ࢪواية.ضريبه الدم
رواية : ضريبة الـ...ـدم (الجزء الأول : وليمة الصمت)
الحكاية بدأت بمكالمة تليفون في وقت متأخر، الساعة ٣ الفجر، وصوت أبويا اللي مسمعتوش من سنين وهو بيقولي بجفاء غريب : "يا يونس، جدك بيموت .. وعاوزك في العزومة الكبيرة"
أنا اسمي يونس، مهندس ديكور عايش في القاهرة، هربت من الصعيد ومن "عيلة الجبالي" من عشر سنين عشان أعيش حياة طبيعية، بس كلمة "العزومة الكبيرة" وقعت على ودني زي جرس الكنيسة في نص الليل، كلمة ليها رنة مرعبة في عيلتنا، الكل بيخاف منها والكل بيتمناها
ركبت عربيتي وطرت على البلد، الطريق الزراعي كان كأنه نفق طويل ملوش آخر، والشجر على الجانبين كان بيتحرك كأنه ناس بتميل عليا وتوشوشني : "ارجع .. ارجع"
وصلت البيت الكبير مع أذان الفجر، بيت ضخم مبني من الطوب الأحمر القديم، ملوش شبابيك كتير، وكأنه صندوق مقفول على أسرار أصحابه
دخلت لقيت الصوان منصوب، بس مفيش صوت صويت ولا عزا، فيه ريحة طبيخ غريبة .. ريحة لحمة مشوية بس فيها حاجة غلط، حاجة مسكرة زيادة عن اللزوم تقلب البطن
لقيت عمامي كلهم قاعدين في الصالة الكبيرة، لابسين جلاليب سودا ومتربعين على الأرض في صمت تام، مفيش حد فيهم بص ليا ولا قالي حمد الله على السلامة، كلهم باصين لطبق واحد كبير في نص الصالة، طبق فاضي ومتغطي بقمشة خضرا
أبويا قام من وسطهم، وشّه كان شاحب كأن الدم مبيجريش في عروقه، قالي بصوت واطي :
"ادخل لجدك يا يونس، هو مستنيك في 'المطبخ الجواني'"
كلمة "المطبخ الجواني" في بيتنا معناها "الممنوع"، دي أوضة في آخر البيت، مبيجريش فيها مية، ومبيدخلهاش غير كبير العيلة
دخلت والريحة زادت، ريحة بخور مخلوط بدم، لقيت جدي "منصور الجبالي" قاعد على كرسي خشب، قدامه ترابيزة عليها سـ..ـكاكين قديمة جداً، سـ...ـكاكين أيدها من عاج ومكتوب عليها طلاسم مش مفهومة
جدي كان جلده لازق على عضمه، بس عينيه كانت بتلمع بذكاء مرعب، بص لي وقالي :
"يونس .. أنت الوحيد اللي فيك ريحة 'الذاكرة' القديمة أنت اللي هتاكل مكاني يا ولدي"
أنا كنت فاكر إنه بيخرف، لحد ما شفت "الذبيحة"
مكنتش خروف ولا عجل، كانت عبارة عن صندوق خشب مقفول، بيطلع منه صوت نهجان بشري مكتوم
جدي مسك السكينة وقالي :
"إحنا مش بناكل لحم يا يونس، إحنا بناكل 'عمر' الشخص اللي جوه الصندوق ده هو 'الراوي' بتاع العيلة، اللي شايل كل أسرارنا من ألف سنة، وعشان الأسرار دي متضيعش، لازم ندخلها في دمنا لازم ناكله عشان نفضل إحنا 'الجبالية' ملوك الأرض دي"
فجأة، عمامي دخلوا الأوضة، وبدأوا يغنوا أغنية قديمة بلغة غريبة، أصواتهم كانت بتطلع من حناجرهم كأنها حشرجة موت، والسـ...ـكاكين بدأت تلمع تحت ضوء الكلوب جدي قالي :
"لو مأكلتش، ذكرياتك إنت اللي هتتطبخ النهاردة للجيل اللي بعدك"
في اللحظة دي عرفت إن الهروب من البلد كان وهم، وإن العيلة دي مش مجرد ناس، دي كيان واحد بيتغذى على بعضه عشان يفضل خالد
بدأت السكاكين تتحرك بحرفية غريبة، وجدي بدأ يشرح لي وهو بيقطع ببرود إزاي "اللحمة" دي بتتحول لصور في عقلك، إزاي هشوف "المماليك" وهما بيهربوا، وإزاي هعرف مكان الذهب اللي ادفن تحت الأرض من قرون
أنا كنت بحاول أرجع لورا، بس الباب كان اتقفل، وعمامي بقوا سد بشري ورايا
"الراوي" اللي جوه الصندوق بدأ صوته يعلى، مكنش بيصرخ من الوجع، كان بيحكي!
