رواية الراتل الفصل السابع 7 كامل | بقلم اسماء ايهاب
تم تحديث الفصل بتاريخ 10 أبريل 2026
مقدمة رواية الراتل
تُعد رواية الراتل
من روائع
الأعمال الأدبية،
حيث تأخذنا الأحداث
وسط أجواء من الغموض والإثارة
تجذب القارئ من الصفحة الأولى
تجعل الرواية تجربة لا تُنسى.
تفاصيل رواية الراتل
وتتناول قصة الراتل
حول
علاقات متشابكة
تتعرض لمفاجآت غير متوقعة،
وتتشابك التفاصيل
ويتعقد الحبكة
ويحس وكأنه جزء من الأحداث
ويستشعر التوتر والإثارة.
مميزات رواية الراتل
تعد رواية الراتل من أبرز الأعمال
بحبكة قوية ومترابطة
تحافظ على عنصر التشويق،
إلى جانب ذلك
تخلق عالمًا يشعر فيه القارئ وكأنه حي
وتجعله يعيش تفاصيل القصة
وتجعل القصة لا تُنسى.
ابدأ قراءة الراتل الآن
اقرأ الآن قراءة رواية الراتل
من تأليف اسماء ايهاب
من أي مكان
لتعيش كل لحظة من أحداثها
ولتغوص في أحداث شيقة ومشوقة.
كيف تصل الينا
للبحث السريع في جوجل اكتب:
"رواية الراتل حكايتنا حكاية"
دفعه شعوره بالمسئولية اتجاهها إلى أن يهرول لإنقاذها ، فيما كان شبح شقيقته الراحلة "دهب" يطارده ، يلهب قلبه بخوف مألوف.
أسرع نحو السيارة بخطى متوترة ، يتبعه إلياس ، بينما كان حمزة الذي لا يزال منهمكًا في الهاتف ، يطمئن على زوجته المنهارة التي تروي له مرارًا تفاصيل اختطاف رحيل أمام أعينها.
ارتجفت يده قليلًا وهو يدير المفتاح ، تداخلت أنفاسه مع صوت المحرك ، بينما في أذنه لا زال يتردد صدى صرخة دهب الأخيرة ، تجعله يشعر بثقل الاغلال حول عنقه تكاد تزهق روحه ، رغم ذلك تحدى لحظات ضعفه التي لا تتكرر إلا وذكرى رحيل شقيقته تلوح في مخيلته ، وانطلق بالسيارة بأقصى سرعة ممكنة حتى وصل محل عمل كنزي في وقت قياسي.
ترجل حمزة قبل أن تتوقف السيارة ، يسرع بخطوات واسعة نحو زوجته التي تجلس أمام مركز التجميل المغلق تبكي بقوة واضعة يدها على صدرها ، وإلى جوارها تقف نهال تحاول تهدئتها حتى لا تؤذي جنينها.
جلس على ركبتيه أمامها ، يحيط وجهها بين راحتي يده ، يمسح دموعها بإبهامه يهمس مواسيًا :
_ خلاص يا حبيبتي أهدي انا معاكي اهو
تحدثت بتلعثم من بين شهقاتها المتقطعة :
_ انا مش قادرة اتلم على أعصابي خالص
أوقفها عن المقعد يحتويها بذراعه ، وأشار بعينه لنهال أن تفتح الباب ، في حين اندفع داوود إليهم يسأل بحدة :
_ اية اللي حصل؟
، اتخطفت ازاي؟
زجره حمزة بنظراته حتى يصمت الآن حتى تهدأ زوجته ، بينما فتحت نهال الباب واشعلت الأنوار ، فدخل حمزة أولًا مع زوجته ، يجلسها على أقرب مقعد طالبًا من نهال أن تأتي لها بكوب من الماء ، وتبعه داوود إلى الداخل.
