📁 آحدث المقالات

رواية حورية في الجحيم الفصل الرابع 4 | بقلم إيمان الشربيني

رواية حورية في الجحيم الفصل الرابع 4 | بقلم إيمان الشربيني

رواية حورية في الجحيم الفصل الرابع | بقلم إيمان الشربيني 

 إيمان الشربيني:
خالد
لا أعلم سبب توترها من كلام تلك العرّافة.
فقد مرّ علي الكثير من هذا، ربما لأنها حساسة، أو لأن الأمر يتعلق بي.
أكملنا سهرتنا أنا وعدي في أحد الملاهي الليلية، شربنا أفخر أنواع النبيذ احتفالًا بهذا الحدث.
وقتها، رأيت اتصالها فأجبت على الفور:

_حبيبتي، ألستِ مستيقظة حتى الآن؟
_نعم… ولكن ما هذا الضجيج حولك؟ أين أنت؟
_في أحد الملاهي مع عدي.
_لماذا تتلعثم هكذا في الحديث؟
_فقط لأنني شربت كثيرًا الليلة.
_ماذا؟! شربت ماذا؟!
شعرت بالقلق من نبرة حديثها.
_شربت النبيذ، لكنني لم أصل إلى حدّ الثمالة، لا تقلقي.
_وبالتأكيد المكان ممتلئ بالفتيات السكارى من حولك؟
ضحكت:
_بالتأكيد، لكنني لا أرغب إلا في سواكِ.
_إن كنت صادقًا حقًا، فاخرج من هذا المكان الآن.
_فريدة، ألا تثقين بي؟
_لا أثق بمن حولك.

قالتها بحدة، وكان صوتها مختنقًا، مما جعلني أنفذ رغبتها،
فأنا لم أسمعها تتحدث هكذا من قبل.
_اهدئي فريدة، ما بكِ؟ سوف أخرج.

تركت عدي، لعلمي أنه سيرفض، وذهبت إلى القصر واتصلت بها:

_فريدة، ماذا حدث؟ لماذا تحدثتِ بتلك الطريقة؟
جاءني صوتها المختنق:
_لماذا لم تخبرني أنك تشرب الخمر؟
_لم تأتِ مناسبة.
_أم لأنك أردت خداعي؟
_فريدة، ما بالكِ تتحدثين هكذا؟ أنا لم أُخفِ عنكِ شيئًا عن عمد، وعندما طلبتِ مني الخروج رضخت لرغبتكِ. إذًا، فما المشكلة؟
_حقًا لا تعلم ما المشكلة؟!

بدأت أشعر بالضيق من أسلوب الحوار فقلت بنفاد صبر:
_لا يا فريدة، لا أعلم ما المشكلة.
_ألا تعرف أن شرب الخمر من الكبائر؟
_أنا أشرب القليل فقط.
_ما أسكر كثيره، فالقليل منه حرام.
_فريدة، شرب الخمر هنا أمر عادي… لماذا تُضيّقين عليّ هكذا؟
_لأنني لن أقبل الارتباط بشارب خمر.
_إذًا؟
_تتركها لأجلي.
_ولماذا لا تتقبلينني كما أنا؟ أنا لست نبيًا ولا راهبًا يا فريدة، أنا بشر، أُصيب وأُخطئ، ولا يوجد بشر كامل.
_هناك فرق بين أن تخطئ وأنت لا تعلم، وأن تعلم وتُصرّ على الخطأ.
_فريدة، لست أنا من يفعل ما تمليه عليه امرأة، حتى لو كانت حبيبته. أنا لن أفعل شيئًا لست مقتنعًا به. أنا حر.
_وأنا أيضًا حرة.

لم أتوقع أن يكون نقاشنا بهذه الحدة.
لستُ بهين يا فريدة، ولا أنا بالرجل الذي تُشكّله فتاة كما تريد.


