رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والرابع عشر 115 كامل بقلم سهام صادق
تم تحديث الفصل بتاريخ 22 فبراير 2026
رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والرابع عشر
تهزمك الحياة بالخيبات حتى تُعلمك دروساً لن تتعلمها إلا إذا سقطت على ركبتيك باكيًا ، ورافعًا رأسك إلى السماء صائحًا ومتسائلًا : عن ما الذي فعلته حتى تضيق عليك دنياك ، ويقسو عليك الناس ويكيدون لك ، وأنت تفتح لهم ذراعيك بالمحبة؟
وضعت "ليلى" عينيها في طبق طعامها الممتلىء ولم يكن أمامها إلا أن تتناوله حتى لو ابتعلت المرارة مع كل لقمة تمضغها.
أحاطتها نظرات "زينب" والجد الذي تفهم سبب صمتها ومحاولتها تصنّع الأبتسامة.
ـ "ليلى" ، تعالي نعمل سباق ونشوف مين هيخلص طبقه الأول.
قالها "يزيد" الذي دائمًا ما يكسر لحظات الصمت الرتيبة ويجعلهم يبتسمون.
ـ وأنا هدخل معاكم السباق مع أني راجل عجوز وعارف إني هكون خسران.
ثم صاحت "زينب" بمرح بعد حديث جدها حتى تجعل "ليلى" تندمج معهم:
ـ وأنا هنضم ليكم وعارفه إني هفوز بأكتساح!
ضحك "يزيد" ثم أسرع بوضع يده على فمه، فرمقته "زينب" بوجه عابس قائلة:
ـ قولهم يا أستاذ "يزيد" أني بقيت أكل أكلكم في البيت.
أستمر "يزيد" بالضحك ، فأبتسم الجد عليهم.
ـ بألف هنا يا حببتي ، أنتِ بتاكلي لفردين دلوقتي.
توجهت أنظار "ليلى" هذه اللحظة نحو "زينب" ، فتوقف "يزيد" عن الضحك وجال بعينيه بينهم.
ـ مين بياكل معاكي يا زوزو ؟ أكيد بتنسي تقولي بسم الله الرحمن الرحيم والشيطان كده بياكل هو كمان.
وأردف وهو يزم شفتيه بعبوس:
ـ غلط كده يا زوزو عشان كده مبتشبعيش.
ابلتعت "زينب" ريقها بتوتر وأسرعت بالرد قبل أن يتساءل عن هذا الفرد الذي يأكل معها.
ـ أيوة يا حبيبي أنا غلطانة ووحشة...
أخفض الجد رأسه وبدء في أرتشاف الحساء ، فهو غير مقتنع بأن تستمر حفيدته في إخفاء أمر حملها عن هذا الصغير وعن بقية أفراد العائلة ، ومن بينهم "شاكر" الذي يعلم توقه الشديد لحفيد آخر من "صالح".
عادت "ليلى" تخفض رأسها نحو طبقها بحرج ، وقد خشيت أن تكون ضيفة ثقيلة عليهم.
ـ هنبدء السباق ولا خايفين إن "زوزو" تلتهم الأكل كله.
أرتفع صياح "يزيد" بحماس وتناسى الأمر سريعًا.
ـ لأ أنا هكسبك يا "زوزو" ، صح يا جدو.
دارت عينا الجد بينهم واِفتر ثغره بأبتسامة صغيرة.
ـ لأ إحنا هناكل النهاردة الأكل وأحنا مؤدبين ومن غير شقاوة ولا أنتِ إيه رأيك يا "ليلى"؟
توقفت "ليلى" عن تقليب الملعقة بقطع الخضار ونظرت نحو الجد الذي نهض من مقعده قائلًا بمزاحٍ لطيف:
ـ لأ أنا هاجي أقعد جنبك يا "لولو" عشان نفتح نفس بعض ونسيبنا من الكائنات المفترسة الموجودة معانا...
أنطلقت شهقة من فم "يزيد" ورفرف بأهدابه متسائلًا بنبرة صوت جعلت "ليلى" تبتسم مرغمة:
ـ هو جدو "نائل" يقصد مين بالكائنات المفترسة يا "زوزو"؟
بأبتسامة واسعة ردت "زينب" وهي تنظر نحو جدها الذي سحب المقعد المجاور لـ مقعد "ليلى" وحرك إليهما حاجبيه.
ـ يقصدنا أحنا يا حبيبي...
....
أغلق "هشام" جفنيه واستند برأسه مسترخيًا إلى ظهر الأريكة الجالس عليها.
خرجت من صدره تنهيدة ثقيلة، فهل ينقصه أمر ابنة شقيقه تلك المتهورة ؟
هو فكر فيها بالبداية حتى ينهي ألحاح زوجته بشأن ترابطهم مع "عدنان الهتيمي" بنسب آخر والتقدم إلى خِطبة ابنته لكن بعد ذلك نال إقتراحه أستحسان والده.
ـ كنت ناقص جنونك يا "سما"!
وقفت "زينة" على مقربٍة ، تنظر إليه بنظرة قلق وخوف من الأقتراب منه.
أطرقت رأسها وبدأت في فرك يديها ببعضهما مُترددة ثم أخذت زفيرًا طويلًا.
تحركت عيناه صوبها ، فرفعت رأسها في تلك اللحظة وتقابلت نظراتهما.
ارتجف جسدها عندما طالت نظرته إليها ، فعادت تفرك يديها بحيرة.
ـ قربي يا "زينة".
هتف بها وهو يمد لها يده حتى تقترب، لم تتردد بعد أن دعاها وأسرعت نحوه بلهفة مُلقية بجسدها بين ذراعيه.
ابتسم على فعلتها، فهذه الصغيرة تشعره أن حضنه أثمن شىء لديها ولوهلة أتت صورة "أشرقت" أمامه.
ـ أنت متعرفش حضنك بالنسبالي إيه يا "هشام".