ذهبت نهال تلبي طلبه ، ليردف داوود بهدوء :
_ كانت حد تعرفه يا كنزي ، حد غجري و لا ناس تانية
كان يريد أن يطمئن أن كان من اختطفها من عشيرتها أم أنه يبحث في الإتجاه الخاطئ ، ليأتي صوت كنزي المرتجف يثبت له صحة تفكيره :
_ تلت رجالة زي الباب ، اخدوها في اتوبيس صغير من قدام الباب هنا و احنا طالعين مروحين
ضم حمزة كتفها بحنو ، يأخذ كوب الماء من نهال يقدمه لها يحثها على الهدوء ، بينما اقتربت نهال من داوود تتحدث بما لفت انتباهها :
_ بس كان في واحد لابس لبس غريب ، وعينه متكحلة بكحل اسود تقيل
ازداد قتامة عينا داوود ، وقبض على كف يده بقوة قائلًا بحدة :
_ زي ما توقعت
خرج بخطوات سريعة ، وقد اشعل اختطافها نيران مستعرة تلتهم روحه ببطء ، ليتقابل مع إلياس الذي كان يتحدث بالهاتف ، ليتخطاه متجهًا نحو السيارة ، قائلًا بصوته الأجش الذي زاده الغضب شراسة :
_ استعجل عزيز والرجالة ، هنطلع على الفيوم.
***********************************
كانت رحيل في سيارة نقل عام إلى جوار سعدون ، تبكي وتصرخ ، تتوسل له بصوت ضعيف مختنق أن يتركها وشأنها.
لكنه لم يأبه ، بل أحاطها بجسده كجدار ، و مد يده ليكمم فمها ، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة خبيثة ممتلئة بزهو الإنتصار.
كان يشعر بالفخر المريض ، كأنما استطاع أن يعيد فريسته إلى قفصها ، ووعد نفسه بأنه يصنع لها هذه المرة قفصًا من حديد ، حتى لا يسمح لها أن تنجو أو تُفلت مجددًا من بين قبضته.
التفت نحو أحد الرجال الثلاثة حين تحدث بجدية :
_ وعدنا و وفينا يا ريس سعدون
ألقى نظرة خاطفة على تلك التي تتلوى بين يديه تحاول الابتعاد عنه قائلًا بامتنان :
_ و اتعبكم محفوظة يا رجالة
ضمها إليه أقوى ليقمع مقاومتها ، قائلًا بنبرة تظهر مدى سعادته :
_ مش مصدق انكم وصلتولها بسرعة كدا
أجاب آخر بفخر معتزًا بعمله :
_ احنا يا باشا علامة مميزة و لينا في كل خرابة عفريت ، و صورتها راحت لكل اللي تبعنا عشان نلاقيها بسرعة.
المهم نراضي حبايبنا
انهى جملته محركًا سبابته وإبهامه في تصريح مباشر للأموال التي وعدهم بها ، ليغمز سعدون بعينه اليسرى قائلًا :
_ عيب عليك مش هنساكم ، بس نوصل الفيوم
مر الطريق عليها طويل ، شعرت الإجهاد من مقاومتها الضاري له ، وصراخها المتواصل الذي استهلك كامل طاقتها ، لينخر الضعف بجسدها وجعلها تستكين حتى توقفت السيارة ، وأخذها سعدون منها جرًا كبهيمة.
كانا على مقربة من عشيرتهما لذا أوقف السيارة ، أحكم قبضته على ذراعها بقوة ، واليد الأخرى كان يخرج بعض رزم الأموال يلقي بها على الرجال الثلاثة ، ما أن أخذ الرجال حقهم حتى انطلقت السيارة على الفور ، فالتفت هو لها يخرج من جيبه مدية صغيرة يشهرها بوجهها ، وعيناه تقدحان الشرر بغضب شديد ، قائلًا بتوعد وتحذير :
_ لو نطقتي كلمة واحدة بس وسط العشيرة ، هكون قتلك بايدي يا رحيل
قاومت من جديد لعلها تفلح هذه المرة في الهرب ، وانطلق لسانها يهتف بغضب شديد تخرج ما يعتمل داخل صدرها :
_ ابعد عني ، سيبني في حالي بقى ، مش عايزاك.