بيحكي قصص عن ناس ماتت، وعن خيانات حصلت، وعن دم سال في البيت ده
جدي قالي :
"اسمع يا يونس، هو دلوقتي بيفرغ حمولته .. بيجهز نفسه عشان يسكن فيك"
الريحة بقيت خانقة، والدخان بقى يملى الأوضة، وبدأت أشوف خيالات لناس بتمشي على الحيطان، ناس ملهاش ضل، كأنهم مستنيين حد يفتح لهم باب عشان يرجعوا للدنيا
أبويا قرب مني ومعاه طبق فخار صغير، فيه حتة لحمة غريبة، لونها أرجواني وبتهتز كأنها لسه فيها روح.د
قالي بجمود :
"كل يا يونس، عشان تعرف مين هو جدك الحقيقي، ومين هي أمك اللي ماتت وهي بتولدك كل عشان تعرف هي ماتت إزاي وليه
الجملة دي شلت حركتي، أمي؟ أنا طول عمري عارف إنها ماتت في ولادتي طبيعي، لكن نظرة أبويا كانت بتقول إن ورا موتها "عزومة" تانية قديمة
مديت إيدي وأنا بترعش، واللحمة في الطبق بدأت تطلع صوت وشوشة واطي، كأنها بتنادي اسمي
أول ما لمست لساني، الدنيا اسودت تماماً، وحسيت بكهرباء بتضرب في نفوخي، وبدأت أشوف
شفت بيت قديم، وست بتجري، والرجالة وراها بسكاكين شفت الست دي وهي بتصرخ "يونس اهرب يا يونس!"
اكتشفت إن الست دي هي أمي، وإنها كانت "الوليمة" في اليوم اللي أنا اتولدت فيه
بمجرد ما اللحمة نزلت جوف يونس، الدنيا مابقتش هي الدنيا
الجدران بتاعة "المطبخ الجواني" بدأت تدوب وتسيح زي الشمع، وبدأت الرؤية تتشكل قدام عينيه مش كأنها حلم، لا، كأنه عايش جواها بجد
شم ريحة بخور قديمة قوي، وشاف أمّه، "صفيّة"، كانت قاعدة في نفس الأوضة دي من ٢٥ سنة
كانت بتبكي، بس مش بكاء خوف، كان بكاء حد خسر روحه خلاص
يونس شاف جده منصور وهو أصغر بكتير، كان واقف قدامه وماسك نفس السكينة اللي أيدها عاج.
