادر
يتكلم
بابا كان أول واحد
يتحرك
مش بصريخ
ولا غضب
لكن بانكسار
أوجع من أي صوت
سند ضهره
على الكنبة
وإيده كانت
بترتعش
عيونه اتحولت
لزجاج
مفيهوش دموع
لكن مليان وجع
قال بصوت
مبحوح
كأنه طالع
من قاع صدره:
__يعني…
يعني ابني
كان عايز
يموتنا؟
الكلمة خرجت
مكسورة
وأنا حسيت
ساعتها
إن قلبي
اتشد
من مكانه
يامن
انفجر
في العياط
وحازم
قام واقف
مش مصدق
ووشه اتحول
لغضب
وعجز
في نفس الوقت
حازم اتكلم
بغضب وقال:
__مستحيل!
مازن عمره
ما يعمل كده
وأدهم
كان واقف
مكانه
وشه شاحب
وعرقان
وعيونه
مش قادرة
تقابل عين
حد
بابا رفع
عيونه ليه
وسأله
بسؤال
كسر كل حاجة:
__وسكت ليه؟
أدهم
بلع ريقه
وصوته
طلع ضعيف:
__انا مكنتش اعرف
إن مازن كان قاصد
كنت فاكره
حادثه عاديه
ف مردتش اقول
كنت خايف…
كنت فاكر
إني لو حكيت
ههدم البيت
أكتر
بابا
ضحك ضحكة
قصيرة
مفيهاش
أي فرح
وقال:
__والبيت
ما اتهدش؟
ساعتها
ما استحملتش
حسيت
رجلي
مش شايلاني
والدنيا
بتهرب
من تحتيا
قعدت
على الأرض
من غير
ما أحس
والدموع
نزلت
مش بنحيب
لكن بصمت
مرعب
يوسف
دخل في اللحظة دي
جري
ونزل
لمستوايا
مسكني
من كتافي
وكأنه
بيحاول
يلم
حاجة
اتكسرت
قال بهمس
قريب من ودني:
__كفاية
إنتي شيلتي
اللي فوق طاقتك
بس أنا
كنت خلاص
اتعريت
من كل صبري
بصيت لبابا
وقولت
وكل حرف
كان طالع
من جرح:
أنا عمري
ما كنت السبب
ولا عمري
هكون
بس كنت
اللي شالت الذنب
لوحدها
بابا
ساب مكانه
وجي ناحيتي
قعد قدامي
ومد إيده
يلمس وشي
بس إيده
وقفت
في النص
وعينيه
امتلوا دموع
أول مرة
من سنين
وقال:
__سامحيني
يا نور
الكلمة
دي
كانت أكتر
حاجة
وجعتني
وأكتر
حاجة
ريحتني
في نفس الوقت
وانهرت
في حضن يوسف
عيطت
زي طفلة
اتأخرت
قوي
عن العياط
والبيت
كله
كان بيبكي
مش على مازن
قد ما كان
على اللي
ضاع
منهم
ومننا
خرجت
من حضن يوسف
ببطء
وكأني بخاف
اللحظة تهرب
قربت من بابا
بابا
اللي بقالي
سنين
مقربتش منه
ولا حضنته
حضنته
حضن طويل
متأخر
حضن كان ناقصني
من زمان
حضن بابا
اللي أخيرًا
عرف الحقيقة
وعرف إن بنته
مش مجرمة
ولا سبب
في وجع عمره
حسيت إيده
وهي بتلف
حوليّا
إيد مترددة
كأنها بتتعلم
تحضن من جديد
سمعته
وهو بينهج
وبيهمس:
انا اسف
يا بنتي
الكلمة دي
كسرتني
وأصلحتني
في نفس الوقت
عيطت في حضنه
مش عياط ضعف
عياط راحة
عياط واحدة
أخيرًا
اتشالت عنها
تهمة عمر
بابا
اللي أخيرًا
مش هيفضل
يلومني
على حاجة
معملتهاش
ولا يشوفني
بعيون الذنب
ساعتها
عرفت
إن في وجع
بيخلص
ولو بعد سنين
وإن الحقيقة
لما بتطلع
بتوجع
بس
بتحرر
اليوم دا
قعدنا كلنا
مع بعض
قعدة تقيلة
مليانة وجع
ومسكات إيد
من غير كلام
يوسف مشي
وسابني على راحتي
وكأني كنت محتاجة
أبقى بنت وبس
مش قوية
ولا ثابتة
كنت متعلّقة
في حضن بابا
حضن مش عايزة
أفلت منه
كأني خايفة