مش طايقة اشوف وشك و لا اسمع صوتك ، بقرف منك يا اخي
تلقت منه صفعة قوية سقطت على أثرها بعنف على الأرض ، ثوان وانفجرت في البكاء ، تلتهم وجنتها نيران الألم ، ثم انحنى نحوها يأخذ يدها يجذبها بقوة لتقف على قدميها ، قائلًا بصوت خافت ارسل الرجفة بجسدها :
_ انتي كنتي عيانة و مرمية في المستشفى و طلعتي النهاردة ، كلمة تانية غير اللي قولته قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم
سحب يدها خلفه في طريقه إلى داخل العشيرة ، يهمس بحدة :
_ أمسحي دموعك
كبحت شهقاتها وأزاحت دموعها بظهر يدها ، وسارت خلفه تخنقها قلة حيلتها ، كان لديها أمل أن تتغير حياتها ، أن تبتعد عنه وعن عشيرتها إلى الأبد ، وجاء هو ليقتل هذا الأمل في مهده وايقظها على كابوس مروع.
هو زواجها منه.
وصلا إلى داخل العشيرة والبعض يهنئ رحيل على خروجها من المشفى بسلامة ، وكانت تقابل ذلك بسكون مريب حتى وصلا إلى منزلها ، انقبض قلبها بقوة ، وأصابتها رجفة تهدد بسقوطها أرضًا خوفًا من بطش والدتها ، تراجعت للخلف خطوة وتجلى على ملامحها الذعر حين سمعت صوت والدتها من خلف الباب ، تعالت دقات قلبها حتى شعرت بالألم عندما فتحت والدتها باب المنزل.
شهقت جليلة بحدة حين وجدت رحيل أمامها ، توجهت نحوها سريعًا تنتشلها بعنف من يد سعدون ، تدفعها بقوة داخل المنزل غالقة الباب بوجه سعدون الذي توسعت ابتسامته شامتًا بها ، ثم التفت ليغادر إلى مجلس والده يخبره بالمستجدات.
تعالى صياح رحيل بألم حين صفعتها والدتها بقوة لتشعر بتخدر بوجنتها التي تلقت صفعتين قويتين ، ارتفع صوت بكائها وشهقاتها التي تكبحها بصدرها عندما جذبت والدتها خصلات شعرها بقوة ، تصرخ بغضب يتأجج داخلها :
_ بتهربي ليلة فرحك يا رحيل ، عايزة تفضحيني
حاولت رحيل دفع قبضة والدتها عنها ، تهتف بصوت متحشرج راجي :
_ خليكي جنبي مرة واحدة بس ، قولتلك مش عايزاه عشان خاطري اقفي جنبي
كانت تأمل أن تؤثر كلماتها بوالدتها مقدار ذرة ، لكنها ذُهلت من جحود والدتها عندما شددت على خصلات شعرها حتى كادت تقتلعها ، تصرخ بغضب :
_ مش بمزاجك ، هتتجوزي سعدون و رجلك فوق رقبتك
اندفعت لديها القوة لتفلت من يد والدتها ، تتحدث بانفعال مبتعدة عدة خطوات للخلف :
_ مش هتجوزه و لو موتيني
ابتسمت جليلة باقتضاب ، تتقدم نحوها خطى بطيئة لكي تبث الرعب داخل قلبها ، هامسة بنبرة حادة :
_ يبقى موتك قصاد جوازك من سعدون يا رحيل
كانت سيارة داوود تتسابق مع الريح ، يقودها بكل غضب قاصدًا الوصول في أسرع وقت لينقذها من بين براثن هذا الحقير ، وإلى جواره يجلس إلياس الذي يحاول تهدئته بكافة الطرق الممكنة ، لكنه كان كالأصم لا يسمع منه كلمة مكتفيًا بما يدور داخل رأسه من أفكار وذكريات تجعله يحرق الأخضر واليابس ولا يبالي ، لكم إلياس كتفه ليستفيق على نفسه صارخًا بحدة :
_ اهدي شوية وهدي السرعة ، العربية هتتقلب بينا
خفف داوود سرعته قليلًا دون الالتفات إليه ، ليستطرد إلياس حديثه متأففًا :
_ انا فاهم انك عايز تساعدها و كل حاجة ، بس دا هيحصل بالعقل مش هنروح نضرب طلقتين في الهوا و ناخدها يعني