تجمدت قسمات وجهه التي كانت للتو مسترخية ، لترفع عينيها إليه وتداعب خده بأناملها الناعمة وتساءلت:
ـ سرحت في إيه يا حبيبي؟
ضاقت حدقتاه بنظرة خاوية ثم أشاح بوجهه عنها قائلاً:
ـ قومي البسي هدومك عشان تمشي وأعملي حسابك مش هنتقابل الفترة الجاية.
أصابها الفزع وأجتذبته من ذراعه تسأله:
ـ أنا عملت حاجة ضيقتك؟
أطلق زفرة طويلة وكاد أن ينهض من جانبها لكنها أسرعت بالتقاط ذراعه مجددًا تتوسله:
ـ أنت قولت أننا هنفضل شوية مع بعض وقولتلي أني وحشاك.
اِستدار "هشام" إليها وظنته أنه تراجع عن قراره.
ـ "زينة" قولت قومي البسي.
هزت رأسها رافضة وهمست برجاء :
ـ خلينا شوية يا "هشام" وأنا هخليك مبسوط.
كاد أن يصرخ عليها ويخبرها أن تغادر ، فيكفيه هذا الشعور الذي يخنقه الآن بعد تخيل صورة ابنته فيها.
ـ "هشام"...
همسات اسمه ثم وقفت أمامه بغنج وهي تزيل عن جسدها مئزرها.
ـ خلينا مع بعض شوية يا حبيبي.
وهذا الدور كانت تجيده تمامًا من أجله هو حتى تستطيع أستدراجه إليها.
ـ "زينة" ، أنا قولت...
أجفلته بدفعه إلى الأريكة دون أن تترك له فرصة ليستكمل بقية حديثه.
خفق قلبه بدقات غير منتظمة عندما وجدها بين ذراعيه وتهمس له بأغواء.
ـ بحبك بجنون.
والجنون هو ما يعيشه معها ، هي صارت كالإدمان له بجرأتها التي لم يبصرها يومًا.
رمشت "إلهام" بأجفانها أخيرًا بعد أن بدأت تستوعب ما وجدته مندسًا بين ثياب "زينة".
ـ "عدنان" ممكن يقتلها ، ولا معملتش هو...مراد يعملها.
ولطمت على خديها صائحة:
ـ آه منك يا "زينة" ضيعتي نفسك ، هقف قصاد "مراد" و "عدنان" إزاي لو عرفوا بالمصيبة ديه ، ده "عدنان" ناوي يجوزك خلاص.
استمرت "إلهام" باللطم على خديها ، فلو تأكدت من وجود عشيق لابنة شقيقتها ستحل الكارثة عليهن معًا.
ـ ديه آخرة تربيتي ليكي يا "زينة" ، ده اتجوزت "عدنان" في السر عشان أعرف أخليكي معايا وميتحكمش فيكي ، آه يا "زينة" آه..
انحبست الأنفاس في صدرها ، فحاولت التقاط أنفاسها ببطء حتى تستطيع التنفس.
أسرعت "رغد" وراءه لتتمكن من التحدث إليه ، فهي تحاول بشتى الطرق التقاط الفرصة التي تجعلها قريبة منه ، وتثبت له أن وجودها معه بالشركة من أجله وحده.
نادته عندما صارت قريبة منه ، فاستدار إليها وهو يضع هاتفه على أذنه.
ـ حببتي ، طمنيني عليكي أوعي تكوني أتشقيتي.
اختفت ابتسامة "رغد" عندما استمعت إلى حديثه وتمنت داخلها أن تكون مكان "زينب".
ضحكت "زينب" ونظرت نحو "ليلى" التي دلفت وراءها المطبخ وسألتها أين أغراض القهوة:
ـ أهي عندك يا "ليلى" بس متتعبيش نفسك أنا هعملها.
قطب "صالح" جبينه وتساءل وهو ينظر إلى "رغد".
ـ "ليلى" مين؟
التمعت عينا "زينب" والتقطت يد "ليلى".
ـ "ليلى" جارة جدو ، أخيرًا رجعت تعيش في الشقة تاني.
تساءل "صالح" سريعًا:
ـ أوعي تقوليلي إنها انفصلت عن "عزيز الزهار".
تقابلت عيناها بعيني "ليلى" في اللحظة التي ألقى فيها تساؤله العجيب.
ـ لأ هما بخير وهوصل ليهم سلامك.
حدقت "رغد" به وكادت أن تلفت أنتباهه لوصول المصعد لكنه التف في لحظتها جهته.
ـ إيه رأيك نعزمهم عندنا يا حببتي؟
تهللت أسارير "زينب" وفي المقابل كانت عينا "رغد" تبرقان بالحقد.
ـ أكيد يا حبيبي ، المهم خليني أقولك حاجه هتزعلك لكن تستاهلها...
قطع "صالح" حديثها مُستنكرًا:
ـ عارف هتقولي إيه ومش موافق.
أخفضت "رغد" رأسها حتى لا تفضحها عيناها ، وفجأة ارتجف كامل جسدها عندما ضغط على أزرار المصعد بغضب:
ـ بتحطيني قدام الأمر الواقع يا "زينب"؟
طأطأت "زينب" رأسها بتفكير بعد أن شعرت أن ربما عنادها معه اليوم يجعلها خاسرة.
ـ أنا هاجي آخدك ونشهد سيادة اللواء على اللي بتعملي معايا.
أسدلت "ليلى" أجفانها وتركت أذنيها تستمتع بحديث يحمل في طياته الحب.
ـ "صالح" يا حبيبي عشان خاطر "زوزو" خليني النهاردة عند جدو.
أتاها رده في كلمة واحدة.
ـ لأ...
امتقع وجهها وصاحت بنبرة صوت أجتذبت مسامع "ليلى" الشاردة في حياتها مع "عزيز":
ـ لأ ؟ ماشي يا "صالح" هروح أقول لجدو عملت إيه فيا في ليلة جوازنا ومش جدو بس ، هحكي لـ بنتك لما تيجي وهحكي لكل الناس وهشاور عليك وأقولهم الراجل ده وحش وظالم...