سمع صوته وهو بيقولها: "يا صفية، الجبالية مش بيموتوا، إحنا بننتقل وإنتي شيلتي في بطنك الوريث اللي هيشيل ذاكرتنا كلنا، وعشان يورث صح، لازم يرضع من دمك وإنتي حية"
يونس صرخ في الرؤية، حاول يمنع جده، بس إيده عدت من جسمهم كأنه هوا
شاف المشهد البشع وهو بيحصل، وشاف نفسه وهو طفل رضيع بيحطوا في بقه "نقطة" من دم أمه قبل ما تخلص روحها
الرؤية اختفت فجأة برعشة هزت كيانه، ورجع للواقع
لقى نفسه واقع على أرضية المطبخ، وعمامه وجده واقفين فوق راسه، وعينيهم بتلمع بانتصار
جده مال عليه وهمس في ودنه :
"دلوقتي إنت عرفت نص الحقيقة يا يونس .. عرفت إن أمك ماماتتش بالصدفة، هي كانت 'القربان' عشان إنت تعيش.د دلوقتي كمل الطبق، عشان تعرف النص التاني .. النص اللي هيخليك تقتلنا كلنا أو تبقى ملكنا"
يونس قام وهو حاسس بتقل مش طبيعي في دماغه، ذكريات مش بتاعته بدأت تهاجمه
شاف صور لدفن صناديق تحت شجر الجميز القديم، شاف أسماء ناس ماتوا من ميت سنة وهو عارف مكان قبورهم بالظبط، وشاف "خيانة" حصلت بين أعمامه، عرف إن عمه "عثمان" كان عاوز يقتل جده من عشر سنين عشان ياخد مكانه، وعرف إن أبويا "صالح" هو اللي بلّغ عنه وجدك قطّع لسان عثمان وحبسه في السرداب
بص لعمه عثمان اللي كان واقف في ركن الأوضة، لقى عمه بيبص له بنظرة رعب وفهم .. عمه عرف إن يونس "قرأ" سره
فجأة، عثمان هجم على يونس بسـ...ـكينة كانت متخبية في جلبابه، وهو بيصرخ صرخة مكتومة لأن لسانه مقطوع الصالة اتحولت لساحة معركة في ثواني
الكل كان بيضرب في الكل، جده منصور كان بيضحك ضحك هستيري وهو شايف العيلة بتنهش في بعضها
يونس لقى نفسه بيمد إيده بآلية غريبة، مسك السـ..ـكينة العاج اللي كانت على التربيزة، وحس إن السـ..ـكينة هي اللي بتحركه مش هو اللي بيحركها
السـ...ـكينة كانت "عطشانة" وبتجره ناحية جده
في اللحظة دي، النور قطع في البيت كله
وفي وسط الضلمة، سمع يونس صوت أمّه بجد، مش في رؤية، كانت بتهمس في ودنه :
"يا يونس .. احرق المطبخ .. احرق الذاكرة. . لو مأكلتش، هتموت، ولو أكلت، هتبقى وحش زيهم .. اخرج من الدايرة يا ابني"
يونس شاف في الضلمة خيالات "الرواة" اللي اتأكلوا قبل كدة، كانوا طالعين من الحيطان، عبارة عن أشباح من لحم ودم مشوها، بيتحركوا ناحية جدي ومنصور وعمامي البيت بدأ يتهز كأن فيه زلزال، وصوت النهجان اللي كان في الصندوق الخشب اتحول لزئير مرعب
يونس لقى جنبه "كلوب" جاز واقع على الأرض، الزيت كان بيسيل منه
بص للطبق اللي فيه لحمة أمه وذاكرة العيلة، وبص للنار
كان قدامه لحظة واحدة يختار فيها :
يا إما يبقى "إله" الذاكرة ويحكم العيلة دي للأبد، يا إما ينهي اللعنة ويـ..ـحرق البيت بالى فيه، حتى لو هيموت معاهم
مد إيده عشان يرمي الكلوب، بس فجأة أيد قوية مسكت معصمه
كانت أيد جده منصور اللي قوتها كانت غير بشرية رغم سنه جده قاله وهو بيضحك ودمه سايل من جرح في كتفه :
"النار مش بتحرقنا يا يونس .. النار بتطبخنا بس .. إحنا قدرك، وإنت متهربش من قدرك"