تنحنح حمزة الذي يجلس بالمقعد الخلفي بعد أن ترك زوجته في أمانة نهال ، وأصر على عدم تركهم ، ثم مال نحو مقعد داوود يقترح بحماس :
_ قولهم انك اتجوزتها و حامل منك هيسبوها تمشي معاك على طول
دفعه عزيز بكتفه حتى يصمت عن الهذيان بحديث لا يعلم عواقبه ، و تحدث بضيق :
_ انت عبيط يا بني ، لو عمل كدا العشيرة كلها تنتقم منه لانه كدا اتعدى علي اعرافهم
رمقهما داوود بنظرة حادة من خلال المرآة ، يصيح بغضب :
↚
_ هو انتم بتقولوا اية ، جواز اية و حامل اية ، انا رايح انقذها عشان متكنش ضحية و بس
_ يعني انت مش رايح تطلبها للجواز؟
، رايح تقولهم جاي انقذها قبل ما تموت نفسها؟
قالها حمزة يرسم على وجهه التعجب ، ثم وضع يده على كتف داوود قائلًا بتهكم :
_ انت مين اصلا عشان تدخل على عشيرة تاخد بنتهم و تمشي يا عسل ، بصفتك اية يعني؟
تحدث إلياس مويدًا حديث حمزة :
_ عنده حق بصراحة ، هتقولهم اية انا هاخد بنتكم و انزل بيها القاهرة عشان متتجوزش غصب عنها؟
وكأنه يريد أن ينهي ما اراد فعله سابقًا ، وينقذ ما يمكن إنقاذه حتى لا تقع في بلاء لا تقوى على تحمله ، ويكون مصيرها المحتم هو الموت لذا هتف بصوت غاضب لا يتحمل النيران بداخله :
_ لو مأخدتهاش و مشيت بالذوق ، هاخدها بالعافية
حاول إلياس أن يجعله يواجه الواقع حين قال :
_ مفيش حاجة اسمها عافية ، هي من بقية عيلتنا يا بني احنا نبقى ناس غريبة عنهم
تجاهل حديث شقيقه وركز بصره على الطريق ، ثم أشار إلى حمزة قائلًا :
_ كلم مراتك كدا اسألها العشيرة فين بالظبط عشان خلاص قربنا على المكان اللي شوفتها فيه
ساد الصمت بينهم بعد أن أخبرتهم كنزي عن موقع العشيرة كما وصفته لها رحيل سابقًا ، وعندما وصل إلى اقرب مكان لها ، صف السيارة وترجل منها ينظر إلى سيارة رجاله التي أقتربت منهم ، وأشار إليهم بالتوقف ، توقفت السيارة الأخرى ، وخرج منها أحد الرجال يسرع إلى داوود قائلًا بطاعة ليتلقى الأوامر :
_ أؤمر يا راتل
أشار داوود إلى مدخل العشيرة ، يتحدث بجدية :
_ خليك هنا انت و الرجالة و على تليفون مني تدخلوا من هنا و معاكم سلاحكم
أومأ الآخر واضعًا يده على رأسه قائلًا :
_ اعتبره حصل يا راتل
تركه داوود وتقدم مع إخوته إلى العشيرة ، وعندما أصبح بمنتصف الباحة الخاصة بهم بدأت الهمهمات المتعجبة تتصاعد من حولهم ، والنظرات تتفحصهم بدقة ، هيئتهم المختلفة لفت الأنظار إليهم حتى تقدم منهم أحد شباب العشيرة يسأل باستغراب :
_ انتوا جايين هنا لمين
أسرع إلياس يتحدث بهدوء حتى لا يتسرع أخيه :
_ نلاقي فين كبير العشيرة لو سمحت
مرر الشاب نظره عليهم بريبة قبل أن يشير إليهم بيده ، قائلًا :
_ اتفضلوا ، انا هوديكم
ساروا خلفه وسط نظرات الفضول التي تقابلهم من أهل العشيرة حتى وصل أمام خيمة كبيرة من قماش زاهي ، طلب منهم الشاب أن يأخذ اذن الريس قبل دخول مجلسه ، وحين دلف الشاب إلى الداخل تحدث إلياس بتحذير :
_ داوود مش عايزين عصبية و لا تهور ، مش عايزين نعمل مشكلة ملهاش لازمة تمام
وكأنه استعاد هدوءه وعقله مجددًا حين اطمئن أنه يمكنه إنقاذها في الوقت المناسب ، فأومأ إليه بهدوء منصاع لحديثه ، عندها خرج الشاب يأذن لهم بالدخول إلى المجلس.