توقف المصعد وأسرعت "رغد" بالخروج منه قبل أن تفقد سيطرتها علي نفسها.
اختفت الدماء من وجه "زينة" وهي ترى العديد من مكالمات خالتها وأيضًا صديقتها "نيفين".
نظر إليها "هشام" وهو يُمرر المنشفة على عنقه:
ـ وشك بقى مخطوف كده ليه ؟
ارتعشت يداها اللتان تمسكان الهاتف وردت بنبرة صوت متعلثمة:
ـ خالتو و "نيفين" متصلين بيا كتير!
ظهر القلق على وجه "هشام" لكنه أخفاه سريعًا وقال باقتضاب:
ـ كلمي "نيفين" الأول أفهمي منها.
داعبت الأبتسامة شفتي "قصي" عندما أستمع إلى صوت "سما" الذي كان يراه من قبل نشازًا ، لكن منذ أن أصبحت عيناه تراها بصورة أخرى صار كل شعور معها مختلفًا.
ـ أحلى ألو بسمعها.
امتقع وجه "سما" وزفرت أنفاسها بضيق متسائلة:
ـ هو أنت بقيت أمتى نحنوح يا سيادة الرائد؟
تجهم وجه "قصي" ، فهي تضيع عليه جمال اللحظة والشعور.
ـ والله أنا بحاول أظهر الجانب الرومانسي فيا عشان أكد ليكي أنك من أختياري يا "سما" هانم وأني مش مجبر عليكي.
تنهدت "سما" تنهيدة فاترة ؛ هي لا تكره قصي لكنها
ما زالت غير متزنة بعد علاقتها مع "مازن" الذي ركضت وراءها كالحمقاء وهو أستغل هذا وأثبت لها أنها كيف كانت بالنسبة غرضًا لا غير.
ـ "قصي" أنا مش عايزه أتجوز دلوقتي.
استرخى في مقعد سيارته زافرًا أنفاسه بحيرة.
ـ ليه يا "سما" ؟ ده أحنا يعتبر عزمنا الناس كلها خلاص، والقاعة أتحجزت وأنتِ بكره هتنزلي تشتري الفستان.
أغلقت عينيها بتعب.
ـ أفهمني يا "قصي" إحنا محتاجين وقت نحدد فيه مشاعرنا.
لم يجد ما يخبرها به ، فهو لا ينكر أن الأمر إذا فكر به بالعقب سيجد التسرع فيه غير منطقي.
ـ يعني أنتِ شايفة أنك لسا محتاجة وقت يا "سما"؟
أبعدت الهاتف عن أذنها غير مصدقة ما سمعته منه.
ـ أنت موافق على إقتراحي.
مرر يده على جبينه ثم تنهد قائلًا:
ـ ده حقك يا "سما" وأنا لو كنت مستعجل فلأني عارف نفسي لما أخدت قرار الأرتباط بيكي أخدته وأنا متأكد.
خفق قلبها بصورة غريبة عليها وتوردت وجنتاها ، وبصوت متحشرج هتفت:
ـ وأنا أوعدك أني هفكر في أرتباطنا...
وأردفت سريعًا قبل أن تنهي المكالمة:
ـ شكرًا يا "قصي".
فتح عينيه بعد أن تعالت الطرقات على باب الغرفة.
ـ "سيف" بيه ، يا بشمهندس اصحى ، أنا جيبلك أكل هيفتح نفسك.
عاد "سيف" لإغلاق عينيه ، فصدح صوت الواقف مرة أخرى لكن بقلق.
ـ يا بشمهندس متقلقنيش عليك الله يخليك ، كده ممكن أكلم "عزيز" بيه...
نهض بفتور من الفراش ثم سار نحو باب الغرفة. زفر الواقف أنفاسه براحة.
ـ قلقتني عليك يا هندسة...
وأسرع بأجتذابه من يده وقال:
ـ تعالا يا بشمهندس ريحة الأكل تفتح النفس وأنت على لحم بطنك من الصبح.
ارتجفت أوصال "زينة" عند دلوفها لكن سماعها لصوت التلفاز مرتفعًا جعلها تشعر بالاطمئنان قليلًا ، وازداد اطمئنانها عندما وجدت خالتها تجلس على أريكتها المفضلة وتُشاهد التلفاز.
ـ مساء الخير يا خالتو.
ردت "إلهام" بثبات دون أن توجه أنظارها إليها:
ـ مساء الخير.
أندهشت من هدوء خالتها وأصابتها الحيرة وبسرعة قالت :
ـ أنا و "نيفين" مكناش واخدين بالنا من التليفونات لأننا كنا مشغولين في المذاكره ، أنتِ عارفة يا خالتو أننا مركزين أوي السنادي عشان التقدير.
هزت "إلهام" رأسها ، فشعرت بالتوتر من صمت خالتها.
حاولت ترتيب الكلمات لكن لم تسعفها وتساءلت:
ـ خالتو فيكي إيه ، هو بابا أو "مراد" رجعوا من السفر.
لم ترد خالتها عليها ، فابتلعت ريقها بوجل ثم جرت قدميها بصعوبة وتحركت جهة غرفتها.
ـ حبوب منع الحمل بتعمل إيه في دولابك وبين هدومك يا "زينة".
في ساعة متأخرة من الليل ، وقف "عزيز" عند باب الشقة منتظرًا خروج "ليلى" من شقة اللواء "نائل".
ودعتها "زينب" وهي تهمس لها ببضعة كلمات جعلتها تبتسم.
اخفض "عزيز" رأسه ثم اِستدار بجسده وفتح باب الشقة حتى تدلف هي أولًا.
ـ هي "شهد" روحت بدري؟
سارت "ليلى" أمام أنظاره وهتفت وهي تزيل عنها حجاب رأسها.