يقوم
أو اللحظة تخلص
وأرجع لوحدي تاني
إخواتي
كانوا متجمعين حواليا
كل واحد فيهم
تايه في صدمته
وفي إحساس الذنب
اللي نزل علينا كلنا
أدهم اتكلم
وصوته كان مكسور
أكتر ما هو متفاجئ
وقال:
__مكنتش أتخيل
إن مازن ممكن
يعمل كدا
بصيت له
والكلام طالع
من صدري تقيل
وقولت بوجع:
__إحنا السبب
إحنا اللي سكتنا
إحنا اللي عدّينا
إحنا اللي خليناه
يوصل لكدا
حازم هز راسه
وعينيه مليانة صدمة
وقال وهو مش مقتنع
ولا قادر يستوعب:
__مفيش أي مبرر
يخليه يعمل
اللي عمله
بابا ساعتها
اتكلم
وصوته كان مبحوح
وعينيه غرقانة دموع
دموع راجل
اتكسر متأخر
وقال:
__افتكروله حاجة حلوة
زمانه بيتحاسب
عند ربنا
وأنا…
لو عليّا
فأنا مسامحه
الكلمة نزلت
زي حمل تقيل
وف نفس الوقت
زي رحمة
مش لِمازن
قد ما لقلوبنا
اللي تعبت
فضلنا ساكتين
لحظة
طويلة
والسكوت
كان أصدق
من أي كلام
يتبع
هل طريقه
السرد كويسه ولا الكلام يبقى جمب بعضه احسن؟#الم_بدون_صوت
البارت السابعه وتلاتين والأخير
نور
نمت جنب بابا،
مش عشان التعب....عشان الخوف.
الخوف اللي بيخلّي الواحد يرجع طفل
يدوّر على الأمان في حضن واحد بس.
كنت ماسكة فيه كأني لو سيبته
هتضيع حاجة مني،كأني بخاف أنام
وأصحى على فراغ جديد.
لما فتحت عيني
لقيت الهدوء مالي المكان،نوم تقيل،
نوم ناس تعبت من الوجع
ولقيت استراحة صغيرة.
بصيت عليهم واحد واحد،وقلبي بيضحك نص ضحكة،
ضحكة ناقصة…لأن في كراسي فاضية
ملهاش بديل.
ماما…
ومازن…
مش غيابهم بس اللي وجعني،
لكن الإحساس إن في حاجات مش هترجع زي الأول.
كبرت،
وفهمت إن الموت مش بياخد الناس وبس .....بياخد جزء من الروح،
جزء يفضل ينزف بهدوء من غير صوت.
تعيش،
وتكمل،
وتضحك قدام الناس،
بس جواك فراغ
ولا حضن
ولا وقت
بيعرف يملاه.
وبصوت هادي،
قريب من الهمس،
حاولت أصحي بابا.
هزّيته برفق،
كأني بخاف أوجعه حتى وهو نايم،
وقولت بصوت واطي مليان حنية:
__بابا… يلا اصحى يا حبيبي.
مفيش رد.
استنيت ثواني،
الثواني كانت تقيلة…
تقيلة أوي.
هزّيته تاني، أقوى شوية،
لكن السكون كان أسبق مني.
قلبي اتقبض،
قبضة صغيرة كده في الأول،
مسكت إيده بين كفوفي
بدور على الدفا…
على أي إحساس يطمني.
لكن…
إيده كانت باردة.
برودة غريبة،
مش برودة نوم.
عيني اتملت دموع،
وصوتي خانّي وأنا بقول:
__بابا؟
ولا رد.
الهدوء كان خانق،
كأنه بيضغط على صدري.
حازم صحي على صوتي،
بيقرب وهو لسه نص نايم،
وقال بقلق:
– في إيه؟ مالِك؟
ردّيت وأنا ماسكة إيد بابا،
وصوتي بيرتعش:
– ب… بابا مش بيتحرك،
وإيده ساقعة.
قرب بسرعة،
حط راسه على صدره،
لحظة صمت…
لحظة عمرها ما هتتنسي.
وشه اتغيّر،
وعينه لمعت بالدموع.
نزّل راسه وقال بصوت مكسور:
– بابا… مات.
الدنيا وقفت.
صوت شهقاتي كسر السكون،
والكل بدأ يصحى
على وجعنا.