كانت خيمة واسعة ، تنتشر فيها الوسائد المريحة بارجاء الخيمة ، ويجلس الريس عمران على وسادة مرتفعة ليكون في مكان أعلى من الجميع ، ألقوا عليه السلام وأشار لهم بالجلوس وسط كبار العشيرة وابنه سعدون.
ارتص اربعتهم جوار بعض ، وتنحنح داوود يبدأ الحديث على الفور وبشكل مباشر :
_ احنا جايين بخصوص بنت في العشيرة اسمها رحيل
انتفض سعدون وهب واقفًا ، يصيح بغضب :
_ مالك و مال رحيل دي خطيبتي
رمقه داوود بنظرة حادة أثارت الرعب في نفس الآخر ، ليتحدث الريس عمران بهدوء ممررًا يده على لحيته البيضاء الطويلة :
_ اقعد يا سعدون ، خلينا نفهم منه مالها رحيل
بدأ داوود يقص عليهم ما حدث منذ استنجدت به رحيل حتى تم اختطافها اليوم لتجبر من جديد على الزواج محتفظًا ببعض التفاصيل لنفسه ، بدأ جميع كبار العشيرة بالثورة عليه ، يطلبون من الريس عمران التصرف معه بطريقة تليق بهم ، نظر الريس عمران إلى ولده بغضب ثم صرخ مناديًا على شاب يقف بالخارج ، وحين دلف يلبي طلبه ، فتحدث بنبرة هادئة تخفي خلفها الكثير :
_ عايزك تجبلي رحيل بنت الريس غياث و امها هنا دلوقتي
أنصرف الشاب ، والتفت عمران إلى داوود يتحدث بجدية :
_ تشكر ، احنا هنحل مشكلة بنتنا
كانت دعوة صريحة بالانصراف ، لكن عقل داوود نبه ألا يتركها ويغادر تواجه نيران غضب عشيرتها بعد حديثه ، نبهه إلياس على الذهاب ، لكنه لم يطيعه ظل ينظر إلى سعدون بغضب يراه بهيئة ذلك الوغد "رؤوف" الذي كان السبب في موت شقيقته لذا انتظر حتى أتت رحيل ، وحين رأى وجنتها المتورمة يطبع عليها أثار أصابع غليظة ، هب واقفًا يتقدم منها ، لتتفاجأ هي من وجوده وابتهجت بسعادة رآها بوضوح بعينيها ، لم تكن تتوقع أن ترآه مجددًا وكأن حلمها قد انتهى على كابوس مزعج ، وطمئن قلبها صوته الهادئ حين همس :
_ متخافيش
مسحت دموعها بكف يدها ووقع همسه بالاطمئنان بقلبها ، فأومأت إليه ووضعت ثقتها الكاملة بتصرفه ، لكنها لم تتوقع ابدًا أن يكون حل الأمر في جملته ة :
_ أنا طالب ايد رحيل منك يا ريس عمران
ثارت ثائرة سعدون ، وتوجه نحوه يحاول الهجوم عليه ، ليتصدى له عزيز قبل الوصول إلى داوود محاولًا تهدئة الأجواء التي اشتعلت فجأة بعد جملة داوود ، وكبار العشيرة الذين يتناقشون في الأمر مؤيدين ردة فعل سعدون في الدفاع عن خطيبته ، ليحسم الريس عمران الجدل حين أمر سعدون بالجلوس ، والتفت إلى داوود قائلًا :
_ منجوزش بنتنا عريس افرنجي
عقد حمزة حاجبيه وتحدث بتعجب :
_ افرنجي اية ، هو لابس چيبة يا حاج
ألقى عليه عزيز نظرة تحذيرية قائلًا بضيق :
_ اسكت انت كلامك بيعمل مشاكل ، افرنجي يعني من برا العشيرة
ثم التفت إلى عمران يتحدث بهدوء :
_ هو بيتقدملها رسمي يا ريس ، و اعقد مجلس المغارمة هندفع الغرامة اللي المجلس يطلبها و هندفع مهرها اللي تطلبه