ـ مكنتش فاضية ليا...
اندهش "عزيز" من ردها وتحرك وراءها ، فأردفت ساخرة:
ـ مش لازم الناس تكون فاضية لينا علطول.
أومأ "عزيز" برأسه وهو يزيل سترته مُتسائلًا:
ـ المهم عندي تكوني قضيتي وقت حلو عند سيادة اللواء.
التفتت "ليلى" إليه بوجه مرهق لكن ثغرها منفرج عن أبتسامة.
ـ أنا بقالي مدة كبير متبسطش كده ولا ضحكت من قلبي...
شعر "عزيز" بالندم واقترب منها ثم مرر يديه على خديها.
ـ أنا كده بكره الصبح هروح أشكر اللواء "نائل".
هزت رأسها ، فأبتسم ورفع يدها نحو شفتيه يقبلها.
ـ "عزيز" هو أنا لو قولتلك على حاجة لأ ، هتعمل إيه؟
ابتعد وهو يرفع أحد حاحبيه.
ـ وليه السؤال ده يا "ليلى"؟
مررت عيناها عليه ، فقهقه عاليًا وألتقط يديها:
ـ يا حببتي وهي كلمة نعم و حاضر فيهم حاجة تزعل.
وبمداعبة ظنها خفيفة على روحها المهشمة وجسدها المنهك أردف:
ـ ده أنتِ أحلى حاجة فيكي أنك مطيعة.
ارتسمت الدهشة على وجه "سما" ونظرت نحو والدتها حتى تتأكد إذا كانت أنتبهت لما تفوهت به.
ـ ماما أنتِ واخده بالك أنا قولت إيه؟
ابتسمت "يسرا" وأكملت تصفح هاتفها.
ـ أيوة يا حببتي سمعتك ومافيش مشكله هتصل بـ "لبنى" أقولها نأجل نزولنا عشان تشتري الفستان ، أصل النهاردة من بكرة مفرقتش يا "سمسمة".
رددت "سما" بعض من كلام والدتها بهمس خافت:
ـ النهاردة من بكرة مفرقتش و بتقولي سمسمة ، سبحان الله.
تساءلت "يسرا" بعد أن رفعت عينيها عن الهاتف:
ـ بتقولي حاجة يا "سما" ، أه صحيح قوليلي هترجعي النهاردة من الشغل على الساعة كام؟
قطبت "سما" جبينها بذهول ثم أسرعت بالرد.
ـ يعني في نفس وقت رجوعي المعتاد...
هزت "يسرا" رأسها.
ـ تمام يا قلب ماما.
جحظت عينا "سما" ثم سارت لكن توقفت فجأة والتفتت إليها.
ـ ماما ، "قصي" هيجي يتعشا معانا وهنبلغكم على قرار أخدناه.
بنفس الأبتسامة الهادئة ردت "يسرا":
ـ يشرف وينور يا حببتي.
فرت "سما" هاربة من أمامها ، فهدوء والدتها يثير دهشتها.
مر وقت عملها برتابة ، فهي ما زالت لم تعتد على عملها الإداري . وعندما انتهى وقت العمل ، أسرعت بالعودة إلى المنزل حتى تجهز حالها لأستقبال "قصي" وإخبار عائلتهم بقرارهم.
كل شىء كان هادئًا عند عودتها لكن فجأة صدحت أصوات الزغاريد والغناء ، وأصبحت الشقة ممتلئة ببعض من أفراد العائلة.
ـ يلا يا عروسة المأذون على وصول!
قالتها زوجة عمها "لبنى" بعد أن فتحت باب غرفتها....
فردت بدهشة عليها:
ـ عروسة إيه ومأذون إيه؟
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
كل شيء تم التخطيط له ببراعة كما تراه الآن أمامها بوضوح؛ والدها وعمها يرحبون بالضيوف، المأذون يجهز أوراقه ووالدتها وشقيقها يقفون جواره، وجدها الحبيب الذي صدمها من موافقته على تلك المهزلة جالسًا على أحد المقاعد مسترخيًا ومبتهجًا ويتحدث مع أحد أقاربهم، و "قصي"؟
دارت بعينيها بين الحاضرين تبحث عنه ثم تساءلت في نفسها:
"أين هو ذلك المخادع الذي أخبرها أنه يوافقها على تأجيل الزواج وسيعطي علاقتهما فرصة ثم بعدها يتخذون قرارهم سويًا؟"
ـ ابتسمي يا "سما" ولا عايزة العيلة تتكلم علينا ويقولوا إننا غاصبينك على الجواز...
قالتها "لبنى" بصوت خافت وهي تدفعها برفق حتى تتحرك ثم أردفت بتأفف بعد أن ألقت بنظرة ممتعضة نحو الثوب الذي ترتديه ولم ينل استحسانها:
ـ مكنش في فستان أفضل؟ أنا مش عارفة ليه "هشام" فجأة قرر نكتب الكتاب النهاردة... ما الفرح كلها أيام وكنا كتبناه يومها وخلصنا..
وكعادة "لبنى" لابد أن تتذمر على كل شيء لا تراه يليق بأولادها:
ـ بقى ابني سيادة الرائد ليلة مهمة زي ديه تكون عادية كده...
واسترسلت بحديثها الذي لم تعطه سما أهمية:
ـ خلونا نخلص من اليوم العجيب لأن ضغطي ارتفع خلاص...
التفتت "سما" إليها وتساءلت بذهن شارد:
ـ بتقولي حاجة يا طنط؟
امتقع وجه "لبنى" وتنهدت بضيق:
ـ لأ يا حبيبتي مبقولش حاجة، اتحركي بقى الكل بدأ يبص علينا.
انتبهت "سما" على نظرات البعض إليها وقد بدأ عقلها يستوعب الأمر:
ـ هو فين "قصي"؟ أنا وهو متفقناش على كده.