أدهم ويامن
مكانوش فاهمين حاجة،
بس من قعدتنا حوالين بابا،
ومن وشوشنا،
عرفوا كل حاجة من غير كلام.
مازن قام مفزوع،
بيبصلنا بعدم تصديق،
وقال وهو يهز راسه:
– لا… متقولوش كده.
حازم ما اتكلمش،
بس هز راسه ببطء،
تأكيد تقيل أكتر من أي كلمة.
مازن قرب،
حضن بابا بقوة،
وصوته علي وهو بيصرخ:
– لا… لا… هو مماتش،
مستحيل.
أدهم كان قاعد على الكرسي،
عيونه مفتوحة،
بس فاضية.
ولا دموع،
ولا صوت،
ولا حركة.
صدمته كانت أكبر
من إنه يعيّط…
أكبر من الكلام.
الوقت بعد الكلمة دي
بقى تقيل…
تقيل أوي كأنه رصاص.
حازم كان واقف مكانه،
راسه واطية، وكأنه شايل ذنب مش بتاعه،
عينه مليانة دموع
بس رافض تنزل، كأنه لو عيّط
هيعترف إن الحقيقة بقت مؤكدة.
يامن قرب خرج من حضن بابا
وبصله وبعدين قال لينا،
صوته طلع واطي ومكسور:
– هو… هو نايم؟
السؤال وجّع أكتر من أي إجابة.
أدهم فضل ساكت،
الصمت عنده كان صراخ،
وشه شاحب،
وعقله واقف عند لحظة
مش قادر يعدّيها.
كان باين عليه إن الدنيا
سحبته فجأة
من غير ما تديه فرصة يفهم.
مازن كان أكترهم وجعًا،
مش بس عشان الفقد،
لكن عشان الرفض.
رافض يسلّم،
رافض يسيب،
رافض يصدّق إن في وداع
من غير كلمة أخيرة.
حضنه لبابا كان حضن طفل،
مش راجل،
حضن حد حاسس
إن السند وقع فجأة
وسابه واقف لوحده.
أما أنا…
كنت قاعدة،
بس مش حاسة بالأرض تحتي.
قلبي كان بيصرخ
بس صوتي مش طالع،
كأني اتفرجت على نفسي
وهي بتتكسر
من غير ما أقدر ألمّها.
البيت كله اتغيّر،
الحيطان بقت أوسع،
والهوا تقيل،
وكل ركن فيه ذكرى
لسه دافية…
بس صاحبها مش موجود.
عرفنا في اللحظة دي
إن في وجع
مش بيتشاف،
وجع بيعيش جوانا
ويكبر مع الوقت،
وجع ملوش صوت
بس ملوش نهاية.
___________________
بعد مرور عام…
أنا اللي هحكي آخر حتّة ♥️
كانت الفرحة مش سايعاهم،
مش فرحة صاخبة،
لكن فرحة ناضجة،
طالعة من قلب اتوجع
واستحمل…
وبعدين اختار يكمل.
نور ويوسف قاعدين في الكوشة،
قريبين من بعض كأن العالم
اتقفل عليهم بس.
عينيهم متعلقة ببعض،
نظرة مليانة أمان
وطمأنينة
كانت غايبة من زمان.
يوسف قرّب منها،
صوته واطي،
كأنه بيخاف يكسّر اللحظة،
وهمس:
– يمكن اتجوزنا بسرعة،
وملحقتش أعملك فرح يليق بيكي…
بس حابب تعرفي
إنك أحلى حاجة دخلت حياتي،
والأقرب،
والأصدق.
نور بصّت له،
بعينين شافوا وجع كتير
بس لسه بيعرفوا يحبوا،
ابتسامة هادية
وفيها امتنان حقيقي،
وقالت:
– شكراً…
عشان اخترت تبقى معايا،
وعشان بقيت الأمان
اللي كنت محتاجاه.
وفي اللحظة دي،
عرفت إن الوجع
مش دايمًا نهايته كسر،
أحيانًا
نهايته حضن،
وشخص يقولك من غير وعود كبيرة:
__أنا هنا.
قرب منهم سارة وفريد.
فريد قال وهو بيضحك:
– إيه يا عرسان؟ بتتوشوشوا في إيه كده؟
سارة نغزته في جنبه وهي بتضحك:
– متحشرش نفسك في اللي ملكش فيه.
نور ويوسف ضحكوا جامد على جنانهم.
نور مسكت إيد سارة بحب وقالت:
– ربنا يتمملكوا على خير،
وتسبقونا بقى.