رواية : ضريبة الدم (الجزء الثاني : سكنى الجسد)
وصلت القاهرة والشمس لسه بتشقشق، بس مكنتش حاسس بالدفا
دخلت شقتي في المعادي، قفلت الترباس ورايا بـ ١٠ أقفال، وقعدت ورا الباب وأنا بنهج
هدومي كانت ريحتها دخان ولحم مشوي، ريحة مابتطلعش مهما استحميت
دخلت الحمام، فتحت المية الساقعة ونزلت تحتها بهدومي، كنت عاوز أغسل "الذاكرة" اللي دخلت في دمي، بس المية كانت بتنزل على جسمي وتتحول للون أحمر باهت كأن جلدي هو اللي بينزف قصص
بصيت في المراية، وهنا بدأت أول علامات اللعنة
وِشي مكنش وِشي تماماً
ملامحي هي هي، بس فيه "نظرة" في عيني غريبة، نظرة قاسية ومستفزة، نظرة جدي منصور وهو بيذبح الصندوق
غمضت عيني وفتحتها، لقيتني بكلم نفسي بصوت مش صوتي، صوت أجش وطالع من حتة غريقة في صدري : "البيت اللي اتحرق يا يونس كان مجرد سجن .. إنت دلوقتي البوابة"
حاولت أنام، بس النوم بقى عدوي
أول ما بغمض عيني، مابشوفش أحلام، بشوف "أرشيف"
بشوف حياة ناس مِتّوا من ميت سنة
شفت واحد اسمه "عوض الجبالي" في سنة ١٩٢٠ وهو بيسمّ أخوه عشان يورث الأرض
حسيت بطعم السم في بؤي، وحسيت بوجع بطنه وهو بيموت
قمت مفزوع وأنا برجع مية سوداء زي الحبر الذاكرة مكنتش مجرد صور، دي كانت "حواس" كاملة
نزلت الشارع أحاول أهلك نفسي في المشي وسط الناس، يمكن الزحمة تخرّس الأصوات اللي في راسي
دخلت كافيه في وسط البلد، قعدت وطلبت قهوة سادة فجأة، لقيت عيني بتثبت على راجل عجوز قاعد بعيد من غير ما أقصد، لقيت عقلي بيطلع بياناته :
"اسمه عبد العزيز، خاين، سرق شقى عياله وبنا عمارة في شبرا"
أنا معرفش الراجل ده، عمري ما شفته، بس "الدم" اللي جوايا عرفه
الذاكرة اللي ورثتها مكنتش بس لعيلة الجبالي، دي كانت ذاكرة "الخطايا" اللي في الأرض
الرعب الحقيقي بدأ لما رجعت البيت ولقيت باب الشقة مفتوح
دخلت وأنا ماسك فازة بإيدي، لقيت الصالة مليانة دخان بخور، ونفس الريحة اللي كانت في "المطبخ الجواني"
لقيت حد قاعد على الكنبة ومديني ضهره قولت بصوت بيترعش : "مين هنا؟"
الظِل قام ولف لي .. مكنش حد غريب، كان "أبويا" بس جسمه كان محروق تماماً، جلده عبارة عن قشر أسود متفحم، وعينيه عبارة عن جمر نار
قالي بصوت بيحشرج : "يا يونس .. إحنا جياع"
صرخت فيه: "إنت مِتّ! أنا شفت البيت وهو بيتحرق بيك!"
ضحك ضحكة وجع مرعبة وقالي :
"إحنا مابنموتش يا ولدي إحنا بنجوع بس. إنت حرقت 'اللحم' اللي كان بيغذينا، ودلوقتي إحنا ملناش غير 'لحمك' إنت
الذاكرة محتاجة وعاء، والوعاء لازم يتملي دم جديد"
أبويا، أو اللي فاضل منه، بدأ يقرب مني كل خطوة كان بيخطيها كانت بتسيب أثر حرق على السجادة وفجأة، لقيت إيدي بتتحرك لوحدها .. مديت إيدي في الهوا وكأني ماسك سكينة، ولقيت نفسي بكرر كلمات باللغة الغريبة اللي كان عمامي بيغنوها لقيتني بقرب من أبويا المحروق، وبدل ما أهرب منه، كنت عاوز "آكله"
الجوع اللي حسيت بيه في اللحظة دي مكنش جوع بطن، كان جوع كيان