ضاقت حدقتا "لبنى" وكادت أن تتساءل عن هذا الاتفاق الذي ربما يوضح لها السبب الذي دفع زوجها وابنها إلى اتخاذ هذا القرار فجأة.
ـ عروسة ابني القمر، تعالي في حضن عمك يا "سما".
أرتفع صوت "هشام" وهو يفتح لها ذراعيه، فتراجعت "لبنى" بخطواتها كما تراجع لسانها عما أراد التفوه به.
اندهشت "سما" من هتاف عمها واحتضانه لها وكأنه يريد أن يلفت انتباه الجميع:
ـ عايزة تهربي وتفضحينا يا بنت أخويا؟ حذاري تعملي أي حركة تلفت انتباه سيادة اللواء بالأخص لأنه فاكر إنك راضية ومبسوطة.
التقطت "أشرقت" أنفاسها أخيرًا بعد أن استطاعت تجاوز أمر الحادث الذي خرجت منه بسلام، لكن سيارتها الحبيبة تدمر هيكلها الأمامي بالكامل.
أغلقت أجفانها وهي تسمع اعتذارات سائق الأجرة المتكررة:
ـ أنا مكنتش غلطان يا هانم، الغلط من عندك أنتِ.
ثم زفر السائق أنفاسه بسأم لعدم ردها عليه:
ـ خلينا نخلص الموضوع بالود وكل واحد يروح لحاله...
ازداد ضجر السائق عندما وجدها تشيح بوجهها عنه:
ـ لا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أهي دية آخرة اللي يزعلك الست بتاعته، دعواتك يا فاطمة بتحرز هدف سريع.
تسللت تلك الكلمات إلى مسامع "أشرقت"، فنظرت إليه وبصوت خافت هتفت قبل أن يصدح صوت "قصي" بلهفة:
ـ حصل خير...
أخفت "زينب" ضيقها من تلك المرأة التي أصرت على أن تقوم هي بتدريسها اللغة الفرنسية، ورغم اعتذارها للسيدة "كاميليا" مالكة المعهد إلا إنها فرضت نفسها بالإجبار عليها، وما خدمها في هذا حُجتها بكونهم جيران وعلى الجار مُساعدة جاره وهي تحتاج إلى مساعدتها بشدة خاصة في عقود العمل التي ترغب في ترجمتها.
.
.
ـ أنا عارفة أني فرضت نفسي عليكي يا حبيبتي لكن أعمل إيه، من أول مرة شوفتك فيها ارتحت ليكي...
لم تبدِ "زينب" أي ردة فعل واستمرت فيما تفعله، فواصلت "مروة" المدعوة بـ "إنجي" حديثها الذي يزيد "زينب" نفورًا:
ـ أنتِ متعرفيش أنا كنت سعيدة إزاي لما عرفت أننا جيران، لأ وفي نفس العمارة كمان...
شعرت "زينب" بقشعريرة أرجفت جسدها بالكامل حينما باغتتها "مروة" بوضع يدها على ذراعها.
ارتبكت "إنجي" عندما انتبهت على اهتزاز القلم في يد "زينب" ثم إغلاقها لأجفانها:
ـ أنتِ كويسة يا حبيبتي؟
تساءلت بها بعدما سيطرت على خوفها سريعًا، فتلك المهمة تُرعبها، ولولا تلك الأسرار التي يعرفها عنها هؤلاء ممن تعمل معهم الآن لكانت فرت هاربة.
رفرفت "زينب" بأهدابها حتى تطرد شعور الخوف الذي أصابها فجأة عندما وضعت يدها عليها، ثم خرج صوتها مُتحشرجًا:
ـ خلينا نكمل وقت تاني...
ابتسمت "إنجي" وأومأت برأسها:
ـ أكيد يا حبيبتي، هيجيلك بكرة إن شاء الله.
جمعت "إنجي" أغراضها وفي عينيها نظرة خبيثة صوبتها نحو "يزيد" الجالس على مقربة منهن ومنشغلًا مع جهازه اللوحي:
ـ ابن جوزك مؤدب خالص وبيسمع الكلام...
التفت يزيد برأسه نحوهم عند سماعه لمديحها، وقد اتجهت عيناه على الفور جهة "زينب" التي نهضت من مكانها ووقفت قائلة بصوت يحمل في نبرته الحدة:
ـ يزيد ابني.
ابتلعت "إنجي" ريقها، فـردود أفعال "زينب" معها تُقلقها وتزيد من رعبها:
ـ مقصدش حاجة يا حبيبتي وحقيقي هو محظوظ بيكي.
أسرع "يزيد" بالنهوض حتى يستطيع رؤية وجه ضيفتهم بعد أن وقفت "زينب" بينهم كالحائل:
ـ هنستناكي كل يوم يا طنط...
طأطأت "زينب" برأسها حتى تخفي حنقها من "يزيد" الذي مدَّ يده ليصافح "إنجي".
انحنت "إنجي" إليه لتقبل خده قائلة بنعومة:
ـ أنا حبيتك خالص يا "يزيد" وأتمنى نكون صحاب.
ابتسم "يزيد" وهو يهز رأسه إليها:
ـ وأنا كمان حبيتك يا طنط عشان جبتي لــ " يزيد" الشوكولاتة اللي بيحبها.
ـ يزيد روح شوف الهوم ورك بتاعك.
عقد "يزيد" ساعديه أمام صدره ثم هتف بعبوس:
ـ أنا خلصت الهوم ورك بتاعي من بدري يا "زوزو" وده وقت البريك بتاعي.
صدحت ضحكة "إنجي" عاليًا، فتجمدت ملامح "زينب" لوهلة وأتتها لقطات من ذكريات بعيدة:
ـ أنت لمض خالص لكنك لذيذ يا حبيبي.
قالتها وهي تداعب خده، لكن عند رؤيتها لنظرة "زينب" إليها، عاد الخوف يدب في أوصالها وأدركت أن عليها المغادرة:
ـ أنا استمتعت أوي بوجودي معاكم، أنتوا متعرفوش الساعة ديه فرقت معايا إزاي.