سارة ضحكت وقالت بخفة:
– آمين… وادعيلي،
أصلي شكلي هتعب كتير معاه.
فريد قرّب منها،
ميل عليها وهو رافع حواجبه وقال بمكر:
– بتقولي حاجة يا روحي؟
سارة ضحكت بتوتر،
وبصّتله بسرعة وقالت:
– لا يا حياتي… ولا حاجة.
وضِحكهم علي،
ضحك بسيط،
بس مليان حياة
وكأن الوجع بقى ذكرى
مش نهاية.
وبعدين قرب منهم أدهم،
وقف لحظة يبصلهم،
وفي عينه حاجة بين الفرح والحنين.
ابتسم ابتسامة هادية وقال:
– مبروك يا نور…
نور قامت حضنته،
حضن طويل،
فيه شكر من غير كلام،
وفيه وجع قديم اتحط على جنب شوية.
قربت هدى بعدها،
دموعها كانت أقرب للفرح،
مسكت وش نور بين إيديها وقالت:
– أخيرًا شُفتك مبسوطة كده…
ربنا يديمها عليكي.
نور هزّت راسها وابتسامتها بتلمع،
وكأنها بتقول استحملت عشان اللحظة دي.
مازن وسهيلة قربوا سوا.
مازن كان هادي على غير عادته،
بص لنور بنظرة أخ كبير
شايل قلبه في عينه،
وقال بصوت واطي:
– بابا كان هيبقى فخور بيكي.
الجملة نزلت تقيلة…
بس دافية.
سهيلة مسكت إيد نور،
ضغطت عليها بحنية،
وقالت:
– إنتي قوية…
أكتر ما إنتي فاكرة.
قرب حازم.
وقف قدام نور شوية،
مش عارف يبدأ إزاي،
كأنه شايل كلام كتير
بس اختار أبسطه.
ابتسم ابتسامة صغيرة،
وقال بصوت واطي فيه حنية أخ:
– فخور بيكي…
قوية، وصابرة،
وما سيبتيش الدنيا تكسرِك.
نور عينيها لمعت،
حضنته على طول،
حضن فيه كل اللي ما اتقالش،
وفيه وجع قديم اتحوّل طبطبة.
حازم شدّ على الحضن شوية،
وقال بهمس:
– بابا مطمّن عليكي وماما كمان.
نور ابتسمت وسط دموعها،
ومسحت عينيها بسرعة،
كأنها أخيرًا
سمحت لنفسها ترتاح.
نور بصّت حواليها،
الوشوش اللي حوالين الكوشة،
الضحك،
اللمّة،
والفرح اللي طالع بهدوء.
وفي اللحظة دي،
حست إن اللي راحوا
لسه موجودين…
في الضحكة،
وفي الحضن،
وفي القلب
اللي لسه بيعرف يحب
بعد كل اللي فات.
أدهم وهدى راحوا يقعدوا شوية بعيد عن الزحمة.
كان في هدوء صغير حواليهم،
راحة مؤقتة وسط اللمة.
أدهم مدّ إيده وحطها على بطنها
اللي كانت منفوخة سنة صغيرة،
وبص بابتسامة مليانة لهفة وقال:
– إيه؟ البيبي مش ناوي ييجي بقى ولا إيه؟
هدى ضحكت بخفة،
ضحكة فيها حب وصبر،
وشالت إيده بلُطف وقالت:
– حرام عليك…
ده أنا لسه في الشهر السادس.
أدهم ابتسم،
وساب إيده مكانها كأنه بيطمن،
وقال بهدوء:
– مستنيك على مهلي…
بس تيجي بالدنيا دي تنوّرها.
هدى بصّت له،
وحست إن الانتظار نفسه
بقى أجمل
عشان مش لوحدها
بقى مع بنتها مريم وجوزها أدهم! ..
أما يامن فكان واقف جنب سهيلة،
اللي بقت خطيبته خلاص.
بص لها بابتسامة مشاغبة وقال:
– إمتى بقى دورنا ييجي؟
سهيلة ضربته على إيده وهي بتضحك:
– مستعجل على إيه؟
لسه هنجيب الشقة،
ونفرشها،
وندهّنها، و—
وقبل ما تكمل،
قاطعها وهو رافع إيده باستسلام:
– ششش… إيه كل ده؟
أنا غلطان يا سِتّي،
مش عايز أتجوز.
سهيلة بصّت له بحدة مصطنعة:
– بقى كده؟
ابتسم لها بحب صافي،
وقال بهدوء صادق:
– أنا لو أطوّل أتجوزك بكرة،
هعمل كده.