كنت عاوز أمتص الذاكرة اللي فاضلة معاه عشان أكبر، عشان أبقى "الجبالي الكبير" في لحظة وعي أخيرة، ضربت راسي في الحيطة بكل قوتي عشان أفوق وقعت على الأرض والدم سال من دماغي
لما فتحت عيني، أبويا كان اختفى، بس لقيت على الترابيزة "طبق فخار" فيه حتة لحمة نية، وعليها ورقة مكتوب فيها بخط جدي :
"أول عزومة في القاهرة .. الجار اللي في الشقة اللي قصادك عنده 'قصة' حلوة .. اطبخه يا يونس"
بصيت على الباب، وسمعت خبط هادي جارى "أستاذ حامد" كان بيخبط ويقول: "يا بشمهندس يونس، إنت كويّس؟ سمعنا صوت رزع عندك"
في اللحظة دي، الجوع زاد في عروقي، وعيني اتحولت للون الأرجواني، ولقيتني بفتح الترباس وببتسم ابتسامة مش بتاعتي وبقوله :
"اتفضل يا أستاذ حامد .. ده إنت جيت في وقتك .. إحنا عاملين عزومة"
يونس دلوقتي مابقاش ضحية، بقى هو "المفترس" اللي بيقوده أرواح عيلته هل هيقدر يقاوم الجوع ده؟ ولا القاهرة هتتحول لـ "مطبخ جواني" كبير؟
رواية : ضريبة الدم (الجزء الثالث: مائدة القاهرة)
فتحت الباب لأستاذ حامد، الراجل الغلبان اللي ساكن قصادي بقاله سنتين
كان لابس قميص مقلم وكارديجان، وشايل في إيده طبق فيه بسبوسة، وبيبتسم ابتسامة جيران طيبة
أول ما عيني جت في عينه، "الرادار" اللي في دمي اشتغل
شفت شريط حياته كله في ثانية : شفت يوم ما سرق عهدة المكتب في المصنع ولبّسها لزميله، شفت ذكرياته وهو بيضرب مراته في السر .. شفت "اللحم العفن" اللي جوه روحه
صوت جدي منصور رن في نفوخي زي الصدى :
"الخاين طعمه بيبقى مُر يا يونس، بس بيقوّي العضم .. اقطم يا ولدي"
أستاذ حامد دخل الشقة وهو بيقول :
"أنا قلت أشوفك يا بشمهندس، بقالك كام يوم غايب و ..." مكملش الجملة
ريحة البخور والشياط اللي في الشقة لجمت لسانه
بص على السجادة المحروقة، وبص على الطبق الفخار اللي فيه "اللحمة" اللي بتهتز، ووشه اصفرّ
حاول يرجع لورا، بس أنا كنت أسرع. لقيت نفسي بقفل الباب ورايا بحركة مفيهاش أي تردد بشري
حامد بدأ يترعش وقالي :
"هو فيه إيه يا يونس؟ وشك ماله؟ عينك لونها ماله؟"
أنا مكنتش قادر أتكلم بلساني، كنت حاسس إن فكي بيتمط، وأسناني بقت حامية زي السكاكين
قربت منه وهمست بصوت "الرواة" اللي جوه دمي :
"إحنا مش بناكلك يا حامد .. إحنا بننضف الأرض من قصصك القذرة"
في لحظة، الصالة اتحولت لسلخانة
مكنتش محتاج سكاكين، "ظلال" عمامي اللي كانت ماشية ورايا من الصعيد طلعت من الحيطان وبدأت تمسك حامد الراجل صرخ صرخة كتمها دخان البخور
الغريب إني وأنا بلمسه، كنت بمتص ذكرياته حرفياً
شفت المصنع، وشفت الزميل اللي اتظلم، وشفت كل قرش دخل جيبه حرام
كل ذاكرة بمتصها، كنت بحس بقوة جبارة بتسري في جسمي، كأن طولي بيزيد وعقلي بيكبر
بعد ساعة، الشقة رجعت هادية تماماً
مفيش أثر لأستاذ حامد، ولا حتى نقطة دم
"العيلة" مابتسيبش فضلات، هما بياكلوا الشخص بـ "تاريخه" بـ "وجوده"
دخلت الحمام غسلت وشي، بصيت في المراية، لقيت ملامحي بدأت تختفي .. وشي بقى "أملس" زي الورق الأبيض، وعينيا بقت مجرد نقط سودا.