فريدة
بعدما كنتُ كالملكة المتوّجة على عرش قلبه منذ ساعات،
شعرتُ بأنني لستُ ذات قيمة عنده.
الآن، يُشعرني بأنه سيكون هينًا عليه فراقي من أجل كأس خمر يحتسيه.
ما يوجعني حقًا أنني وضعتُ نفسي في مقارنة رديئة بيني وبين كبيرة من الكبائر.
فيا تُرى، من أغلى عنده من الآخر؟
شعرتُ بالصداع ينهش رأسي، ولم يزر النوم أجفاني طوال الليل.
رنّ جرس التنبيه، تناولتُ بعض المسكنات وذهبتُ إلى جامعتي.
لأول مرة منذ تقابلنا، يراني ولم يبتسم لي،
وقف أمامي وكأنني امرأة لا يعرفها، امرأة كان يتفنن في التعبير عن عشقه لها بالأمس.
بدأت المحاضرة، وأقسم أنني لم تدخل رأسي كلمة مما قاله.
كنتُ مشوشة، كنتُ في عالم آخر.
خرجتُ من المحاضرة مباشرة إلى المكان الذي اعتدنا الجلوس فيه مع أصدقائنا.
أخبرتهم بأنني سأعود للمنزل، فأنا أشعر بالتعب والإرهاق الشديد.

قالت أروى:
_سأذهب معكِ.
_لا، أنتِ لم تنهي محاضراتك بعد، سوف أذهب بمفردي.

قال سعود:
_لقد انتهيت من محاضراتي، بإمكاني إيصالكِ للمنزل في طريقي.
_لا، سعود، شكرًا.
_لن أترككِ تذهبين بمفردكِ وأنتِ بتلك الحالة. إما أنا، أو سأتصل بالدكتور خالد ليرافقكِ.

أوجعني قلبي عندما ذكر اسمه،
حاربتُ دموعي كي لا تقهرني أمامهم.

_حسنًا سعود، لنذهب.

رأيته ينظر إليّ من بعيد، معقود الحاجبين،
وأنا أسير مع سعود حتى ركبنا السيارة وانطلقنا.
فليحترق قليلاً ،
أنا التي لم أستقل سيارته بمفردي من قبل، أستقلها الآن مع سعود.
أظن أنه سيفهم الآن أنني فعلت ذلك متعمدةً، كردّ فعل لما حدث أمس وتجاهله لي اليوم.

تجاهلتُ مكالماته طوال اليوم،
لم أكن في مزاج يسمح بالجدال في أي شيء.
شعرتُ بالإعياء، كل ما في جسدي كان يؤلمني.
لم أهاتف أمي، لأنها حتمًا ستعلم من صوتي ما بي.
وضعتُ هاتفي في وضع “عدم الإزعاج” واستسلمتُ للنوم حتى اليوم التالي،
إلى أن أيقظني صوت طرقات الباب.
دخلت أروى وقالت:
_فريدة، خالد بالخارج.

ظننتها تمزح، اتكأت على وسادتي بتكاسل:
_يا إلهي، سأقفز من الفرح!

_فريدة، أنا لا أمزح. خالد جالس بالخارج، ويبدو عليه علامات الضيق. ماذا فعلتِ ليبدو هكذا؟

نهضتُ من فراشي مسرعة:
_كيف تسمحين له بالدخول؟ منذ متى نستقبل رجالًا في المنزل؟
_استحييت أن أخبره بذلك.

أمسكتُ هاتفي فوجدته قد اتصل عشرات المرات.
أخذتُ نفسًا عميقًا استعدادًا لمناقشة، على ما أعتقد، ستكون أكثر حدة.
ارتديت حجابي وخرجت، فوضع فنجان قهوته الذي كان يحتسيه عندما رآني.

_مرحبًا خالد.
_لماذا لم تجيبي على اتصالاتي؟
_كنت نائمة.
_فلتأتي بعذرٍ مقنع.
_لست بحاجة لاختلاق الأعذار… لماذا أنت هنا الآن؟
_ما هذه المقابلة الجافة يا فريدة؟
_أعتذر، نحن لا نستضيف رجالًا هنا.

_أعتذر… سأنتظرك في المقهى، لا تتأخري رجاءً.

بعد خروجه، صاحت بي سيلا:
_لماذا أحرجته هكذا؟
_لأننا متفقون من البداية ألا يدخل منزلنا رجل، أياً كان من هو.
_أنتِ غليظة، كان من الممكن أن تقولي ما تريدين بطريقة ألطف.

قالت أروى:
_سيلا، لا فائدة الآن من الحديث. لنَدَعها تذهب إليه حتى لا تتأخر.

ما كنتُ لأتأخر عليه، كنتُ أشتاق إليه،
سعدت في داخلي لاهتمامه بي، لوجوده في بيتي.
لكن كان لابد أن أفعل ذلك حتى لا تستبيح الفتيات دخول أي رجل.