واستطردت بنبرة صوت حزينة حتى تثير تأثرهم بعد أن أشاحت بوجهها:
ـ الوحدة وحشة أوي ومبنصدق نلاقي ناس نرتاح لهم.
نظر إليها "يزيد" ثم رفع عينيه نحو "زينب" الصامتة وكأنها ذهبت لعالم آخر:
ـ "زوزو" هي ليه عايشة لوحدها؟ فين ولادها؟
ردت "إنجي" بعد أن ألقت بنظرة خاطفة نحو "زينب":
ـ كان عندي بنت جميلة ماتت وهي صغيرة يا حبيبي.
سارت "إنجي" أمام أنظارهم وهي تُجفف دموعها المزيفة، وعند خروجها من باب الشقة أطلقت زفرة طويلة وتمتمت بضيق:
ـ المهمة لازم تنتهي في أسرع وقت مبقاش ينفع التأخير خلاص...
انتفضت "سما" عندما وضع جدها يده على كتفها، فضاقت حدقتاه في دهشة:
ـ مالك يا حبيبتي، فيكي إيه؟ أوعي تقولي لي أنك مش مبسوطة ولا زعلانة عشان سيادة الرائد اتأخر عليكي.
وبمزاح أردف وهو ينظر حوله:
ـ أنتِ عملتِ فيه إيه يا سمسمة؟ الواد وقع في حبك خلاص.
التوت شفتا "سما" باستهزاء ولم تنظر نحو جدها، وقد ظنت أنه مشترك معهم في خداعها، لكن الصورة اتضحت لها بعد أن استكمل الجد حديثه:
ـ أنا لقيته على الصبح جاي لي يقولي جوزهالي النهاردة يا جدي، افتكرته بيهزر وبعدها كلمناكي وأنتِ قولتي لي موافقة.
وخرجت ضحكات الجد ببهجة وأردف:
ـ أنا أول ما قفلت معاكي وأكدتِ لي على قراركم قولت العيال ديه مجنونة...
توقف الجد عن الكلام ثم وضع يديه على جانبي سترته حتى يبحث عن هاتفه:
ـ هي فين "زينب" صحيح؟ عمك "هشام" قالي أنه هيكلمها بنفسه وبيني وبينك قولت تيجي منه أفضل مني، خليه يحسسها بحنان العم واهتمامه شوية، عايز أموت وأنا مطمن عليها...
بدأت "سما" تلتقط بداية الخيط الذي جعل جدها مقتنعًا ومبتهجًا دون أن ينتبه على عدم سعادتها وصدمتها في كل شيء يحدث:
"حتى أنت يا جدو خدعوك، أنا هقوم أطرد الناس ديه كلها وأفضحهم..."
همست بهذا في نفسها قبل أن تتخذ قرار النهوض والصياح عاليًا.
التقط "هشام" خلجات وجهها وأيضًا نظرة والده إلى الهاتف، وعندها تأكد أن عليه التحرك نحوهم، ثم أشار إلى "يسرا" زوجة أخيه بأن تفعل ما اتفقوا عليه حتى يغلقوا جميع الأبواب أمام "سما"، فعلى ما يبدو أنها نفضت عن رأسها تهديداته.
.
.
ـ قومي معايا ومش عايزة أسمع ليكي صوت.
همست بها "يسرا" بصوت خافت وهي تسحبها من جوار جدها:
ـ في إيه يا ماما؟
قالتها "سما" باستياء ثم التفتت نحو جدها الذي وقف قبالته عمها "هشام":
ـ اخرسي خالص، عايزة تفضحيني قدام العيلة؟
وبضيق أردفت "يسرا":
ـ كويس إن "لبنى" تركيزها مش معانا كنتِ فضحتيني قصادها...
دفعتها "يسرا" إلى أقرب غرفة وأغلقت الباب وواصلت كلامها بتحذير:
ـ عارفة لو ممشتيش الجوازة يا "سما" يبقى انسي أني في يوم هيكون قلبي راضي عليكي، وكفاية أنك فضحتيني بعلاقتك الفاشلة مع الدكتور....
خرجت أنفاس "سما" بوتيرة سريعة وكادت أن تصرخ عاليًا حتى ترحمها من كلام لا يزيدها إلا بغضًا نحو هذا الزواج:
ـ خليتي واحدة لا تسوى زي مرات أخويا تتكلم عنك من تحت لتحت، أنا ما صدقت أرفع عيني قصادها وأقعد حاطة رجل على رجل...
ـ أنا هتجوز "قصي" يا ماما ، عارفة ليه؟
تهللت أسارير "يسرا" وهتفت قائلة بارتياح:
ـ بجد يا "سما" هتعدي الليلة ديه من غير مشاكل؟
دمعت عينا "سما" وأطرقت رأسها بمرارة:
ـ متقلقيش، هتجوز عشان أخليكي رافعة رأسك قدام هوانم العيلة...
أسرعت "يسرا" باحتضانها:
ـ خلينا نفرح يا سمسمة، وابن عمك مفيهوش غلطة وأهو كده تردي كرامتك من الدكتور...
هزت "سما" رأسها هازئة، هذا هو تفكير والدتها وزوجة عمها:
ـ عندك حق يا ماما، أهم حاجة رد الكرامة.
وفي داخلها كانت تتوعد لفرد واحد، فرد وعدها ليلًا وجعلها تطمئن ثم حنث بوعده بالصباح.
أجفلهن صدوح صوت الزغاريد بالخارج والهتاف بوصول العريس، لكن أين هي العروس؟
توقفت تلك السيارة الأنثوية التي اجتذبت أنظار المارة:
ـ الحمد لله وصلنا، لكن زي ما اتفقنا أنا مقولتش ليكي حاجة.
ابتسمت "بيسان" بتوتر ونظرت إلى من يرافقها:
ـ أنا مش عارفة أشكرك إزاي.