جدي ظهر في المراية ورايا وقالي : "برافو يا يونس .. القاهرة فيها ملايين 'القصص' اللي محتاجة تتمحي .. إحنا هنا عشان نغسل الدنيا بالـ..ـدم"
طلعت بلكونة الشقة في نص الليل، بصيت على أنوار القاهرة الزحمة فجأة، شفت اللي مكنتش أتخيله شفت في بلكونات العمارات اللي قصادي، وفي الشوارع تحت، أشخاص واقفين زي الأصنام .. ناس وشوشهم ممسوحة زيي، عينيهم بتلمع بنور أرجواني
عرفت إن "عيلة الجبالي" مش بس في الصعيد، اللعنة دي منتشرة في كل حتة
إحنا "تنظيم" قديم قدم الأرض، وظيفتنا إننا ناكل ذكريات البشر عشان العالم ميفقدش توازنه من كتر الخطايا
بس فجأة، سمعت صوت "صفيّة" .. أمي
الصوت مكنش جاي من راسي، كان جاي من الشارع تحت بصيت لقيت ست لابسة أبيض، واقفة وسط العربيات، وبتبص لي بوجع
نزلت جري من الشقة، زقيت الناس في الشارع، وصلتلها لقيتها بتبكي دم، وقالتلي : "يا يونس .. الجبالي كذبوا عليك هما مش بياكلوا الخطايا عشان يطهروا الأرض .. هما بياكلوا 'الأمل' عشان يفضلوا عايشين للأبد
كل قصة بتمحيها، بتمحي معاها فرصة إن صاحبها يتوب أو يتغير. إنت بتموت المستقبل يا ابني"
أمي شورت لي على "نفق" تحت كوبري أكتوبر وقالتلي:
"جوه النفق ده، فيه 'الرواة' الحقيقيين .. الناس اللي رفضوا ياكلوا وبقوا جياع للأبد .. روح ليهم، هما اللي هيقولولك إزاي تقـ..ـتل جِدك اللي ساكن في دمك"
لسه هتحرك، لقيت الأرض بتنشق، وطلع منها جدي منصور، بس المرة دي كان ضخم، طوله واصل للدور التالت، وجسمه مكون من آلاف الوجوه اللي أكلها على مدار سنين
بص لأمي باحتقار وقال :
"صفية .. لسه بتحاول تطلعه من المائدة؟ يونس خلاص بقى 'السكينة' بتاعتنا"
جدي رفع إيده الضخمة اللي مكونة من سكاكين عاج، وكان هيضرب أمي
يونس لقى نفسه في مواجهة مصيرية :
يكمل "الوليمة" ويبقى ملك القاهرة المظلم، ولا
ينضم لـ "الجياع" اللي تحت الكوبري ويحاول يقطع عروقه عشان يصفي دم الجبالية منه؟
نهاية الجزء الثالث : "انقسام الروح"
يونس دلوقتي واقف بين طريقين : السيادة المطلقة
كـ "وحش" بيمحي البشر، أو الانتحار البطولي لإنهاء سلالة الجبالي
إليكم الجزء الرابع والأخير من "ضريبة الـ..ـدم"، حيث تكتمل الدائرة في أنفاق القاهرة المظلمة، ويواجه يونس حقيقة "الجوع" الذي لا ينتهي
رواية: ضريبة الـ..ـدم (الجزء الرابع : صيام الأبد)
جدي منصور كان واقف زي الجبل في نص شارع رمسيس، ضخم ومرعب، وجسمه بيتحرك فيه مئات الوشوش اللي بتصرخ تحت جلده
الناس في الشارع مكنوش شايفينه، كانوا بيمروا من جنبه ويحسوا بس برعشة برد مفاجئة أو ريحة زفارة دم
جدي ضحك بصوت هز العمارات :
"يا يونس .. أمك روح ضعيفة، عاوزه تخلعك من جذورك عشان تموت في الفقر والنسيان .. تعالَ لحضني، القاهرة دي كلها هتبقى طبقنا الليلة"
أمي صرخت : "اجري يا يونس! النفق هو السر!"