جلستُ أمامه في المقهى، ففوجئت بالنادلة تضع أمامي الخبز الفرنسي مع المربى وكوب قهوة.
نظرت إليه بتساؤل، فأومأ برأسه وقال:
_تناولي فطورك، ثم نتحدث.
_لا أريد، ليس لدي شهية.
_سوف تأكلين، وإن لم تأكلي سأطعمكِ بيدي.
يكفي أنكِ لم تتناولي شيئًا بالأمس.

ضيقت عيني وتساءلت في نفسي عن سبب كل هذه الرقة، ثم قلت:
_من قال لك؟
_العصفورة.

ضحكت:
_عصفورة فتّانة!
قال بصوت رخيم:
_اشتقت لابتسامتك.
تلاشت ابتسامتي عندما تذكّرت حديثه الجاف وتجاهله لي أمس.

قال كأنما قرأ أفكاري:
_آسف.
_على ماذا؟
_على كل شيء.
كنت سأُجنّ عندما أخبرني سعود بأنه أوصلكِ للمنزل لأنكِ متعبة،
وما زاد قلقي أنكِ لم تُجيبي على اتصالاتي.
لماذا لم تُخبِريني؟
_أيعقل أن يتجاهلني شخص، وأذهب إليه لأستعطفه بمرضي؟
_كنتُ غاضبًا منكِ.
_من يغضب من الآخر؟
_أحبكِ.
_ولكن نحن…
_قلتُ أحبكِ يا فريدة، وسأفعل أي شيء لأجلك.
_تعدني؟
_سأحاول قدر المستطاع.

_خالد، أنا لستُ بداعية ولا فقيهة في الدين،
لكنني أعرف ما يكفي لأفرّق بين كبائر الذنوب وصغائرها.
الرسول صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة…

_سوف تبدأين مجددًا يا فريدة؟!
_لا، ولكن أريد أن ألفت نظرك لشيء أخير.
_ما هو؟
_من السهل جدًا أن تقوم بخيانتي في سهرة من سهرات السكر، وأنا لن أحتمل ذلك.
_مستحيل أن يحدث.
أنا أريدك أنتِ، أحبكِ، أحترمكِ، وأشتهيكِ.
أموت شوقًا إليكِ، أتوق لضمكِ وإخفائكِ بين ضلوعي.

_خااااالد!
_وأنتِ، ألا ترغبين؟
_خالد، أمامك سُلّم يجب أن تصعده درجة درجة كي تصل إلى ما تريد، لا أن تقفز مرة واحدة.
_أنتِ عميقة جدًا، حبيبتي.
_بل واقعية، حبيبي.

ويمنعني الحياء، برغم أني أكاد أموت شوقًا إليه.
ونفسي تُخفي لهفتي المجنونة به.
أخذت هاتفه كي أتحدث الي امي، فقد اصبحنا قبل الظهيرة بقليل وبالتأكيد ستكون قلقة،
حين أجابت بصوتها الحنون، شعرت براحة تغمرني، لكن توتري لم يلبث أن عاد، فقد سألتني فورًا:
– لمن هذا الهاتف؟
ارتبكت. لم أكن مستعدة للإجابة. نظرت إلى خالد، ثم همست:
– إنه لخالد، أراد أن يطمئن عليّ.

لم يعجبها جوابي، وبدت نبرتها عاتبة. حاولت التملص بكلمات مبعثرة، لكنه كان قد لمح اضطرابي، فمدّ يده بهدوء وقال بثقة:
– دعيني أتحدث إليها، لو سمحتِ.
– لا، لا داعي…
– أرجوكِ، سأكون مهذبًا. فقط دعيني أطمئنها.

أمام إصراره، ناولته الهاتف بيد مرتجفة، وأنا أرقب وجهه مليًا، أدرس قسماته كما لو كانت المرة الأولى.
ابتسم لي مطمئنًا، ثم نهض من مقعده وخرج إلى الخارج ليتحدث معها.
جلست أتابعه من خلف الزجاج، وقلبي يدق بعنف…
لا أعلم لماذا كنت قلقة هكذا. أهو خوف من ردة فعل أمي؟ أم من ردة فعله هو؟



📢 تابع باقي القصص عبر قناة حكايتنا على واتساب
انضم الآن ليصلك كل جديد أولًا بأول 👇

🔔 اضغط هنا للاشتراك في القناة

🔥 اكتشف المزيد من القصص
تحميل تطبيق حكايتنا
حكايتنا حكاية
حكايتنا حكاية
تعليقات
0
SHARES
📲 تحميل تطبيق حكايتنا حكاية