أسرعت رحيل إلى الريس عمران تجلس أمامه ، تتحدث متوسلة ودموعها تتسابق على وجنتيها خوفًا أن يتلاشى أملها في الابتعاد عن هنا :
_ انا مغصوبة على الجواز من سعدون يا ريس ، هو ضربني و امي ضربتني ، و الريس غياث لو عايش مش هيجوزني غصب ، وغلاوته عندك ساعدني يا ريس
نظر الريس عمران إلى ولده الغاضب ، أن لم يكن كبار العشيرة متواجدين وتحدث أمامهم كان قد أغلق الموضوع وطردهم مهانين لا وداع ولا اعتذار ، ابتلع غضبه والتفت إلى رحيل قائلًا بهدوء :
_ مش هنجوزك افرنجي يا رحيل ، بلاش سعدون بس هيكون حد من العشيرة
أمسكت رحيل بيده تقبلها برجاء قائلة بصوت متحشرج :
_ عشان خاطري ابعدني عن هنا
تقدم داوود بغضب ، يتحدث بجدية :
_ هدفع الغرامة اللي تطلبها و المهر اللي عايزه و ــ
لكن قطع جملته حين هتفت والدتها بحدة :
_ و انا مش موافقة يا ريس
ازداد بكاء رحيل ، تنظر إلى والدتها بخيبة أمل كبيرة ، لتتوسل من جديد إلى كبير عشيرتها قائلة :
_ و رحمة صاحب عمرك ما تظلمني يا ريس
صمت الريس عمران يستعيد ذكرياته مع صديق طفولته ووالدها الريس غياث الذي له فضل كبير عليه ، ضم شفتيه بضيق وكأنه وقع بين نارين ، نار ولده الذي يرغب في الزواج منها ونار اجبار ابنة صديقه على الزواج قصرًا ، ساد الصمت لفترة قبل أن يتنهد عمران ، ويمد يده يربت على رأسها ، ثم أشار بيده إلى الاربع رجال الذين اقتحموا عشيرتهم بغتة ، قائلًا بجدية :
_ اقعدوا نتكلم و نشارك كبارنا
أنتهى الأمر بعد مناقشات دامت ساعة ونصف تقريبًا ، قرر فيها الريس عمران وكبار العشيرة تغريم داوود الذي تعدي على أعرافهم خمسون ألف جنيهًا ، وطلب منه مهر للعروس مائتي ألف جنيهًا تُقدم لوالدتها ، ولعدم توافر الأموال معه الآن استضافهم الريس حتى الصباح ووقتها يمكن لأحد منهم أن يسحب الأموال من أحد البنوك داخل المحافظة.
وقف أمامها حين خرج من تلك الخيمة ، ينظر إلى أثار صفعات سعدون ووالدتها كما قالت ، ليدس يديه بجيب بنطاله قائلًا بهدوء ليطمئنها :
_ متخافيش محدش فيهم هيقدر يعمل حاجة بعد كدا
شرد بوجهها ، فارتسمت ابتسامة هادئة على ثغره ، هامسًا :
_ انا معاكي و مش هسيبك
↚
وضع يده على كتفها بتلقائية عندما تجلى وجه شقيقته البشوش بملامح رحيل ، يتحدث بجدية يبث في نفسها بعض القوة حتى يتلاشى ذلك الخوف الساكن داخل عينيها :
_ متخافيش من حاجة و انا معاكي يا دهب
صدمة جمدت جسدها بتشنج ، وألم ساحق احتل قلبها حين نطق بأسم امرأة أخرى ، وخنقتها نوبة البكاء ، تحطمت الهالة البلورية التي أنشأتها حول قصتهما التي كانت لديها أمل ولو ضئيل في بدايتها ، والآن كتب هو النهاية بذكره أسم أخرى ، تبدو أنها تحتل عقله بشكل كبير حتى لا يميز بينها وبين أحد آخر ، تساقطت عبراتها واحدة تلو الأخرى تخط بحرارتها الحسرة داخلها ، وكأنها أصبحت من زجاج يمكن لدفعة واحدة أن يجعلها في عداد الأموات.
الفصل الثامن من هنا