جريت بكل قوتي ناحية مدخل نفق مترو الأنفاق المهجور اللي تحت الكوبري
كنت حاسس بـ..ـدمي بيغلي، كأن سلالة الجبالي جوه عروقي بتحاول تشل حركتي
وصلت للنفق، ونزلت في الضلمة اللي مبيخترقهاش نور الريحة هناك مكنتش بخور، كانت ريحة "تراب قديم" و"عرق"
لقيتهم هناك .. "الجياع"
عشرات من الرجالة والستات، أشباح باهتة، جلودهم لازقة على عضمهم، وعينيهم منطفية
مكنوش وحوش، كانوا بشر رفضوا ياكلوا "اللحمة" اللي بتقدمها العيلة
كان في وسطهم راجل عجوز جداً، باين إنه أقدم واحد فيهم، قالي بصوت واهي :
"يونس الجبالي .. إحنا استنيناك كتير
إحنا اللي اخترنا نجوع عشان نفضل 'إحنا' .. عشان ذكرياتنا متتخلطش بدموع الضحايا"
قلت له وأنا بنهج :
"إزاي أقـ..ـتل جدي؟ إزاي أخلص من الذاكرة اللي في دمي؟"
العجوز طلع سكـ..ـينتين من الخشب المصنوع من شجر الجميز، وقالي :
"السـ..ـكينة العاج اللي معاهم بتقطع اللحم .. لكن الخشب بيقطع 'الصلة'
عشان تـ..ـموت منصور، لازم تقتل 'الذاكرة' اللي جواه .. بس التمن غالي يا ابني
عشان تخلص العالم منهم، لازم 'تمحي' نفسك إنت كمان من الوجود
لو منصور مات، كل اللي شالوا دمه هيختفوا .. مفيش حد هيفتكر إن كان فيه مهندس اسمه يونس"
في اللحظة دي، جدي اقتحم النفق الحيطان بدأت تتشقق، والوشوش اللي في جسمه بدأت تطلع براعم سودا
صرخ فيا :
"هتبيع ملكك عشان شوية رمـ..ـم جياع؟ أنا اديتك الخلود يا ابن صفيّة!"
مسكت السـ..ـكينتين الخشب، وحسيت فجأة ببرد شديد السـ..ـكينتين بدأوا يسحبوا "الذاكرة" من دمي
شفت صور أستاذ حامد، وصور أمي، وصور طفولتي وهي بتتسحب جوه الخشب
بدأت أنطفي .. بدأت ملامحي ترجع بشرية بس باهتة جداً
هجمت على جدي السـ..ـكاكين الخشب اخترقت صدره المكون من وشوش الضحايا
منصور صرخ صرخة مرعبة، والوشوش اللي في جسمه بدأت تطير وتتحرر، كل وجه بيرجع لصاحبه في القبر
جدي بدأ يصغر ويصغر، وجلده بدأ يتحول لورق شجر ناشف وبيتحرق
بص لي بنظرة حـ..ـقد أخيرة وقالي : "إنت قتـ..ـلتنا كلنا بس هتعيش وحيد .. مفيش حد هيعرف إنك كنت هنا"
النفق بدأ ينهار
"الجياع" بدأوا يتلاشوا وهما بيبتسموا، كأنهم أخيراً هيناموا من غير جوع
أمي ظهرت للمرة الأخيرة، طبطبت على كتفي وقالتلي : "دلوقتي إنت حر يا يونس .. ارجع للدنيا، بس 'غريب'"
فوقت وأنا مرمي على رصيف في محطة رمسيس
الشمس كانت حامية، والناس بتجري حواليا
قمت وأنا حاسس بضعف شديد، بس الجوع المرعب كان اختفى
مفيش وشوش في راسي، مفيش أصوات، مفيش "ذاكرة" لغيري
روحت بيتي في المعادي، لقيت مفتاحي مش بيفتح الباب خبطت، طلعت لي ست غريبة، بصت لي باستغراب وقالتلى : "أي خدمة يا أستاذ؟"
قلتلها: "أنا يونس .. الساكن هنا"
الست ضحكت وقالتلى : "يا أستاذ الشقة دي مقفولة بقالها عشر سنين، وصاحبها مات من زمان إنت أكيد غلطان في العنوان"
بصيت في المراية اللي في مدخل العمارة .. ملقتش لنفسي انعكاس بصيت في الأرض، ملقتش لنفسي ظل
أنا لسه عايش، لسه بمشي وسط الناس، بس مفيش حد بيشوفني، ومفيش سجل في الحكومة باسمي
أنا بقيت "الراوي" الجديد، بس من غير عيلة ومن غير وليمة
بتمشى في شوارع القاهرة بالليل، بسمع وشوشة الحيطان، وبسجل قصص الناس في سري، عشان مفيش حد ينسى وعشان "العزومة الكبيرة" متتعملش تاني أبداً