سهيلة ضحكت بخفة،
وخدودها اتلوّنت،
وحست إن الكلام البسيط
أحيانًا
بيبقى أوفى من ألف وعد.
أما حازم فكان
السينجل الوحيد بينهم.
واقف لوحده شوية،
بس عنيه كانت بتدور على مريم
اللي بقى عندها سبع سنين.
قرب منها بابتسامة حنية وقال:
– مريوم… حبيبة عمو.
وهو بيقرب،
خبط بالغلط في بنت كانت ماشية بسرعة.
البنت لفّت له بعصبية وقالت:
– إنت يا جدع مش تفتح؟
بصلها من فوق لتحت،
ورد بسخرية خفيفة:
– أفتح؟
ما إنتي اللي ماشية ومش واخدة بالك من اللي حواليكي.
البنت زمت شفايفها،
وبصّت له بغيظ،
وكأنها مستنية رد أقوى،
بس حازم سبقها
وابتسم ابتسامة جانبية وقال:
– معلش…
واضح إننا الاتنين محتاجين نهدى شوية.
مريم كانت واقفة بتتفرج،
ضحكت ضحكة صغيرة،
وقالت ببراءة:
– عمو حازم…
هي زعلانة منك.
حازم ضحك،
نزل لمستواها وقال:
– خلاص بقى،
عمو يرضيها.
وفي اللحظة دي،
البنت ابتسمت غصب عنها،
وكأن العصبية راحت
وسابت مكانها حاجة تانية
لسه مش مفهومة…
بس بداية.
بعد شوية، قرب من البنت اللي خبطته بخطوات هادية ومد إيده:
— أنا حازم المصري.
نظرت له شوية ومَدّت إيديها بحذر:
— أنا ندى.
ابتسم لها ابتسامة دافئة وقال:
— شايفك من بعيد… ضحكتك حلوة أوي. أمال ليه اتعصبتي كده؟
لعبت في إيده بتوتر وحنيّة وقالت:
— أنا آسفة… كنت متضايقة شويه.
رد عليها بصوت هادي وحنون:
— تحبي تحكيلي؟
تنهدت وقالت بصوت مهزوز:
— كل قرايبي هنا بيقولي هتتجوزي إمتى… ابن خالتك اتجوز وانتي لأ.
صدمه قليلاً وقال:
— انتي بنت عمه يوسف؟
هزت راسها بخجل، وعينها لمحت ابتسامته الصغيرة:
— أيوه.
ابتسم حازم وقال بصدق:
— أنا أخو نور العروسة.
ابتسمت ابتسامة صافية واتلألأت عيونها:
— ع كده إحنا قرايب… صدفة حلوة.
نظر لها بحنية وقال بهدوء:
— أوي…
ثم اقترب شوية وقال بصوت أخف:
— بس تعرفي… مش معنى إنك متجوزتيش دلوقتي إنك مش هتجوزي… بالعكس، يمكن نصيبك يكون أقرب من ما تتخيلي.
وفي النهاية…
نور وقفت شوية، بصت حوالين كل اللي كانوا حواليها،
وشافت وجوههم مبتسمة، مليانة حياة، رغم كل الوجع اللي عدّ.
رفعت صوتها بهدوء، عايزة الكل يسمعها:
– حبيت أقول لكم حاجة…
الكل بص لها، وعيونهم متعلقة بكلامها.
– يمكن الوجع يبقى كبير وتقيل…
– يمكن الأيام الصعبة تخنقك وتحس إن مفيش مخرج…
– بس الحقيقة… محدش بيختار حياته.
توقفت شوية، ومسكت إيد يوسف، وبصت له بحب:
– كل اللي عايزه أقوله… مهما الحياة كانت فيها وجع،
أكيد في يوم من الأيام، الأمان هييجي تاني…
وحتى الضحك والفرحة اللي حسينا بيهم النهاردة… ده مجرد البداية.
ابتسمت شوية، وعيونها اتلمعت، وقالت لكل اللي حوالينها:
– وأنا متأكدة… لو احنا مع بعض، حتى لو حصل وجع تاني، هنعرف نقف ونكمل… سوا.
الضحك رجع يملى المكان،
والقلوب كانت أخف،
واللحظة كلها حسّيتهم إن الحياة لسه فيها فرح، بداية جديدة،
وكل واحد فيهم له دور في استمرار الأمان ده…
تمت ...♥️