داعبت شفتي ذلك الشاب الذي يُدعى "إسماعيل" ابتسامة خفيفة:
ـ عيب تشكريني يا هانم، أنا لولا إني لمحت لهفتك على البشمهندس وأنتِ بتسألي عنه في ورشة السيدة مكنتش خنت عهدي معاه.
أومأت "بيسان" برأسها متفهمة حسن نيته وأسرعت بإخراج المال من حقيبة يدها لتخرج صيحة غاضبة من "إسماعيل":
ـ أنتِ كده بتهنيني يا هانم وهتخليني أندم أني دليتك على مكان البشمهندس.
ردت "بيسان" سريعًا بعد أن أعادت المال إلى حقيبتها:
ـ لأ متفهمنيش غلط، أنا كنت عايزة يعني...
قاطعها "إسماعيل" الذي تأهَّب لمغادرة السيارة:
ـ أنا أه مجرد عامل بالأجرة والدنيا جايباني شمال ويمين ودايسة عليا بالشوز لكن بفهم في الحب، وأنا عشان حسيتك بتحبي البشمهندس قولت وماله يا واد يا "إسماعيل" تعمل نفسك حمامة السلام.
انطلقت ضحكة خافتة من شفتي "بيسان"، فافتر ثغر "إسماعيل" عن ابتسامة عريضة وهتف في نفسه:
"يا بختك يا بشمهندس، الدنيا صحيح حظوظ".
ـ هو "سيف" قاعد هنا؟
تساءلت "بيسان" بصدمة بعد أن امتدَّ بصرها نحو البناية القديمة وما يحيطها من قمامة:
ـ أيوه يا هانم قاعد معايا، أنا عارف إن المكان مش قد المقام...
خجلت "بيسان" من تساؤلها ونبرة صوتها التي ظهر فيها الاشمئزاز:
ـ خليني أوصلك لحد باب الشقة وأرجع شغلي.
قالها وهو يترجل من السيارة، فلم تجد إلا اتباعه في صمت.
اتسعت ابتسامة "قصي" عندما انتهى عقد القران وصارت زوجته وانتهت خطة خداعها له بالفشل، ليهمس في أذنها:
ـ حسابك عسير معايا لما يتقفل علينا باب واحد يا "سما" هانم.
ظن أنه سيرى الارتعاب مرتسمًا على وجهها لكنه لم يجد إلا الجمود ونظرة لم يفهم معناها، وكأنها هي المخطئة في حقه، ليتذكر كلام والده له:
"الهانم مخططة أنها تسافر وكان في نيتها تقرطسك قدام العيلة كلها بلاش طيبة قلبك يا سيادة الرائد."
انتشله من شروده اجتذاب "لبنى" له إلى حضنها هامسة بمقت:
ـ مبروك يا حبيبي، كان نفسي ليك في جوازة غير ديه لكن أعمل إيه، اختيار جدك وأبوك...
وكما فعلت "لبنى" فعلت "يسرا" لكنها كانت سعيدة بهذه الزيجة.
تقابلت نظرتهما وكل منهما يحمل الوعيد للآخر، لتتجه نظرة "قصي" نحو شقيقته التي ما زال أثر صدمة الحادث على وجهها، لكن جدها ووالدها يصبون اهتمامهم عليها وقد تركوا فرحة عقد القران لبقية الموجودين:
ـ "سما"، تعالي عشان نطمن على "أشرقت".
اجتذب "قصي" يدها وسار نحو شقيقته، وفي هذه اللحظة كانت أنظار "لبنى" تتجه نحو ابنتها وكأنها أخيرًا انتبهت لها.
حدق "سيف" نحوها بغرابة عندما وجدها أمامه تنظر إليه بتلك النظرة التي لوثتها والدته في عينيه:
ـ ممكن أدخل يا "سيف"؟
ترك الباب مفتوحًا واستدار بجسده قائلًا:
ـ "سمية" هانم طبعًا دورت ورايا وقالتلك على مكاني...
ـ لأ يا "سيف"، أنا جايالك لوحدي...
انفرجت شفتا "سيف" بابتسامة ساخرة:
ـ عايزة إيه يا "بيسان"؟ أنا مش قولتلك آخر مرة ارجعي لـ "فارس" وانسيني.
أخفضت رأسها بخزي من نفسها اللعينة التي تركض وراء وهم حب كالمرض:
ـ ياريت كنت أعرف يا "سيف".
تجمدت ملامح وجهه ثم اتجه بأنظاره إليها:
ـ مع الوقت هتعرفي، ومن فضلك امشي من هنا.
حاول ألا تخرج نبرة صوته بصراخ عليها، لكن عندما وجدها تقف دون حركة مكانها صرخ عاليًا:
ـ قولت امشي من هنا، مش عايز أشوفك تاني...
ارتعشت شفتاها وتراجعت إلى الوراء بخوف:
ـ أنا مش بشوفك وحش يا "سيف"...
ازداد خوفها عندما رأته يقترب منها بتلك النظرة الخالية من الحياة بعد ما قالته:
ـ "سيف"...
همست اسمه وهي تتراجع في خطواتها حتى صارت عند عتبة الباب:
ـ أنا بقيت بكره أي حد بشوف فيه صورتها، وأنتِ و "شهد"... "سمية" هانم حولتكم لنسختين شبهها....
انغلق الباب في وجهها بعد أن ألقى بحديثه، لتحدق بالباب في صدمة وصمت.
احتلت السخرية وجه "زينب" عندما استمعت إلى عتاب جدها لعدم مهاتفتها له وإخباره أنها متعبة قليلًا ولن تستطيع الحضور:
ـ كده يا "زينب" متقوليش ليا أنك تعبانة؟ ده أنا افتكرت إن عمك "هشام" مبلّغكيش أنتِ و "صالح".
تمنت في هذه اللحظة أن تقهقه عاليًا، فهي بكذبتها هذه المرة أظهرت عمها "هشام" في صورة الرجل الجميل الذي يسعى إلى ترابط العائلة وأنه لم ينساها:
ـ مش مهم أنا يا جدو، المهم أنكم اتبسطتوا.
نظر الجد أمامه متنهدًا وكاد أن يتحدث بالمزيد، لكن "زينب" قاطعته قائلة بكذبة أخرى:
ـ جدو أنا مضطرة أقفل عشان دكتورة "حورية" موجودة معايا، وبكرة نبقى نتكلم ونتعاتب يا جميل....
أنهت "زينب" المكالمة سريعًا حتى لا تنفطر بالبكاء:
ـ "زوزو"، هي نانا "حورية" فين؟ أنا مش شايفها موجودة.
حاولت "زينب" تمالك نفسها حتى لا تبكي لكن رغمًا عنها كانت دموعها تنساب قهرًا.
انمحت ابتسامة "ليلى" عندما استمعت إلى محادثته مع "نارفين" وحماسه وهو يستمع إلى صوت الصغير "عزيز".
أنهى مكالمته متنهدًا وفي عينيه بريق انطفأ سريعًا عند التفاته ورؤيته لها:
ـ حبيبتي، أنتِ صحيتي؟
وأردف بارتباك، فهو يشعر بالقلق كلما تحدث مع "نارفين" من أجل الصغير أو أظهر اهتمامه به... فهذا الأمر سيفتح عليه بابً لا يرى في نهايته إلا الهجران:
ـ كنت بطمن على حالة "نيهان"...
واقترب منها مسترسلًا بقلق:
ـ شكلك قلقتي في نومك عشان كده صحيتي.
أشاحت "ليلى" بوجهها عنه، فأسرع باجتذابها لحضنه:
ـ لأ بقى أنتِ من امبارح وأنتِ فيكي حاجة متغيرة، قولي لي فيكي إيه...
أسبلت أجفانها وهي تتنهد، فلو أخبرته بما يجتاحها الآن من مشاعر باهتة وأفكار سيئة لن يعجبه الأمر:
ـ اتكلمي يا "ليلى"...
ردها أتاه سريعًا:
ـ لو اتكلمت هتزعل يا "عزيز"، فخليني ساكتة أحسن.
قالتها واندفعت إلى غرفة النوم ليقف مكانه مدهوشًا، ثم بدأ قلبه يخفق بدقات سريعة وشيء واحد دار في رأسه:
"ليلى تريد طفلًا، هذا الأمر ما تتحدث عنه مؤخرًا، ومكالمته مع نارفين وسماعها لصوت عزيز الصغير واقتراب موعد ولادة نيرة يحركان غريزتها وفي المقابل يزداد كرهًا لنفسه."
وخيوط لعبته الجميلة التي ظن أنه سيظل متحكمًا بها، بدأت تتسلل يومًا بعد يوم منه.
ـ آه يا "عزيز" بقيت نسخة من "سالم"، بقيت ضعيف قدام نفسك ولو سرك اتكشف هتكون ضعيف قدامها...
غمغمها بقهر وخزي وعند أقرب مقعد تهاوى عليه واضعًا رأسه بين كفي يديه.
اندهش "شاكر" من نهوض "صالح" المفاجئ قائلًا بعد أن رد على مكالمته مع "يزيد":
ـ نكمل كلامنا بكرة في الشركة.
غادر الڤيلا مهرولًا دون أن يرد على نداء والدته عليه، وقد وقفت مدهوشة من أمره.
تجهم وجه شاكر وأشار إلى "رغد":
ـ اقفلي الباب...
تعجبت "رغد" من أمره في غلق باب غرفة المكتب ونهضت لتغلقه.
ثم ابتلعت ريقها عندما وجدته هذه المرة يشير إليها بأن تقترب منه:
ـ هتسافري مع "صالح" إيطاليا، ولو عايزة تكوني مراته يبقى هنعيد حكاية "سارة" من تاني.
أغلقت "سمية" باب غرفتها بأنفاس ثقيلة انحبست في صدرها بعد أن أتت من ذلك اللقاء اللعين الذي لم يجمعها بـ "أحمد" ، بل جمعها بـ "فارس" ابنه:
ـ "فارس" كان عايز يتجوز "بيسان" عشان يقرب مني أنا؟ إزاي، إزاي؟؟؟
وبيد مرتعشة وضعتها على شفتيها من أثر صدمة قبلته التي لم تستوعبها حتى هذه اللحظة:
ـ منك لله يا "كمال"، أنت قولت لي أخوك مش ابنه...
التمعت عينا "أشرقت" بالدموع وهي ترى والدتها تحمل كوبًا من اللبن وتدلف غرفتها.
هذا المشهد أعاد لها ذكريات لم تظن أنها ستشتاق إليها وتتمنى عودتها:
ـ وشك أصفر ومخطوف بسبب الحادثة، قولت أجيبلك كوباية لبن قبل ما تنامي تشربيها.
التقطته من يدها وعلى محياها ابتسامة لم تختفِ إلا عندما تساءلت:
ـ أوعي تكوني حامل منه؟
لم تترك لها "لبنى" فرصة للرد وأردفت:
ـ أنتِ قولتي لي أنه قالك من مدة تمن طلاقك تخلفي منه طفل وتاخدي حقوقك كاملة مش كده...
اهتزت يدها التي تمسك بالكوب وبتلعثم خرج صوتها:
ـ ماما أنتِ بتقولي إيه....
جلست "لبنى" جوارها على الفراش قائلة:
ـ عايزاني أسامحك يبقى تسمعي كلامي وتنفذي...
الفصل المائة والخامس عشر من هنا
اضغط الآن لمتابعة الفصل التالي من رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والرابع عشر 115 كامل بقلم سهام صادق.
قراءة جميع فصول ظنها دمية بين أصابعه
رواية ظنها دمية بين أصابعه كاملة قراءة مباشرة بدون تعقيد.
🔗 قراءة رواية ظنها دمية بين أصابعه كاملة